البروفيسور برتراند بادي لـ«الشرق الأوسط»: حل الدولتين صعب لكنه ليس مستحيلاً

قراءة جريئة للحرب في غزة 

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
TT

البروفيسور برتراند بادي لـ«الشرق الأوسط»: حل الدولتين صعب لكنه ليس مستحيلاً

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)
رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية ومسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتفقدان خريطة لقطاع غزة خلال زيارة بوريل لمدينة رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

يعد البروفسور برتراند بادي، أستاذ العلوم السياسية في المعهد الفرنسي للعلوم السياسية في باريس أحد أبرز المتخصصين في العلاقات الدولية، وله مجموعة واسعة من المؤلفات تزيد على العشرين، تدور كلها حول تطور العلاقات الدولية والنزاعات؛ صدر أولها في عام 1976 وآخرها في 2023 تحت عنوان: «رؤية شخصية للعلاقات الدولية». وفي حديث خص به «الشرق الأوسط» تناول برتراند بادي ملف الحرب في غزة من زاوية تعاطي القوى الدولية معها خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعجز الفاضح الذي برز في قصور مجلس الأمن الدولي في التعاطي مع هذه الحرب.

سألنا بداية البروفسور بادي عن الخلاصات الرئيسية الثلاث التي يستقيها من أسابيع الحرب السبعة المنقضية، التي فرضت نفسها بقوة، وجوابه أن ما حصل يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) شكّل «صدمة استراتيجية وثقافية وسياسية»؛ لأنه قضى على النظرية القائلة إن «التفوق العسكري وما يشكله من عنصر رادع هو الضمانة لحماية إسرائيل وتوفير الأمن لها». وبنظره، فإن «الأحداث المأساوية وغير المقبولة التي حصلت في ذلك التاريخ قضت على مقولة الردع والتفوق العسكري، كما شكّلت صدمة للعالم، خصوصاً للدول التي كانت تعد أن الملف الفلسطيني - الإسرائيلي طوي نهائياً بالنظر لميزان القوى في المنطقة».

ويعد بادي أن العنصر الثاني الذي فرض نفسه يتمثل في أن «اللجوء إلى القوة العسكرية من أجل القضاء على تنظيم لا يرتقي إلى مصاف الدولة هو بمثابة استمرار للخطأ الأول. فهذا عدو لا تسهل هزيمته كما تهزم دولة وفق تعبير كلاوزفيتش ونظرية المعركة الحاسمة». من هنا، بروز وعي على مستوى الأسرة الدولية يتحدث عن «الطريق الاستراتيجية المغلقة»، ومن مؤشرات ذلك أن الرئيس (الأميركي جون) بايدن نفسه حذر الإسرائيليين من معاودة ارتكاب الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن في أفغانستان والعراق. لكن تحذيره لم يؤخذ على محمل الجد.

أما العنصر الثالث فعنوانه «عجز القوى العظمى عن التحكم بمسار الأحداث» في الشرق الأوسط ورسم صورته وفق ما تريده. ومن مؤشرات هذا التحول، أن «بايدن شخصياً تعرض للإهانة خلال زيارته للشرق الأوسط»، حيث ألغى ملك الأردن والرئيس المصري اجتماعاً معه بعد قصف مستشفى القدس، أو أن الاتحاد الأوروبي غير فاعل وعاجز عن التأثير حقيقةً في مسار الأحداث.

مجلس الأمن

عند اندلاع أي أزمة تعود إلى الواجهة مسألة عجز مجلس الأمن الدولي عن توفير الأمن والسلام في العالم. وهذا العجز جاء بارزاً وجلياً في حرب غزة أمام أعين العالم أجمع ما يطرح مجدداً الحاجة لإعادة تشكيله. وفي هذا الإطار يقول بادي: «حان الوقت للنظر بإعادة تشكيل مجلس الأمن؛ إذ برز عجزه ليس فقط في التعاطي مع الملف الفلسطيني - الإسرائيلي بل في إدارة الصراعات التي تواترت عبر العالم». فالمعروف أن المجلس بتركيبته الحالية يعكس حالة العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. والعالم تغير فعلياً كما يقول برتراند بادي الذي يرى أن المجلس «علاج غير ناجع لأمراض العالم اليوم»؛ لذا تتعين «إعادة النظر في تشكيلته وطريقة عمله ومهماته بحيث يعكس صورة العالم اليوم مع نشوء قوى جديدة». ويشدد بادي على الحاجة إلى «الاستعانة بالقوى الإقليمية والمحلية»، مندداً في الوقت عينه باللجوء إلى استخدام حق النقض (الفيتو) من الدول الدائمة العضوية.

