إيران تلامس مستويات الأسلحة النووية مع اقتراب انتخابات أميركا

ليس لدى واشنطن وحلفائها كثير من الخيارات المعقولة مع احتدام حرب غزة

رسم توضيحي يجمع رمز وکالة الطاقة الذرية والعلمين الإيراني والأميركي (رويترز)
رسم توضيحي يجمع رمز وکالة الطاقة الذرية والعلمين الإيراني والأميركي (رويترز)
TT

إيران تلامس مستويات الأسلحة النووية مع اقتراب انتخابات أميركا

رسم توضيحي يجمع رمز وکالة الطاقة الذرية والعلمين الإيراني والأميركي (رويترز)
رسم توضيحي يجمع رمز وکالة الطاقة الذرية والعلمين الإيراني والأميركي (رويترز)

لا تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها الكثير من السبل المتاحة لكبح أنشطة إيران النووية؛ فقد توارت منذ فترة طويلة احتمالات نجاح المحادثات في إحراز تقدم، كما يحمل تشديد الإجراءات بحق إيران في طياته خطر تأجيج التوتر في منطقة مشتعلة بالفعل بسبب حرب غزة.

وتحد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة، العام المقبل، من المساحة المتاحة للمناورة لدى واشنطن، ورسم 4 دبلوماسيين حاليين و3 سابقين صورة قاتمة لمساعي كبح البرنامج النووي الإيراني الذي تقول تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إن تطوره مستمر، حسبما نقلت «رويترز».

وجاء في أحد تقريرين سريين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إن إيران خصبت الآن كميات من اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، بما يكفي لتصنيع 3 قنابل نووية. وأكد التقرير أن المخزون مستمر في الزيادة رغم أن إيران تنفي باستمرار رغبتها في امتلاك أسلحة نووية.

وبموازاة انطلاق المحادثات لإحياء الاتفاق النووي في أبريل (نيسان) 2021، باشرت إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، في مستوى يقترب من درجة نقاء لازمة لتصنيع أسلحة، وتقول القوى الغربية إنه ليس له استخدام مدني. وتبلغ درجة النقاء المطلوب تخصيب اليورانيوم إليها لتصنيع الأسلحة النووية نحو 90 في المائة.

وبعد فشله في إحياء الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية الذي انسحب منه الرئيس الأمیركي السابق دونالد ترمب في عام 2018، لا مجال الآن أمام الرئيس جو بايدن حتى لدراسة الوصول إلى «تفاهم» غير الرسمي للحد من أنشطة إيران النووية في ظل احتدام الصراع، وتصاعد التوتر في المنطقة.

وقال دبلوماسي أوروبي كبير طلب من وكالة «رويترز» عدم ذكر اسمه، إن «هناك نوعاً من الشلل خصوصاً بين الأميركيين... لأنهم لا يريدون صب الزيت على النار».

وأي مفاوضات بهدف الوصول إلى «تفاهم» مع إيران ستتطلب تقديم واشنطن تنازلات، مثل تخفيف نظام العقوبات الصارمة المفروضة على طهران مقابل الحد من أنشطتها النووية.

تقارير وكالة الطاقة الذرية تظهر تقدماً في عمل إيران النووي

ويبدو أن مثل هذه الخطوة غير واردة الآن بعد أن شنت حركة «حماس» المدعومة من إيران هجوماً في 7 أكتوبر (تشرين الأول) على إسرائيل حليفة الولايات المتحدة. وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن جماعات مسلحة مدعومة من إيران في المنطقة شنت منذ ذلك الحين عشرات الهجمات على القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق وسوريا.

وقد نشرت الولايات المتحدة حاملتي طائرات في المنطقة وطائرات حربية في شرق البحر المتوسط لأسباب منها تحذير إيران، لكن مسؤولين أميركيين أوضحوا أيضاً أنهم لا يريدون التصعيد، وطالبوا الجماعات المسلحة المدعومة من إيران بالتوقف عما تفعل.

