صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

جمع بين الشعر والصحافة والسينما والمسرح والخط والفن التشكيلي

صادق الصايغ
صادق الصايغ
TT

صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

صادق الصايغ
صادق الصايغ

نعى «اتحاد الكتاب العراقيين»، والوسط الثقافي العراقي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة البريطانية. ومن المعروف عن الصايغ أنه مارس عدة مجالات إبداعية، إذ جمع بين الشعر والفن التشكيلي والخط والصحافة والسينما والمسرح، وكان من أبرز المصممين والخطاطين الذين عملوا على تطوير الخط العربي. بدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينات والستينات في العراق، وأصدر ديوانه الأول «نشيد الكركدن» في عام 1978، وهو من أبرز دواوينه الشعرية. ومن مجموعاته الأخرى: «وطن للروح»، و«حيث هو القلب»، و«أنا التراب»، و«حجر يبكي»، و«قصائد الحب»، و«قصائد الوحدة». غادر الصايغ العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام 1967. واضطر، مرة أخرى، للهجرة حاله حال مئات المثقفين العراقيين عام 1979، بعد اشتداد حملة القمع البعثي. عاش لفترة طويلة في بيروت، حيث شارك في تأسيس «رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين»، وأصبح سكرتير تحرير مجلة «البديل» التي أصدرتها الرابطة. ثم هاجر إلى براغ، وأخيراً استقر وعائلته في لندن.هنا استذكارات من بعض زملائه وأصدقائه:

أتذكر اليوم الأول الذي عرفت به صادق الصايغ في مقهى بـ«شارع أبو نواس» يلعب النرد مع سركون بولص. معطف رمادي يخط الأرض وخصلة شعر فالتة ووسامة ممثلي السينما. كان قد عاد من براغ التي تغلي إلى بغداد التي أحبها. أراد صادق أن ينظم إلى جيلنا الستيني، يأتي إلى مقاهينا ويكتب مثلنا ويحمل الكتب التي أدمنّاها، لكنه وجد الباب موصداً «كنتم منغلقين عليّ، ربما لأنني جئت متاخراً، وربما بسبب شكلي وشعري الطويل المحرج».

لا أتذكر صادق الصايغ إلا وبيروت معه.

وصلت بيروت بجواز سفر مزور في يوليو (تموز) عام 1979 سبقني إليها صادق الصايغ وسعاد الجزائري بأشهر. سكنت معهم في بيت يعود لعضو اللجنة التنفيذية عبد الجواد صالح، رئيس بلدية البيرة، الذي انتزعته السلطات الإسرائيلية من مدينته وتركته على حدود بلاده. نادراً ما يتردد أبو صالح على هذا البيت، وعندما يأتي للاجتماعات يتعارك مع ياسر عرفات، ويعود للبيت مقاطعاً الاجتماعات. يخرج للشرفة ليشرب قهوته ويدخن غليونه وهو يدردش مع نفسه كأنه ما زال في الاجتماع. آنذاك نصمت جميعاً ونسكّت أطفالنا احتراماً لغضب الرجل الذي لا يجيد المهادنة ولا السكوت عن الأخطاء.

أمام العمارة تجويف هائل غائر في الأرض كان ذات يوم مرآباً لعمارة. دخله مهندس الموت وربط أعمدة العمارة بمائتي كيلوغرام «تي إن تي» ووضع عقرب التفجير على الساعة 12.30 وغادر دونما خيال: كل شيء جاهز!

نقف صادق وأنا على الشرفة، ننظر إلى التجويف الفاغر ونفكر في لحظات الغفلة التي سبقت الانفجار: الطفل النائم يمصّ إبهامه ويحلم بأنه يطير مثل ريشة، كف العريس المرتجفة توقظ الشهوات في جسد زوجته الشابة، أبخرة العرق تزحف على قلب الكهل وهو يراقب فيلم السهرة... ننظر وننظر حتى تقشعر أجسادنا من هاجس أن شيئاً كهذا سيحدث لبنايتنا في اللحظة التي سيخطر فيها هذا الهاجس النحس.

