تقرير: إسرائيل تستطيع هدم غزة... لكنها لن تتمكن من تدمير «حماس»

الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي لقطاع غزة كما يظهر من جنوب إسرائيل اليوم (أ.ب)
الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي لقطاع غزة كما يظهر من جنوب إسرائيل اليوم (أ.ب)
TT

تقرير: إسرائيل تستطيع هدم غزة... لكنها لن تتمكن من تدمير «حماس»

الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي لقطاع غزة كما يظهر من جنوب إسرائيل اليوم (أ.ب)
الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي لقطاع غزة كما يظهر من جنوب إسرائيل اليوم (أ.ب)

نشرت مجلة «فورين أفيرز» مقالاً لأستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج جامعة شيكاغو للأمن والتهديدات روبرت إي بابيه، تحدث فيه عن حملة القصف الإسرائيلي «الفاشلة» على غزة، وأكد أن «حملة العقاب الجماعي لن تهزم (حماس)»

وقال بابيه إنه منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) غزت إسرائيل شمال غزة بقوة قتالية من 40 ألف جندي، ودكت المنطقة الصغيرة في حملة قصف مكثف لم ير مثلها في التاريخ. وفر حوالي مليوني شخص من بيوتهم وقتل أكثر من 15 ألف شخص بمن فيهم 6 آلاف طفل و5 آلاف امرأة، وذلك حسب وزارة الصحة التي تديرها «حماس»، في حين تعتقد وزارة الخارجية الأميركية أن الحصيلة الحقيقية قد تكون أعلى.

وأضاف «قصفت إسرائيل المستشفيات وسيارات الإسعاف وحطمت حوالي نصف بنايات غزة. وقطعت بشكل حقيقي كل إمدادات المياه والطعام وتوليد الكهرباء لـ 2.2 مليون نسمة. وبأي تعريف، تعد هذه الحملة الضخمة عقابا جماعيا ضد المدنيين».

وأشار بابيه إلى أنه «مع تقدم إسرائيل في جنوب غزة، لا تزال من دون هدف واضح، ومع أن الإسرائيليين يزعمون أنهم يستهدفون (حماس) فقط»، لكن غياب التمييز يثير سؤالاً حقيقياً وفقا له، عما تريده الحكومة الإسرائيلية فعلا، وسأل «هل كانت رغبة إسرائيل لتحطيم غزة نتاجا للعجز نفسه الذي قاد إلى الفشل الذريع للجيش الإسرائيلي ومواجهة هجوم (حماس) في 7 أكتوبر؟ وهل تدمير شمال غزة والآن جنوبه هو مقدمة لإرسال كامل سكان غزة إلى مصر، كما اقترحت (ورقة مفهوم) أنتجتها وزارة الاستخبارات العسكرية؟».

وأوضح بابيه أنه «مهما كان الهدف النهائي، فالدمار الجماعي الإسرائيلي لغزة يطرح مشاكل أخلاقية عميقة. وحتى لو حكمنا عليها عبر معايير استراتيجية، فنهج إسرائيل مصيره الفشل، وبالتأكيد فشل بالفعل».

العقاب الجماعي جعل «حماس» أقوى

ولفت إلى أن العقاب الجماعي للمدنيين لم يقنع سكان غزة للتوقف عن دعم «حماس»، بل على العكس، زاد من الحنق بين الفلسطينيين. ولم تنجح الحملة في تفكيك «حماس» التي من المفترض أنها مستهدفة.

وتابع: «كشفت 50 يوما وزيادة أن إسرائيل تستطيع هدم غزة، لكنها لا تستطيع تدمير (حماس)، في الحقيقة، ربما أصبحت (حماس) أقوى الآن مما كانت عليه في السابق».

