هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

كاظم غيلان يكتب سيرة الناس والمدينة في زمن المحنة واليأس

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد
TT

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

3 مقاصد أساسية انطوى عليها كتاب يوميات كاتب عرايض: «كوديا للنشر والتوزيع – بغداد: 2026» للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان. يتَّصل الأول بالأصل «الشعبي» المقصود لوظيفة «العرضحالجي»، وهي مهنة كتابة «العرايض» أو «العرائض» التي يتولاها «شخص» متعلِّم يعرف أصول كتابة «الشكاوى» بصياغات قانونية معروفة. وكاتب «العرايض» يأخذ على عاتقه «صياغة» «عريضة» تشرح لجهة حكومية، غالباً، حال المشتكي. وكتاب «غيلان» يلتزم في أغلب مفاصله بهذا المعنى والوظيفة لكاتب الـ«عرايض»، ويضيف إليها دلالات أخرى توسِّع كثيراً في الدلالة السردية لمعنى «العرضحال» ليلامس معنى ووظيفة «السيرة» الذاتية للكاتب والمجتمع العراقي الذي عاش فيه، لا سيَّما في عراق التسعينات بناسه المحاصرين. وهو، كذلك، سيرة ثقافية للبلاد ومثقفيها. وفي الدلالة الأخيرة ثمة فائدة أساسية لهذا الكتاب، يمثِّلها «التدوين» اليومي، العشوائي، ربما، ليوميات الحياة تحت حكم الديكتاتور.

كاتب مذكرات أم عرضحالجي؟

في البدء، ثمة خشية أولى، لا يخفيها الكاتب، أن تكون عريضته صيغة مماثلة لمنطق شاع في عراق ما بعد صدام، وفي زمن محايث له أيضاً، عن كتابة «المذكرات» و«السير» الشخصية لشخصيات سياسية، وحتى ثقافية، غلب عليها الكذب والافتعال، بل الرغبة الشديدة بالانتقام وتمرير «بطولات» و«أدوار» زائفة لا أساس لها. يُظهر مدخل الكتاب تفهُّم الكاتب لكتابة المذكرات في مجتمعات ما بعد الديكتاتور؛ فنجده يسأل نفسه: «ماذا سأكتب؟ سيغضب البعض... وربما يفرح البعض». فهل هذا مسوِّغ كافٍ لكتابة تخوض عميقاً في «الشر» و«الخير» على السواء؟ لا يبدو «غيلان» مهتماً كثيراً بالإجابة قدر اهتمامه بإظهار أقصى قدر من الصدق في مراجعة حياته، أقصد مهنته بصفته كاتب عرايض، فيعدنا بأن: «سأقول ما يمليه عليَّ ضميري وللوقائع التي عشتها».

لكن الكتابة عن حافة الموت قهراً وتعسفاً لا تساوي مسألة الصدق أو التماثل معه، أو حتى الادعاء به، لا سيَّما في حالة الكتابة السيرية في ظل سلطة قاهرة، وعنها لاحقاً؛ ثمة ما هو أهم بكثير منها، إنه ما يسمَّى ميثاق السيرة الذاتية كما يفترض فيليب لوجون. والميثاق هنا يتحدَّد بالأصول الثلاثة الرئيسة التي بدأنا بها هذه المراجعة لكتاب أساسي كما نرى. وهو كذلك لأنه يتخطى عقبة الثأر أو الانتقام من كتَّاب ومثقفي العهد البعثي، لينشغل بما هو أساسي، بالضبط بما، وتمثَّله «العريضة» من «تدوينات» يومية تتَّصل بحياة الناس في ظل حكم الديكتاتور. هذا أمر ذو فائدة أساسية. ولكن لماذا أعطى الكاتب هذه الأهمية للعريضة؟ هي ذات قيمة كبرى لسببين. يختصُّ الأول بصفة خاصة؛ كونه خزَّاناً يجمع شكاوى الناس اليومية، الشخصية والرسمية، الموجَّهة للمؤسسات الحكومية.

