مواجهات الإريتريين في تل أبيب: الصراع السياسي في أسمرا ينتقل إلى إسرائيل

كشفت فشل بن غفير وعجز الشرطة وربما مؤامرة تتعلق بالاحتجاجات ضد الحكومة

مواجهات الإريتريين في تل أبيب: الصراع السياسي في أسمرا ينتقل إلى إسرائيل
TT

مواجهات الإريتريين في تل أبيب: الصراع السياسي في أسمرا ينتقل إلى إسرائيل

مواجهات الإريتريين في تل أبيب: الصراع السياسي في أسمرا ينتقل إلى إسرائيل

من الصعب أن يتصور المرء سلسلة إخفاقات بهذا الحجم في غضون بضع ساعات، تقع فيها الحكومة الإسرائيلية بمختلف مركباتها، من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، وحتى قادة الشرطة والمخابرات. ولعل أفضل تلخيص لما يجرى جاء في السؤال الذي طرحه رئيس البلدية، رون خلدائي، وهو يضع يده على خده قائلاً: «هل نحن دولة حقاً؟».

هذه الإخفاقات تبدو صعبة التصديق أنها تحصل في دولة بقوة إسرائيل في القرن الحادي والعشرين.

وما حصل هو أن سفارة إريتريا في تل أبيب قررت إقامة مهرجان فني، كما تفعل في كل سنة بقية السفارات الإريترية في أنحاء العالم، تقريباً. هذا الاحتفال تقيمه حكومة إريتريا منذ سنة 1991، عندما تولت «الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا» الحكم، بعد الانفصال عن إثيوبيا؛ لا بل كانت الجبهة تقيمه منذ أن تحررت إثيوبيا كلها، بما فيها إريتريا، من الاستعمار الإيطالي في سبعينات القرن الماضي، وتعرض فيه فلكلور إريتريا، وتجمع فيه التبرعات للجبهة في كفاحها لأجل التحرر الوطني من حكم إثيوبيا. وعندما تحررت واصلت تنظيم الاحتفال بوصفها دولة عبر السفارات.

هذه المرة، قرر أعداء نظام إريتريا في إسرائيل تنظيم مظاهرة أمام مقر الاحتفال، وتقدموا بطلب تصريح رسمي من الشرطة. ومع أن طالبي التصريح كتبوا فيه أن عدد المشاركين المتوقع سيكون في حدود 4 آلاف شخص، قدرت الشرطة عدد المشاركين الفعلي بأنه لن يتعدى 300 شخص. والسبب في ذلك أن اللاجئين الإريتريين في إسرائيل الذين يقدر عددهم بنحو 18 ألفاً باتوا منتشرين في شتى أنحاء البلاد (بالإضافة إليهم هناك 3269 سودانياً و2098 أفريقياً)، ولم يعتادوا على إقامة مظاهرات رغم مضي 15 سنة على وجودهم في إسرائيل.

عصي وأعلام خلال اشتباكات عنيفة في تل أبيب بين طالبي لجوء من إريتريا (رويترز)

هذه التقديرات لم تجد من ينقضها، لا في الشرطة ولا في المخابرات ولا في قسم الشؤون الاجتماعية في بلدية تل أبيب- يافا. لذلك، تقرر تخصيص فرقة من 30 شرطياً لحراسة المقر ومراقبة المتظاهرين، فشرطة تل أبيب تستعد عادة للمظاهرات الضخمة التي تقام كل سبت منذ 35 أسبوعاً، وتكون أكبرها في تل أبيب؛ حيث يصل عدد المتظاهرين إلى 150– 300 ألف. لكن في صبيحة السبت المنصرم، وصل بلاغ إلى الشرطة يقول إن أعداء النظام من بين اللاجئين، يخططون للتبكير في مظاهرتهم، وإحراق المقر حتى يمنعوا الاحتفال بالقوة، ولذلك، تقرر رفد قوة الشرطة المذكورة بقوة من حرس الحدود قوامها 50 شخصاً. إلا أن هذه القوة لم تتمكن من الوصول إلى المكان في الموعد.

في هذه الأثناء، كان مؤيدو النظام من بين اللاجئين قد علموا بتنظيم المظاهرة المعادية والنية لإحراق المقر، فجهزوا أنفسهم جيداً، وحضروا يحملون الهراوات والسكاكين وسيارتين محملتين بالحجارة. وحالما وصلوا راحوا يعتدون على المتظاهرين ويحاولون طردهم بالقوة. وخلال ذلك، كان الطرفان، مؤيدو النظام وأعداؤه، يحطمون كل ما يجدونه في طريقهم، السيارات والحوانيت والبيوت، وغيرها.