الفلسطينيون المصابون بالقصف الإسرائيلي على قطاع غزة يصلون إلى مستشفى في رفح اليوم (أ.ب)

القوة الجوية

وذكر الكاتب أن إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي تعول على سحر القوة الجوية المفرطة، وتابع: «يكشف التاريخ أن عمليات القصف الجوي لمناطق مدنية واسعة لم تحقق أي هدف. وربما كانت إسرائيل حكيمة لو تعلمت من هذه الدروس وردت على هجمات 7 أكتوبر بضربات جراحية ضد قادة (حماس) ومقاتليها، بدلا من حملة القصف العشوائي التي اختارتها. لكن لم يفت بعد الأوان لتغيير المسار وتبني استراتيجية قابلة للتطبيق لتحقيق أمن دائم. وهو نهج يقوم على دق إسفين بين (حماس) والفلسطينيين لا التقريب بينهما واتخاذ خطوات أحادية ذات معنى نحو حل الدولتين».

وشرح أنه «منذ ظهور القوة الجوية، حاولت الدول قصف أعدائها كي يستسلموا وهز معنويات المدنيين ودفعها نحو نقطة انكسار تجعلهم ينهضون ضد حكوماتهم، حسب هذه النظرية، كي يغيروا مواقفهم».

وقال: «وصلت استراتيجية العقاب بالإكراه ذروتها في الحرب العالمية الثانية وفي القصف العشوائي للمدن التي يمكن ذكرها بالاسم والأهداف، هامبورغ (40 ألف قتيل)، ودارمستاد (12 ألف قتيل)، ودرسدن (25 ألف قتيل). ويمكن ضم غزة لهذه القائمة سيئة السمعة».

ووفقاً للكاتب، استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو المقارنة مع الحرب العالمية الثانية وحملة القصف الجوي للحلفاء فيها. وفي الوقت الذي نفى فيه تورط إسرائيل اليوم في حملة عقاب جماعي، إلا أنه أشار إلى قصف الحلفاء لمقرات الغستابو في كوبنهاغن والتي قتلت أعداداً من تلاميذ المدرسة. وما فات نتنياهو ذكره أنه لم تنجح أي من محاولات الحلفاء لمعاقبة المدنيين.

دروس من التاريخ

وذهب الكاتب إلى التذكير بدروس من التاريخ، وروى أنه في ألمانيا، دمرت حملة الحلفاء الجوية ضد المدنيين التي بدأت في 1942 المدن الألمانية الواحدة تلو الأخرى ليبلغ العدد النهائي مع نهاية الحرب إلى 58 مدينة وبلدة ألمانية. لكن الحملة لم تستنزف معنويات المدنيين أو تدفعهم للثورة على أدولف هتلر رغم التوقعات الواثقة من مسؤولي الحلفاء.

وتابع: «بالتأكيد، فقد أقنعت الحملة الألمان بالقتال بشدة خشية فرض شروط تعسفية عليهم في سلام ما بعد الحرب».

وأردف: «لم يكن فشل الحملة الجوية مفاجئا، بالنظر لفشل الغارات الجوية الألمانية (بليتز) على لندن والمدن البريطانية التي قتلت 40 ألف شخص، لكن رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرتشل رفض الاستسلام، بل على العكس استخدم القتلى لتعبئة البريطانيين وتقديم مزيد من التضحيات الضرورية للنصر. وبدلا من هز المعنويات، أقنعت (بليتز) البريطانيين بتنظيم هجوم مضاد مع حلفائهم الأميركيين والسوفييت وغزو البلد الذي قصفهم. وفي الحقيقة لا يوجد مثال في التاريخ عن نجاح حملة جوية دفعت المدنيين للثورة على حكوماتهم».

كذلك، تطرق الكاتب إلى أن الولايات المتحدة حاولت هذا أكثر من مرة حيث دمرت في الحرب الكورية الطاقة الكهربائية في كوريا الشمالية وفي حرب فيتنام، حيث دمرت معظم الطاقة الكهربائية في شمال فيتنام، وكذا في حرب العراق حيث عطلت الغارات الجوية نسبة 90 في المائة من توليد الطاقة في العراق، ولم ينته أي منها بثورة شعبية.