مهام وكالة الطاقة الذرية

وستركز الولايات المتحدة وحلفاؤها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا من أطراف الاتفاق النووي المبرم عام 2015 على اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية المقبل.

في داخل أميركا، تقيد الانتخابات الرئاسية، التي لم يبق عليها سوى عام واحد، إدارة بايدن. وقد يستغل ترمب، الذي يبدو في الوقت الحالي أنه سيكون المنافس الأرجح لبايدن، أي تعامل مع طهران ويصوره على أنه ضعف.

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي تصريحات في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC) في كاليفورنيا 16 نوفمبر (رويترز)

وقال روبرت أينهورن المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأميركية: «في الأجواء الحالية من غير الممكن سياسياً السعي إلى تسوية مع إيران بشأن المسألة النووية». وأضاف: «الجدل السياسي لن يدور حقاً حول التفاوض مع إيران، بل سيكون حول مواجهة إيران».

وأظهر تقريران من الوكالة هذا الأسبوع أن إيران تحرز تقدماً نووياً مطرداً، وأشارت إلى أن طهران تواصل عرقلة مراقبة الوكالة لعملها.

ولم يحظ اتفاق جرى التوصل إليه في مارس (آذار) لإعادة تركيب معدات مراقبة تشمل كاميرات أزيلت العام الماضي بطلب من إيران إلا بتنفيذ جزئي.

كما أغضبت طهران الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضاً في سبتمبر (أيلول) بسحب تصاريح العمل من بعض أكثر مفتشي الوكالة خبرة بما منعهم عملياً من العمل داخل إيران.

وهذه هي المرة الثانية على التوالي تشير فيها تقارير ربع سنوية لوكالة الطاقة الذرية إلى عدم إحراز تقدم في أي من القضيتين. وذكر التقرير أن مدير عام الوكالة رافائيل غروسي كتب إلى إيران يطلب منها إعادة النظر في سحب الاعتماد، واكتفت إيران في ردها الأربعاء بالقول إنها «تبحث إمكانية تلبية الطلب».

غروسي وإسلامي على هامش محادثات في طهران يوم 4 مارس 2023 (رويترز)

وقال تقرير للوكالة: «على الرغم من أن هذا الإجراء مسموح به رسمياً... فقد مارسته إيران بطريقة تؤثر مباشرة وبشكل خطير على قدرة الوكالة على الاضطلاع بفاعلية بأنشطة التحقق في إيران، وفي منشآت التخصيب بصفة خاصة».
وأضاف أن «المدير العام (غروسي) ما زال يندد بقوة بسحب إيران المفاجئ لأسماء عدد من مفتشي الوكالة ذوي الخبرة».

وهددت قوى غربية في سبتمبر بإصدار قرار ملزم يأمر إيران بالتراجع عن مسارها، ويعد ذلك إحدى أقوى العقوبات في جعبة مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

مجلس محافظي الوكالة يتجنب خطوات ستؤجج التوتر

وقال 4 دبلوماسيين إن من المستبعد التوصل إلى قرار الآن؛ لأن من الضروري تجنب التصعيد الدبلوماسي والنووي مع إيران في الوقت الذي ينصب فيه الاهتمام على الصراع بين إسرائيل و«حماس».

وذكر الدبلوماسيون أن من المرجح أكثر في الوقت الحالي التحرك بشكل أقل صدامية، مثل إصدار بيان شديد اللهجة لكنه غير ملزم بما يهدد باتخاذ إجراءات أكثر صرامة في الاجتماع المقبل لمجلس محافظي الوكالة في مارس (آذار).

وقال الدبلوماسي الأوروبي البارز: «لا يمكننا أن نستصدر قراراً... إذا مررنا قراراً... سيخاطر ذلك بدفعهم (الإيرانيين) صوب الحافة... للتخصيب إلى 90 في المائة».

وذكر دبلوماسيان أن كل ما يمكن القيام به في الأشهر المقبلة هو دعم جهود رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي لتعزيز الرقابة على برنامج إيران النووي. ويسعى رئيس الوكالة إلى إعادة إمكانية عمل المفتشين في إيران قبل نهاية العام.