في هذا البيت توقفنا صادق وأنا عن الكتابة والقراءة، أردنا فسحةً من الوقت لنقرأ حياتنا بين البلد الذي تركناه وهذا المكان الذي كنا فيه لاجئين عند اللاجئين. المكان مشحون بالأحداث، أحداث تبتر ما قبلها فلا تترك لذاكرتنا أن تحتويها. بعد العاشرة صباحاً تمر الطائرات الإسرائيلية عالية مثل إبر تبرق في الشمس وتترك في السماء المنذرة خيطاً من الغمام... آنذاك تدوي المضادات المنتشرة في زواريب الفاكهاني لتبعدها عنّا، ولا ندري في أي لحظة ستنقض الطائرات علينا. سألنا ولم نجد جواباً غير هزة الرأس: من يعرف؟ وهكذا نسينا الطائرات ونسينا سؤالنا.

في كل يوم تتجدد حيطان المنطقة بصور شهداء سيحلون مكان القدامى، نسير بينهم ونشعر بأنهم يراقبوننا، لوماّ أو انتظاراً؟ لم يكن صادق الشاعر مشغولاً بالمكان ولا أحداثه. ذاكرته وخياله تفلت منه، من المكان الحالي والحدث الحالي لتذهب إلى مكان آخر وربما اللامكان. في منافيه لم يكن المنفى من انشغالات صادق، إنما المكان المفقود. في براغ قضى أجمل سنوات حياته، ومع ذلك لم تترك المدينة ختمها على دفتره. فيما عدا كتاباته المهمة عن «ربيع براغ» لم أجد ما يمت للمدينة. ليس للمنفى من ذاكرة. مرة كان يفرّجني على براغ التي يعرف كل أزقتها وحاناتها ونساءها. وقفنا على نهر فلتافا نراقب انعكاسات الأضوية على الماء فامتدحت جمال المشهد والمدينة. التفت إليّ صادق: هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟ بغداد تسكن صادق وهو يكرر دائما «أحب حتى مزابلها».

الوطن الذي يناجيه صادق في قصائده هو وطن مجرد، وحتى حين يسميه العراق أو «العراق الجميل» يبقى مجرداً لا تفاصيل فيه، وطن للروح، أهرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن.

تقدمت عكس الرياح، عبرت بك المدن الموصدة

عبرت الحرائق، جبت الجبال، رحلت مع النازحين

بكيت على حائط الحمزة

وكنت ورائي، ورائي

لقد كنت يا وطني

ليدهشني أخرج لي صادق الصايغ شيئاً غريباّ عليه، مسدس «كلوك»، أخذ يقلّبه أمامي بين التباهي والاستغراب وقليل من خجل المفارقة. بعد أن أمّنَ المسدس سمح لي بأن أقلب هذا الجسم الغريب الذي سيصاحبنا في تجوالنا. كلانا كان يضحك في داخله ونحن نقلب هذا الحديد البارد... نعرف أن الوقت لن يتاح لنا لاستعماله لأننا سنعرف القاتل بعد أن يطلق الرصاصة.

كنت أسير مع صادق في الشارع القصير بين البيت ومركز الفاكهاني، أنظر إليه وإلى نظرته الساهية الصاعدة قليلاً فوق الموجودات وتحت السماء الضيقة فوقه. يجر خطواته بتثاقل غير معني بالمكان الذي هو فيه ولا المكان الذاهب اليه، غافلاً عن المخاطر حوله، أنظر وأسأل نفسي: كيف سيعرف قاتله؟

يخاطب صادق نفسه وهو يمشي:

سمعت الخطى والرصاص

وأضوية القاطرات

ولم تلتفت

رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاةً

ولم تلتفت

قتلت، قتلت

ولم تلتفت

كنت أستمع لأحاديث صادق وتجاربه المدهشة وأشرب كلماته مع العرق باستمتاع... عن محلة الأزرملي التي عاش فيها فرسمت طفولته وشبابه، هناك عرف صادق الشيوعية من شقاوات المحلة، عن خاله المنولوغست الشهير عزيز علي، وكان صادق واحداً من الكومبارس، ورافقه في أول تسجيلاته، عن بداياته في جريدة «البلاد»، وفي الإذاعة بعد ثورة تموز، حيث كان يعد برنامج «المايكرفون وراء الحقيقة» الذي أحبه رئيس محكمة الشعب فاضل المهداوي ووزير الإعلام فيصل السامر، عن اللقاء المخيف والمثير بينه وبين أحمد حسن البكر... حين أخطئ وأسأل صادق: لم لا تكتب هذه الذكريات؟ يتوقف الحديث وينقطع حبل الذكريات، في داخله إحساس بلا جدوى الكتابة فيترك الذكريات للريح. الكل يحسد صادق على وسامته، على كثرة مواهبه، حظوته عند النساء، إلا صادق نفسه «لم أعش أبداً حياة ترضيني» لا بيئة عائلية ولا بيت ولا وطن مستقر.

البيت الثاني في بيروت شقة في الطابق الثامن من عمارة «النجمة» عند نزلة أبي شاكر. في هذا البيت يجلس صادق تاركاً ضيوفه في الغرفة الأخرى ليخط حين تستعصي القصيدة. خلال الممارسة الطويلة تعلم صادق قواعد الخط وطبقها بسلاسة، يرسم الحرف بمقدار ما يخطه، ويطوعه باحثاً عن أبعاد غير معهودة، مازجاً بين الخطوط ليجد هارموني مختلفاً. يجلس صادق ليخط وظهره إلى الشباك. ينحني على الطاولة حين يخط الألف، ويرفع رأسه حين يضع الهمزة فوقها. من بعيد، من وراء «برج أبي رزق» بَرَكَ قناص ضجراً من فترة الهدنة القلقة. بالناظور رأى هذا الرأس الذي يصعد وينزل في إطار النافذة. سدد الفرضة والشعيرة إلى مكمن القصيدة ثم سحب الزناد. طارت الرصاصة على طول كورنيش المزرعة واخترقت النافذة داخلة الغرفة وقد تاه عليها الرأس في اللحظة التي انحنى فيها صادق ليضع النقطة. لم يعرف صادق بالرصاصة التي استهدفته إلا بعد مدة حين فتحت سعاد دولاب الملابس واكتشفت، ويا للهول، مظروف الرصاصة نائماً مثل فأر نحاسي وديع بين صوف الملابس الشتائية.

حين تهدأ الجبهات الكبيرة تندلع داخل الجبهة الواحدة حروب النفوذ داخل الجبهة، آنذاك علينا أن نغيّر أماكن جلوسنا. ذات يوم كنا نسهر في سطح هذا البيت حين قفز فوق بيتونة الفراش مقاتل مع رشاشته المتوسطة وطلب منّا، بكل أدب، أن ندخل إلى البيت وبدأ يطلق صليات متواترة نحو منظمة جارة تنافسهم على زعامة الحارة.

عند مدخل العمارة التي يسكنها صادق رأينا، فالح عبد الجبار وأنا، قاتلين أنيقين داخل سيارة «فولكسفاغن» منحنيين قليلاً وعيونهما باتجاه المصعد الذي سيخرج منه صادق. لم يخرج صادق رغم صعود المصعد وعودته. مرة، مرة ثانية، ثالثة... يأسَ القاتلان وتركا مكانهما وقد اعتقدا أن الحذر الشديد أعلم الطريدة بوجودهما. لم يخطر النسيان ببالهما، ونحن نعلم أنه ما من مرة غادر صادق بيته إلا وعاد ثانية وثالثة، مرة نسي المفتاح، وثانية أن ياخذ معه كيس الزبالة، وثالثة نسي المسدس في رف الحمام... واحدة من فلتات النسيان أنقذت صادق من قتلته.

ذات يوم أبلغت منظمة التحرير بأن مجموعة من حملة الكواتم وصلت بيروت ومعها قائمة أسماء محددة، هي صادق وقاسم حول وزهير وربما أسماء أخرى. وأوصتنا بالحذر! أعرف وأنا أسير مع صادق أن جذوة القصيدة تأتيه حين يمشي وتتقطر في داخله بوجود الآخرين فينفصل عنهم ويذهب إلى غرفته ليكتبها قبل أن تفلت وتضيع كما ضاعت منه قصائد كثيرة.