وتعد الحرب في أوكرانيا المثال الأخير، بحسب الكاتب، حيث حاول الطيران الروسي ولأكثر من عامين إجبار أوكرانيا على الاستسلام من خلال غارات جوية متتالية قتلت أكثر من 10 آلاف مدني ودمرت 1.5 مليون منزل وشردت حوالي 8 ملايين أوكراني. وقد هز القصف الروسي معنويات الأوكرانيين لكنه لم يحطمها بل ودفعهم للقتال بشدة.

وقال: «تتكرر الدروس التاريخية هذه في غزة، فرغم شهرين من القصف الذي لا يرحم، والدعم العسكري غير المحدود من الولايات المتحدة وبقية العالم، لم تحقق إسرائيل إلا نتائج هامشية. وبأي مقياس ذي معنى، لم تؤد الحملة لهزيمة (حماس) ولو جزئيا، وقتلت الحملة الجوية 5 آلاف من مقاتلي (حماس) (وفقا للمسؤولين الإسرائيليين) من 30 ألف مقاتل، لكن هذه الخسائر لن تقلل من التهديدات على الإسرائيليين. وكما أظهرت هجمات 7 أكتوبر فكل ما تحتاجه (حماس) مئات من مقاتليها للهجوم على البلدات الإسرائيلية».

إسرائيل لم تفكك «حماس»

وأكد الكاتب أن «الأسوأ، هو اعتراف المسؤولين الإسرائيليين أن الحملة قتلت من المدنيين الفلسطينيين ضعف ما قتلت من المقاتلين»، مشيرا إلى أن «بنية (حماس) لم تفكك».

وأضاف: «أظهرت أشرطة الفيديو التي نشرتها إسرائيل تدمير مدخل لعدد من الأنفاق، لكن هذه يمكن إصلاحها، كما أن قيادة (حماس)، تركت المكان قبل دخول القوات الإسرائيلية إليه، مما يعني أنها فرت مع بنيتها التحتية الأهم...».

وتابع: «لدى (حماس) ميزة على القوات الإسرائيلية، فمن السهل عليها التخلي عن القتال والاختلاط بين السكان والعيش للقتال مرة أخرى وفي ظروف أفضل، ولهذا فعملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق محكوم عليها بالفشل».

كذلك، أكد أن العمليات الإسرائيلية لم تضعف سيطرة «حماس» على غزة، ولم تنقذ إسرائيل سوى رهينة واحدة من 240 رهينة، أما البقية فقد أفرجت عنهم «حماس»، ويظهر أنها لا تزال تسيطر على مقاتليها.

كما تابع: «رغم انقطاع التيار الكهربائي والدمار الكبير فإنه لا تزال الحركة تصدر دعاية وأشرطة عن مذابح المدنيين التي ارتكبتها إسرائيل والمعارك الشرسة بين المقاتلين والقوات الإسرائيلية».


مقالات ذات صلة

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تحليل إخباري فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين «حماس» التي وصلت إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )
خاص فلسطينيان متأثران خلال تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

خاص الاستهدافات الإسرائيلية تركز على «القوة المشتركة» في غزة

قتلت «مسيّرة» إسرائيلية، بعد منتصف ليل الجمعة - السبت، 6 من نشطاء «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، خلال انتشارهم في مخيم البريج شرق وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق  إنشاء مجلس السلام  (ا.ب)

«مجلس السلام» برئاسة ترمب: التمويل لا يواجه أي عراقيل

أعلن مجلس السلام ​الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه لا يواجه ‌أي ‌عراقيل بشأن ​التمويل، ‌وأن ⁠جميع ​الطلبات تمت ⁠تلبيتها «على الفور وبشكل كامل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيات خارج مستشفى ناصر في خان يونس الجمعة خلال تشييع قتيل سقط بضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

خاص ضغوط متزايدة على «حماس» بانتظار ردها على «نزع السلاح»

أكد مصدر من «حماس» أن الحركة ستتعامل بمرونة مع الوسطاء وجميع الأطراف للتوصل إلى حلول لا تسمح باستئناف الحرب في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نتنياهو: الحرب على إيران سحقت برنامجيها النووي والصاروخي

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)
TT

نتنياهو: الحرب على إيران سحقت برنامجيها النووي والصاروخي

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم السبت، أن الحرب على إيران منعتها من امتلاك قنبلة نووية.

