إيران تحتجز دبلوماسياً أوروبياً منذ أكثر من 500 يوم

أوقفته السلطات في أثناء عودته من رحلة سياحية

يوهان فلوديروس (تويتر)
يوهان فلوديروس (تويتر)
TT

إيران تحتجز دبلوماسياً أوروبياً منذ أكثر من 500 يوم

يوهان فلوديروس (تويتر)
يوهان فلوديروس (تويتر)

قالت السويد والمفوضية الأوروبية، اليوم (الاثنين)، إن مواطناً سويدياً محتجز في إيران، وذلك بعدما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن المحتجز أكثر من 500 يوم هو مسؤول سويدي يعمل لدى فريق العمل الدبلوماسي التابع للاتحاد الأوروبي، وهي أحدث حالة معروفة لاحتجاز مواطن أجنبي، ما يجعل منه ورقة تفاوضية مهمة في يد طهران، وسط حالة من التوتر السياسي مع الغرب.

وذكرت وزارة الخارجية السويدية: «احتُجز مواطن سويدي، وهو رجل في الثلاثينات، في إيران، في أبريل (نيسان) 2022»، وأضافت: «تعمل وزارة الشؤون الخارجية وسفارة السويد في طهران بشكل مكثف على القضية وتتواصلان بشكل وثيق مع الاتحاد الأوروبي».

وأكد أيضاً متحدث باسم المفوضية الأوروبية، اليوم (الاثنين)، أن مواطناً سويدياً محتجز في إيران، لكنه أحجم عن الخوض في مزيد من التفاصيل.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» في وقت سابق من اليوم (الاثنين)، أن إلقاء القبض على هذا المسؤول الأوروبي، الذي ظل قيد الكتمان لأكثر عن عام من جانب سلطات السويد والاتحاد الأوروبي، يأتي بمثابة جزء من نمط متنامٍ لما أصبحت تُعرف باسم «دبلوماسية الرهائن» الإيرانية.

واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني العشرات من مزدوجي الجنسية والأجانب في السنوات الأخيرة، ومعظمهم واجهوا تهم تجسس، فيما يتهم نشطاء حقوقيون إيران باعتقال مزدوجي الجنسية والأجانب بهدف الضغط على دول أخرى لتقديم تنازلات.

وتوصلت طهران وواشنطن الشهر الماضي إلى اتفاق يشمل إطلاق سراح خمسة مواطنين أميركيين محتجزين في إيران والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في كوريا الجنوبية قيمتها ستة مليارات دولار. وفي العاشر من أغسطس (آب) نقلت طهران أربعة أميركيين من سجن «إيفين» إلى فندق رهن الإقامة الجبرية، إذ انضموا إلى مواطن أميركي خامس يخضع بالفعل للإقامة الجبرية في منزله، في الخطوة الأولى من اتفاق يُسمح بموجبه للخمسة في نهاية المطاف بمغادرة إيران.

وقالت إيران إن واشنطن ستفرج أيضاً عن بعض الإيرانيين من السجون الأميركية.

في مايو (أيار) الماضي، أطلقت إيران سراح عامل الإغاثة البلجيكي أوليفييه فانديكاستيل الذي سُجن 15 شهراً في إيران بتهمة التجسس، وهي تهمة نددت بها بلجيكا وأوروبا، مقابل الإفراج عن الدبلوماسي أسد الله أسدي الذي أفرجت عنه بلجيكا بعدما قضى خمس سنوات في السجن بتهمة الإرهاب.

وأفرجت إيران في الأشهر الأخيرة عن ستّة أوروبيين. إلا أن هذه الحالة الأخيرة، التي لم يجرِ الكشف مسبقاً عن تفاصيلها، تحتل مكانة خاصة نظراً للخلفية المهنية للمحتجز بوصفه مسؤولاً أوروبياً.

ويُدعى المسؤول المحتجز يوهان فلوديروس، 33 عاماً، سويدي الجنسية، وتقلد مناصب عدة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بل شارك كذلك في حملة إعلانية لاجتذاب الشباب السويدي لتقلد وظائف داخل الاتحاد الأوروبي.

