ماكرون تناسى الدعوة لهدنة ودفع باتجاه تحالف إقليمي - دولي لمحاربة «حماس»

قراءة في نتائج جولة الرئيس الفرنسي الشرق أوسطية

الرئيس الفرنسي مساء الأربعاء متحدثاً للصحافة في مطار القاهرة بعد انتهاء جولته الشرق أوسطية (أ.ب)
الرئيس الفرنسي مساء الأربعاء متحدثاً للصحافة في مطار القاهرة بعد انتهاء جولته الشرق أوسطية (أ.ب)
TT

ماكرون تناسى الدعوة لهدنة ودفع باتجاه تحالف إقليمي - دولي لمحاربة «حماس»

الرئيس الفرنسي مساء الأربعاء متحدثاً للصحافة في مطار القاهرة بعد انتهاء جولته الشرق أوسطية (أ.ب)
الرئيس الفرنسي مساء الأربعاء متحدثاً للصحافة في مطار القاهرة بعد انتهاء جولته الشرق أوسطية (أ.ب)

يومان (الثلاثاء والأربعاء) أمضاهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متنقلاً من إسرائيل إلى الضفة الغربية ثم الأردن لينهي جولته الشرق أوسطية في مصر. لم يكن أول مسؤول غربي يقوم بزيارة إسرائيل بعد عملية «طوفان الأقصى» التي أطلقتها «حماس»، صبيحة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي؛ إذ سبقه قادة الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، فضلاً عن رئيسة المفوضية الأوروبية ومجموعة من وزراء خارجية الدول الغربية. من هنا، كان على ماكرون، كما يقول سفير فرنسي سابق، أن «يأتي بجديد» يوفر لجولته الاهتمام المطلوب، ويعيد لفرنسا دوراً دبلوماسياً فقدته في المنطقة، حيث كان يُنظر إليها على أنها «التحقت بالركب الأميركي»، وأن «زمن الجنرال ديغول والرئيسين فرنسوا ميتران وجاك شيراك قد ولَّى من غير رجعة».

كان على ماكرون الذي يبحث عن «نقطة التوازن» أن يعيد تأكيد وقوف بلاده إلى جانب إسرائيل والتضامن معها في «حقها المشروع في الدفاع عن النفس»، من جهة. ومن جهة أخرى التذكير بضرورة حماية المدنيين في غزة، من غير لجم ذراع إسرائيل الضاربة. ومقابل الدعم لما تقوم به إسرائيل في غزة، والامتناع عن انتقادها، وجد ماكرون المخرج؛ بالتأكيد على ضرورة الحل السياسي السلمي والعودة إلى المسار التفاوضي الهادف، في نهاية المطاف، إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل مع توفير ضمانات أمنية لها. ولأن الكلام شيء والإجراءات العملية شيء آخر، فقد أعلن ماكرون، في القاهرة، آخر محطات جولته، أن باريس ستبدأ بإرسال مساعدات إنسانية جواً (بدءاً من اليوم/ الخميس) كما أن الباخرة العسكرية «لا تونير»، وهي بمثابة مستشفى عائم، ستبحر باتجاه مياه غزة خلال 48 ساعة لتقديم المساندة للقطاع الصحي الذي شلَّته الضربات الإسرائيلية إلى حد بعيد. وسبق لماكرون أن قال، في الحديث المشترك إلى الصحافة مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، إن فرنسا ستعمل على إعادة المياه والتيار الكهربائي إلى مستشفيات القطاع.

الرئيسان المصري والفرنسي في مؤتمر صحافي مشترك في القصر الرئاسي في القاهرة يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

من الصعب توجيه الانتقاد إلى مقاربة ماكرون التي يمكن عدّها «متوازنة»، مقارنةً بالمواقف الغربية (الأميركية والبريطانية والألمانية)؛ فقد أعاد إلى الواجهة ضرورة الحل السياسي بالعودة إلى محدداته المقبولة دولياً، التي تم تناسيها منذ زمن بعيد. كما أن تأكيده في رام الله وفي القاهرة على أن «حياة الفلسطيني تساوي حياة الفرنسي وحياة الإسرائيلي»، بدا لفتة مهمة؛ بالنظر إلى تساقط آلاف الضحايا الفلسطينيين في غزة وسط لا مبالاة غربية واضحة.