وقال أحد الدبلوماسيين: «من السابق لأوانه القول ما إذا كانت إيران ستصبح دولة نووية أم أنها ستبقى دولة على أعتاب ذلك كما هي الحال الآن... لكنها ستستمر في الوقت الحالي في التخصيب».


مقالات ذات صلة

قاليباف يعود إلى طهران بعد جولة تفاوض في الدوحة

شؤون إقليمية صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني لقاليباف خلال مشاركته في انتخابات داخلية للبرلمان، أُعيد بموجبها انتخابه رئيساً (موقع البرلمان)

قاليباف يعود إلى طهران بعد جولة تفاوض في الدوحة

نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض قوله إن مذكرة التفاهم المحتملة، المؤلفة من 14 بنداً، تنص على الإفراج عن الأموال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ب) p-circle

واشنطن تستهدف زوارق إيرانية وروبيو يتوقع أياماً لحسم الاتفاق

أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، إن التفاوض على اتفاق مع إيران قد «يستغرق بضعة أيام»، مما بدد الآمال في نهاية وشيكة للصراع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مجتبى خامنئي (رويترز) p-circle

طهران تقلل من إصابة خامنئي... واستخبارات أميركية ترصد «عزلته»

قال مسؤول في وزارة الصحة الإيرانية إن الإصابات التي تعرّض لها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي جراء الضربات الأميركية-الإسرائيلية أواخر فبراير كانت «سطحية» فقط.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية  ترمب يتحدث مع نتنياهو خلال اجتماع بالبيت الأبيض في واشنطن أبريل 2025 (رويترز) p-circle

نتنياهو يقرّ بصعوبة التأثير على قرارات ترمب بشأن إيران

قال مصدران، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ مقربين بأن إسرائيل لا تتمتع بقدرة تذكر للتأثير على قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع البرلمان الإيراني لقاليباف خلال مشاركته في انتخابات داخلية للبرلمان أُعيد بموجبها انتخابه رئيساً (موقع البرلمان) p-circle

وفد إيراني برئاسة قاليباف في الدوحة مع تقدم مسار التفاهم مع واشنطن

وصل وفد إيراني برئاسة رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، إلى الدوحة، الاثنين، في إطار المسار الدبلوماسي الجاري بوساطة باكستانية لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الجيش ينشر «قوات كبيرة على الأرض» في جنوب لبنان، ويسيطر على «مناطق استراتيجية»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت تصريحاته بعد أن وسّع الجيش الإسرائيلي عملياته البرية في جنوب لبنان متجاوزًا «الخط الأصفر»، وهو خط الترسيم الذي أقامته إسرائيل على بعد عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع «حزب الله» في 16 أبريل (نيسان).

وأفادت وسائل ​إعلام إسرائيلية، الثلاثاء، بأن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق عملياته ‌البرية ‌في ​جنوب ‌لبنان إلى ⁠ما ​وراء «الخط الأصفر»، ⁠وهو خط ترسيم رسمته إسرائيل قرب الحدود، إلا أن ⁠التقارير لم ‌تقدّم ‌تفاصيل ​إضافية ‌عن ‌مدى هذا التوسع.


«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)

بلغت المفاوضات الأميركية - الإيرانية مرحلة دقيقة مع عودة الوفد الإيراني المفاوض إلى طهران، الثلاثاء، بعد محادثات أجراها في الدوحة حول آلية الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً خلال أيام، رغم الضربات الأميركية الأخيرة في جنوب إيران وما أثارته من اتهامات إيرانية بانتهاك وقف إطلاق النار.

وقال التلفزيون الإيراني الرسمي إن الوفد الذي ترأسه رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف عاد إلى طهران بعد محادثات أجراها مع مسؤولين قطريين.

وكان قاليباف قد توجه، الاثنين، على رأس وفد رفيع للمشاركة في محادثات تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على مسودة تفاهم مع واشنطن لإنهاء الحرب. وضم الوفد وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.

