نشطاء السلام اليهود في غلاف غزة يرفضون الرضوخ لأجواء العداء

رغم خطف وقتل الكثيرين منهم ومهاجمة اليمين المتطرف لهم

فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر  (أ.ب)
فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر (أ.ب)
TT

نشطاء السلام اليهود في غلاف غزة يرفضون الرضوخ لأجواء العداء

فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر  (أ.ب)
فلسطينيون يبتعدون عن كيبوتس كفار عزة بالقرب من السياج مع قطاع غزة عقب هجوم 7 أكتوبر (أ.ب)

يتمسك الكثير من نشطاء السلام اليهود في بلدات غلاف غزة بموقفهم، ويؤكدون أن الحرب على غزة يجب أن تتوقف، ويطالبون الحكومة الإسرائيلية بفتح آفاق السلام، فليس هناك من حل عسكري للصراع، ولا بد من إطلاق مسيرة سلام، على الرغم من الهجوم الذي تعرضوا له من «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والتشفي بهم في أوساط اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يصل إلى حد دعوتهم للمغادرة والعيش في نابلس.

وتقول نيتع هايمن مينه، وهي ناشطة في حركة «نساء يصنعن السلام»، ومن مواليد كيبوتس نير عوز، الذي تحتجز «حماس» 79 شخصاً من أفراده كلهم مدنيون وغالبيتهم مسنون، إنها منذ خطف والدتها تتنقل من جنازة إلى أخرى، وتقول: «في كل يوم عليّ أن أختار إلى أي من الجنازات أذهب»، وتؤكد: «أذهب، أولاً، إلى جنازات أفراد عائلات من مجموعتي العمرية. وفي ما تبقى من الوقت، أناضل من أجل إعادة المختَطَفين الكثر. نحن متقدمون على الدولة بـ10 خطوات في كل شيء. حتى إلى (الصليب الأحمر) وصلنا قبل أن يستوعبوا هم أنّ شيئاً ما يحدث هنا».

3 أسيرات إسرائيليات ظهرن في شريط فيديو وزعته «حماس» يوم 30 أكتوبر الماضي ناشدت نتنياهو التوصل لصفقة تبادل أسرى (د.ب.أ)

هايمن نفسها، الناشطة في المنظمة منذ سنة 2017، تقول: «(نساء يصنعن السلام) حركة تتحدث عن اتفاق سياسي، ولا تطالب تحديداً بحل دولتين لشعبين. في الحركة أيضاً نساء يُقِمن في مستوطنات. نحن حركة تعتقد أن السلام ليس كلمة نابية، كلمة سلام مشتركة للجميع، وليس لليسار فقط».

تضيف: «الفلسطينيون من غزة كانوا يعملون لدينا ويتجولون بيننا. لم يشعر أحد بأي تخوف منهم. معظم أعضاء الكيبوتس (بلدة تعاونية) من دعاة السلام. كانت هنالك مجموعة كبيرة من النشطاء الذين كانوا شركاء في نضال (سلام الآن). كان الجو العام أن جميع أبناء البشر متساوون، وجميعهم يستحقون العيش بهدوء. في الطفولة لم نشعر بأننا نعيش على الحدود. وقبل الانتفاضة الأولى، كان الناس من المنطقة هنا يسافرون إلى غزة للتسوق».

لو استمعوا لنا!

ترفض هايمن التعبير عن ندمها على مواقفها السابقة، وتقول: «أشعر بأن أولئك الذين لم يفكروا مثلنا هم الذين أخطأوا وأوصلونا إلى هذه الحال. أخطأ من اعتقد أن الفلسطينيين لا يستحقون الحياة الكريمة، وأنه يمكننا مواصلة السيطرة على شعب آخر كل هذه السنوات دون أن يرتد هذا إلى نحورنا. كثيرون أخطأوا. نحن لم نخطئ. لو أصغوا لـ(نساء يصنعن السلام) وصرختهن منذ عملية الجرف الصامد (2014)، وأنه قد حان الوقت لوضع حد نهائي لهذه المعاناة، لما وصلنا إلى هذا الوضع الذي تجلس فيه والدتي الآن لدى وحوش».

