ماذا لو فاز إردوغان بالرئاسة لـ5 سنوات؟

سياسة خارجية تقليدية... اقتصاد متهالك... نهاية المعارضة

مؤيدو إردوغان يحملون صورته قرب المقر الرئيسي للحزب الحاكم في أنقرة قي 15 مايو الحالي (أ.ف.ب)
مؤيدو إردوغان يحملون صورته قرب المقر الرئيسي للحزب الحاكم في أنقرة قي 15 مايو الحالي (أ.ف.ب)
TT

ماذا لو فاز إردوغان بالرئاسة لـ5 سنوات؟

مؤيدو إردوغان يحملون صورته قرب المقر الرئيسي للحزب الحاكم في أنقرة قي 15 مايو الحالي (أ.ف.ب)
مؤيدو إردوغان يحملون صورته قرب المقر الرئيسي للحزب الحاكم في أنقرة قي 15 مايو الحالي (أ.ف.ب)

ماذا سيحدث إذا فاز الرئيس رجب طيب إردوغان بالرئاسة وبقي في حكم تركيا لمدة 5 سنوات مقبلة؟

في ظل توقعات بأن يفوز إردوغان في جولة إعادة الانتخابات الرئاسية الأحد، أصبح هذا هو سؤال الساعة... حديث متصاعد عن السياسة الخارجية لتركيا، وعن الوضع الاقتصادي، ومصير المعارضة حال خسارة المعركة الأخيرة، والأوضاع الاجتماعية والحريات.

السيناريوهات المتداولة داخل تركيا، ومن المراقبين خارجها، لا تعطي أولوية كبيرة للتغيرات التي ستطرأ على السياسة الخارجية لأنه من المتوقع أن تبقى ثابتة بشكل كبير، لكن السيناريوهات حول السياسة الداخلية تبدو رمادية إلى حدٍ بعيد.

السياسة الخارجية

أعطى إردوغان خلال فترة الحملة الانتخابية لجولة الإعادة مؤشرات على سير السياسة الخارجية والنهج الذي سيتبعه حال فوزه بالرئاسة للمرة الأخيرة، حيث لا يحق له دستورياً الترشح للانتخابات مرة أخرى، مؤكداً أنه سيواصل تحسين العلاقات بدول الخليج ومصر وسوريا وترسيخ العلاقات بروسيا.

أما موقفه مع الغرب فظل على حاله، فقد اتهم الغرب الذي يصفه بالإمبريالية، بدعم منافسه مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو. وذهب إلى أن الغرب لا يريد أن يراه مستمراً في حكم تركيا لأنه لا يريد تركيا قوية.

قال إردوغان في تصريحات الأربعاء إن العلاقات بدول الخليج ستشهد تطوراً كبيراً بعد فوزه في الانتخابات، لافتاً إلى أن دولاً خليجية دعمت اقتصاد تركيا، وأودعت أموالاً ساهمت في تخفيف الضغط على البنك المركزي والأسواق لفترة، حتى وإن كانت قصيرة... «وسترون أن قادة هذه الدول سيأتون إلينا بعد يوم الأحد وسأقوم على وجه السرعة بزيارتهم لتقديم الشكر على دعمهم لنا».

كما أكد إردوغان أن مصر دولة شقيقة مثل دول الخليج وستتطور العلاقات معها بشكل كبير.

وبالنسبة لسوريا يبدو مسار التطبيع صعباً وسيستغرق وقتاً طويلاً، بسبب الخلاف حول نقطة الانسحاب العسكري التركي من شمال سوريا، ولا يتوقع أن يقبل إردوغان مسألة الانسحاب الكامل أو خروج جميع القوات من شمال سوريا.

ويعول إردوغان كثيراً على علاقته المتميزة مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في تحقيق صيغة تضمن تحقيق تقدم مع سوريا، لكن تمسك دمشق بالانسحاب قد يعرقل مسار التطبيع ويطيل أمده.

وإذا فاز إردوغان فمن المتوقع أن يواصل سياسته في دعم أذربيجان ودعمها في النزاع مع أرمينيا في ناغورني قره باغ، وتعزيز العلاقات مع روسيا وإيران مع الحفاظ على التوازن في العلاقات مع حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وبالنسبة للعلاقات مع الغرب، لا يتوقع أن يطرأ تحسن عليها، وإن كانت تركيا لن تغفل محاولات إصلاحها، إلا أن بقاء إردوغان سيتسبب في استمرار الجمود والفتور سواء مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، بسبب الموقف من وضع الديمقراطية وملف حقوق الإنسان والحريات في تركيا إردوغان.