وقال نتنياهو، خلال كلمة بالفيديو، إنه «إذا لم نشن عمليتي (الأسد الصاعد) و(زئير الأسد) لكانت إيران تمتلك الآن قنبلة نووية».

وتابع: «الحرب على إيران سحقت برنامجيها النووي والصاروخي. وأصبحت مع حلفائها (يقاتلون من أجل البقاء)».

وذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يريد «اتفاق سلام حقيقياً» مع لبنان.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي: «لقد أرادوا خنقنا، والآن نحن من نخنقهم. لقد هددوا بسحقنا، والآن يقاتلون من أجل بقائهم»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ورأى نتنياهو أن إسرائيل حققت «إنجازات تاريخية» في حملتها ضد إيران، مؤكداً أنه أزال ما وصفه بـ«التهديد الوجودي المباشر».

وأوضح: «الحملة لم تنته بعد، لكن يمكننا القول بوضوح: لقد حققنا إنجازات تاريخية»، وفقاً لموقع «واي نت» الإسرائيلي.

وأكد نتنياهو أن إسرائيل تحركت بعد تلقي ما وصفه بمعلومات استخباراتية دقيقة تشير إلى أن إيران تتقدم نحو امتلاك قدرات أسلحة نووية. وقال: «بصفتي رئيس الوزراء الدولة اليهودية الوحيدة، لم أستطع قبول ذلك».

ولفت النظر إلى أن الضربات الإسرائيلية والأميركية استهدفت المنشآت النووية ومخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق، وأدت إلى مقتل كبار العلماء النوويين المشاركين في جهود تطوير الأسلحة. وتابع: «كنا أول من كسر حاجز الخوف للتحرك داخل إيران نفسها».

وشدد: «لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها لإيران أي منشأة تخصيب عاملة»، وأضاف أن إيران لا تزال تمتلك صواريخ، لكن مخزونها «يتناقص تدريجياً».

18 ألف قنبلة

وألقى الجيش الإسرائيلي نحو 18 ألف قنبلة على إيران خلال أكثر من خمسة أسابيع من الحرب، وفقاً لأرقام نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية وأكدها متحدث عسكري، اليوم السبت.

وتظهر البيانات، التي نشرتها لأول مرة صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ووسائل إعلام أخرى، أن إسرائيل نفذت أكثر من ألف موجة من الغارات الجوية. ولم تتوفر على الفور تفاصيل إضافية بشأن أنواع وأوزان تلك الذخائر.

وفي المقابل، ذكرت التقارير أن إيران أطلقت نحو 650 صاروخاً باليستياً باتجاه إسرائيل، مضيفة أن أكثر من نصفها كان مزوداً برؤوس حربية ذات ذخائر انشطارية مصممة لنشر متفجرات أصغر حجماً على مساحات واسعة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ووفقاً للأرقام الإسرائيلية، قتل 20 مدنياً في إسرائيل من جراء هذه الهجمات، بالإضافة إلى أربعة فلسطينيين في الضفة الغربية. وقالت وزارة الصحة الإسرائيلية إن أكثر من 7 آلاف شخص أصيبوا بجروح.