وفي تلك «العرايض» نجد الحياة اليومية الحقيقية للناس بلا زيادة أو نقصان. وقد تكون تلك «العرايض» الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها من قبل السلطات بما تمثِّله من «احتجاج» و«رفض» رسمي لحياة تضيق بها السبل حتى كأنها تصبح نثاراً يومياً. بجانبها، ثمة «أرشيف» النكات المتداولة، سراً، على شفاه الناس همساً في المقاهي والبيوت. ولا فرق بينهما سوى أنّ العريضة تُكتب بموجب موافقات حكومية أصولية، وبصياغات كتابية تفرضها أنظمة أمنية عقابية، بينما النكتة يخترعها «الشعب» كما يخترع صبره وأوهامه، لكن النكتة لا تصبر كثيراً في حياة الناس وذاكرتهم؛ فهي بعض سبل المقاومة المغلَّفة بكنايات لا تُعدُّ ولا تُحصى. ويؤلف «الشكل» اللساني للعريضة سبباً ثانياً لما يزعم به الكتاب من قيمة متعاظمة للعريضة؛ فهي بعض خطاب السلطة، وبعض خطاب معارضيها. وإذا كانت الصياغات اللسانية المفروضة من قبل أجهزة السلطة، وهي متغيرة حسب تغير السلطة نفسها، فإن الصياغات اللسانية الخاصة بالناس تعبِّر، بوضوح كافٍ، عن «منطق» الحكاية الشعبية. نحن، هنا، إزاء «يوميات» منتظمة يؤلفها كاتب «العرايض»، كل صباح يعيد صياغة حكايات الناس «شكاواهم» في «قوالب» لسانية جاهزة. ولا حدود لمخيلة الواقع التعيس: أمٌّ تشكو أباً «يزني»، يومياً بابنته. عائلة مطرب شهير تلتمس العطف والعفو من صاحب العفو الأول وهو، ذاته، الوحيد القادر على إنهاء حياة أي «مواطن» في بلادنا العظيمة حد اللعنة؛ فهو حاكمها الأوحد.

حياة كاملة نتعرَّف عليها في يوميات كاظم غيلان؛ نحن الذين بقينا، رغم ذلك، في بلاد الواق واق، نعرف منها «الوجه الآخر» لحياة عراقي في أقسى الأزمنة، زمن الجوع والحاجة الماسة للفرار من البلاد، وهو نفسه زمن الهزيمة الشاملة للبلاد وحاكمها. كاتب العرايض يعود بنا إلى لحظة عراقية سابقة سبق لي، شخصياً، أن استمعت لملخصات عنها، كان ذلك بُعيد احتلال البلاد، وكان صاحبها فؤاد التكرلي يشرح لي، في مكان بعيد عن البلاد التي طحنتنا، كيف أنّ باب المحكمة التي دخلها قاضياً، هو نفسه باب الحكاية المختلفة في عراق الخمسينات؛ فكانت قصته المطوَّلة «بصقة في وجه الحياة»، ومثلها بالضبط قصته الشهيرة «الوجه الآخر»، كناية كلية عن المنظور المختلف للحكاية، عامة، وللقصة المفارِقة، جذرياً، عن قصص اليسار العراقي ذات الصياغات السردية الجاهزة. كان باب المحكمة عتبة أولى لعالم مختلف، عالم لا تعبِّر عنه الوقائع المعلنة للعراق الرسمي في تلك الحقبة، والمحكمة وعوالمها الرهيبة كانت هي روح وجوهر «الوجه الآخر» في قصة التكرلي الشهيرة. وهو نفسه ما حققته تلك الجلسة القلقة لكاتب العرايض؛ فقد أعفته من ذلك الـ «مديح» الكاذب للحاكم، كما فعل كثيرون، وفتحت أمامه عالم السحر كله، عالم آخر لا يعرفه سوى من دخله وعاشه، وهو عالم الناس وحكاياتهم «عرائضهم»، وهو نفسه، ربما، عالم السلطة القبيح.