وكانت واشنطن استخدمته خمسين مرة على الأقل في الملف الفلسطيني وهناك مائة قرار لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وعلى الرغم من وجود دعوات ومشاريع لإصلاح مجلس الأمن منذ عقود، فإنها فشلت جميعها لسبب رئيسي أن التغيير يحتاج لموافقة المجلس نفسه. فالدول الدائمة العضوية ترفض التنازل عن «حقها»، وتقطع الطريق على الدول الراغبة في الحصول على حقوق مساوية.

ويعبّر برتراند بادي عن خيبته من إضاعة فرصة سنحت في التسعينات لإحداث التغيير المطلوب عندما سادت نظرية حول «بناء عالم جديد»، ويرى أن الفشل كان مرده إحجام الرئيس الأميركي بيل كلينتون عن الدفع باتجاه التغيير من جهة وضعف نظام الرئيس الروسي (بوريس) يلتسين من جهة ثانية.

ثلاثة أسباب وراء الغياب الأوروبي

في حرب غزة، كان الغائب الأكبر هو الاتحاد الأوروبي الذي يجهد منذ سنوات للتحول من قوة اقتصادية - تجارية إلى قوة سياسية والتوصل إلى ما يسميه الرئيس الفرنسي «الاستقلالية الاستراتيجية».

يرى برتراند بادي أن أوروبا هي «القوة الوحيدة في العالم التي ترى أن قدراتها التأثيرية في العالم تتراجع»، ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية أولها الانقسامات الداخلية العميقة التي تلم بها في ما يخص السياسة الخارجية والدفاعية و«هي الأعمق في الملف الفلسطيني - الإسرائيلي». فالدول الأوروبية انقسمت إلى ثلاث مجموعات في التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر الماضي، بالتركيز على الجوانب الإنسانية للحرب في غزة، وهو قرار «الحد الأدنى» الذي يمكن تصوره. يضاف أن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي لا تتبع المفوضية بل هي من صلاحيات المجلس الأوروبي الذي يضم رؤساء دول وحكومات الأعضاء الـ27 ما يصعب التوصل إلى اتفاقات قوية، ويدفع إلى مساومات تنتهي بالتفاهمات الدنيا. ويتمثل السبب الثاني في أن أوروبا «لم ترد أبداً أن تقص الحبل السري» الذي يربطها بالولايات المتحدة بسبب تعلقها بمظلة الحماية الأميركية منذ أيام الحرب الباردة، والتي ترى فيها الضمانة الأكيدة لأمنها وحمايتها، ولأنها تعفيها من تسخير ميزانيات كبيرة لشؤونها الدفاعية. والسبب الثالث «يعود لتغير العصر»، حيث انحسر النفوذ الأوروبي من منطقة الشرق الأوسط، وتناقصت أوراق الضغط التي يملكها الأوروبيون على تلك البلدان التي باتت تنظر باتجاهات أخرى غير الاتجاه الأوروبي. من هنا، «يصعب العثور على دولة شرق أوسطية تريد أن تضع نفسها تحت المظلة الأوروبية وهو ما يعد فشلا كبيراً» للقارة القديمة.