كذلك، فإن سعيه للضغط على نتنياهو للتخلي عن فكرة اجتياح غزة من شأنه أن يقلل من أعداد القتلى والمصابين الذين بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء وتجنُّب تدمير كامل القطاع وبنيته التحتية ومساكنه... أما مطالبته بإطلاق سراح الرهائن بأيدي «حماس»، وربما أيضاً بأيدي «الجهاد الإسلامي»، فهي مطالبة مشروعة، خصوصاً أن من بين قتلى «طوفان الأقصى» 31 فرنسياً وفرنسية، غالبيتهم من مزدوجي الجنسية، إضافة إلى تسعة فرنسيين يُرجَّح أنهم من بين المختطَفين.

بيد أن ما بدر عن الرئيس الفرنسي شابته بعض العيوب، وأولها أنه خلال 48 ساعة من وجوده في المنطقة لم يطلق مرة واحدة دعوة إلى وقف إطلاق النار، ولا إلى هدنة إنسانية، خصوصاً أن هذا الطلب سمعه من رئيس السلطة الفلسطينية ومن ملك الأردن ومن الرئيس المصري.

وقبل ذلك، أكدت عليه رئيسة الحكومة الفرنسية في كلمتها إلى البرلمان الفرنسي، مساء الاثنين، وأشارت إليه مصادر الإليزيه، قبل انطلاق ماكرون إلى مطار تل أبيب بساعات.

وبحسب هذه التأكيدات، فإن ماكرون كان سيدعو إلى «هدنة إنسانية» يمكن أن تتطور لتصبح وقفاً لإطلاق النار. والحال أن ماكرون الذي دعا إلى تمكين المساعدات الإنسانية من الوصول السريع والكافي إلى غزة وإلى حماية المدنيين من القصف، كان يعرف تماماً أن الطائرات الحربية الإسرائيلية لم توفر في قصفها المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس لا، بل مناطق جنوب القطاع التي دعت سكان غزة إلى اللجوء إليها. وفسرت أوساط فرنسية أن امتناعه عن الدعوة إلى وقف لإطلاق النار أو حتى إلى هدنة لا يمكن فصله عن الموقف المشترك الإسرائيلي - الأميركي - البريطاني - الألماني الذي يرى أن الهدنة أو وقف إطلاق النار يعني «تقييد حركة إسرائيل التي لم تحقق بعد هدف القضاء على (حماس)، كما يعني تمكين المنظمة الفلسطينية من استعادة أنفاسها».

العاهل الأردني والرئيس الفرنسي خلال لقائهما في القصر الملكي في عمان صباح الأربعاء (رويترز)

صحيح أن ماكرون حذَّر، من القاهرة، الطرف الإسرائيلي من اجتياح قطاع غزة، الأمر الذي عدَّه بمثابة «خطأ» كبير لن يساهم في «حماية إسرائيل على المدى الطويل... وليس متناسقاً مع تحييد المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وحتى قواعد الحرب»، لكن الصحيح أيضاً أن ما تقوم به إسرائيل، منذ نحو 3 أسابيع، ومن غير الاجتياح البري، لا يحترم أياً من القواعد التي ذكرها الرئيس الفرنسي الذي اكتفى بالإشارة إلى «الحماية المدنية». ويدور جدل في مجلس الأمن وداخل الاتحاد الأوروبي حول التعبير الممكن استخدامه دون طلب الهدنة؛ فمشروع القرار الأميركي الذي سقط الأربعاء في مجلس الأمن، والذي صوَّتت فرنسا لصالحه استخدم تعبير «توقف إنساني» (breaks) عن القصف وليس هدنة (Truce). والأمر نفسه يدور داخل الاتحاد الأوروبي الذي فشل وزراء خارجيته الأربعاء في الاتفاق على الدعوة إلى هدنة بسب تمسُّك ألمانيا بموقفها الرافض للهدنة. وأقصى ما تقبل به برلين هو «وقف للعمليات الإسرائيلية» لساعات يمكن خلالها إيصال المساعدات بسلام إلى غزة والخروج الآمن لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.