وبحسب المحلل السياسي التركي، سرهات إنجيرلي، لن تنضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو أكبر شريك تجاري لها، لأن التكتل غير راض عن استبداد إردوغان المتنامي، لكنه سيكون على استعداد للبدء من حكومة جديدة من غير إردوغان، مضيفاً: «إذا فاز إردوغان ستخسر تركيا».

الاقتصاد

يبرز ملف الاقتصاد كأسواء الملفات من حيث التوقعات إذا فاز إردوغان بالرئاسة مجدداً.

يتوقع الخبراء والمحللون أن يتواصل التردي الاقتصادي الذي كبَّد تركيا خسائر كبيرة، أهمها تردي الليرة إلى مستويات غير مسبوقة ووصولها إلى مستوى 20 ليرة للدولار في الأسبوع الأخير، ونشوء سوق موازية يباع فيها الدولار عند مستوى 21 ليرة، فضلاً عن تآكل احتياطي النقد الأجنبي، وارتفاع التضخم في ظل تمسكه بخفض معدل الفائدة على الرغم من زيادة التضخم.

الليرة التركية تتراجع (رويترز)

ومع العجز عن زيادة الصادرات، وهروب المستثمرين الأجانب وانسحابهم من السوق التركية، بسبب مخاوفهم من حالة عدم الاستقرار في الأسواق، وإدارة ملف الاقتصاد، فإن إعادة الثقة ستستغرق وقتاً طويلاً جداً.

وأدت السياسات غير التقليدية، بهدف تحفيز النمو، إلى هبوط قيمة الليرة بنسبة 80 بالمائة على مدى السنوات الخمس الماضية وتعميق مشكلة التضخم وانهيار ثقة الأتراك في العملة.

وسادت حالة من الهلع قبل أيام من جولة الإعادة بسبب فرض البنك المركزي قيوداً على السحب النقدي ببطاقات الائتمان، أو استخدامها في شراء الذهب، وفرض حد على سحب العملات الأجنبية وتقييد الشركات بالسحب قبل الحادية عشرة صباحاً.

ويعلق إردوغان آمالاً على الموسم السياحي والحصول على تدفقات جديدة من دول الخليج وروسيا لتعزيز الاحتياطي النقدي.

وحذَّر رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» علي باباجان، الذي تولى حقيبة الاقتصاد في بدايات حكم إردوغان لتركيا وحقق طفرة اقتصادية غير مسبوقة، من أن فوز إردوغان سيزيد الأوضاع سوءاً وسيجعل من الصعب الحصول على تمويل عبر الاستثمارات الأجنبية، وستحدث كارثة اقتصادية حقيقية.

وقال باباجان إنه لا يتحدث بوصفه رئيس حزب معارض الآن بعد ترك حزب العدالة والتنمية الحاكم، بل بصفته مواطناً تركياً أدار اقتصاد البلاد لمدة 11 عاماً، من واجبه أن يقدم هذا التحذير.

نكسة للديمقراطية

توقع الكاتب المحلل السياسي ياوز هالاط، صورة متشائمة لوضع الديمقراطية والحريات وتزايد الضغوط على المجتمع حال فوز إردوغان، وقال إنه في أول 6 أو 7 أشهر من فترة إردوغان الجديدة ستنتهي الحياة السياسية لكليتشدار أوغلو، وسيأخذ مكانه في ألبوم رؤساء حزب الشعب الجمهوري غير الناجحين للغاية، وسيحاول محرم إينجه ومصطفى صاري غول الحصول على رئاسة الحزب.

وتوقع أيضاً أن تنتهي مسيرة ميرال أكشنار السياسية من دون تحقيق حلمها بأن تصبح رئيسة وزراء البلاد، وسينقلب عليها من ساروا خلفها وربما يعودون إلى حزب الحركة القومية، المتحالف مع إردوغان، لضمان الربح.

أما أحمد داود أوغلو، رئيس حزب «المستقبل»، فقد ينتهي به الحال إلى العودة إلى مساره الأكاديمي وانتهاء مشواره السياسي، وكذلك رئيس حزب «السعادة» تمل كارامولا أوغلو، فقط سيحتفظ علي بابا جان بالأمل، نظراً لأنه لا يزال سياسياً شاباً لديه الفرصة لانتظار تطورات السياسة في ظل حظوظه للصعود.