البروفسور برتراند بادي (الشرق الأوسط)

حل الدولتين واقع أو سراب؟

يرى بادي أن المفارقة تكمن في أن الحديث عن حل الدولتين لم يكن أبدا بالقوة التي نراها منذ 7 أكتوبر. وعلى الرغم من اعترافه بصعوبة التوصل إليه نظراً للتجارب السابقة وغياب الملف الفلسطيني عن اهتمامات الأسرة الدولية والتعايش مع ملف عمره 75 عاماً، فإنه يرى أن الحل المذكور «ليس وهماً»، لكن دونه عقبات أهمها «تقنية»، وتتمثل في كيفية توفير التواصل بين غزة والضفة الغربية. وهذه عقبة «يمكن التغلب عليها» كما جرى بين برلين وألمانيا الغربية زمن الحرب الباردة. والثانية تتناول مسألة انبثاق سلطة فلسطينية تكون قادرة على تسلم مقدرات الدولة المستقبلية. فالرأي السائد أن «حماس» لن تكون جزءاً منها وأن السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس ليست مؤهلة. من هنا، يرى بادي حاجة لـ«وصاية دولية لمرحلة انتقالية» بانتظار قيام بنية الدولة القادرة على الإدارة.

بيد أن العقبة الثانية والأهم سياسية وإسرائيلية بامتياز؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه، وفق بادي، هو قبول إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية إلى جانبها. وجوابه أن «لا أمل يمكن تعليقه على حكومة نتنياهو»، كما أنه لا أثر لحزب قوي ومنظم في إسرائيل يتبنى بوضوح حل الدولتين، ما يعني أن «هناك حاجة لتغيير الثقافة السياسية في إسرائيل حتى يصبح حل الدولتين مقبولاً».

وينفي بادي أن تعني هذه الصعوبات «الاستحالة» لأن هناك دولة واحدة هي الولايات المتحدة قادرة على إلزام إسرائيل بقبول الحل السياسي الذي «سيكون صعباً لكنه أقل تكلفة مما نراه من العنف الحالي».


مقالات ذات صلة

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
TT

مسؤول إيراني: طهران بدأت تتلقى رسوماً على عبور مضيق هرمز

سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)
سفينة حاويات تحاول عبور مضيق هرمز (رويترز)

أعلن نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني حميد رضا حاجي بابائي اليوم (الخميس) أن طهران حصلت على أول عائداتها من رسوم العبور التي فرضتها في مضيق هرمز الاستراتيجي.

ونقلت وكالة الأنباء «تسنيم» عن بابائي قوله: «أولى العائدات الناتجة عن رسوم عبور مضيق هرمز أُودِعَت في حساب البنك المركزي».

وأوردت وسائل إعلام أخرى التصريح نفسه من دون أي تفاصيل إضافية، وفقاً لما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

حول هذا الممر المائي الحيوي للطاقة الذي أغلقته إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إثر هجوم أميركي إسرائيلي على إيران.

وسمحت إيران بمرور عدد محدود من السفن في المضيق الذي يعبره في زمن السلم خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، وسلع حيوية أخرى.

وقبل الإعلان عن عائدات رسوم العبور، كان البرلمان الإيراني يدرس مسألة فرضها على الملاحة البحرية عبر المضيق، فيما حذّر مسؤولون إيرانيون من أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق «لن تعود إلى وضعها قبل الحرب».

وفي 30 مارس (آذار) ذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن لجنة الأمن في البرلمان وافقت على خطط لفرض رسوم عبور، لكن لم يتضح ما إذا كان تمّ التصويت النهائي على المقترح في البرلمان.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران لفتح المضيق.

وتفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً بدورها على الموانئ الإيرانية تعتبره طهران خرقاً لوقف إطلاق النار المعمول به منذ الثامن من أبريل (نيسان).


تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يتطلع إلى اتفاق مع إيران يشمل تنازلات انتقد بسببها أوباما

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يتطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى اتفاق مع إيران يتضمن العديد من التنازلات التي انتَقَد بسببها الرئيسُ الحالي الرئيسَ الأسبق باراك أوباما واتفاقه النووي المُبرم مع إيران في عام 2015.

وقال ترمب مؤخراً إن «الصفقة» التي يعمل عليها حالياً مع إيران ستكون أفضل من اتفاق 2015، واصفاً اتفاق أوباما بأنه «واحدة من أسوأ الصفقات التي أُبرمت على الإطلاق».