وحسب «نيويورك تايمز»، زار فولديروس إيران الربيع العام الماضي، في إطار ما وصفها مقربون منه بأنها رحلة سياحية خاصة برفقة الكثير من الأصدقاء السويديين. وبينما كان يستعد لركوب طائرة العودة من طهران في 17 أبريل 2022، احتُجز داخل المطار.

وفي يوليو (تموز) العام الماضي، أصدرت الحكومة الإيرانية بياناً أعلنت فيه إلقاءها القبض على مواطن سويدي بتهمة التجسس، وهو محتجَز الآن داخل سجن «إيفين» سيئ السمعة بالعاصمة طهران.

وتحدثت «نيويورك تايمز» إلى ستة أشخاص على معرفة مباشرة بالقضية، وقد طلبوا جميعاً عدم كشف هويتهم، خشية التعرض لردود فعل سلبية على تناولهم الأمر. وأنكروا جميعاً تورط فولديروس في أعمال تجسس.

ولم تكشف السويد أو الاتحاد الأوروبي هوية الرجل. وقالت وزارة الخارجية السويدية: «في تقديرنا، إن ناقشت الوزارة تحركاتها علناً فسيعقّد ذلك التعامل مع القضية. وفي ضوء هذا، لا نرى داعياً لتأكيد أي أسماء» حسبما أوردت «رويترز».

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن فولديروس عمل مساعداً للمفوضة الأوروبية المعنية بشؤون الهجرة، يالفا جوهانسون، بدايةً من عام 2019، وفي عام 2021 انضم للدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية، الذراع الدبلوماسية للاتحاد.

وسبق أن زار فولديروس إيران، خلال مهمة عمل تخص الاتحاد الأوروبي، حيث عمل بالبرنامج الإنمائي الخاص بالاتحاد، حسبما أفاد مطلعون على خلفيته المهنية.

كان فولديروس عضواً بالوفد الدبلوماسي الأوروبي المعنيّ بأفغانستان، لكنه لم يزر كابل قط بسبب سيطرة جماعة «طالبان» على البلاد في أغسطس (آب) 2021. واضطلع فولديروس بعمله من داخل مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل، حيث عاش لسنوات عدة، حسبما ذكر مطلعون على خلفيته.

من ناحيتها، أعلنت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية أنها «تتابع عن قرب شديد قضية مواطن سويدي محتجز في إيران»، لكنها لم تقرّ بأن الشخص المعنيّ يعمل لديها أو أن فولديروس سبقت له زيارة إيران في إطار مهمة عمل رسمية تتبع الاتحاد الأوروبي.

وقالت نبيلة ماسرالي، المتحدثة باسم الدائرة: «يجب النظر إلى هذه القضية كذلك في إطار حالات الاحتجاز التعسفي المتزايدة بحق مواطنين من الاتحاد الأوروبي. لقد عمدنا إلى استغلال وسنمضي في استغلال كل فرصة ممكنة لإثارة القضية مع السلطات الإيرانية لضمان إطلاق سراح جميع مواطني الاتحاد الأوروبي المحتجزين تعسفياً داخل إيران».


مقالات ذات صلة

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

شمال افريقيا المواطن الألماني أولوماسكان سينان مع مدير الإعلام بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

كواليس عملية استخباراتية جزائرية لتحرير ألماني احتُجز في النيجر

لا يزال الغموض يكتنف قضية «الرهينة الألماني» الذي تسلّمته الجزائر من النيجر بعدما خطفته «مجموعة إجرامية مسلحة» وطالبت بفدية، وفق تقارير صحافية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معانقاً سيسيل كوهلر في حديقة قصر الإليزيه بعد وصولها إلى باريس عقب 4 سنوات احتجاز بإيران (أ.ف.ب)

«صدفة أم تسوية» أغلقت ملف الرهائن بين باريس وطهران؟

إغلاق ملف الرهائن بين باريس وطهران ووزير خارجية فرنسا يقول: لم نربط أبداً مصير رهائننا بخياراتنا الخارجية.

