البروفيسور برتراند بادي لـ«الشرق الأوسط»: حل الدولتين صعب لكنه ليس مستحيلاً

قراءة جريئة للحرب في غزة 

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
TT

البروفيسور برتراند بادي لـ«الشرق الأوسط»: حل الدولتين صعب لكنه ليس مستحيلاً

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

يعد البروفسور برتراند بادي، أستاذ العلوم السياسية في المعهد الفرنسي للعلوم السياسية في باريس أحد أبرز المتخصصين في العلاقات الدولية، وله مجموعة واسعة من المؤلفات تزيد على العشرين، تدور كلها حول تطور العلاقات الدولية والنزاعات؛ صدر أولها في عام 1976 وآخرها في 2023 تحت عنوان: «رؤية شخصية للعلاقات الدولية». وفي حديث خص به «الشرق الأوسط» تناول برتراند بادي ملف الحرب في غزة من زاوية تعاطي القوى الدولية معها خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعجز الفاضح الذي برز في قصور مجلس الأمن الدولي في التعاطي مع هذه الحرب.

سألنا بداية البروفسور بادي عن الخلاصات الرئيسية الثلاث التي يستقيها من أسابيع الحرب السبعة المنقضية، التي فرضت نفسها بقوة، وجوابه أن ما حصل يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) شكّل «صدمة استراتيجية وثقافية وسياسية»؛ لأنه قضى على النظرية القائلة إن «التفوق العسكري وما يشكله من عنصر رادع هو الضمانة لحماية إسرائيل وتوفير الأمن لها». وبنظره، فإن «الأحداث المأساوية وغير المقبولة التي حصلت في ذلك التاريخ قضت على مقولة الردع والتفوق العسكري، كما شكّلت صدمة للعالم، خصوصاً للدول التي كانت تعد أن الملف الفلسطيني - الإسرائيلي طوي نهائياً بالنظر لميزان القوى في المنطقة».

ويعد بادي أن العنصر الثاني الذي فرض نفسه يتمثل في أن «اللجوء إلى القوة العسكرية من أجل القضاء على تنظيم لا يرتقي إلى مصاف الدولة هو بمثابة استمرار للخطأ الأول. فهذا عدو لا تسهل هزيمته كما تهزم دولة وفق تعبير كلاوزفيتش ونظرية المعركة الحاسمة». من هنا، بروز وعي على مستوى الأسرة الدولية يتحدث عن «الطريق الاستراتيجية المغلقة»، ومن مؤشرات ذلك أن الرئيس (الأميركي جون) بايدن نفسه حذر الإسرائيليين من معاودة ارتكاب الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن في أفغانستان والعراق. لكن تحذيره لم يؤخذ على محمل الجد.

أما العنصر الثالث فعنوانه «عجز القوى العظمى عن التحكم بمسار الأحداث» في الشرق الأوسط ورسم صورته وفق ما تريده. ومن مؤشرات هذا التحول، أن «بايدن شخصياً تعرض للإهانة خلال زيارته للشرق الأوسط»، حيث ألغى ملك الأردن والرئيس المصري اجتماعاً معه بعد قصف مستشفى القدس، أو أن الاتحاد الأوروبي غير فاعل وعاجز عن التأثير حقيقةً في مسار الأحداث.

مجلس الأمن

عند اندلاع أي أزمة تعود إلى الواجهة مسألة عجز مجلس الأمن الدولي عن توفير الأمن والسلام في العالم. وهذا العجز جاء بارزاً وجلياً في حرب غزة أمام أعين العالم أجمع ما يطرح مجدداً الحاجة لإعادة تشكيله. وفي هذا الإطار يقول بادي: «حان الوقت للنظر بإعادة تشكيل مجلس الأمن؛ إذ برز عجزه ليس فقط في التعاطي مع الملف الفلسطيني - الإسرائيلي بل في إدارة الصراعات التي تواترت عبر العالم». فالمعروف أن المجلس بتركيبته الحالية يعكس حالة العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. والعالم تغير فعلياً كما يقول برتراند بادي الذي يرى أن المجلس «علاج غير ناجع لأمراض العالم اليوم»؛ لذا تتعين «إعادة النظر في تشكيلته وطريقة عمله ومهماته بحيث يعكس صورة العالم اليوم مع نشوء قوى جديدة». ويشدد بادي على الحاجة إلى «الاستعانة بالقوى الإقليمية والمحلية»، مندداً في الوقت عينه باللجوء إلى استخدام حق النقض (الفيتو) من الدول الدائمة العضوية.