ترمب يعلن تطهير «هرمز»... وطهران تتمسك بالسيطرة

مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)
مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)
TT

ترمب يعلن تطهير «هرمز»... وطهران تتمسك بالسيطرة

مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)
مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الجيش الأميركي بدأ «تطهير» مضيق هرمز، وأنه سيُفتح «قريباً»، في حين تمسكت طهران، عبر وسائل إعلام ومسؤولين مقربين من «الحرس الثوري»، بأن الممر المائي لا يزال تحت سيطرتها، وأن أي عبور لن يتم إلا بإذنها.

ويأتي ذلك بينما يتصدر مضيق هرمز واجهة المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران، بعدما تحول من ورقة ضغط بحرية إلى محور تفاوضي مباشر في محادثات إسلام آباد، وسط تحركات بحرية أميركية وتشدد إيراني وتحذيرات متبادلة بشأن الألغام والملاحة.

وقال ترمب، السبت، إن الولايات المتحدة بدأت «عملية فتح مضيق هرمز» و«تطهيره»، مضيفاً في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «نبدأ الآن عملية تطهير مضيق هرمز». وتابع أن جميع زوارق زرع الألغام الإيرانية البالغ عددها 28 «ترقد في قاع البحر».

وفي منشور آخر، قال إن وسائل إعلام «تنشر أخباراً كاذبة» تصور الولايات المتحدة على أنها تخسر، رغم أن واشنطن، بحسب تعبيره، «دمرت بالكامل الجيش الإيراني، بما في ذلك البحرية وسلاح الجو وكل شيء آخر»، مضيفاً أن «قيادة إيران قُتلت»، وأن مضيق هرمز «سيفتح قريباً»، فيما «تتجه السفن الفارغة بسرعة إلى الولايات المتحدة لتحميل النفط».

كما قال أيضاً إن أعداداً كبيرة من ناقلات النفط الفارغة «تتجه الآن إلى الولايات المتحدة لتحميل المزيد من أفضل وأحلى نفط وغاز في العالم»، مضيفاً أن لدى الولايات المتحدة من النفط ما يفوق ما لدى «أكبر اقتصادين نفطيين في العالم» وبجودة أعلى. وجاء ذلك فيما كانت طهران تكرر أن فرض رسوم على السفن والتحكم بحركة العبور جزء من شروطها في أي تسوية.

وكان ترمب قد قال، الجمعة، إن المضيق سيفتح «معهم أو دونهم»، مضيفاً: «سوف نفتح الخليج معهم أو دونهم... أو المضيق كما يسمونه. أعتقد أن الأمر سيتم بسرعة كبيرة، وإذا لم يحدث ذلك، فسنكون قادرين على إنهاء الأمر»، مشدداً على أن أولوية أي اتفاق جيد تبقى «ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً»، قائلاً إن هذا يشكل «99 في المائة من الاتفاق».

على حافة الماء

تزامنت تصريحات ترمب مع معلومات أميركية عن تحركات بحرية داخل المضيق. فقد أفاد موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤول أميركي بأن عدة سفن تابعة للبحرية الأميركية عبرت مضيق هرمز، السبت، في أول عبور لسفن حربية أميركية للمضيق منذ اندلاع الحرب. وقال المسؤول إن هذا التحرك لم يجرِ تنسيقه مع إيران، وإن الهدف منه كان تعزيز ثقة السفن التجارية في العبور، مضيفاً: «كانت هذه عملية ركزت على حرية الملاحة عبر المياه الدولية». وأوضح أن السفن عبرت من الشرق إلى الغرب باتجاه الخليج، ثم عادت مجدداً عبر المضيق نحو بحر العرب.