وصادق بيننا نموذج للضياع... ضائع بين مواهبه المتعددة وهو موهوب في كل منها. بدأ مشهوراً منذ بداية عشرينياته كنجم إذاعي وخطاط. ثم انفرشت مواهبه... شاعر ورسام ونجم تلفزيوني وناقد وكاتب أطفال وخطاط... ضائع بين كل هذه المواهب لا يعرف أيها هو وقد ترك في كل واحدة منها قطرة من روحه. وفي داخل القصيدة ضائع بين التفعيلة والنثر، قصيدته ضيعت مكانها وزمانها إلى عوالم سريالية مجهولة، لا تنتمي لتجربته الحياتية، إنما إلى الشعر نفسه وإلى حساسية ميتافيزيقية دفينة، يكتب عما يفقده وعما سيفقده وليس عما يجده. ضائع بين جيلين مثل صديقه يوسف الصائغ، فهو يقف داخل دائرة الشعر الستيني دون أن ينتمي إليها فنياً. ضائع بين منافيه وبين حنينه إلى وطن ضائع. بين ذاته كداندي، وبين الآخرين في الحزب، بين النهم إلى اللحظة الحاضرة، والخوف من المجهول القادم، ضائع بين جمال المظهر وعتمة الروح، بين الحسية والإقبال على متع الحياة وبين السهولة التي يضيع فيها ما حصل عليه، بين خوفه من الموت وحب الحياة، بين ذكريات تجتاحه فجأة وتملي قصيدته وبين مستلزمات الحياة الحاضرة التي تفلت منه إلى هاوية النسيان. كلما جلسنا معاً أمام الكأس وصحون المزة يأخذ صادق الرشفة الأولى وينسى كأسه حين يشرب من كأس الأحاديث.

أفكر بصادق وأكتشف، وأنا أكتب، أن صادق هو نحن، ما ننتقده عليه وما نحسده عليه وما نحبه فيه.

الصايغ عاش أجمل سنيّ حياته في شارع الثقافة العراقي

علي حسين

عانى صادق الصائغ، مثل الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة؛ تارةً هارباً من القمع وقسوة التسلط، وتارةً من جحود الوطن الذي أغلق الباب بوجهه في السنوات الأخيرة:

كلما صرخت:

النجدة!!

أغلق الباب.

عندما أسترجع في ذهني الآن صورة صادق الصائغ، الفتى الوسيم المتعدد الاهتمامات: الشعر، الرسم، الخط، السينما، الصحافة، أتذكر أبيات قصيدته الشهيرة "هنا بغداد":

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَمِ

وَمَعَ أنَّهَا، للتَّوِّ، ضُربَت بالقنابل

وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام،

كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ

لكنَّها،

وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ.

وأسترجع معها صورة الفتى الوسيم الذي يغوص في أزقة بغداد، يحمل الأوراق والحبر ليخط عناوين مجلة السينما التي أصدرها كاميران حسني في خمسينيات القرن الماضي، وتلوح لي صورته وهو يطل من على شاشة تلفزيون العراق في السبعينيات، يقدم قصائد عراقية وعربية بطريقة سينمائية، ونظراته الفاحصة تتابع يوسف العاني يؤدي شخصية البيك في المسرحية الشهيرة "البيك والسايق" التي أعدها الصادق عن إحدى مسرحيات بريشت، أو حواراته التي كانت تنتهي بالخصام أحياناً مع جعفر علي الذي كتب له سيناريو فيلم "المنعطف"، أو حالة الوجع التي تتلبسه وهو يتذكر معاناة خاله فنان الشعب "عزيز علي". عندما أسترجع في ذهني الآن كل هذه الصور التي شكلت شخصية صادق الصائغ، سأكتشف أن هناك صورة واحدة سنظل نتذكرها؛ صورة المثقف الوطني المتمرد الذي قال ذات يوم: "لا أنافس أحداً سوى نفسي". .