ميشال أبونجم (باريس)
الولايات المتحدة​ صورة مُرسلة بتاريخ 28 فبراير 2026 تُظهر قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان (د.ب.أ)

اتهام أميركي لـ«طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن»

أدرجت الولايات المتحدة الاثنين أفغانستان ضمن قائمة الدول الراعية للاحتجاز غير القانوني، واتهمت «طالبان» بممارسة «دبلوماسية الرهائن».

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لمن قال إنه قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس» بلال أبو عاصي استهدفه اليوم في قطاع غزة (صفحة المتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي على إكس)

غارة إسرائيلية تستهدف قيادياً في «حماس» شارك بهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، استهداف قائد في فيلق النخبة التابع لحركة «حماس»، والذي شارك في هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، في غارة جوية إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في طائرة الرئاسة «إير فورس وان» بعد مغادرته المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس متوجهاً إلى واشنطن - 22 يناير 2026 (أ.ب)

ترمب: «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة ... وعلينا نزع سلاحها

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة مع موقع «أكسيوس»، الاثنين، إن حركة «حماس» ساعدت في تحديد مكان رفات آخر رهينة إسرائيلي، وعليها الآن نزع سلاحها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن إيران «تسعى بشدة» إلى التوصل لاتفاق مع واشنطن، لكنه شدّد على أنه لن يقبل بتسوية وصفها بأنها «غير مثالية»، مجدداً تأكيده أن طهران لن تحصل على سلاح نووي. وأضاف ترمب، خلال زيارة إلى آيرلندا، أن إيران «تتصل باستمرار» سعياً إلى إجراء محادثات، لكن «عليهم أن يتوصلوا إلى اتفاق مناسب... لن أبرم معهم اتفاقاً غير مناسب».

وطرح ترمب احتمال استمرار انخراط الولايات المتحدة في إيران، وربط ذلك بإمكانية الاحتفاظ بالنفط، مشبهاً هذا الخيار بالترتيبات الأميركية المتعلقة بفنزويلا. وقال الرئيس الأميركي: «سنخرج في نهاية المطاف من إيران، إلا إذا قررنا البقاء والاحتفاظ بالنفط مثل فنزويلا»، مضيفاً أن الإيرادات الأميركية من فنزويلا «دفعت ثمن الحرب مرات كثيرة».

وتأتي هذه التصريحات فيما أصبح مضيق هرمز من أبرز أوراق الضغط في الحرب، نظراً إلى أهميته لحركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.

من جانبه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن إطار عمل لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز. وقال بزشكيان، أمس، إن الجانبين أجريا محادثات بشأن المضيق، وتوصلا إلى «إطار عمل محدد وخطة عمل»، على أن يناقش اجتماع وزاري في عُمان، اليوم (الاثنين)، تفاصيل هذا التفاهم.

من جهة أخرى، كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الهجمات على السفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة في إيران من دون تفويض القيادة العليا، وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب.

وبحسب التحقيق، فإن الهجمات التي وقعت في أوائل يوليو (تموز) لم تكن جزءاً من قرار رسمي متفق عليه داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، لكنها أدت عملياً إلى نسف التفاهمات التي كانت واشنطن وطهران تعملان عليها، وإعادة الصراع إلى مسار التصعيد العسكري.


كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أوج نفوذه مطلع يوليو (تموز)، بعد نجاحه للتو في التفاوض على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة. وكان قد سافر إلى العراق المجاور للمشاركة في مراسم تشييع ضخمة للمرشد الأعلى الإيراني الذي قُتل في الحرب علي خامنئي.

وفجأة، تلقى خبراً صادماً.

فقد فتحت القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما أدى إلى اشتعال ناقلة نفط قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى. وأصبحت إيران تحت وطأة انتقادات دولية واسعة.