في الأثناء، بدا أن قوات الشرطة تتصرف مثل مجموعة من المكفوفين الذين يلعبون كرة القدم، فيضرب واحدهم الآخر، ولم يستطيعوا التفرقة ما بين المؤيدين والمعارضين، ولم يظهر عليهم أنهم يفهمون ما الذي يجري على أرض الواقع. وعندما فشلوا في تفريق المتظاهرين، وجدوا أن عدد الجرحى من أفراد الشرطة زاد على عدد الجرحى من المتظاهرين، فتلقوا أوامر باستخدام الرصاص المطاطي ثم الرصاص الحي. ولذلك بلغت الإصابات 170 شخصاً، بينهم 40 شرطياً، وأعلنت حالة طوارئ في مستشفيات تل أبيب والمنطقة، وتم تفعيل الطائرات المُسيَّرة وطائرة مروحية. وتم تبكير موعد وصول قوات الشرطة إلى مظاهرات تل أبيب المسائية، وكان عليها أن تصل النهار بالليل.

إخفاق استخباري

في تحقيقات أولية، يتضح أن أول الإخفاقات مربوط بالحكومة والقيادات السياسية. فكما هو معروف، مفتش الشرطة يعقوب شبتاي، كان قد أقال قائد شرطة تل أبيب، عامي إيشد؛ لأن العلاقات بينهما كانت متوترة منذ قدوم شبتاي إلى الشرطة (جاء من حرس الحدود، أي من خارج الشرطة).

رجل أمن إسرائيلي بجوار نافذة محطمة خلال اشتباكات عنيفة في تل أبيب بين طالبي لجوء من إريتريا (إ.ب.أ)

الوزير بن غفير ومعه رئيس الحكومة نتنياهو وغيرهما من الوزراء، أيدوا إقالة إيشد؛ لأنهم كانوا غاضبين عليه، ويتهمونه بالتعامل الناعم مع المتظاهرين ضد الحكومة. وكانوا يهاجمونه علناً لأنه لم يمنع المتظاهرين من إغلاق شارع إيلون في مظاهرات السبت الأسبوعية. وقد رد عليهم بأنه لا يريد أن يغرق الشوارع بدماء المتظاهرين، ولا يريد أن يمس بحق التظاهر الديمقراطي، ولا أن يملأ غرفة الطوارئ في المشافي بالجرحى. وقد اعتبروا موقفه «تعاطفاً صريحاً مع حملة الاحتجاج، وعداء سافراً للحكومة».

لكن المشكلة أنهم اختاروا مكان إيشد، اللواء بيرتس عمار، الذي جلبوه من حرس الحدود، وليست لديه معرفة مسبقة بجنوب تل أبيب ويافا؛ حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين الأفريقيين. ونقلوا نائبه إلى لواء آخر، ولم يعينوا نائباً محله حتى الآن، رغم مضي شهر ونصف شهر على تسلمه المنصب. وهذا إخفاق يدل على أن عملية تغيير قيادة الشرطة في تل أبيب تتم بشكل متسرع ودون دراسة، وتترك عدة ثغرات.

وعندما وقعت الواقعة، وبدأت الاشتباكات في تل أبيب، واتضح كم هي الشرطة عاجزة ومرتبكة وضائعة، حضر المفتش العام للشرطة، وأزاح قائد لواء شرطة تل أبيب جانباً، وراح يقود العمليات بنفسه. وعملياً، بات يتحمل أيضاً المسؤولية عن الإخفاقات التالية التي تمثلت في إطلاق الرصاص على المتظاهرين والاشتباك غير المهني معهم، والذي تسبب في إصابة عدد كبير من رجال الشرطة، وعدم السيطرة على الموقف طيلة 5 ساعات، قاموا خلالها بنشر الرعب بين سكان تل أبيب وضيوفها، ودمروا كثيراً من الممتلكات (سيارات وحوانيت ومطاعم وبيوت).

وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك الإخفاق الاستخباري؛ حيث لم يتوقع أحد قدوم هذا العدد من المتظاهرين، وتبين أن المخابرات الإسرائيلية لم تكن تعرف بوجود هذا العدد الكبير من مؤيدي النظام الإريتري في إسرائيل، ولا تعرف أنهم منظمون بهذه القوة، وقادرون على تنظيم اعتداء كهذا في قلب تل أبيب.

