ليبيا: أزمة السيولة واحتياجات المواطنين تفجّران جدلاً حول «مشاريع التنمية»

جُل الليبيين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح للنهوض بالقطاعات الخدمية الأساسية كالصحة والتعليم

الدبيبة خلال افتتاح «المتحف الوطني» في طرابلس الذي أثار انتقادات عدد كبير من الليبيين (رويترز)
الدبيبة خلال افتتاح «المتحف الوطني» في طرابلس الذي أثار انتقادات عدد كبير من الليبيين (رويترز)
TT

ليبيا: أزمة السيولة واحتياجات المواطنين تفجّران جدلاً حول «مشاريع التنمية»

الدبيبة خلال افتتاح «المتحف الوطني» في طرابلس الذي أثار انتقادات عدد كبير من الليبيين (رويترز)
الدبيبة خلال افتتاح «المتحف الوطني» في طرابلس الذي أثار انتقادات عدد كبير من الليبيين (رويترز)

هيمنت أزمة نقص السيولة على المشهد الليبي؛ في ظل تكرار حالات اصطفاف المواطنين أمام المصارف لساعات طويلة، إلى جانب نقاشات موسعة مع خبراء ومسؤولين حول سبل المعالجة، كما برزت الأزمة في سياق آخر، تمثل في إثارة الجدل حول «المشاريع التنموية»، ومن بينها افتتاح «المتحف الوطني» في طرابلس؛ إذ قوبل الإنفاق الكبير على تجديد المَعلم الحضاري والعروض الاحتفالية المصاحبة، بانتقادات واسعة، واعتُبر «إسرافاً غير مقبول» في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، في حين رأى آخرون أنه «يعكس الوجه الحضاري والإرث الثقافي للبلاد».

تكرار جدل «المشاريع»

يرى مراقبون أن الجدل حول المشاريع، وإقامة المنشآت العامة، بات ظاهرة متكررة في ليبيا، وهي تعكس انقساماً واضحاً في الرأي العام بين من يُثمّنها بوصفها «تجسيداً للبعد الحضاري للدولة»، وبين من يعتبر أن الأولوية يجب أن تُمنح لتلبية احتياجات المواطنين، والنهوض بالقطاعات الخدمية، لا سيما الصحة والتعليم.

عبد الحميد الدبيبة مستقبِلاً رئيس المصرف المركزي ناجي عيسى (حكومة الوحدة)

ولا ينفصل هذا الجدل، وفق تقديرات المراقبين، عن الصراع السياسي القائم بين حكومتَي شرق البلاد وغربها؛ إذ تُوظَّف المشاريع أحياناً لتعزيز صورة كل طرف، ما يجعل تقييمها خاضعاً للاصطفاف السياسي، فترتفع وتيرة الانتقادات عند تنفيذ المشاريع في مناطق نفوذ الخصم، مقابل الاحتفاء بها في مناطق المعسكر نفسه.

ووصف رئيس «لجنة الشؤون السياسية» بالمجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، الجدل الذي تشهده ليبيا حالياً بأنه «متوقع وطبيعي في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها المواطنون». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الشارع «يرى خللاً واضحاً في سياسات الإنفاق لدى الحكومتين، ويكتشف أن الاحتياجات الأساسية ومعالجة أزمات المواطنين ليست ضمن أولويات أيٍّ منهما».

وأضاف معزب أن «الأسر التي تنتظر علاج أحد أبنائها المصابين بأحد الأمراض المزمنة، لا يمكن لومهم على انتقاد، أو عدم التفاعل مع افتتاح ملعب، أو متحف، أو حديقة، أو حتى طريق جديد، وبالمثل لا يمكن لوم رب أسرة يصطف لساعات طويلة أمام المصارف للحصول على راتبه».

بعض الليبيين اعتبروا أن الأموال التي خُصصت للاحتفال بافتتاح «المتحف الوطني» مبالَغ فيها في ظل ضعف الخدمات العامة (أ.ف.ب)

وتتنازع على السلطة في ليبيا حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتي تتخذ من طرابلس غرب البلاد مقراً لها، والثانية بقيادة أسامة حماد، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.