وكانت واشنطن استخدمته خمسين مرة على الأقل في الملف الفلسطيني وهناك مائة قرار لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وعلى الرغم من وجود دعوات ومشاريع لإصلاح مجلس الأمن منذ عقود، فإنها فشلت جميعها لسبب رئيسي أن التغيير يحتاج لموافقة المجلس نفسه. فالدول الدائمة العضوية ترفض التنازل عن «حقها»، وتقطع الطريق على الدول الراغبة في الحصول على حقوق مساوية.

ويعبّر برتراند بادي عن خيبته من إضاعة فرصة سنحت في التسعينات لإحداث التغيير المطلوب عندما سادت نظرية حول «بناء عالم جديد»، ويرى أن الفشل كان مرده إحجام الرئيس الأميركي بيل كلينتون عن الدفع باتجاه التغيير من جهة وضعف نظام الرئيس الروسي (بوريس) يلتسين من جهة ثانية.

ثلاثة أسباب وراء الغياب الأوروبي

في حرب غزة، كان الغائب الأكبر هو الاتحاد الأوروبي الذي يجهد منذ سنوات للتحول من قوة اقتصادية - تجارية إلى قوة سياسية والتوصل إلى ما يسميه الرئيس الفرنسي «الاستقلالية الاستراتيجية».

يرى برتراند بادي أن أوروبا هي «القوة الوحيدة في العالم التي ترى أن قدراتها التأثيرية في العالم تتراجع»، ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية أولها الانقسامات الداخلية العميقة التي تلم بها في ما يخص السياسة الخارجية والدفاعية و«هي الأعمق في الملف الفلسطيني - الإسرائيلي». فالدول الأوروبية انقسمت إلى ثلاث مجموعات في التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الماضي، بالتركيز على الجوانب الإنسانية للحرب في غزة، وهو قرار «الحد الأدنى» الذي يمكن تصوره. يضاف أن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي لا تتبع المفوضية بل هي من صلاحيات المجلس الأوروبي الذي يضم رؤساء دول وحكومات الأعضاء الـ27 ما يصعب التوصل إلى اتفاقات قوية، ويدفع إلى مساومات تنتهي بالتفاهمات الدنيا. ويتمثل السبب الثاني في أن أوروبا «لم ترد أبداً أن تقص الحبل السري» الذي يربطها بالولايات المتحدة بسبب تعلقها بمظلة الحماية الأميركية منذ أيام الحرب الباردة، والتي ترى فيها الضمانة الأكيدة لأمنها وحمايتها، ولأنها تعفيها من تسخير ميزانيات كبيرة لشؤونها الدفاعية. والسبب الثالث «يعود لتغير العصر»، حيث انحسر النفوذ الأوروبي من منطقة الشرق الأوسط، وتناقصت أوراق الضغط التي يملكها الأوروبيون على تلك البلدان التي باتت تنظر باتجاهات أخرى غير الاتجاه الأوروبي. من هنا، «يصعب العثور على دولة شرق أوسطية تريد أن تضع نفسها تحت المظلة الأوروبية وهو ما يعد فشلا كبيراً» للقارة القديمة.