نظرية المؤامرة

اللافت، أن نظرية المؤامرة دخلت على الخط من الطرفين، الحكومة والمعارضة. ففي محيط نتنياهو وبن غفير سُمعت ادعاءات بأن هناك من تعمد في الشرطة والمخابرات، إخفاء المعلومات عن قدوم مؤيدي النظام لتنفيذ هذا الاعتداء، لكي تحدث فوضى تخرّب على الحكومة وتظهرها عاجزة.

وليثبتوا صحة شكوكهم، يشيرون إلى أن مظاهرات كهذه وقعت في الأيام الأخيرة في كل من السويد وألمانيا والولايات المتحدة وكندا، وخلالها تم الاعتداء على المهرجانات، وتدخلت الشرطة واعتقلت متظاهرين من الجانبين. ويفترض بالمخابرات الإسرائيلية والشرطة، أن تعرفا أن هذه المظاهرات يمكن أن تنتقل إلى تل أبيب.

صدامات في تل أبيب بين طالبي لجوء من إريتريا السبت (رويترز)

تتسق هذه الشكوك مع فكرة اتهام الحكومة الإسرائيلية لكل أجهزة الأمن الإسرائيلية، بأنها مؤيدة لمظاهرات الاحتجاج ضد خطة إصلاح القضاء، وأنها تستخدم قضية الإريتريين للمساس بالحكومة. كما يتهمون المحكمة العليا الإسرائيلية بالوقوف سداً أمام طرد الأفريقيين.

وأما في المعارضة، فيتهمون الحكومة باستغلال الإريتريين لأغراضها السياسية، فهي أولاً تريد أن تبعد أنظار الجمهور عن مظاهرات الاحتجاج الأسبوعية. وهي تريد ثانياً أن تتخلص من الإريتريين، فتركت لهم حرية الاشتباك والاقتتال حتى تطرد المشاغبين. فالحكومة بقيادة نتنياهو ترفض أي حلول تبقي لاجئين إريتريين في إسرائيل. وتوصلت الأمم المتحدة إلى عدة صياغات تضمن خروج نصف الإريتريين وكذلك اللاجئين من السودان إلى بلدان أخرى. لكن حكومة نتنياهو التي أيدت الاقتراح في البداية عادت وتراجعت، وتصر على طردهم إلى الخارج.

ومنذ بداية السنة الجارية، غادر إسرائيل 1910 لاجئين إريتريين، و116 لاجئاً سودانياً، و50 لاجئاً أفريقياً آخر، مقابل منح 3500 دولار لكل واحد منهم. وبعد هذه الأحداث تم الكشف عن مؤيدي النظام في إريتريا، وهؤلاء يمكن طردهم بسهولة حسب منظومة حقوق الإنسان.


مقالات ذات صلة

«اجعلوا أميركا ترحل»... قبعة ترمب تتحول لأداة سخرية ضد تهديداته لغرينلاند

الولايات المتحدة​ القبعات حملت شعار «اجعلوا أميركا ترحل» (أ.ف.ب) play-circle

«اجعلوا أميركا ترحل»... قبعة ترمب تتحول لأداة سخرية ضد تهديداته لغرينلاند

سخر متظاهرون في الدنمارك من تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاستيلاء على غرينلاند، فارتدوا قبعات بيسبول حمراء تحمل شعار: «اجعلوا أميركا ترحل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز) play-circle

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، ​الأحد، نقلاً عن مسؤولين، أن وزارة الحرب الأميركية أمرت نحو 1500 جندي في الخدمة بالاستعداد لنشر ‌محتمل في ولاية ‌مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من إضراب سائقي المركبات الثقيلة (ناشطون في مجال النقل)

الحكومة الجزائرية تلجأ للتهدئة لإخماد «ثورة الناقلين»

خضعت السلطات الجزائرية لضغط الشارع المهني، بإقرار تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور المثير للجدل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز) play-circle

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن حملة القمع ضد المتظاهرين بإيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
مباشر
احتجاجات إيران: هدوء نسبي... وخامنئي يهاجم ترمب (تغطية حية)

مباشر
احتجاجات إيران: هدوء نسبي... وخامنئي يهاجم ترمب (تغطية حية)

 أعلنت منظمة «هرانا» الحقوقية السبت، أن أكثر من ثلاثة آلاف شخص قتلوا في الاحتجاجات التي تجتاح إيران، بينما شهدت العاصمة طهران هدوءاً نسبياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
TT

«الحرس الثوري»: نحذر أميركا وإسرائيل من أي «حسابات خاطئة»

قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)
قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور (أرشيفية - رويترز)

حذر قائد «الحرس الثوري» الإيراني محمد باكبور، اليوم (الخميس)، كلاً من الولايات المتحدة وإسرائيل من ارتكاب أي «حسابات خاطئة»، مؤكداً أن الحرس جاهز بقوة لتنفيذ توجيهات القيادة.