تكدس الجثث خارج «مستشفى الشفاء» في غزة (د.ب.أ)

وتشدد هايمن على أن الأحداث القاسية عززت مواقفها بشأن الحاجة إلى عملية سلمية: «ليس مهماً كم مرة سنحاول القضاء على (حماس) ومحوها، المؤكد أن الجولة التالية ستكون أسوأ. ها قد تلقينا الضربة الآن بقوة. الإيمان بأن الحل ينبغي أن يكون سياسياً وأنّ هذا ممكن، على غرار نزاعات مريرة وقاسية أخرى قد حُلَّت، إيمان لم يتزعزع، بل تعزز أكثر؛ لأنني أصبتُ بصورة شخصية هذه المرة».

وتقول إن آراءها بخصوص «حماس» لم تتغير: «الشعب الفلسطيني نفسه يعاني كثيراً من سلطة (حماس)، لكن ما العمل، (حماس) هي عدوّنا في هذه اللحظة، والسلام يُصنَع مع الأعداء، بغضّ النظر عن مدى وحشيتهم. من الواضح أن الغضب الأول ينصب عليهم. لكنّ هذا لا يقلل من الغضب على الذين لم يحموا أناساً، مثل والدتي، التي كانت بين من أسسوا الدولة».

الأسيرة الإسرائيلية لدى «حماس» المفرج عنها 24 أكتوبر يوخباد ليفشتس من سكان كيبوتس نير عوز (أ.ف.ب)

نشطاء سلام ضحايا

المعروف أن كيبوتس نير عوز، وغيره من البلدات المحيطة بقطاع غزة، يضم نسبة عالية من نشطاء السلام. ويوجد بين القتلى والمخطوفين في 7 أكتوبر، فيفيان سيلفر، من كيبوتس بئيري، عضو إدارة «بتسيلم»، وهو المركز الذي يتابع حقوق الإنسان الفلسطيني في المناطق المحتلة، ومن مؤسسي منظمة «نساء يصنعن السلام»، ود. حاييم كتسمان، الباحث في الدين والسياسة في الشرق الأوسط، الذي قُتل وله شقيقة عضو في إدارة منظمة «نقف معاً» للشراكة اليهودية العربية؛ ونيلي مرجليت المُختَطَفة، ابنة عمّة دافيد زونشاين رئيس إدارة «بتسيلم» السابق، ووالدها تشرشل مرجليت، الذي قُتل، ثم عمّة ميكي كرتسمان، رئيس إدارة «جنود يكسرون الصمت»، التي تكشف ممارسات الاحتلال ضد الفلسطينيين، وأوفيليا رويطمان، المحسوبة في عداد المفقودين؛ ووالدا وعمّ يوتام كيبنيس، عضو إدارة «ززيم»، حركة مدنية من اليهود والعرب المناضلين معاً ضد الاحتلال والعنصرية، قُتلوا هم أيضاً.

ياعيل نوي من نشطاء السلام بكيبوتس نير عوز وقبل 5 شهور من فقد والدها في هجوم 7 أكتوبر ترافق طفلاً فلسطينياً مصاباً بالسرطان لعلاجه (أ.ف.ب)

وخلال الأسابيع التي مرت عليهم منذ يوم السبت الأسود، اضطُر كثيرون، التعامل ليس مع الفقدان والحزن والقلق فحسب، وإنما مع ردود الفعل البغيضة في شبكات التواصل الاجتماعي وفي الشارع، من عناصر اليمين المتطرف الذين يتهمونهم وأحباءهم بأنّ موقفهم هو المسؤول عن هذه الكارثة. ففي المنشورات التي نُشرت على «فيسبوك»، وذُكر فيها اختطاف فيفيان سيلفر، مثلاً، وردت تعقيبات مثل: «لم تُخْتَطف، كل ما في الأمر أنها في رحلة لدى أصدقاء»، أو «يفضل أن تبقى هناك مع أصدقائها من الأعداء اللدودين، محبي السلام».