وجاءت المحادثات في وقت تواصلت فيه الجهود للتوصل إلى مذكرة تفاهم أولية، تشمل إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز واستئناف مسار تفاوضي أوسع بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني.

غير أن الضربات الأميركية الأخيرة، التي قالت واشنطن إنها استهدفت زوارق ومواقع صاروخية «دفاعاً عن النفس»، أعادت إظهار هشاشة وقف إطلاق النار، بينما واصلت طهران وواشنطن الحديث عن إمكان استمرار المحادثات.

وقال روبيو، للصحافيين في مدينة جايبور الهندية صباح الثلاثاء، إن محادثات جرت في قطر، مضيفاً: «سنرى ما إذا كان بإمكاننا إحراز أي تقدم. أعتقد أن هناك الكثير من النقاشات الدائرة حول نقاط محددة في الوثيقة الأولية، لذا سيستغرق الأمر بضعة أيام».

وتابع: «أعرب الرئيس عن رغبته في التوصل إلى اتفاق. إما أن يعقد صفقة جيدة أو لا يعقد أي صفقة».

وأكد روبيو أن «المضائق يجب أن تكون مفتوحة»، مضيفاً: «سيتم فتحها بطريقة أو بأخرى، لذا يجب أن تكون مفتوحة». ووصف ما يحدث في مضيق هرمز بأنه «غير قانوني وغير مشروع وغير مستدام للعالم وغير مقبول».

محطة الدوحة

في الضفة الأخرى، نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض أن قاليباف بحث في قطر آلية الإفراج عن 12 مليار دولار في المرحلة الأولى من التفاهم المحتمل، ضمن مذكرة مؤلفة من 14 بنداً تنص على الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة خلال مسار المفاوضات، والمقدرة بنحو 24 مليار دولار.

وقال المصدر إن طهران تشدد على إتاحة نصف هذا المبلغ مع بدء إعلان مذكرة التفاهم، على أن يُنقل النصف الآخر خلال 60 يوماً. وأضاف أن زيارة قاليباف إلى قطر جاءت لبحث آلية تنفيذ هذا المطلب، وكيفية الوصول إلى 12 مليار دولار في الخطوة الأولى، وإزالة العوائق المرتبطة به.

وأوضح المصدر أن تجربة الإفراج السابقة عن الأموال الإيرانية في كوريا الجنوبية وقطر دفعت طهران إلى التشديد على متابعة الخطوات التنفيذية بدقة، تفادياً لتكرار التعقيدات السابقة. وأضاف أن الزيارة استفادت من تلك التجربة لضمان عدم حدوث أي خلل في الوصول إلى الأموال، وحققت «نتائج جيدة» في هذا الجانب.

وقال المصدر إن «مفاوضات قطر كانت جيدة في مجملها، وأسهمت في تحقيق تقدم في المفاوضات العامة»، لكنه أضاف أن طهران تتعامل مع الملف بحذر شديد؛ لأن الولايات المتحدة «معروفة بأنها طرف سيئ العهد»، على حد تعبيره.

وجاء ذلك بعدما نفت قطر تقريراً إسرائيلياً أفاد بأنها عرضت على إيران قرضاً بقيمة 12 مليار دولار لضمان توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري إن التقارير التي تزعم أن الدوحة «عرضت» 12 مليار دولار على إيران «كاذبة ولا أساس لها»، مضيفاً أنها تُروَّج من أطراف تسعى إلى «إفشال الاتفاق وتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة».

ونقلت «تسنيم» عن مصدر مطلع آخر، رداً على تصريحات المتحدث باسم الخارجية القطرية بأن الدوحة لا تقدم أموالاً لضمان مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، قوله إن «تصريحات القطريين ليست خاطئة في مجملها»، موضحاً أن الأموال التي جرى بحثها في الدوحة تعود إلى إيران، ولا علاقة لها بضمان التفاهم.

وأضاف أن طهران، بسبب تجاربها السابقة، تسعى «بدقة وتشدد كاملين» إلى استعادة هذه الأموال.