وفي غضب واضح، اتصل بزشكيان هاتفياً بالجنرال أحمد وحيدي، القائد العام لـ «الحرس الثوري» الإيراني القوي، وبصوت مرتفع وصف ما حدث بأنه عمل متهور وطالب بتفسيرات، وفقاً لخمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في «الحرس الثوري» مطلعين على الأحداث.

وقال المسؤولون الخمسة إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يأذن بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به. وأضاف أنه حتى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يؤدي دوراً محورياً في كل من الحرب والمفاوضات، لم يكن على علم بالعملية.

في الواقع، لم يكن كثير من قادة البلاد يعلمون أن فصيلاً متشدداً هامشياً قرر التحرك من تلقاء نفسه. وفي نهاية المطاف، أدت تلك التحركات السرية إلى إفشال جهود قادها براغماتيون أكثر اعتدالاً في إيران لإنهاء الأعمال القتالية مع الولايات المتحدة وإصلاح اقتصاد البلاد المتعثر.

شكوك في صحة رسائل خامنئي

صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ونجح المتشددون، جزئياً، لأن الشخص الوحيد الذي يملك السلطة لحسم مثل هذه الخلافات ــ المرشد الجديد مجتبى خامنئي ــ ظل بمثابة «شبح» منذ توليه منصبه في مارس (آذار). فلم يظهر علناً، ولم يُسمع صوته. كما أثيرت تساؤلات حول صحة البيانات والرسائل المكتوبة المنسوبة إليه، بما في ذلك من جانب بزشكيان نفسه، وفقاً لثلاثة مسؤولين إيرانيين.

وعاد بزشكيان فوراً إلى طهران، في صباح اليوم التالي، وبينما كانت مراسم التشييع لا تزال جارية، ردت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، وعاد البلدان إلى الحرب. وقال مسؤولون إيرانيون كبار وعضو في «الحرس الثوري»، في مقابلات، إن ما أعقب ذلك كان من أكثر المواجهات السياسية اضطراباً داخل القيادة الإيرانية في الذاكرة الحديثة. ودخل مسؤولون في مشادات وصراخ متبادل، وهدد جنرالان كبيران بالاستقالة، فيما تبادل المسؤولون اتهامات بالخيانة والغدر.

وأضاف المسؤولون أن تداعيات تلك المواجهات أسهمت في إجراء تغيير في قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي تعيين المرشد للجنرال محسن رضائي، وهو سياسي مخضرم وقائد سابق لـ «الحرس الثوري»، على رأس المجلس، نظراً إلى الاعتقاد بأنه يمتلك المهارة اللازمة للوساطة بين الفصائل السياسية المتنافسة.

المتشددون في موقع أقوى

لكن الانقسامات لا تزال قائمة، فيما أصبح المتشددون الذين دفعوا إيران نحو التصعيد في موقع أقوى. وفي الأسبوع الماضي، تبادلت إيران والولايات المتحدة الهجمات، إذ استهدفت إيران مراراً سفناً حربية أميركية للمرة الأولى، بينما فجرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ثماني ناقلات نفط إيرانية.

ويستند هذا التقرير عن المداولات الداخلية لقيادة إيران إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين، وثلاثة أعضاء في «الحرس الثوري»، وأربعة مسؤولين سابقين، إضافة إلى مراجعة عشرات الخطب والتصريحات لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين، نُشرت في الصحافة الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي بين يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول). وتحدث المسؤولون الذين أُجريت معهم المقابلات شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً إلى حساسية القضايا المتعلقة بالأمن القومي.

«رجل المخابرات» النافذ

حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين إن التحقيقات التي أجرتها الحكومة والأجهزة الأمنية خلصت إلى أن قرار استهداف السفن التجارية الثلاث في يوليو (تموز) يعود إلى حسين طائب، وهو رجل دين ومسؤول استخبارات نافذ عارض اتفاق السلام مع الولايات المتحدة منذ البداية.