ويرى معزب أن الحل يكمن في «تحقيق توازن استراتيجي بين تلبية احتياجات المواطنين، وتنفيذ المشاريع التنموية والحضارية، التي تبقى ذات قيمة للدولة، حتى وإن لم تظهر آثارها على المدى القريب»، مشدداً على أن «توحيد السلطة التنفيذية، أو حتى الاتفاق على أولويات إنفاق واضحة، من شأنه أن يخفف من حدة الجدل، ويحوّل المشاريع إلى أداة للتنمية، بدلاً من أن تكون، كما هو الوضع الآن، أداة للصراع السياسي، عبر محاولة كل حكومة تعزيز حضورها من خلال مشاريع كبرى، تُدشَّن باحتفالات تحظى باهتمام دولي ومحلي».

تحديد الأولويات

خلال افتتاح «المتحف الوطني»، قال الدبيبة إن المتحف «يمثل ذاكرة الوطن وحضاراته المتعاقبة، ويعكس هوية الشعب الليبي عبر العصور». وأثنى عدد من الإعلاميين والسياسيين على الحدث.

وعبر منصة «حكومتنا» التابعة لحكومة «الوحدة»، أعرب بعض سكان طرابلس عن تقديرهم وسعادتهم بتنظيم حفل الافتتاح، والعروض الفنية المصاحبة له، غير أن كفة الانتقادات بدت هي الأقوى والأرجح. وفي تعليقه على خبر الافتتاح، كتب حساب باسم خالد الزيتوني: «حاضر البلاد يصرخ من الوجع. المعضلة ليست في التاريخ، بل في واقع مواطن مستنزف ودين عام يثقل الدولة». وتساءل صاحب حساب آخر عن مدى استفادة «الشعب والمرضى تحديداً؟»، في حين طالب آخرون بإعطاء أولوية لذوي الاحتياجات الخاصة، بدل إنفاق الأموال على الاحتفالات.

أزمة نقص السيولة ما زالت تهيمن على المشهد الليبي في ظل تكرار حالات اصطفاف المواطنين أمام المصارف (متداولة)

من جهتها، رأت عضوة «ملتقى الحوار السياسي»، آمال بوقعيقيص، أن تصاعد الانتقادات عبر منصات التواصل الاجتماعي وتكرارها يعودان إلى «إجهاض حلم الليبيين في الاستقرار السياسي والاقتصادي، منذ ثورة فبراير (شباط) 2011».

وقالت بوقعيقيص لـ«الشرق الأوسط» إن «تفاقم الأزمات بعد هذا التاريخ دفع قطاعاً واسعاً تدريجياً إلى التخندق في جبهة الاعتراض على أي إنجاز، سواء افتتاح (كوبري) أو مبنى حضاري، أو فعالية ثقافية أو حتى حفل غنائي».

وسبق أن وجّه قطاع من الليبيين انتقاداتهم للحفلات الغنائية، التي شهدتها فعالية بنغازي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ورأوا أنه كان من الأفضل توجيه الأموال للمرضى.

وانضمت بوقعيقيص إلى مطالب قطاع واسع من رواد التواصل بـ«وضع احتياجات المواطنين في مقدمة الاهتمام، كدعم رواتب المتقاعدين، ورعاية أكثر الفئات تهميشاً، وخاصة أن ليبيا دولة نفطية، وعدد سكانها قليل مقارنة بدول الجوار».

تراجع قيمة الدينار بشكل متسارع أثّر على القدرة الشرائية لليبيين (أ.ف.ب)

وشهدت قيمة الدينار تراجعاً متسارعاً في الآونة الأخيرة؛ إذ يبلغ الدولار في السوق الموازية 8.40 دينار، في حين يبلغ 5.42 دينار في السوق الرسمية.

في السياق ذاته، يرى الناشط السياسي، أحمد التواتي، أن «المزاج العام في ليبيا تحوّل في الآونة الأخيرة من تأييد مشاريع التنمية، باعتبارها ساحة تنافس جديدة لأفرقاء الأزمة بعيداً عن الحرب والسلاح، إلى تصاعد الانتقادات تجاهها».

وأوضح التواتي لـ«الشرق الأوسط» أن الليبيين «أدركوا أن الإنفاق على معظم هذه المشاريع، التي تُستخدم في الأغلب كدعاية سياسية، تم عبر الاقتراض، مما أدى إلى تضخم الدين العام وتراجع قيمة العملة، دون خلق نشاط اقتصادي منتج، فضلاً عما يعتريها من فساد».


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وسط البحر.

«الشرق الأوسط» (بنغازي)
شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

نفى الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية الملف القضائي لعبد الله السنوسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.