وقالت «تسنيم» إن زيارة الوفد الإيراني جاءت في إطار السعي إلى الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة في المرحلة الأولى من تنفيذ مذكرة التفاهم المحتملة. وأضافت أن إيران تصر على الإفراج عن جزء من هذه الأموال خلال العملية؛ لأنها لا تثق بالجانب الأميركي، وتسعى إلى تحقيق نتائج مؤكدة ومنفعة ملموسة.

وذكرت الوكالة أن أهمية الملف دفعت قاليباف، بصفته رئيس فريق التفاوض، إلى التوجه بنفسه إلى الدوحة لمتابعته في محادثات مع أمير قطر. ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن الزيارة شهدت «تقدماً»، واتخذت خلالها «خطوات إلى الأمام».

الأموال المجمدة

تتضارب المعلومات حول الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنها تتراوح بين 100 مليار و120 مليار دولار.

وقال محافظ البنك المركزي الإيراني السابق، ولي الله سيف، بعد إعلان الاتفاق النووي في 2015، إن الاتفاق من شأنه إطلاق 30 مليار دولار من أصول إيران المجمدة.

وخلال مفاوضات فيينا التي تعثرت في مارس 2022، طالبت إيران بالإفراج عن أصول مجمدة من عائدات مبيعاتها النفطية في اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى مستحقات بيع الغاز والكهرباء للعراق، والمقدرة بنحو 6 مليارات دولار.

وتقدر الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية بنحو 7 مليارات دولار، وفي اليابان بـ1.6 مليار دولار، وفي لوكسمبورغ بـ1.5 مليار دولار. وكانت صحف إيرانية قد ذكرت، في ذلك الوقت، أن لإيران نحو 20 مليار دولار في الصين.

وفي عام 2023، جرى تحويل 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك كورية جنوبية إلى قطر مقابل الإفراج عن خمسة مواطنين أميركيين محتجزين في إيران. غير أن تلك الأموال لم تُفرج للاستخدام الإيراني، إذ تدهورت العلاقات بين واشنطن وطهران عقب هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، الذي أشعل حرب غزة.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن إحدى مشكلات طهران في المفاوضات تتمثل في «تناقض الأقوال والسلوك الأميركي»، لكنها أبدت ثقة بـ«القوات العسكرية وفريق الدبلوماسية» الإيراني، معربة عن أملها في الوصول إلى «سلام مستدام».

وأضافت مهاجراني أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على التضخم، لكنها أشارت إلى أن التطورات الدولية تؤثر في معدلاته، مؤكدة أن الحكومة تحاول ضبطه عبر «الانضباط في الموازنة».

وقالت إن العقوبات والاضطرابات الدولية تؤثر في كل الصناعات، وإن قطاع الدواء «ليس استثناءً».

روبيو بين الاتفاق والضغط

جاءت تصريحات روبيو بعد ضربات أميركية جديدة قالت إيران إنها انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الضربات الأميركية التي وقعت في إقليم هرمزغان بجنوب البلاد تمثل «انتهاكاً صارخاً» للهدنة الهشة، في وقت أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات فجر الثلاثاء في الإقليم.

وقالت الولايات المتحدة إن الضربات استهدفت زوارق كانت تحاول زرع ألغام ومواقع إطلاق صواريخ. وبعد الهجمات، قال روبيو إن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً، لكنه قد يحتاج إلى «بضعة أيام» بسبب النقاشات الجارية حول بنود محددة في الوثيقة الأولية.

وتحدثت مصادر إيرانية وأميركية عن تقدم في مذكرة تفاهم، أو اتفاق أولي، من شأنه وقف الحرب واستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، مع منح المفاوضين 60 يوماً لمناقشة قضايا أكثر تعقيداً، بينها البرنامج النووي الإيراني.