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنه، وفق الاتفاق الجديد، قد تُعاد مليارات الدولارات من الأصول المجمدة إلى إيران، وقد تنتهي صلاحية الاتفاقيات التي تحد من البرنامج النووي الإيراني في نهاية المطاف، وقد يجد بعض «القادة المتشددين الذين قمعوا الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد في يناير (كانون الثاني)» أنفسهم يتمتعون بـ«موارد أفضل» مما كانوا عليه قبل أن يشن ترمب الحرب ضد إيران، قبل أكثر من سبعة أسابيع.

وبعد نحو عقدٍ من هجومه الشرس على اتفاق أوباما مع إيران، يسعى ترمب (في محاولة للخروج من حربٍ أشعلها بنفسه) إلى تفويض المفاوضين الأميركيين للنظر في صفقة تتضمن العديد من التنازلات نفسها التي واجهها أوباما.

ورغم توقف المحادثات مؤقتاً بعد قرار ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار إلى أجلٍ غير مسمى، ريثما تُقدّم إيران «رداً موحداً» بشأن مقترحات واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب؛ فمن المرجح أن يواجه الرئيس التحديات نفسها بغض النظر عن موعد جلوس المفاوضين إلى طاولة المفاوضات.

ومع توقف الصراع، قد تترسخ الهدنة الهشة. إلا أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وإصرار إيران على سيطرتها على الممرات الملاحية.

وقد أدى ذلك إلى تباطؤ أسواق الطاقة العالمية. ولا تزال إيران تسيطر على مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما سبق أن وصفه ترمب بأنه غير مقبول.

20 مليار مقابل اليورانيوم

ووفق «واشنطن بوست»، فإن الجمهوريون الذين انتقدوا اتفاق عام 2015، لأن إدارة أوباما وافقت حينها على إرسال 1.7 مليار دولار إلى طهران، لتسوية نزاع تجاري دام عقوداً، يجدون أنفسهم الآن أمام إدارة تطرح إمكانية الإفراج عن 20 مليار دولار، جزء منها عائدات مبيعات النفط الإيراني التي جمّدتها العقوبات في بنوك حول العالم.

وسيُستخدم هذا المبلغ كورقة ضغط لإجبار إيران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. لكن لا تزال بنود أخرى من الاتفاق محل تساؤل، بما في ذلك نقاط تُثير قلق بعض منتقدي الاتفاق السابق.

وقالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز» الخبيرة في الشؤون الإيرانية: «إنهم (الأميركيين) يواجهون نفس العقبة الأساسية التي شكلت أساس المفاوضات الطويلة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت في النهاية إلى الاتفاق النووي (عام 2015)، وهي أن الإيرانيين متشبثون تماماً بموقفهم بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي».

ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك سلاح نووي، لكنها تقول إن لها الحق بموجب القانون الدولي في تخصيب اليورانيوم أو غيره من المواد النووية لتشغيل «برنامج نووي مدني».

وأضافت مالوني: «الإيرانيون مستعدون لقبول بعض التنازلات فيما يتعلق بالجداول الزمنية ومستوى التخصيب ومصير المخزون النووي، لكنهم غير مستعدين تماماً للتخلي عن التخصيب. وكان هذا أحد الانتقادات الرئيسية لاتفاق 2015».

«منحدر زلق»

ويصر ترمب علناً على أن اتفاقه لن يتضمن العيوب التي ندد بها في اتفاق أوباما. إلا أن المخاطر السياسية كبيرة، وقد وضعت جهود البيت الأبيض للتوصل إلى اتفاق بعض مؤيدي ترمب في موقف حرج، لا سيما مع تداول المال كورقة ضغط.

وقال ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على قضايا إيران في إدارة ترمب الأولى: «إنه وقوع في منحدر زلق، فسواء كان 20 مليون دولار أو 10 مليارات دولار، ففي النهاية، إذا كان النظام (الإيراني) لم يقدم لك تنازلاً بشأن نشاط غير مشروع رئيسي، مثل رعاية الإرهاب أو إنتاج شيء يشكل تهديداً، فسيكون هناك دائماً جدل حول: (هل خصصت مبلغاً معيناً من المال هنا لدفع ثمن هذا؟)».