وذكر الموقع أن وسائل إعلام رسمية إيرانية اعتبرت هذا العبور انتهاكاً لوقف إطلاق النار وهددت بمهاجمة السفن، فيما قال مسؤول أميركي إن واشنطن لم تتلق أي تحذير من هذا النوع. وأضاف «أكسيوس» أن إعادة فتح المضيق كانت أحد البنود الرئيسية في اتفاق وقف إطلاق النار، وأن مرور السفن ظل محدوداً جداً خلال الأيام التي أعقبت إعلان الهدنة، مع ظهور مؤشرات أولية فقط على استئناف الحركة.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن مدمرتين مزودتين بصواريخ موجهة عبرتا مضيق هرمز، السبت، من دون تسجيل أي حوادث، في أول مرور من هذا النوع منذ بداية الحرب قبل ستة أسابيع. وقالت الصحيفة إن المهمة وُصفت بأنها عملية لضمان حرية الملاحة، وإن السفينتين لم تكونا ترافقان سفناً تجارية.

وقال الجيش الأميركي إن مدمرتين تابعتين للبحرية الأميركية عبرتا مضيق هرمز، السبت، في إطار مهمة تهدف إلى تطهير الممر المائي من الألغام التي زرعتها إيران. وأضافت القيادة المركزية الأميركية أن السفينتين «يو إس إس فرانك إي بيترسون» و«يو إس إس مايكل مورفي» عبرتا المضيق وعملتا داخل الخليج خلال العملية.

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية: «بدأنا اليوم عملية إنشاء ممر جديد، وسنشارك هذا المسار الآمن مع قطاع الملاحة قريباً لتشجيع التدفق الحر للتجارة». وأضافت القيادة المركزية أن «قوات أميركية إضافية، بما في ذلك مسيّرات تحت الماء، ستنضم إلى جهود إزالة الألغام خلال الأيام المقبلة».

في المقابل، قالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً، وإن المفاوضات التي جرت بين إيران والولايات المتحدة في باكستان انعقدت بينما تتمسك طهران بأحد شروطها العشرة، وهو إبقاء السيطرة على حركة الملاحة في المضيق بيدها ومنع أي سفينة من العبور من دون إذنها. وأضافت أنه لا تجري حالياً أي حركة عبور، وأنه لم يُسمح لمدمرة أميركية كانت تعتزم عبور المضيق بالمرور. ونقلت عن مسؤول عسكري قوله إن إيران لا تزال متمسكة بعدم السماح لأي سفينة بالعبور من دون تصريح، مضيفاً أن أي حركة محتملة ستتم حصراً بإذن من طهران.

وفي السياق نفسه، نقلت «تسنيم» عن مصدر أمني إيراني رفيع نفيه عبور قطعة بحرية أميركية المضيق، قائلاً إنها واجهت تحذيراً من القوات المسلحة الإيرانية واضطرت إلى تغيير مسارها والعودة، معتبراً أن الرواية الأميركية تندرج في إطار «صناعة إنجاز إعلامي» بعد «إخفاق ميداني» ومحاولة التأثير في أسواق الطاقة.

ظل الألغام

بقي ملف الألغام البحرية من أكثر القضايا حساسية في خلفية الصراع على المضيق. ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن مسؤولين أميركيين يقولون إن إيران لم تتمكن من فتح المضيق أمام مزيد من الملاحة؛ لأنها لا تستطيع تحديد مواقع جميع الألغام التي زرعتها، وتفتقر كذلك إلى القدرة السريعة على إزالتها. وبحسب هؤلاء، زرعت إيران الألغام باستخدام قوارب صغيرة الشهر الماضي بعد وقت قصير من بدء الحرب، ما أدى، إلى جانب تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى تباطؤ شديد في حركة الناقلات وارتفاع أسعار الطاقة.

وقال المسؤولون إن إيران أبقت ممراً مفتوحاً يسمح بمرور السفن التي تدفع رسوماً، لكنها أصدرت في الوقت نفسه تحذيرات من احتمال اصطدام السفن بالألغام، فيما نشرت وكالات شبه رسمية خرائط للمسارات الآمنة. وأضافوا أن هذه المسارات ظلت محدودة؛ لأن الألغام زُرعت بشكل غير منظم، وليس واضحاً ما إذا كانت طهران سجلت مواقع كل لغم، كما أن بعضها زُرع بما يسمح له بالانجراف أو التحرك.