وقال باكبور: «جاهزيتنا أكثر من أي وقت مضى، ومستعدون لتنفيذ أوامر القائد الأعلى للقوات المسلحة». وأضاف: «على العدو أن يستخلص العبر مما مضى كي لا يواجه مصيراً أكثر إيلاماً».

وسبق أن لوّح البرلمان الإيراني بإصدار فتوى بـ«الجهاد» إذا تعرض خامنئي لأي هجوم، في وقت وسّعت فيه السلطات حملة الاعتقالات بحق محتجين مع تصاعد الضغوط الدولية.

ونقلت وسائل إعلام رسمية عن لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان أن استهداف المرشد سيُعدّ «إعلان حرب» ويفضي إلى إصدار «فتوى جهاد من علماء الدين واستجابة من جنود (الإسلام) في جميع أنحاء العالم».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عما وصفه بالتدمير الكامل لبلاده «وقتل شعبه» في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مؤخراً، وقال: «حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران».


إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
TT

إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)

أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز»، اليوم (الخميس)، نقلاً عن مسؤولين حكوميين كبار بأن إسرائيل تدرس بيع حصص في عدد من كبرى شركات تصنيع الأسلحة في مسعى لزيادة إيراداتها لتعويض الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي جراء الحرب التي استمرت عامين في قطاع غزة.

وقال المحاسب العام بوزارة المالية الإسرائيلية يالي روتنبرغ، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز»، إن العمل قد بدأ بالفعل على خصخصة «شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية».

وأوضح روتنبرغ أن الحكومة الإسرائيلية تدرس مبدئياً بيع حصة نسبتها 25 في المائة في «شركة صناعات الفضاء»، مضيفاً أن الحصة قد تصل إلى 49 في المائة.

وبحسب الصحيفة البريطانية، تدرس إسرائيل أيضاً إمكانية خصخصة شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة».


منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
TT

منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)

نشرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، التي تُعنى بحقوق الإنسان، تقريراً جديداً لها حول ما يحدث في السجون مع الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقضايا أمنية، ويحتوي على شهادات مفزعة عن حجم العنف الذي يمارسه السجانون والجنود ورجال الشباك. ومن ضمن أمور أخرى، وردت في التقرير شكاوى عن عنف جنسي وتجويع وتنكيل وظروف معيشة قاسية وحرمان من العلاج.

ويتضمن التقرير، الذي يرتكز على مقابلات مع سجناء تم إطلاق سراحهم، شهادات لأربعة منهم عن تنكيل جنسي شديد من قبل السجانين والجنود.

إحراق بالسجائر

وقالت إدارة «بتسيلم»، إن هذه الشهادات وغيرها تؤكد أن هناك تدهوراً كبيراً في أوضاع الأسرى الفلسطينيين بالمقارنة مع ما كشفته في سلسلة شهادات وتقارير في السنتين الأخيرتين. وعرضت أمثلة على ذلك في إفادة الأسير المحرر محمد أبو طويلة (35 سنة) من غزة، الذي كشف أنه خلال التحقيق معه أطفأ الجنود السجائر في جسده، وصبوا عليه حامض الكلوريدريك وأحرقوا ظهره بالولاعة.

وقال سجين آخر سُجن في عوفر وكتسيعوت: «في التحقيق معي كانوا يأخذونني إلى غرفة تسمى غرفة الديسكو، وخلال ستة أيام سمحوا لي بشرب قنينة مياه واحدة في اليوم، وأكل خيارة واحدة، وقطعة من الخبز الفاسد الذي داس عليه الجندي قبل أن يعطيني إياها. أنا تعرضت للضرب الذي لا يتوقف، وبين حين وآخر تعرضت لضربات كهربائية. جلست على كرسي من الحديد من الصباح حتى المساء. خارج الغرفة كان يوجد مكبر صوت ضخم يطلق أغاني بالعبرية بصوت مرتفع لا يحتمل. طبلة أذني ثقبت وبدأت تنزف». وشهد أيضاً بأنه على ضوء غياب المراحيض في الغرفة، فقد اضطر إلى التبول في ثيابه.