ويوضح: «تحرير هذا المبلغ من المال (المُجمد) سيُستخدم في إيران لتمويل شيء آخر. لذلك، سيظل هناك دائماً جدلٌ حول أن واشنطن دعمت بشكل غير مباشر الأنشطة غير المشروعة التي لم يتم إيقافها أو التنازل عنها».

لكنه قال إنه إذا تمكن ترمب من تأمين اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشأة نووية مدفونة في عمق الأرض قيد الإنشاء في موقع إيراني يُعرف باسم جبل الفأس: «فسيُغير ذلك قواعد اللعبة تماماً؛ فبذلك، على الأقل في الوقت الراهن وخلال السنوات القليلة المقبلة، يكون قد قضى على التهديد النووي الذي تُمثله إيران».

مطالب أكبر

وإضافة إلى القضية النووية، يُريد ترمب اتفاقاً جديداً يشمل برنامج الصواريخ الإيراني ودعم طهران لوكلائها الإقليميين، بما في ذلك «حزب الله» اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.

وترى ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين مع إيران في عهد أوباما أن مطالب طهران هذه المرة «ستكون أكبر مما كانت عليه في عام 2015، ويعود ذلك جزئياً إلى محاولات الإدارة الأميركية الحثيثة لتحقيق الكثير». وتضيف: «ليس واضحاً لي ما الخطوط الحمراء التي يسعى إليها ترمب. هل هي مخزون اليورانيوم؟ أم التخصيب؟ أم الصواريخ؟ أم الوكلاء؟ أم مضيق هرمز؟».

وتضيف: «إذا حصل (ترمب) على وعد بتعليق برنامج التخصيب لمدة 10 أو 15 أو 20 عاماً، كيف سيتم التحقق من ذلك؟ الأمر غير واضح تماماً بالنسبة لي أو لأي شخص آخر، وربما حتى بالنسبة له. وماذا سيتعين على ترمب تقديمه في المقابل؟»، خصوصاً أن إيران تملك الآن الكثير من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو أقل بقليل من مستوى التخصيب اللازم لصنع أسلحة نووية، وفقاً لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وتُعتبر الحكومة الإيرانية الحالية أكثر تشدداً من القادة الإصلاحيين الذين أبرموا الاتفاق مع أوباما.

أوراق ضغط

ووفق «واشنطن بوست»، فرغم الدمار الكبير الذي سببته الحرب لإيران وأذرعها، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أوراق ضغط. فقد أثبت النظام الإيراني قدرته على البقاء، كما أثبتت طهران قدرتها على خنق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي ظلّ تصاعد الهجمات الأميركية، قد يميل بعض المتشددين في طهران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، مما يزيد الضغط على واشنطن لمعالجة مسألة مخزون اليورانيوم.

كما توجد عوامل أخرى قد تجعل طهران أقل رغبة في إبرام اتفاق، بحسب ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في صياغة نظام العقوبات المفروضة على إيران في عهد إدارة أوباما.

ويقول نيفيو: «بشكلٍ ما، تُخفف الحرب بعض الضغط على إيران... لقد أثبتوا قدرتهم على تحمل الضربات والرد عليها بالشكل المناسب». كما أن «الحرس الثوري»، الجناح الأكثر تشدداً في النظام الحاكم في إيران، هو الذي يتصدر المشهد الآن، مع غياب المعتدلين الذين كانوا يفسحون المجال سابقاً للمفاوضات.

ويُعدّ نيفيو من مؤيدي اتفاق 2015، لكنه أعرب عن تخوفه من إبرام اتفاق جديد مع المجموعة الجديدة من القادة الإيرانيين. ويقول: «لست متأكداً من جدوى فكرة تخفيف العقوبات المفروضة على الحكومة الإيرانية التي قتلت كل هؤلاء الناس بعد احتجاجات يناير».


الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
TT

الدمار يتكشف: تقرير يُظهر حجم ونطاق الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران

مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)
مبنى تعرض لغارات جوية أميركية إسرائيلية قبل أيام من دخول وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة حيز التنفيذ بجنوب طهران (أ.ف.ب)

في أعقاب أسابيع من التصعيد العسكري غير المسبوق، بدأت تتكشف تدريجياً ملامح الأضرار الواسعة التي خلّفتها الضربات الأميركية–الإسرائيلية داخل إيران، وسط قيود صارمة على تدفق المعلومات من داخل البلاد. وبينما حدّت هذه القيود من إمكانية التقييم المباشر، وفّرت تقنيات الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الاصطناعية نافذة مهمة لفهم حجم الدمار وانتشاره، كاشفةً عن مشهد معقّد يمتد من الأهداف العسكرية إلى عمق المناطق الحضرية.

فبعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال، أتاحت هدنة هشة استمرت 14 يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لسكان طهران فرصة أولية لتقييم حجم الخسائر. وتُظهر المدينة، التي يقطنها نحو 9 ملايين نسمة، آثاراً واضحة للدمار، من أنقاض متناثرة ومبانٍ شاهقة متضررة بفعل القصف، وفقاً لتقرير لوكالة «بلومبرغ».

وفي تطور لافت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، وذلك قبل يوم واحد من موعد انتهائه، في وقت انهارت فيه خطط عقد جولة جديدة من المحادثات. ولا يزال الخلاف قائماً بين الطرفين بشأن ملفات رئيسية، من بينها البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، ودعم طهران لجماعات مسلحة في الشرق الأوسط.

ورغم احتمال صمود الهدنة والتوصل إلى تسوية دائمة، فإن كلفة الصراع البشرية والمادية كانت باهظة، إذ قُتل ما لا يقل عن 3300 إيراني، من مدنيين وعسكريين، في حين لحقت أضرار جسيمة بمناطق واسعة من البلاد.

أشخاص يسيرون حول مبنى سكني دمرته غارات جوية أميركية إسرائيلية في جنوب طهران (إ.ب.أ)

وقد أعاقت القيود التي فرضتها السلطات الإيرانية على التصوير والإنترنت، إلى جانب القيود الأميركية على نشر صور الأقمار الاصطناعية عالية الدقة، عملية التقييم البصري الشامل للأضرار. غير أن دراسة أعدّها باحثون في علم بيئة الصراع بجامعة ولاية أوريغون، اعتماداً على صور الرادار، قدّرت تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 7645 مبنى في مختلف أنحاء إيران، من بينها 60 منشأة تعليمية و12 منشأة صحية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 28 فبراير (شباط) إلى 8 أبريل (نيسان).

كما حللت وكالة «بلومبرغ» استخدامات الأراضي في المناطق المتضررة داخل طهران، وخلصت إلى أن 2816 مبنى قد تضررت، توزعت على النحو التالي: نحو 32 في المائة ذات صلة بالقطاع العسكري، و25 في المائة صناعية، و21 في المائة مدنية، و19 في المائة تجارية، و2 في المائة حكومية.

وفي هذا السياق، أوضحت نازانين شاهروكني، الأستاذة المشاركة في كلية الدراسات الدولية بجامعة سيمون فريزر في كندا، أن الدمار في المدن الكبرى لا يظهر عادةً في صورة بؤرة واحدة واضحة، قائلة: «في مدينة بهذا الحجم، لا يتخذ الدمار شكلاً مركّزاً واحداً، كما أنه من الصعب عملياً رسم خط فاصل واضح بين الأهداف العسكرية والحياة المدنية، لأن تأثير الضربات ينتشر عبر نسيج حضري مترابط».

وتُعد طهران مدينة مترامية الأطراف، تضاهي مدينة نيويورك من حيث المساحة، وتمتد من أحيائها الجنوبية المكتظة إلى سفوح جبال البرز شمالاً، حيث تنتشر المناطق الأكثر ثراءً في بيئة أقل تلوثاً وأكثر اعتدالاً من حيث المناخ.