في سعيه للوقوف إلى جانب إسرائيل، اقترح الرئيس الفرنسي توسيع نطاق عمل التحالف الدولي لمحاربة «داعش» الذي نشأ في عام 2014، برعاية الولايات المتحدة واستخدامه لمحاربة «حماس» باعتبار أنها، كما «داعش»، «تسعى إلى تدمير إسرائيل». وبحسب الرئيس الفرنسي، فإن باريس يمكن أن تعمل على جمع أطراف إقليمية (عربية) ودولية لمحاربة «حماس»، وأن ذلك سيكون في «مصلحة إسرائيل وأمنها كما في مصلحة أطراف أخرى»... بيد أن اقتراح ماكرون لم يلقَ تجاوباً خارجياً، وجاء مفاجئاً للداخل الفرنسي. إلا أن المدهش أن مصادر الإليزيه سعت لاحقاً للتخفيف من وقعه، نافيةً أن يعني إرسال جنود فرنسيين إلى غزة القيام بأعمال حربية، بحيث تقلص نطاقه إلى تبادل المعلومات والتشاور والتنسيق. وتزامن تصريح ماكرون مع ما دعا إليه مساعد وزيرة الخزانة الأميركية من أجل بناء «تحالف دولي غرضه مكافحة شبكة تمويل (حماس)». وقال والي أدييمو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الهدف هو «بناء تحالف مع دول المنطقة، ولكن أيضاً في جميع أنحاء العالم لمكافحة تمويلها (حماس)».

ماكرون مع الرئيس الفلسطيني مساء الثلاثاء في رام الله (أ.ف.ب)

في محطاته الأربع، شدد ماكرون على الحاجة للعودة إلى المسار الدبلوماسي التفاوضي وصولاً إلى الحل السلمي. ورغم اعترافه في رام الله بـ«صعوبة معاودة هذا المسار»، فإنه أصرَّ على أنه «ضروري اليوم أكثر من أي يوم مضى» لمنع ما سماها «المجموعات الإرهابية الأكثر راديكالية» من الاستفادة من غيابه وتسخيره لمصلحتها. إلا أن الرئيس الفرنسي الذي وصل إلى السلطة منذ 6 سنوات، لم يظهر اهتماماً كبيراً بهذا الملف الذي تراجع إلى فقرة تقليدية تُذكر في نهاية البيانات التي تتناول ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. ولم تشر باريس إلى أن الحل السياسي دفنته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 2014، وقضت عليه سياسة الاستيطان المتواصلة في الضفة الغربية تحت سمع العالم ونظره. وفي أي حال، تُعد رسالة ماكرون على المستويين السياسي والدبلوماسي إيجابية، شرط ألا يتم تناسيها عندما تتوقف الحرب، ويجد الغرب أن نتنياهو وحكومته الأكثر راديكالية في تاريخ إسرائيل لا يريدان مطلقاً ولادة دولة فلسطينية.


مقالات ذات صلة

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتلى سقطوا في هجوم إسرائيلي أمام مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ف.ب)

«حماس» و«الجهاد» تحصيان خسائرهما البشرية خلال حرب غزة

دشنت «كتائب القسام» الجناح المسلح لـ«حماس»، صفحة عبر تطبيق «تلغرام»، للكشف عن قيادات ونشطاء ميدانيين قتلوا خلال الحرب وفي الخروق المستمرة بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».