وتقول الرواية الإيرانية إن الاتفاق الأولي يقتصر على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، ووضع إطار عمل لمدة 30 يوماً بشأن حركة المرور عبر مضيق هرمز، وربما تقديم دعم مالي عبر الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، على أن تبحث القضايا الأكثر حساسية، مثل البرنامج النووي، في مرحلة ثانية.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن إيران كانت تضغط خلال محادثات قطر لإدراج بند الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة ضمن المذكرة. ونقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر قوله إن الإفراج عن هذه الأموال هو «آخر نقطة خلاف جدية» تحول دون الانتهاء من مذكرة التفاهم.

الغبار النووي

قال ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يتوقع من إيران أن تسلم اليورانيوم المخصب لديها إلى الولايات المتحدة لتدميره، أو أن يتم تدميره في مكانه بحضور شهود دوليين.

وكتب ترمب: «اليورانيوم المخصب (الغبار النووي) إما سيتم تسليمه على الفور إلى الولايات المتحدة لنقله إلى الوطن وتدميره، أو من الأفضل، بالتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تدميره في مكانه أو في موقع آخر مقبول بحضور لجنة الطاقة الذرية، أو ما يوازيها، كشاهد على هذه العملية والحدث».

ويرى ترمب أن الهدف الرئيسي من الحرب هو منع إيران من صنع سلاح نووي باستخدام اليورانيوم العالي التخصيب. وتنفي طهران دوماً وجود أي خطط لصنع سلاح نووي، وتقول إن لها الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.وفي خطاب بمناسبة موسم الحج، قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إن «عقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء»، مجدداً تهديدات والده المرشد السابق علي خامنئي للقوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وكذلك . وأشار إلى ضرورة تكرار شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، فضلاً عن الوعود بـ« زوال إسرائيل»، وذلك في رد ضمني على دعوة ترمب لإيران بالإنضمام لـ«اتفاقيات إبراهيم».

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن بعد ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران، 2 مارس 2026 (أرشيفية_رويترز)

وفي الوقت نفسه، لا يزال مضيق هرمز في قلب المفاوضات. وقد أدى إغلاقه الفعلي إلى أزمة غير مسبوقة في إمدادات النفط، وارتفاع أسعار الخام والوقود والأسمدة والغذاء. وردت إيران على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير بإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على دول في الخليج العربي تستضيف قواعد أميركية.

وانخفضت حركة المرور عبر المضيق، الذي كان يمر عبره عادة نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جزء ضئيل من مستواها السابق للحرب. وارتفع خام برنت نحو 3.5 في المائة الثلاثاء، ليتجاوز 99 دولاراً للبرميل بعد أنباء الضربات الأميركية.

وتتجه الانظار الأربعاء إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسي في واشنطن، حيث يعقد ترمب اجتماعاً نادراً لمجلس الوزراء، مع اقتراب المحادثات مع إيران من مرحلة حاسمة، وفق ما صرح مسؤول في البيت الأبيض لوكالة الصحافة الفرنسية.

ويعكس اختيار المنتجع المنعزل في جبال ماريلاند، الذي نادراً ما يزوره ترمب مقارنة برؤساء سابقين، حساسية المناقشات. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن الملف الإيراني سيهيمن على الاجتماع المتوقع أن يحضره جميع أعضاء مجلس الوزراء، مع طرح الملف الاقتصادي أيضاً على جدول الأعمال.

وشهد كامب ديفيد في الماضي محطات دبلوماسية بارزة، بينها اتفاقات 1978 بين مصر وإسرائيل في عهد جيمي كارتر، وقمة إسرائيلية - فلسطينية فاشلة عام 2000 في عهد بيل كلينتون. وتعد هذه الزيارة الثانية فقط لترمب إلى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية، وكانت الأولى قبل أيام من شن الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025.


«شرق الكونغو»... «إيبولا» يتمدد والهجمات تتواصل

يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

«شرق الكونغو»... «إيبولا» يتمدد والهجمات تتواصل

يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
يستعد العاملون الصحيون لدفن شخص يشتبه في وفاته بسبب إيبولا في بونيا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

يتأرجح شرق الكونغو الديمقراطية بين تصاعد الهجمات المسلحة وتفاقم تفشي وباء «إيبولا»، فيما تبدو جهود السلام عالقةً تحت وطأة التحديات الأمنية والإنسانية المتزايدة، وسط مخاوف من اتساع دائرة الأزمة وتعقيد فرص الاستقرار.