وبالنسبة لرئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، توقع هالاط، ألا ينتظر إردوغان موعد الانتخابات المحلية في مارس (آذار) 2024 للانتقام منه واستعادة إسطنبول، بل سيبادر إلى عزله وتعيين وصي على البلدية.

وأضاف أنه ليس من الصعب التكهن بما سيحدث للحركة الكردية، فسيسعى إردوغان للانتقام من خلال وضع رموزها بالسجون بعدما قالوا: «لن نجعلك رئيساً»، على غرار ما فعل بالرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية، صلاح الدين دميرطاش.

وقال: «ليس من الصعب رؤية ما يمكن لحكومة حزب العدالة والتنمية، التي ليس لديها بديل سوى استخدام الطائرات من دون طيار، أن تفعله في العراق وسوريا والمحافظات الكردية من أجل حل المشكلة الكردية».

ورأى أنه بما أن إردوغان سيكون في ولايته الأخيرة، فإن ما سيحدث في عام 2028، غير معروف «لكنه لن يخشى ألا ينتخب مرة أخرى، ولذلك فلن يحاول إخفاء أي سمة من سمات شخصيته... سيحصل المجتمع بأسره وبكل طبقاته على نصيبه».


مقالات ذات صلة

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية قوات تركية في منطقة «نبع السلام» شمال شرقي سوريا (الدفاع التركية)

أنقرة: لا انسحاب من منطقة «نبع السلام» في سوريا

نفت مصادر عسكرية تركية ما تردد بشأن الانسحاب من مناطق «عملية نبع السلام» في شمال شرقي سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (إ.ف.ب)

في دمشق سكان يراقبون الحرب الإقليمية ويطمئنون على عائلاتهم في الخليج

يشاهد السوريون الحرب عن بعد، بينما تعترض إسرائيل في سماء بلادهم الصواريخ الإيرانية العابرة نحوها، والتي سقطت شظاياها على مناطق في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري يقومون بدورية في ريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

الجيش السوري يعزز انتشاره على الحدود مع لبنان والعراق

أعلن الجيش الحكومي السوري، اليوم الأربعاء، أنه عزز انتشار وحداته على طول الحدود السورية مع لبنان والعراق.

موفق محمد (دمشق)

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب: قضينا على القيادة الإيرانية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب «القضاء على القيادة الإيرانية»، وأن النظام في طهران «يبحث عن قادة جدد»، جازماً بأن «التأثير على إيران سيكون سيئا وسننتهي من ذلك قريبا».

وشدد على أنه لن ينشر قوات في ايران و«لن أرسل جنودا إلى أي مكان». وقال خلال اجتماع مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي «إن كنت سأقوم بذلك، فلن أقوله لكم بالطبع. لكنني لن أنشر قوات».

وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «ألا يهاجم حقول الطاقة».


وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
TT

وزير إسرائيلي يرى الحرب على إيران «نعمة» لبلده

زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)
زئيف إلكين وزير شؤون الهجرة والاستيعاب في إسرائيل وعضو حزب الليكود (حسابه عبر منصة إكس)

عدَّ الوزير الإسرائيلي زئيف إلكين، الخميس، أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران هي «نعمة كبيرة» للدولة العبرية.

وقال إلكين، العضو في حزب الليكود لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «ينبغي ألا يتمحور النقاش حول متى ستنتهي (الحرب)، بل حول كيف لنا أن نطيل أمدها ونفاقم الأضرار».

وأضاف الوزير المعني بشؤون الهجرة والاستيعاب في تصريحات للإذاعة العسكرية: «كلّ يوم من الحملة هو نعمة كبيرة لدولة إسرائيل».

وإلكين عضو أيضاً في المجلس الأمني المصغّر المكلّف إعطاء الضوء الأخضر لعمليات عسكرية واسعة النطاق.

وشنّت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران في 28 فبراير (شباط) أشعلت الحرب في الشرق الأوسط.

والخميس، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إنه لا يوجد «إطار زمني» لإنهاء الحرب على إيران. وصرّح لوسائل الإعلام بأن «القرار النهائي بيد الرئيس لنقول: (لقد حققنا ما نحتاج إليه)».


استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

استهداف الطاقة قد ينقل حرب إيران إلى «كسر النظام»

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع انتقال الضربات الأميركية - الإسرائيلية إلى منشآت الغاز والنفط الإيرانية، ثم ردّ طهران عبر استهداف مرافق طاقة في دول الجوار وتهديد منشآت أخرى في الخليج العربي، تبدو الحرب وقد دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الهدف المعلن في بداياتها، أي تدمير القدرات العسكرية والنووية والصاروخية الإيرانية.

فاستهداف حقل «بارس الجنوبي»، وما تلاه من ضربات إيرانية على رأس لفان، نقل الصراع من حرب على أدوات القوة إلى حرب على ركائز الدولة والاقتصاد والطاقة.

ومع تخطي خام برنت 118 دولاراً للبرميل، وازدياد المخاوف من تعطّل إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج العربي، لم تعد الحرب إيرانية - إسرائيلية، أو أميركية - إيرانية فقط، بل غدت أزمة إقليمية - دولية مفتوحة على أسواق الطاقة والتضخم والسياسة الداخلية الأميركية، خصوصاً بعد طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 200 مليار دولار من الكونغرس، بما يعكس استعداداً لمواجهة قد لا تكون قصيرة.

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)

استهداف الشرايين

التحول الأهم في هذه المرحلة ليس اتساع بنك الأهداف فقط، بل طبيعة الأهداف نفسها. فحين تُستهدف منشآت الغاز والطاقة، فإن المقصود لم يعد حصراً تقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل ضرب قدرتها على الاستمرار كدولة قادرة على إدارة نفسها من الداخل.

فقطاع الطاقة في إيران ليس مجرد مصدر دخل، بل عنصر حيوي لتشغيل الكهرباء والوقود والصناعة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي في بلد يعاني أصلاً ضغوطاً اقتصادية حادة. لهذا تبدو الضربات الأخيرة أقرب إلى محاولة تقليص قابلية النظام على الاحتمال، لا مجرد إضعاف أدواته القتالية.

هذا التحول يفسر أيضاً ازدياد الحديث عن أن الحرب دخلت طور «خلخلة النظام»، لا «ردع إيران» فقط. فاستهداف منشآت الطاقة ترافق مع استمرار تصفية شخصيات أمنية وقيادية رفيعة، بما يوحي بأن الضغط يتجه إلى تفكيك بنية الحكم الأمنية - العسكرية تدريجياً. لكن الفارق بين إضعاف النظام وكسره يبقى كبيراً. فالتقارير الأميركية الأخيرة تشير إلى أن القيادة الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، إلا أن النظام لا يزال قائماً، فيما يزداد نفوذ «الحرس الثوري» داخله بدلاً من ظهور مؤشرات واضحة إلى انهيار قريب. وهذا يعني أن الحرب قد تنجح في إضعاف الدولة من دون أن تنتج سريعاً بديلاً سياسياً مستقراً.

طائرات عسكرية أميركية تظهر على سطح أكبر حاملة طائرات في العالم وسط الحرب على إيران (أ.ف.ب)

لا تفاوض بل تفكيك النظام

في هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فرزين نديمي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تمضيان في حملتهما الجوية لتفكيك النظام في إيران»، وأنهما «تبدوان على المسار الصحيح» رغم اتساع الجغرافيا الإيرانية، وكثرة الأهداف، وتعقيد بنية النظام.

أهمية هذا التقدير أنه يلتقط ما توحي به الوقائع الميدانية: الحرب لم تعد محصورة في شلّ قدرة إيران على الضرب، بل باتت أقرب إلى عملية استنزاف عميقة للبنية التي يقوم عليها الحكم نفسه.

ويضيف نديمي أنه لا يعتقد أن واشنطن أو تل أبيب تفكران حالياً في التفاوض مع النظام، «خصوصاً وهما تقتلان قادته». وهذه نقطة مفصلية، لأنها تعني أن التصعيد القائم لا يُستخدم، في هذه المرحلة، كمجرد ورقة ضغط للوصول إلى تسوية سريعة، بل يبدو مساراً قائماً بذاته لتغيير ميزان القوة داخل إيران.

ومع أنه لا يستبعد اتصالات محدودة مع بعض العناصر داخل النظام، لكنه يعتبر أن ذلك لن يغيّر الصورة العامة. أي أن أي قنوات خلفية محتملة لا تعني أن باب التسوية السياسية فُتح، بل إن المعركة لا تزال تُدار بمنطق الضغط المتصاعد، لا بمنطق التسوية القريبة. وخطورة ذلك أن الحرب كلما تقدمت على هذا النحو أصبحت أكثر تكلفة وأقل قابلية للضبط.