البروفسور برتراند بادي (الشرق الأوسط)

حل الدولتين واقع أو سراب؟

يرى بادي أن المفارقة تكمن في أن الحديث عن حل الدولتين لم يكن أبدا بالقوة التي نراها منذ 7 أكتوبر. وعلى الرغم من اعترافه بصعوبة التوصل إليه نظراً للتجارب السابقة وغياب الملف الفلسطيني عن اهتمامات الأسرة الدولية والتعايش مع ملف عمره 75 عاماً، فإنه يرى أن الحل المذكور «ليس وهماً»، لكن دونه عقبات أهمها «تقنية»، وتتمثل في كيفية توفير التواصل بين غزة والضفة الغربية. وهذه عقبة «يمكن التغلب عليها» كما جرى بين برلين وألمانيا الغربية زمن الحرب الباردة. والثانية تتناول مسألة انبثاق سلطة فلسطينية تكون قادرة على تسلم مقدرات الدولة المستقبلية. فالرأي السائد أن «حماس» لن تكون جزءاً منها وأن السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس ليست مؤهلة. من هنا، يرى بادي حاجة لـ«وصاية دولية لمرحلة انتقالية» بانتظار قيام بنية الدولة القادرة على الإدارة.

بيد أن العقبة الثانية والأهم سياسية وإسرائيلية بامتياز؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه، وفق بادي، هو قبول إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية إلى جانبها. وجوابه أن «لا أمل يمكن تعليقه على حكومة نتنياهو»، كما أنه لا أثر لحزب قوي ومنظم في إسرائيل يتبنى بوضوح حل الدولتين، ما يعني أن «هناك حاجة لتغيير الثقافة السياسية في إسرائيل حتى يصبح حل الدولتين مقبولاً».

وينفي بادي أن تعني هذه الصعوبات «الاستحالة» لأن هناك دولة واحدة هي الولايات المتحدة قادرة على إلزام إسرائيل بقبول الحل السياسي الذي «سيكون صعباً لكنه أقل تكلفة مما نراه من العنف الحالي».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

عراقجي: النهج الأميركي تسبب في تأخير مفاوضات باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
TT

عراقجي: النهج الأميركي تسبب في تأخير مفاوضات باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم (الاثنين) إن النهج الأميركي هو الذي «تسبب في تأخير المفاوضات» التي كان مخططاً لها في باكستان.

وأدلى عراقجي بهذه التصريحات في مقابلة مسجَّلة مسبقاً نشرتها «وكالة الأنباء الإيرانية» الرسمية (إرنا)، قال فيها إن زيارته الحالية إلى روسيا، في المحطة الأخيرة من جولة دبلوماسية شملت أيضاً باكستان وسلطنة ⁠عمان، وفَّرت فرصة للتنسيق مع موسكو لما بعد الصراع بين ‌إيران ​والولايات ‌المتحدة وإسرائيل.

وقال: «إنها فرصة جيدة لنا للتشاور مع أصدقائنا الروس حول التطورات التي حدثت فيما يتعلق بالحرب خلال هذه الفترة وما يحدث حالياً».

وقال عراقجي إن النهج الأميركي هو الذي «تسبب في تأخير المفاوضات» التي كان مخططاً لها في إسلام آباد، مضيفاً: «المفاوضات السابقة، رغم التقدم الذي تم إحرازه، لم تستطع تحقيق أهدافها»، ملقياً باللوم على ما أسماه «مطالب واشنطن المفرطة».

وأشار وزير الخارجية الإيراني إلى أن ‌أحدث ‌المشاورات في باكستان ​استعرضت ‌الشروط التي يمكن في ‌ظلها استئناف المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، مشدِّداً على أن طهران ‌ستسعى إلى ضمان حقوقها ومصالحها الوطنية ⁠بعد أسابيع ⁠من الصراع.

وقال أيضاً إن «إيران وعمان، بصفتهما دولتين مطلتين على مضيق هرمز، اتفقتا على مواصلة المشاورات على مستوى الخبراء لضمان المرور الآمن وحماية ​المصالح ​المشتركة في الممر المائي».

وأكَّد الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيلتقي عراقجي اليوم، في ظل استمرار تعثُّر محادثات السلام الإيرانية الأميركية، وفق ما أفادت وكالة «تاس» الروسية للأنباء.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

وغادر عراقجي إسلام آباد متوجهاً إلى روسيا الأحد.