تلك التحديات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، عائقاً أمام فرص السلام التي تراوح مكانها منذ أسابيع ولا أفق لتهدئة حقيقية على أرض الواقع تواجه الوباء والهجمات المسلحة.

هجمات ووباء

يواجه الأطباء في الخطوط الأمامية لمكافحة فيروس «إيبولا» بالكونغو أوضاعاً شديدةَ الصعوبة، إذ تتعرض منشآتهم الصحية لهجمات ويهرب المرضى مع الانتشار السريع للفيروس، مما يزيد من تعقيد الموقف الصعب بالفعل نتيجة نقص الإمدادات الأساسية، حسب ما ذكرته «رويترز».

ووقعت على الأقل ثلاثة حوادث من هذا النوع في مقاطعة إيتوري في الشمال الشرقي، التي جرى فيها الإبلاغ عن أولى حالات الإصابة بفيروس «إيبولا»، بما في ذلك حادثتان وقعتا في مطلع الأسبوع واستهدفتا المستشفى الذي فر منه أكثر من 20 مريضاً.

وتعيد هذه الهجمات إلى الأذهان سيناريو العنف واسع النطاق الذي استهدف المرافق الصحية خلال تفشي المرض في الفترة بين 2018 و2020 في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، الذي لاقى فيه أكثر من 25 عاملاً صحياً حتفهم.

والأحد، قال مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس ‌أدهانوم غيبريسوس، إن هناك أكثر من 900 حالة مشتبه بها في التفشي حتى الآن، بما في ذلك 101 حالة مؤكدة، لافتاً في تصريحات إلى أن سرعة تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا تفوق قدرة جهود الاستجابة، مع بلوغ أحدث عدد للوفيات المشتبه في ارتباطها بالتفشي 220 وفاة.

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية يسيرون على أحد الطرق في روامبارا (أ.ف.ب)

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الهجمات المسلحة على المرافق الصحية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أسهمت في تسريع انتشار مرض «إيبولا»، سواء عبر تعطيل عمل مراكز العلاج والعزل، وإجبار كثير من الأطباء والممرضين على مغادرة المناطق المهددة، وتخوف بعض الأهالي من التوجه إلى المراكز الصحية أو التعاون مع حملات التتبع والتطعيم، خصوصاً مع انتشار الشائعات والاتهامات السياسية المرتبطة بالوباء.

وأكد أن العنف المسلح تحول إلى عامل مباشر في إطالة أمد الوباء وزيادة عدد الإصابات والوفيات، لأن السيطرة على الأوبئة ترتبط أساساً بوجود بيئة آمنة تسمح باستمرار العمل الطبي والإنساني، لافتاً إلى أن فرار المرضى والمخالطين من مراكز العزل يؤدي إلى إضعاف جهود احتواء التفشي الوبائي بصورة كبيرة، وتراجع الثقة بالإجراءات الصحية.

وأوضح أن هذا أدّى إلى زيادة احتمالات انتقال العدوى عبر الحدود والمناطق المجاورة، خصوصاً في البيئات التي تعاني ضعف الرقابة الصحية وصعوبة الوصول إلى السكان، مما جعل السيطرة على التفشي أكثر تعقيداً وتكلفة على المستويين الصحي والإنساني.

فرص السلام

تواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

ولم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسبوعين الماضين رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس»، من عدة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الحالي.

ويعتقد صالح إسحاق عيسى أن الوضع الأمني في شرق الكونغو أصبح عائقاً أساسياً أمام استجابة المنظمات الصحية الدولية لاحتواء «إيبولا»، بخلاف جعل فرص السلام تراوح مكانها دون أي تأثير إيجابي مع أجواء وبائية وتراجع الاستقرار في البلاد.

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026 كان آخرها في أبريل (نيسان) بسويسرا عن تقدم بعد.