هل تدفع سياسة نتنياهو إلى وقف المعونة الأميركية لإسرائيل؟

محلل استخباراتي يقر بتزايد صعوبة الدفاع عن سياسات تل أبيب في واشنطن

رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو مع نائب الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن يتحدثان في دافوس في سويسرا في 21 يناير 2016 (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو مع نائب الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن يتحدثان في دافوس في سويسرا في 21 يناير 2016 (أرشيفية - أ.ب)
TT

هل تدفع سياسة نتنياهو إلى وقف المعونة الأميركية لإسرائيل؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو مع نائب الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن يتحدثان في دافوس في سويسرا في 21 يناير 2016 (أرشيفية - أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو مع نائب الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن يتحدثان في دافوس في سويسرا في 21 يناير 2016 (أرشيفية - أ.ب)

تسللت في الآونة الأخيرة أفكار جديدة بشأن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وهي أفكار كان نادراً ما يتم التعبير عنها صراحة قبل سنوات قليلة. هذا التطور يرتبط بالسياسات الأميركية أكثر مما يرتبط بالقضايا المسيطرة على وسائل الإعلام في إسرائيل حالياً.

وهناك فكرة معينة واحدة بدأت تسيطر على الخطاب العام وهي أنه يجب وقف المعونة الأميركية غير المشروطة التي تحصل عليها إسرائيل بقيمة 3.8 مليار دولار سنوياً. وطرح الكاتب الأميركي نيكولاس كريستوف هذا الموضوع مؤخراً في مقال بصحيفة «نيويورك تايمز»، مستشهداً بمواقف مفكرين محترمين لهم سجل قوي في صداقة إسرائيل، وبينهم السفيران الأميركيان السابقان لدى إسرائيل دانيال كيرتز ومارتن إنديك. وهناك آخرون لهم نفس الموقف والخلفية، مثل ماكس بوت الكاتب في صحيفة «واشنطن بوست» يتحدثون عن الفكرة نفسها.

لكن لماذا حدث هذا التغيير في المناقشات العامة بواشنطن الآن؟ يقول المحلل الاستخباراتي الأميركي السابق بول بيلار في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية إن الحجة وراء المطالبة بوقف المعونة الأميركية لإسرائيل ليست قوية فقط، وإنما قائمة منذ وقت طويل. فإسرائيل دولة غنية وهذه الحقيقة ليست جديدة، ويمكن أن تكون من بين أغنى 5 أو 10 دول في العالم وفقاً للمقياس المستخدم لحساب نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي.

الاحتجاجات في تل أبيب على مشروع قانون التعديلات القضائية (أ.ف.ب)

وبغض النظر عن مدى تأييد المرء لاستمرار امتلاك إسرائيل لأكبر قدرات عسكرية في الشرق الأوسط، فإنها تستطيع أن تتحمل تكلفة امتلاك هذه القدرات بنفسها. فمليارات الدولارات التي تقدمها الولايات المتحدة معونة لإسرائيل تمثل دعماً يقدمه دافعو الضرائب الأميركيون لدافعي الضرائب الإسرائيليين. هذا الدعم لم يعد مبرراً، خاصة في ظل استياء الزعماء السياسيين الأميركيين من تزايد عجز الميزانية الأميركية واقتراحهم تخفيضات كبيرة في مخصصات البرامج الحكومية التي تدعم خدمات الصحة والرفاه الاجتماعي والازدهار للأميركيين أنفسهم لكبح عجز الميزانية.

ويضيف بيلار، الذي أمضى أكثر من 28 عاماً في أجهزة الاستخبارات الأميركية حتى أصبح مسؤول ملف الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، إن خبرة السنين أظهرت أن المساعدات الأميركية غير المشروطة لإسرائيل، التي وصلت قيمتها التراكمية حتى الآن إلى 158 مليار دولار، قضت على أي نفوذ أميركي على السياسات الإسرائيلية، باستثناء بعض التصويتات الرمزية في الجمعية العامة للأمم المتحدة على موضوعات يكاد يعارضها الجميع أيضاً في الولايات المتحدة.

وتعد الفوضى السياسية التي فجرتها محاولة حكومة إسرائيل الحالية تغيير النظام القضائي، أحد الأحداث التي عجلت بتغيير مجرى الحديث عن إسرائيل في واشنطن. لكن موضوع تعديل النظام القضائي يعدُّ قضية داخلية إسرائيلية، ويمكن أن تكون له تداعيات دولية غير مباشرة. الحقيقة أن المحكمة العليا الإسرائيلية التي تستهدف التعديلات إدخال تغييرات كبيرة على صلاحياتها وتشكيلها، كانت عائقاً أمام بعض محاولات الحكومة الإسرائيلية لإخضاع الفلسطينيين والضم الفعلي للضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل. لكن قضية صلاحيات وتشكيل المحكمة العليا، تعدُّ بشكل أساسي شأناً داخلياً، وليست موضوعاً مناسباً للتدخل الخارجي، حسبما أوردت «وكالة الأنباء الألمانية».

واستغل المدافعون التقليديون عن إسرائيل في الولايات المتحدة هذه النقطة. وانتقد روبرت ساتلوف المحلل السياسي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتراجع عن خطة تعديل النظام القضائي، وقال إن الرئيس حوَّل أزمة داخلية إسرائيلية إلى قضية سياسية بين الدولتين. كما وجه السيناتور الجمهوري جيمس ريش انتقاداً مماثلاً للرئيس بايدن بسبب تدخله في قضية داخلية إسرائيلية، وقال: «لا أعتقد أنه موقف مقبول، تماماً كما لا نقبل أن يقول لنا الآخرون كيف نتعامل مع المحكمة العليا هنا».