شخصان يجلسان في حديقة بارديسان في طهران المطلة على المدينة (أ.ف.ب)

وتتميّز أحياء المدينة بتداخل الاستخدامات، إذ تضم مزيجاً من المباني السكنية والمراكز التجارية والمتاجر والبنوك والمقار الحكومية. ورغم وجود حدائق ومساحات خضراء، فإنها لا تكفي للتخفيف من وطأة الازدحام المروري الشديد، في ظل وجود نحو 16 مليون مركبة على شبكة الطرق.

وعلى الرغم من أن الهجمات طالت مناطق متعددة في إيران، من بينها مدينة أصفهان — التي تُعد مركزاً ثقافياً وصناعياً مهماً — فإن طهران كانت الأكثر تضرراً، حيث تنتشر بؤر الدمار في أنحاء متفرقة منها، حتى وإن بقيت بعض المناطق الأخرى بمنأى نسبي عن القصف.

من جهتهما، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما نفذتا عمليات استهداف دقيقة واغتيالات مركّزة ضد مواقع عسكرية وأمنية، متهمتين «الحرس الثوري» — الذي يهيمن على قطاعات حيوية تشمل الدفاع والبناء والطاقة — بالتمركز داخل مناطق مدنية.

غير أن شاهروكني حذّرت من أن هذا النوع من الخطاب قد يُبسّط واقع الحرب، موضحةً: «غالباً ما تُستخدم مصطلحات مثل (الضربات الدقيقة) لتصوير العمليات على أنها محدودة ونظيفة، لكن هذه اللغة تُخفي الآثار الحقيقية للحرب، خاصة في البيئات الحضرية المكتظة».

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن العمليات العسكرية حققت أهدافها، مشيرة إلى أن «وزارة الحرب أنجزت جميع الأهداف المحددة ضمن عملية الغضب الملحمي، بما في ذلك تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية ومنشآت إنتاجها، وإضعاف قدراتها البحرية ووكلائها». وأضافت أن القوات الأميركية نفذت نحو 13 ألف ضربة منذ بدء العمليات، مؤكدة أن الولايات المتحدة «لا تستهدف المدنيين».

وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها إيران، تفاقمت بفعل العقوبات الأميركية المرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم، وقضايا حقوق الإنسان، والمخاوف الأمنية الإقليمية، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات شعبية قبل أسابيع من الحرب.

ومن المرجح أن تؤدي حملة القصف الواسعة — التي هدّد ترمب في سياقها بإعادة إيران إلى «العصر الحجري» — إلى تفاقم هذه الأوضاع بشكل أكبر.

العلم الإيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية في طهران (رويترز)

وفي هذا الإطار، قالت ناتالي موسين، رئيسة معهد الهندسة المعمارية والتكنولوجيا في الأكاديمية الملكية الدنماركية في كوبنهاغن، إن هذا المستوى من الدمار «صادم، لكنه ليس مفاجئاً» في ظل طبيعة القصف، موضحةً أن الأضرار لا تقتصر على الأهداف المباشرة، بل تمتد لتفاقم التحديات القائمة في البيئة الحضرية.

وكانت الحكومة الإيرانية قد قدّرت، في الأسبوع الماضي، حجم الأضرار المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الغارات بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يقترب من تقديرات صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي لإيران لعام 2026، البالغ نحو 300 مليار دولار. كما يتوقع الصندوق أن يتجاوز معدل التضخم 70 في المائة، في مستوى قياسي بالنسبة للبلاد.

وفي سياق متصل، أفاد عدد من أصحاب الشركات — فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم — بأن العديد من مؤسسات القطاع الخاص، التي تُعد مصدر دخل رئيسياً لكثير من الأسر، قد توقفت عن العمل أو باتت تعمل بقدرة محدودة.

وأعلنت بلدية طهران أن أكثر من 39 ألف وحدة سكنية تضررت بشدة منذ بداية القصف.

وفي ختام التقديرات، حذّر هادي كهال زاده، الباحث في معهد كوينسي ومركز التنمية العالمية والاستدامة بجامعة برانديز، من أن الارتفاع الحاد في معدلات البطالة والتضخم قد يدفع ملايين الإيرانيين إلى الوقوع في دائرة الفقر خلال الفترة المقبلة.