وقال المسؤولون إن طائب كان يبلغ المرشد الأعلى الجديد بأن إيران ارتكبت خطأ بإنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق. وفي خطاب ألقاه مؤخراً أمام عائلات عسكريين، قال طائب إنه لم يكن معارضاً للمحادثات، لكنه أضاف أن «المفاوضات التي تتجاهل حقوق شعبنا وتتنازل أمام المطالب المفرطة للعدو لا مكان لها في السياسة الإيرانية».

وكان خامنئي قد عيّن طائب مؤخراً رئيساً لقوات «الباسيج»، التي تتولى مسؤولية قمع المعارضة والاضطرابات الداخلية.

وكان طائب قد شغل لأكثر من 20 عاماً منصب رئيس جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، قبل أن يعزله المرشد السابق في عام 2022 بسبب إخفاقات، من بينها اختراق إسرائيلي لصفوف الجهاز وإحباط مؤامرة في تركيا.

وعاد طائب إلى الواجهة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، في بداية الحرب ولعب دوراً رئيسياً في اختيار نجله مجتبى خلفاً له، وفقاً لما قاله مسؤولون في ذلك الوقت.

«القضاء على آفاق أي مفاوضات»

بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (أرشيفية- الرئاسة الإيرانية)

وقال علي رضا نامور حقيقي، وهو خبير في الشأن الإيراني ومسؤول سابق لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة داخل الحكومة الإيرانية، في مقابلة من كندا: «تم تدبير الهجوم على السفن بهدف نسف مذكرة التفاهم مع ترمب، والقضاء على آفاق أي مفاوضات أو اتفاقات مستقبلية».

وعندما طالب بزشكيان بمعرفة الجهة التي هاجمت السفن الثلاث، أُبلغ بأن قادة ميدانيين تصرفوا من تلقاء أنفسهم، استناداً إلى أمر يمنحهم صلاحية مهاجمة أي سفينة تنتهك سيطرة إيران على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية، وفقاً للمسؤولين المطلعين على تلك المناقشات.

وفي إحدى علامات الخلاف، لم يصدر «الحرس الثوري» أي بيان يعلن فيه مسؤوليته عن هجوم 7 يوليو، كما جرت العادة في هجمات أخرى قبل ذلك وبعده. ونقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين في الساعات الأولى التي أعقبت الهجمات، محملين مسؤولية ما حدث لعناصر مارقة، وفقاً لمسؤولين أميركيين أطلعوا الصحافيين على التطورات في ذلك الوقت، وللمسؤولين الإيرانيين الثلاثة.

وأُوفد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى عُمان، التي تؤدي دوراً رئيسياً في الوساطة، في محاولة لتهدئة التوترات مع واشنطن.

وفي الوقت نفسه، كان المتشددون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون الرسمي الإيراني يهاجمون علناً فريق التفاوض واتفاق السلام الذي توصل إليه، فيما كانت الحشود، خلال التجمعات الليلية، تهتف للمطالبة بالعودة إلى الحرب.

* «خدمة نيويورك تايمز»


ترمب: لن أبرم اتفاقاً غير مناسب مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: لن أبرم اتفاقاً غير مناسب مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تكثفت التحركات السياسية حول مضيق هرمز، يوم الأحد، وسط تشدد أميركي بشأن أي تسوية مع طهران، ومساعٍ إيرانية ـ عُمانية لإعادة تنظيم الملاحة في الممر الاستراتيجي، فيما تتحدث تقارير عن استعداد سلطنة عُمان لاستضافة اجتماع إقليمي لبحث الترتيبات الجديدة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران تسعى بشدة إلى التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، لكنه شدّد على أنه لن يقبل بتسوية وصفها بأنها «غير مناسبة»، مجدداً تأكيده أن طهران لن تحصل على سلاح نووي.

وقال ترمب، خلال زيارة إلى آيرلندا، إن إيران «تتصل باستمرار» سعياً إلى إجراء محادثات، مضيفاً: «عليهم أن يتوصلوا إلى اتفاق مناسب. لن أبرم اتفاقاً غير مناسب».