لكن بيلار الذي عمل أيضاً في عدة مناصب تحليلية وإدارية في مجتمع الاستخبارات الأمريكية بما في ذلك رئيس وحدات التحليل المسؤولة عن منطقة الشرق الأدنى والخليج العربي وجنوب آسيا في الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» يرى أن السياق العام للسياسة الأميركية يجعل مثل هذه الانتقادات مضحكة لآن إسرائيل تتدخل بشكل مكثف وفاضح في السياسات الداخلية الأميركية، وهو تدخل تتم التغطية عليه جزئياً بعدم التطبيق الكامل لقانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة، الذي ينظم عمل «جماعات الضغط السياسي» التي تعمل لصالح أي دول أجنبية في الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتصافحان في مايو 2019 (أ.ب)

وأحد العناصر المسيطرة على العلاقات الثنائية بين واشنطن وتل أبيب، هو التحالف السياسي، الذي أصبح بارزاً بين الحزب الجمهوري واليمين الإسرائيلي أثناء حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. وتملي إسرائيل على الأميركيين كيفية التصويت على الكثير من الأشياء بما ذلك انتخابهم لممثليهم في الكونغرس، حتى عندما يؤدي ذلك إلى تفويض الديمقراطية التي يفترض أنها قيمة مشتركة للدولتين.

ويقول بيلار إن الإجابة عن سؤال «لماذا الآن؟» تغير الحديث عن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، لا توجد بشكل أساسي في جوهر مشكلة تعديل النظام القضائي الإسرائيلي، وإنما توجد في الأنماط السياسية الأوسع نطاقاً، التي أصبحت محل تركيز في إسرائيل خلال العام الحالي. أحد هذه الأنماط هو الانقسام السياسي الحاد وبخاصة بين اليهود الإسرائيليين، الذي تجسد في الاحتجاجات غير المسبوقة المناوئة للحكومة. ومع وجود كل هؤلاء اليهود الإسرائيليين الذين يعارضون الحكومة وما تقوم به، أصبح في مقدور السياسيين والمعلقين الأميركيين انتقاد هذه الحكومة دون الخوف من الإضرار بصورتهم كمؤيدين لإسرائيل.

ويتمثل العامل الآخر في حقيقة أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأشد تطرفاً في تاريخ الدولة. ومحاولات رئيس الوزراء نتنياهو المحافظة على الحكومة الائتلافية حتى لا يفقد السلطة ويواجه السجن بتهم الفساد أتاح للمتطرفين سيطرة غير مسبوقة على الحكومة. لذلك فالكثيرون من المفكرين الأميركيين المنتقدين لتوجه الحكومة الإسرائيلية لديهم قلق حقيقي من المستقبل المدمر الذي تقود الحكومة الإسرائيلية الدولة إليه، وهو ما يتوافق تماماً مع تأييد هؤلاء المفكرين لإسرائيل.

ورغم ذلك ينهي بيلار تحليله بالقول إن تغير الخطاب السياسي في واشنطن بشأن إسرائيل لا يعني تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل في وقت قريب، مشيراً إلى تصريحات زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب هاكيم جيفريز، الذي قاد وفداً من الكونغرس لزيارة إسرائيل، وقال فيها إن الجدل بشأن تعديل النظام القضائي لن يؤثر على المساعدات الأميركية. وأضاف أنه حتى إذا تم تقليص المساعدات الاقتصادية لإسرائيل، فإن أشكال الدعم الأميركي الأخرى لها ستستمر بما في ذلك استخدام حق النقض (الفيتو) لصالحها في مجلس الأمن الدولي وغيره من أشكال الدعم الدبلوماسي المطلق لها.


مقالات ذات صلة

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.


وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
TT

وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إلى باكستان التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن، في زيارة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب التي أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على «الانتصار» فيها.

وحلّ عراقجي في إسلام آباد للمرة الثانية خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي، وهذه المرة غداة إلغاء ترمب زيارة كان يتوقع أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وذلك في ظل عدم تحقيق اختراق ينهي الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على طهران في 28 فبراير (شباط).

واستضافت إسلام آباد في وقت سابق من أبريل (نيسان) جولة مفاوضات أولى مباشرة في إطار اتفاق هدنة بين المتحاربين، من دون التوصل إلى اتفاق على إنهاء الحرب التي طالت تداعيتها الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.

وبعد محطته الأولى في إسلام آباد، انتقل عراقجي إلى مسقط ضمن الجولة التي من المقرر أن تشمل روسيا كذلك.

وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) أن عراقجي وصل إلى إسلام آباد بعد ظهر الأحد، آتيا من عُمان حيث التقى السلطان هيثم بن طارق.

وقالت وكالة الأنباء العمانية إن الطرفين بحثا «مستجدّات الأوضاع في المنطقة، وجهود الوساطة والمساعي الرّامية إلى إنهاء النّزاعات».

وكان الوزير الإيراني التقى في باكستان رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحق دار، وقائد الجيش عاصم منير. وقال عراقجي إن طهران تنتظر لتبيان «ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

وكان ترمب قد أعلن، السبت، أن ويتكوف وكوشنر لن يزورا باكستان. وأضاف: «لدينا كل الأوراق. يمكنهم (الإيرانيون) الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس والتحدث عن لا شيء». ورأى أن واشنطن أهدرت «الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل!».

لكن ترمب شدد على أن عدم سفرهما لا يعني استئناف الحرب، مضيفاً أن الإيرانيين «قدموا إلينا وثيقة كان يجب أن تكون أفضل مما هي عليه»، وأنه بعد إلغاء الزيارة «قدموا وثيقة جديدة أفضل»، دون أن يدلي بتفاصيل.


إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.