وأشار التقرير إلى أن إزالة الألغام البحرية أصعب كثيراً من زرعها، وأن الجيش الأميركي نفسه لا يملك قدرة قوية ومباشرة على إزالتها سريعاً، بينما لا تملك إيران أيضاً القدرة على رفعها بسرعة، حتى تلك التي زرعتها بنفسها. واعتبر مسؤولون أميركيون أن حديث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن فتح المضيق «مع مراعاة القيود الفنية» كان إشارة إلى هذه المشكلة تحديداً.

وفي هذا السياق، قال ترمب إن الشيء الوحيد الذي استخدمته إيران لتخويف السفن من العبور هو احتمال اصطدامها بألغام بحرية. كما قالت وسائل إعلام إيرانية إن «الحرس الثوري» حدد مساراً خاصاً للسفن، وحذر من الإبحار عبر بعض المياه القريبة من جزيرة لارك لتجنب خطر الألغام في الممرات المعتادة.

خيط التهدئة

دخل مضيق هرمز أيضاً في الاتصالات السياسية الموازية للمفاوضات. فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت، إنه تحدث إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وشدد له على أهمية تهدئة الوضع خلال محادثات وقف إطلاق النار في باكستان. وكتب على منصة «إكس» أنه أكد «ضرورة أن تعيد إيران حرية الملاحة والأمن في مضيق هرمز بأسرع وقت ممكن»، مضيفاً أن فرنسا «مستعدة للمساهمة في ذلك»، كما شدد على أهمية «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار بما في ذلك في لبنان».

كما أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» بوجود «حالة جمود» في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان بشأن السيطرة على مضيق هرمز. ونقلت الصحيفة عن شخصين مطلعين على سير المفاوضات أن مسألة إعادة فتح المضيق لا تزال نقطة خلاف رئيسية تعرقل التقدم.

وقال أحد المصدرين إن إيران تصر على احتفاظها بالسيطرة على الممر المائي وحقها في فرض رسوم عبور على السفن، مشيراً إلى أن المفاوضين الإيرانيين يرفضون مقترحات تتعلق بـ«إدارة مشتركة»، رغم عقد لقاء رفيع المستوى بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.

وأضاف أن المفاوضين عقدوا «عشاء عمل»، على أن تتبعه مناقشات فنية لاحقاً، مساء السبت.

ويعكس هذا الاتصال، إلى جانب ما نقلته الصحيفة البريطانية، اتساع دائرة الضغط الدولي على طهران في ملف الملاحة، في وقت تمضي فيه واشنطن في إظهار أن إعادة فتح المضيق بند لا ينفصل عن أي تفاهم أوسع مع إيران. لكن الرسائل الإيرانية بقيت متشددة؛ إذ واصلت وسائل إعلام ومسؤولون إيرانيون ربط أي تخفيف للقيود في المضيق بتطورات أوسع تشمل لبنان والعقوبات والأصول المجمدة وآلية المرور تحت الرقابة الإيرانية.


بابا الفاتيكان: «كفى عرضاً للقوة... كفى حرباً»

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

بابا الفاتيكان: «كفى عرضاً للقوة... كفى حرباً»

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)

انتقد البابا ليو الرابع عشر بشدة دعاة الحرب و«عرض القوة» خلال صلاة من أجل السلام، السبت تناول فيها النزاعات التي تشعل العالم.

وقال البابا في كاتدرائية القديس بطرس: «كفى عبادة للذات والمال، كفى عرضاً للقوة، كفى حرباً، القوة الحقيقية تظهر في خدمة الحياة».

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

وفي خطاب ألقاه في يناير (كانون الثاني)، ندد كذلك بما سمَّاه «الدبلوماسية القائمة على القوة»، وفي خطاب بمناسبة عيد الفصح، حثَّ «أولئك الذين يملكون القدرة على إشعال الحروب» على «اختيار السلام».