وأعاد الرئيس الأميركي توقعه بانتهاء الحرب مع إيران خلال العام الحالي، مرجحاً أن يحدث ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، أو بعدها. وقال إن أسعار البنزين ستنخفض «بشدة» بمجرد انتهاء الحرب، في إشارة إلى التداعيات المباشرة للصراع على أسواق الطاقة.

ترمب يلوّح بخيار فنزويلا

وفي مؤشر إلى أن المصالح الاقتصادية ستكون حاضرة في حسابات واشنطن، طرح ترمب احتمال استمرار انخراط الولايات المتحدة في إيران، وربط ذلك بإمكانية الاحتفاظ بالنفط، مشبهاً هذا الخيار بالترتيبات الأميركية المتعلقة بفنزويلا.

وقال الرئيس الأميركي: «سنخرج في نهاية المطاف من إيران، إلا إذا قررنا البقاء والاحتفاظ بالنفط مثل فنزويلا»، مضيفاً أن الإيرادات الأميركية من فنزويلا «دفعت ثمن الحرب مرات كثيرة».

وتأتي هذه التصريحات فيما أصبح مضيق هرمز من أبرز أوراق الضغط في الحرب، نظراً إلى أهميته لحركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.

تفاهم إيراني ـ عُماني بشأن هرمز

عراقجي يجري مباحثات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في طهران (أرشيفية- الخارجية الإيرانية)

في المقابل، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن إطار عمل لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز. وقال بزشكيان، يوم الأحد، إن الجانبين أجريا محادثات بشأن المضيق وتوصلا إلى «إطار عمل محدد وخطة عمل»، على أن يناقش اجتماع وزاري في عُمان يوم الاثنين تفاصيل التفاهم.

وحسب وكالة «تسنيم»، اتفقت إيران وعُمان على مسارات جديدة للدخول إلى المضيق والخروج منه. وأفادت الوكالة بأن التفاهم لا يعني إعادة فتح المضيق فوراً، وإنما يضع الأساس لذلك.

لكن بزشكيان ربط بوضوح إبقاء الممر مفتوحاً بإنهاء الولايات المتحدة ما وصفه بـ«الحصار» و«أعمالها العدوانية» ضد إيران. وقال إن بلاده ستبلغ المنظمة البحرية الدولية بنتائج الاجتماع الوزاري، في خطوة تهدف إلى إضفاء إطار رسمي على الترتيبات البحرية الجديدة.

خلاف حول المسارات البحرية

وتكشف المواقف الإيرانية عن استمرار التفاوض حول طبيعة الملاحة في المضيق، إذ أفادت «تسنيم» بأن التفاهم يتضمن إبقاء المسار الجنوبي مغلقاً، رغم إصرار الولايات المتحدة على استخدامه. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه طهران قد تمسكت، منذ بداية الأزمة، بما عدّته حقها في إدارة حركة السفن عبر المضيق، واشترطت التنسيق معها قبل العبور.

وبذلك، تبدو قضية المسارات البحرية واحدة من أبرز نقاط الخلاف، إلى جانب الشرط الإيراني المتعلق بإنهاء الحصار والهجمات الأميركية على الموانئ الإيرانية.

ومن المقرر، وفق عدة تقارير إعلامية، أن تستضيف مدينة صلالة العُمانية، يوم الاثنين، اجتماعاً يضم إيران والعراق وبعض الدول الأخرى، لبحث الترتيبات المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز. وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المشاركين سيطلعون على تفاصيل التفاهم الإيراني ـ العُماني، والخرائط الخاصة بالمسارات البحرية الجديدة، إلى جانب مشروع بيان مشترك.

وأضاف أن الوثائق ستُرسل لاحقاً إلى المنظمة البحرية الدولية لتسجيلها ضمن آليات المنظمة، مؤكداً أن جدول أعمال الاجتماع «محدد وواضح» وينحصر في الترتيبات البحرية الجديدة للمضيق. كما أشار عراقجي إلى أن الاجتماع، رغم تركيزه على هرمز، قد يفتح الباب أمام مشاورات مستقبلية بشأن قضايا أخرى تهم دول المنطقة، عادّاً أن انعقاده بهذه الصيغة يمثل فرصة لتعزيز الحوار وبناء الثقة.