ويشير التقرير إلى أنه يوجد في السجون التابعة لمصلحة السجون اليوم أكثر من 9 آلاف سجين أمني تقريباً، معظمهم لم يتم تقديمهم للمحاكمة، ينتمون إلى فئة من فئات، وهم على النحو التالي: معتقلون قبل المحاكمة، ومعتقلون اعتقالاً إدارياً، و«مقاتلون غير قانونيين»، وهو تعريف قانوني إسرائيلي غير مقبول في القضاء الدولي، استهدف كل من يشتبه فيهم من غزة بأنهم من النخبة الحمساوية من دون إعطائهم حقوق المعتقلين الجنائيين أو أسرى الحرب.

ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 توفي منهم 84 سجيناً، بينهم قاصر، وتواصل إسرائيل احتجاز جثث 80 منهم. إضافة إلى ذلك، فإنه منذ بداية الحرب تُمنع طواقم الصليب الأحمر من زيارة السجون، والمحكمة العليا تمتنع حتى الآن عن إجبار إسرائيل على السماح بذلك.

وينتقد التقرير بشدة بشكل خاص قسم ركيفت في سجن الرملة، الذي تم إغلاقه في الثمانينات على خلفية ظروف السجن القاسية فيه، وأعيد فتحه في أعقاب تعليمات من وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير. هذا الجناح يوصف بأنه «الأسوأ في مصلحة السجون»، وذلك على ضوء مكانه، حيث يوجد تحت الأرض والسجناء لا يرون الضوء فيه أبداً.

تآكل الجلد وانتشار الجرب

ويقتبس التقرير بيانات نشرتها منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» تشير إلى أن 67 في المائة من بين الـ349 سجيناً الذين زارتهم المنظمة تعرضوا على الأقل لحادثة واحدة من العنف القاسي في منشأة الاعتقال. على سبيل المثال، تامر قرموط (41 سنة) من بيت لاهيا شهد على تكبيل مؤلم لفترة طويلة. وحسب قوله، فإن الأصفاد كانت مشدودة جداً، بحيث تآكل جلده ولحمه حتى العظام. «الألم كان شديداً ومتواصلاً. عندما تدهور وضعي أخذني الجنود إلى مكان فيه طبيبة قامت بعلاجي. خلال يوم كامل انشغلت في إخراج كمية كبيرة من الدماء الملوثة والجلطات الدموية».

صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن ربع السجناء يعانون من مرض الجرب، وقال جبريل الصفدي (45 سنة)، المصاب بمرض السكري، وكان سجيناً في سدي تيمان، إنه في اليوم التالي لوصوله إلى السجن بدأ يشعر بألم شديد في قدمه. «فقدت القدرة على الوقوف بالتدريج، واستيقظت لأجد نفسي غارقاً في بركة دماء. أصبت بصدمة، ونظرت إلى قدمي فرأيت أنها مصابة وتنزف».

وحسب الصفدي، فإن الضرب الذي تلقاه على الكلى أدى إلى تفاقم حالته، الأمر الذي دفع الأطباء في النهاية إلى بتر ساقه اليمنى. وقال إنه رغم عملية البتر، فإنه ظل يتعرض لتحقيق قاس شمل التعذيب إلى أن تم إطلاق سراحه في نهاية المطاف في جزء من صفقة المخطوفين.

وروى إبراهيم فودة، من بيت لاهيا الذي كان معتقلاً في كتسيعوت، في شهادته: «لقد قطعوا المياه، وعندما أعادوها لم يستمر ذلك إلا لساعة واحدة. لم يكن أمامنا خيار إلا شرب المياه الملوثة. كنا نخزن المياه في طيات الخيمة أو بطانتها، وأحياناً كنا نُجبر على الشرب من المراحيض».

معسكرات تعذيب

وتقول يولي نوفيك، المديرة العامة لـ«بتسيلم»: «لقد تحولت مراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات التعذيب، وذلك في جزء من هجوم النظام الإسرائيلي المخطط له واسع النطاق ضد المجتمع الفلسطيني، الذي يهدف إلى تفكيك الفلسطينيين وتدميرهم. وتعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية من أشد مظاهر هذه السياسة تطرفاً».

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل سدي تيمان الإسرائيلي فقد بصره بسبب التعذيب (الشرق الأوسط)

وقد ردت مصلحة السجون بالقول: «تعمل مصلحة السجون وفقاً للقانون، وبما يتوافق مع أحكامه وقرارات المحاكم، وتخضع لإشراف ومراقبة هيئات التفتيش الرسمية. ويُحتجز كل السجناء وفقاً للقانون، مع ضمان حقوقهم وحصولهم على العلاج اللازم، وتوفير ظروف معيشة مناسبة لهم، وفقاً لأحكام القانون».