وكان الوزير قد عاد الأحد إلى باكستان التي تقود جهود الوساطة بين طهران وواشنطن، بعدما توجَّه إلى مسقط ضمن جولة يعرض خلالها المستجدات المتعلقة بالمحادثات مع الولايات المتحدة.

وكتب السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي على منصة «إكس» أن عراقجي سيلتقي بوتين في سان بطرسبرغ «في إطار مواصلة الجهاد الدبلوماسي دفاعاً عن مصالح البلاد وفي ظل التهديدات الخارجية».

واعتبر جلالي في منشوره أن إيران وروسيا تشكلان «جبهة موحدة» في مواجهة «القوى المهيمنة عالمياً التي تعارض الدول الطامحة إلى عالم خالٍ من الأحادية والهيمنة الغربية».

وكانت وكالة أنباء الطلاب الإيرانية «إيسنا» قد نقلت عن جلالي قوله أن عراقجي سيتشاور مع المسؤولين الروس بشأن آخر مستجدات المفاوضات ووقف إطلاق النار والتطورات المحيطة.


ترمب: بإمكان إيران الاتصال بنا إذا أرادت التفاوض

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

ترمب: بإمكان إيران الاتصال بنا إذا أرادت التفاوض

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس الأحد، إن إيران بوسعها الاتصال إذا أرادت التفاوض على إنهاء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، مشدداً على أن طهران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً، وذلك ​بعد أن قالت طهران إن على أميركا إزالة العقبات التي تقف في سبيل التوصُّل لاتفاق بما في ذلك رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وتضاءلت في وقت سابق آمال إحياء جهود السلام بعد أن ألغى ترمب زيارة مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد، وظل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتنقل بين سلطنة عمان وباكستان اللتين تتوسطان في حل الأزمة، قبل أن يتوجَّه إلى روسيا حيث من المقرر أن يجتمع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وارتفعت أسعار النفط وصعد الدولار على نحو طفيف، في حين انخفضت العقود الآجلة للأسهم الأميركية في المعاملات الآسيوية المبكرة اليوم بعد تعثر محادثات السلام الذي أدى إلى استمرار توقف الشحن في الخليج.

وقال ترمب في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «إذا أرادوا التحدث معنا، فيمكنهم القدوم إلينا. كما تعلمون، لدينا هاتف. ولدينا خطوط جيدة وآمنة».

وأضاف: «يعرفون ما يجب أن يشمله الاتفاق. الأمر بسيط جداً، لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي. وإذا لم (يتضمن الاتفاق) ذلك، فلا يوجد أي داع لعقد الاجتماع».

وذكر ‌موقع «أكسيوس»، أمس، نقلاً عن مسؤول أميركي لم تسمه ومصدرين مطلعين أن إيران قدمت للولايات المتحدة مقترحاً جديداً عبر وسطاء ​باكستانيين ‌بشأن ⁠إعادة فتح ​مضيق ⁠هرمز وإنهاء الحرب، مع إرجاء المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة. ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض حتى الآن على طلبات للتعليق.

وتطالب إيران واشنطن منذ وقت طويل بالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم الذي تقول طهران إنها تسعى إليه لأغراض سلمية فحسب، لكنَّ دولاً غربية وإسرائيل تقول إنها تسعى لصنع أسلحة نووية.

ورغم أن وقف إطلاق النار أوقف العمليات القتالية إلى حدٍ كبير، التي بدأت بهجمات جوية أميركية إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، لم يجر التوصل إلى اتفاق لإنهاء حرب أودت بحياة الآلاف ورفعت أسعار النفط وأجَّجَت مستويات التضخم وألقت بظلال قاتمة على آفاق النمو العالمي.

ترمب يواجه ضغوطاً محليَّة لإنهاء الحرب

مع تراجع معدلات تأييده، يواجه ترمب ضغوطاً داخلية لإنهاء الحرب التي لا تحظى بشعبية. ويمتلك قادة إيران، على الرغم من الضعف العسكري الذي لحق بهم، نفوذاً في المفاوضات بفضل قدرتهم على ⁠وقف الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي اقتصادياً، والذي ينقل عادة خُمس شحنات النفط العالمية.