وسعت إيران إلى تقديم الاجتماع بوصفه خطوة تتجاوز معالجة أزمة الملاحة، إذ قالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» إنه يمثل «الخطوة الأولى نحو إنشاء إطار إقليمي للتعاون الأمني» في الخليج. وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الاجتماع يمكن أن يُشكّل «ركيزة أساسية لضمان الاستقرار والأمن».

وشدّد عراقجي على أن طهران تؤمن بأن دول المنطقة هي المسؤولة عن أمنها واستقرارها، داعياً إلى الحوار والتعاون بعيداً عن تدخل القوى من خارج المنطقة.

لكن الاجتماع الإقليمي لن يضم جميع دول الخليج، إذ أعلنت البحرين عدم مشاركتها، مبررة ذلك بتعرضها لهجمات إيرانية. ويعكس غياب المنامة صعوبة بناء توافق شامل بشأن الترتيبات الأمنية والبحرية في ظل استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. وتحاول عُمان، التي تحتفظ بعلاقات مع مختلف أطراف الأزمة، استثمار موقعها بوصفها وسيطاً في الدفع نحو ترتيبات تقلل مخاطر التصعيد حول المضيق.

هرمز في قلب الحرب

منصة تجريف عائمة وسفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز يوم 7 سبتمبر (أ.ب)

تحول مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) إلى نقطة مواجهة رئيسية بين إيران والولايات المتحدة. وردت طهران على الهجمات الأميركية والإسرائيلية بإغلاق الممر وفرض قيود على حركة السفن.

وكان المضيق، قبل الحرب، مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية، ويمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.

وتسعى طهران حالياً إلى إضفاء طابع رسمي على ترتيبات إدارتها للملاحة، بما في ذلك فرض «بدل خدمات» على السفن العابرة، بينما ترفض واشنطن أي ترتيبات تمنح إيران سيطرة أحادية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وبينما يصر ترمب على اتفاق «مناسب» لا يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، تربط طهران أي انفراجة في هرمز بإنهاء الحصار الأميركي. وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات حول المضيق جزءاً من صراع أوسع على شروط إنهاء الحرب، وليس مجرد تفاوض على قواعد الملاحة.

لا سفن تعبر منطقة الحصار

وكانت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قد أعلنت مؤخراً أن قواتها غيّرت مسار نحو 100 سفينة تجارية خلال الأيام الستين الماضية، منذ استئناف الولايات المتحدة فرض حصار أطلقت عليه اسم «الجدار الفولاذي» على إيران.

وقالت القيادة إن أي سفينة لم تعبر منطقة الحصار من دون الحصول على إذن من القوات الأميركية، مؤكدة أن أفراد الخدمة الأميركيين يواصلون تركيز جهودهم على تنفيذ هذه المهمة.

وأضافت أن الإجراءات تأتي في إطار العمليات الأميركية المستمرة لتطبيق الحصار المفروض على إيران ومراقبة حركة الملاحة التجارية في المنطقة.

وقال ترمب عبر حسابه على «تروث سوشيال»، يوم السبت، إن «كل شيء سيسير على ما يرام»، وذلك رداً على سؤال حول ما إذا كان بإمكانه المساعدة في ضمان انسياب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

يُذكر أنه منذ تفجر الحرب بين إيران وأميركا في 28 فبراير الماضي، شلت الحركة بشكل كبير في هرمز جراء التهديدات الإيرانية للسفن. فبينما كان المضيق يشهد عادة مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع السائبة وسفن الحاويات، تقلص العدد إلى عشرات.

وكان يمر عبر المضيق نحو 20 في المائة من الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. فيما أدى الحصار الأميركي المفروض على حركة الشحن المرتبطة بإيران إلى توقف صادرات النفط الخام الإيرانية منذ إعادة فرض العقوبات في منتصف يوليو (تموز).