نيطع هايمن نفسها، تلقت ردوداً مثل: «تباً لك أيتها النتنة، بسبب أشخاص مثلك توجد معاداة للساميّة. هي (والدتها) هناك بسببك. اذهبي. هاجري من البلاد، وانتقلي إلى فلسطين».

وقد هاجم الجميع أحد نشطاء اليمين البارزين الذي كتب لإحدى الناشطات التي خطفت ابنتها: «أتمنى أن ينفذوا فيها اغتصاباً جماعياً، وتحمل وتلد لك ولداً من أب غزاوي».

استهداف أهالي الضحايا

وفي تظاهرات عائلات الأسرى التي تطالب حكومة بنيامين نتنياهو بإبرام صفقة مع «حماس»، فوراً، حتى لو كان الثمن إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين من السجون، يوجه نشطاء اليمين المتطرف الشتائم والتهديد باعتداءات جسدية.

لقطة من شريط فيديو للمكتب الإعلامي لـ«حماس» تظهر معارك بين «القسام» والقوات الإسرائيلية في المحورين الشمالي والجنوبي لغزة 8 نوفمبر (أ.ف.ب)

ووفق تقرير لصحيفة «هآرتس» أعدته الكاتبة، شاني ليطمان، أكد معظم هؤلاء تمسكهم بطريقهم. وقال معوز ينون، الذي قُتل والداه المسنان في هجوم «حماس»، إنه يفهم الغضب الإسرائيلي على ما فعلته «حماس»، ويفهم حتى الرغبة في الانتقام التي تميز الحرب على غزة اليوم، لكنه يضيف: «أرى أيضاً إلى أين أوصلنا هذا الانتقام خلال المائة سنة الأخيرة. يجب أن نعيد المخطوفين، وأن ندفن الموتى، وأن نبكي، ثم أن نغيّر كل فرضيّاتنا الأساس».

ويضيف: «المصيبة الشخصية التي حلّت بي لم تغير موقفي، بل العكس هو الصحيح. أرى دولتنا، بعد سنوات من تحذيرنا بأننا على حافة هاوية، ها هي الكارثة الكبرى التي تنزل على الشعب اليهودي منذ الهولوكوست، في ظل حكم يمين خالص سيقودنا إلى الهلاك. أجندتي اليوم هي وقف الحرب، أولاً». ويشدد بقوله: «ممنوع الدخول إلى غزة. ممنوع فتح جبهة في لبنان. مُلزمون بإعادة المخطوفين، دفن موتانا والبكاء. أعيننا غارقة في الدم الآن، ونحن مُساقون للذبح. الذبح الذي تعرض له والداي وغيرهما، سيكون لا شيء مقارنة بالذبح الذي يمكن أن يحدث هنا. ينبغي لنا تغيير كل مصطلحاتنا وفرضيات الأساس التي تقول، إن أمن دولة إسرائيل يقوم على القوة العسكرية».

فلسطينيون وراء حاجز يفصلهم عن جثث خارج مشرحة مستشفى «ناصر» بمدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

في الرثاء الذي ألقاه يوتام كيبنيس، عضو إدارة «زَزيم - حراك شعبي»، في مراسم تشييع جثمان والده، أفيتار كيبنيس، الذي قتله عناصر من «حماس»: «والدي التزم بالسلام. لن نصمت حينما تدوّي المدافع، ولن ننسى أن والدي كان يحب السلام. سنقدّس الحياة وليس الموت، لأن ثمة خيراً في العالم يستحق النضال من أجله، وليس من أجل الانتقام. والدي لم ينسَ أن في غزة أيضاً أشخاصاً أبرياء عالقين بين مطرقة الحكومة الإسرائيلية وسندان ديكتاتورية (حماس). (حماس) هي العدوّ وليس الفلسطينيين. (حماس)، التي دعمتها وقوتها عن وعي كامل، هذه الحكومة التي تؤمن بالحرب العِرقية. نحن أيضاً لن ننسى أن الحرب لن تنتهي فعلياً إلا بإحلال السلام».


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.