وأبقت طهران مضيق هرمز مغلقاً ‌إلى حد كبير بينما فرضت واشنطن حصاراً على موانئ إيران.

وقبل التوجُّه إلى روسيا، أعاد عراقجي ‌إلى إسلام آباد بعد إجراء محادثات أمس في سلطنة عمان، وهي وسيط آخر في ​الحرب.

وقالت وسائل إعلام إيرانية رسمية إن عراقجي ناقش الأمن في المضيق مع ‌سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد، ودعا إلى إطار أمني إقليمي خال من التدخلات الخارجية.

وقال عراقجي إن محادثات عمان «شملت سبل ‌ضمان المرور الآمن الذي يصب في مصلحة جميع الجيران الأعزاء والعالم».

وذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء التابعة للحرس الثوري أن محادثات عراقجي مع المسؤولين الباكستانيين تتضمن «تطبيق نظام قانوني جديد على مضيق هرمز والحصول على تعويضات وضمان عدم تجدُّد العدوان العسكري من دعاة الحرب ورفع الحصار البحري».

وقال السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي إن عراقجي سيلتقي بوتين «استمراراً للجهاد الدبلوماسي لدفع مصالح البلاد ووسط تهديدات خارجية».

وقال ترمب في تصريحات أدلى بها في ولاية فلوريدا إنه ألغى زيارة المبعوثين لأن المحادثات تنطوي على الكثير من السفر ‌والنفقات للنظر في عرض وصفه بأنه غير مناسب من الإيرانيين، وجاء تصريحه قبل إخراجه على عجل من مأدبة عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن بعد أن أطلق مسلح النار على أفراد الأمن.

وأضاف ترمب أن ⁠إيران «عرضت الكثير، لكن ليس ما يكفي».

وانتهت ⁠جولة سابقة من المحادثات في إسلام آباد، قاد فيها جي. دي. فانس نائب الرئيس الأميركي وفد بلاده في المفاوضات مع الوفد الإيراني بقيادة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، دون التوصل إلى اتفاق.

وذكر بيان أصدرته الحكومة الإيرانية أن الرئيس مسعود بزشكيان قال لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عبر الهاتف إن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديدات أو الحصار.

وقال بزشكيان إن على الولايات المتحدة أولاً إزالة العقبات، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل أن يتمكن المفاوضون من إرساء أي أسس للتوصل إلى تسوية.

هوة خلافات واسعة بين أميركا وإيران

تتجاوز الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران برنامج طهران النووي والسيطرة على المضيق.

يريد ترمب الحد من دعم إيران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في غزة، وكبح قدرتهم على استهداف حلفاء الولايات المتحدة بالصواريخ الباليستية. أما إيران، فإنها تريد رفع العقوبات ووضع حد للهجمات الإسرائيلية على «حزب الله».

وبعد إلغاء الزيارة الدبلوماسية الأحدث، قال مصدران حكوميان باكستانيان لوكالة «رويترز»، أمس، إن طائرتين من طراز «سي-17» تابعتين لسلاح الجو الأميركي كانتا تقلان أفراد أمن ومعدات ومركبات تستخدم لحماية المسؤولين الأميركيين غادرتا باكستان.

كتب ترمب على منصة «تروث سوشيال» أن هناك «صراعات داخلية وارتباكاً هائلاً» داخل القيادة الإيرانية.

وقال بزشكيان يوم الخميس: «لا يوجد غلاة محافظين أو ​معتدلون» في طهران، وإن البلاد تقف متحدة خلف زعيمها الأعلى. وكرَّر كبير المفاوضين ​الإيرانيين قاليباف وعراقجي تصريحات بالمضمون نفسه في الأيام القليلة الماضية.

وأدَّت الحرب إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط، إذ شنَّت طهران هجمات على دول خليج عربية، كما تجدَّد القتال بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان.

وفي لبنان، قالت وزارة الصحة إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 37 أمس.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.