عن حياة الليل الشحيحة

في مقابل حياة النهار المشبعة باليأس والمراقبة والتحايل، أيضاً ثمة عالم الليل وحياة المدينة الجائعة والخائفة حد اللعنة؛ إنه عالم بغداد الليلي في حاناتها المتقشفة، لكن الصاخبة حتى ساعات الليل المتأخرة. ينفتح الليل على حكايات السكارى والمشردين وصعاليك الحياة والشعر على السواء. لا فرق؛ فالليل أرشيف الحكايات المؤجلة، وهو كذلك ميدان زوار الليل وبوابة كبرى للسطوة على المدينة وعوالمها. إنه مفتاح السيرة الأخرى للمدينة، مما لا يمكن ذكره أو معاقرته نهاراً. أفكِّر بأن حياة المدينة ليلاً هو يومياتها الملغاة، وهي المكمِّلة ليوميات الحياة الشحيحة تحت سلطة تستبدُّ بالبلاد وناسها. هذا بعض ما تقدِّمه يوميات المدينة النائمة على ضفاف نهرها الجائع للحياة كما المدينة نفسها؛ ثمة صورة بانورامية موسعة لحياة بغداد في ليلها الطويل، نقرأ فيها ما لم يقله كثيرون، ونرى في تفاصيلها وجوه المدينة المتعبة الطامحة للفرار من لعنة القهر والجوع.

أريد هنا أن أستعيد، لأجل استكمال مشهد الليل ذي العتمة الحالكة، معنى أن يكون كاتب اليوميات شاعراً شعبياً قادماً من هوامش الجنوب العراقي الفقير والمقصي إلى مدينة مسيَّجة بالحرس والليل والشكوك السياسية بالقادمين الغرباء إليها؛ فهي عاصمة البلاد، وهي مكان السلطة بأجهزتها المختلفة. هذه حقيقة أساسية حاكمة ومتحكمة بإشكالية أية «يوميات» أو «سيرة» شخصية أو موضوعية للكاتب والمدينة معاً.

أتحدَّث هنا عن «المكان» أو «الموقع» الذي سيرى من خلاله الكاتب للمدينة التي تقصيه، بينما يرتاب به حاكمها وعسسه. الملمح الأول والأساسي شكل السكن وموقعه. أقول «شكل» السكن وأقصد ما يتضمنه من إقصاء وتهميش مضاعف فالكاتب، مثل غيره من شعراء وكتَّاب الهوامش العراقية، لا يجد بيتاً يستأجره ونجده يتخذ من الفنادق الرخيصة مكاناً للسكن والحياة. وسكان أو شاغلو الفنادق، لا سيَّما الرخيصة منها، هم الغرباء غير المرغوب فيهم، فهم الطارئون عليها المعرَّضون للطرد منها في أي لحظة.

وسيكون الفندق الرخيص في «الميدان»، وسط بغداد، موقعاً مثالياً للكتابة ورؤية هوامش بغداد. هكذا سيكتب المهمشون أنفسهم عن فنادقهم وحياتهم الرثة، وسيكتب الراحل «ناظم السعود» عن ظاهرة «أدباء الفنادق»، كما سيكتب المسرحي والشاعر العراقي «عبد الخالق كيطان» عن الظاهرة في مقالاته وكتبه السيرية الخاصة بحياته في بغداد وفنادقها الشعبية الرخيصة. من تلك الغرفة الفقيرة سنرى بغداد في لياليها الملتهبة. ورغم ذلك لا نجد في يوميات كاتب العرايض بغضاً للمدينة ولا كرهاً لناسها؛ ولِم الكره والبغض؟!، ثمة كلمات الشاعر الهائم على روحه في بغداد الشاسعة. ولا شيء سوى الشعر وشكاوى الناس والخمر الرخيص في الليالي المتخمة باليأس.

«يوميات كاتب عرايض» كتاب متفرِّد حقاً؛ أسهمت عوامل كثيرة في صناعة هذا التفرُّد، ليس آخرها ما انطوى عليه من شجاعة استثنائية يندر أن نجدها لدى كتَّاب عراقيين عاشوا محن البلاد، وخرجوا منها بيد وقلب وضمير حي ونظيف، وأحدهم كاظم غيلان، الساخر المتفرِّد من آلامه الشخصية، غالباً، ومن مكائد أصدقائه الألدَّة؛ فنراه يقول كلمته الأخيرة بأريحية بالغة، وقد ختم بها تصدير يومياته: «أتمنَّى نومة عميقة... بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لي... كي أسامحكم». هذه اليوميات سيعود إليها مؤرخون كُثر؛ فقد كُتبت بالجمر والألم حد الموت قهراً ويأساً، وهي عن محنة الناس والبلاد، كما أنها عن محنة حاكم المدينة كذلك؛ لِم لا؟!


مقالات ذات صلة

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون فيتزجيرالد وزوجته

الجيل الضائع في باريس

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة.

شاكر نوري
ثقافة وفنون اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب،

جمعة بوكليب

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.