طهران ترفع التكلفة

في المقابل، تبدو إيران واعية أنها لا تستطيع كسر التفوق الجوي الأميركي - الإسرائيلي عسكرياً، لذلك تراهن على سلاح آخر: تعميم التكلفة الاقتصادية. وهذا ما ينسجم تماماً مع تقدير نديمي بأن النظام، وخصوصاً «الحرس الثوري»، يركز على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، وفي الوقت نفسه على «فرض تكلفة اقتصادية على الولايات المتحدة ودول الخليج» تكون موجعة بما يكفي لإجبار واشنطن، وإسرائيل تبعاً لها، على وقف الحملة.

من هنا يمكن فهم الردّ الإيراني على منشآت الطاقة في قطر، ليس بوصفه انتقامياً فقط، بل جزءاً من استراتيجية أوسع؛ إذا ضُربت طاقة إيران، فإن طاقة العالم لن تبقى بمنأى عن النار.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة هشاشة هذه المعادلة، مع إعلان قطر وقوع أضرار واسعة في رأس لفان، وتعليق جزء من نشاط الغاز، وتزايد القلق من تعطل إمدادات تمثل حصة جوهرية من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. هكذا تحاول طهران نقل المعركة من السماء والميدان إلى السوق العالمية، أملاً في أن تُنتج صدمة الأسعار ضغوطاً على الولايات المتحدة وحلفائها، تفعل ما لا تفعله الصواريخ وحدها.

جنود وطائرات تابعة للبحرية الأميركية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (رويترز)

تباين أميركي إسرائيلي

ورغم التنسيق الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، فإن هذه المرحلة تكشف أيضاً فروقاً في حسابات النهاية. فإسرائيل تبدو أكثر استعداداً للذهاب بعيداً في استنزاف النظام الإيراني واغتيال قادته وتوسيع بنك الأهداف بما يهيئ لخلخلة داخلية طويلة المدى.

أما الولايات المتحدة، فمع أنها شريك كامل في الحرب، تبقى أكثر حساسية تجاه الفوضى النفطية، وأسعار البنزين، والتضخم، وردود الفعل الدولية، والانقسام السياسي داخل الكونغرس.

ولهذا يكتسب طلب البنتاغون تمويلاً إضافياً بأكثر من 200 مليار دولار دلالة تتجاوز الجانب المالي. فهو لا يعكس تكلفة الحرب الجارية فقط، بل يكشف أن المؤسسة العسكرية الأميركية تتصرف على أساس أن الحرب قد تطول، وأن استنزاف الذخائر والمخزونات الدقيقة صار مسألة استراتيجية. لكن هذا الطلب نفسه قد يتحول إلى اختبار سياسي صعب للرئيس دونالد ترمب، لأن الحرب التي دخلت طور الطاقة والأسواق لم تعد مجرد ملف أمني خارجي، بل بدأت تضغط مباشرة على الاقتصاد الأميركي وعلى السجال الداخلي بشأن جدوى الحرب وحدودها.

نهاية غامضة

المحصلة أن الحرب على إيران لم تعد، في شكلها الراهن، مجرد حملة لتدمير القدرات العسكرية، بل باتت أقرب إلى حرب على قدرة النظام نفسه على الاحتمال والاستمرار. غير أن الانتقال من إضعاف النظام إلى كسره أو إسقاطه ليس تفصيلاً عملياتياً، بل قفزة استراتيجية شديدة المخاطر. فالتقارير المتوافرة لا تشير بعد إلى انهيار وشيك، بل إلى نظام متضرر، لكنه لا يزال قائماً، وأكثر ميلاً إلى التشدد والاعتماد على «الحرس الثوري». وفي الوقت ذاته، فإن تحويل الطاقة إلى ساحة حرب يرفع التكلفة على الجميع: على إيران، وعلى الخليج، وعلى واشنطن، وعلى الاقتصاد العالمي. لذلك تبدو المشكلة الأساسية اليوم أن التصعيد قد يكون أسهل من الخروج منه. فكل ضربة إضافية قد تزيد الضغط على طهران، لكنها تزيد أيضاً احتمالات حرب أطول، وأسواق أكثر اضطراباً، ونهاية أكثر غموضاً من البداية.