عاش صادق الصائغ أجمل سني حياته في شارع الثقافة العراقي الحديث، تجول في كل أزقته، مسكوناً بالجمال والمعرفة والحب والمغامرة، ليصبح بحق واحداً من آباء الحداثة العراقية، إلا أن الشعر ظل هاجسه الرئيسي منذ أن أصدر ديوانه الأول "نشيد الكركدن" ليكشف لنا عن تفرد مشروعه الشعري وحيوية قصائده التي لم تنل منها سنوات الغربة والمطاردة، بل زادته إصراراً على الكتابة التي كانت جنته ورؤياه التي أتاحت له سفراً دائماً نحو التمرد والحرية، ولتكتسب تجربة التمرد قيمة كبيرة في معظم قصائده، فالشاعر يواصل رحلة الوقوف في وجه العالم، يشاكس حتى اللحظة الأخيرة من حياته أصحابه الذين يشاركونه الحلم بعراق معافى، يشاركهم همومه وأحلامه ومشاريعه المؤجلة، متطلعاً إلى الغد الذي يتمناه أن يكون جميلاً، ولم يكن يدري أن الموت يتربص به ليرحل وحيداً على أمل أن يتحقق الوعد الذي قطعه للأصدقاء:

إذا طَلَبـُتُ المَوْت

فَلأنِي أعْرف

أنِّي سَأسْتَيْقِظُ عَلى حُلُمٍ آخر

سأتحلل فيه إلى ماء وظل

ومع قطرات المطر

أنزل إلى جذور الأرض أنزل

كَموسِيْقا

الصائغ... المعلم في مدرسة «طريق الشعب»

إبراهيم البهرزي

يشكل العام 1978 بالنسبة للثقافة العراقية جرحا سريا ظلت آثاره المؤلمة حاضرة كلما رحل اديب عراقي في المنفى ،

فهو العام الذي شن فيه النظام السياسي حملته الوحشية ضد اليسار العراقي وترك مثقفيه رهائن المنافي او الاعتزال والصمت .

كان صادق الصائغ المثقف الموسوعي : الشاعر الفنان الخطاط المصمم الطباعي كاتب السيناريو السينمائي الناقد السينمائي كاتب المسرح والمعد والمقدم التلفزيوني يشكل مع اخرين وجها جديدا للثقافة العراقية كان يتمظهر من خلال مطبوعات الحزب الشيوعي التي سمح لها بالظهور انذاك : طريق الشعب والفكر الجديد ومجلة الثقافة الجديدة اضافة لمطبوعات متفرقة كانت تصدرها دار الرواد الزاهرة .

كانت هذه الصحف وطريق الشعب بالذات في صفحاتها الثقافية تشكل بؤرة لثقافة مختلفة عن تلك الثقافة الرسمية التي تتمثل في الإصدارات الثقافية الرسمية وكان لمثقفي ( طريق الشعب ) شيبهم وشبابهم مزاجا أدبيا وفنيا متميزا .

ولإعطاء صورة مبسطة عن الجو العام انذاك يمكننا الإشارة إلى صفحة ثقافية يتعاون على إصدارها شعراء مثل سعدي يوسف ويوسف الصائغ وصادق الصائغ وجليل حيدر وفوزي كريم وياسين النصير وفاطمة المحسن ومخلص خليل ومصطفى عبد الله وأسماء مضيئة اخرى وكنا نحن الشباب من جيل السبعينات نحظى برعاية هذه الأسماء الفذة ما شكل تيارا ثقافيا له خصائصه الفكرية والأسلوبية الذي سرعان ما حطمته قبضة الجلاد بهجماتها الشرسة على اليسار العراقي ودفع باغلب هذه الرموز الثقافية إلى المنافي .

كان الراحل صادق الصائغ واحدا ممن أخذته دروب المنفى إلى تلك القطيعة الثقافية القسرية مع جذوره الاولى حيث كانت قسوة النظام السياسي قامعة لحد حجب ( الاسم الثقافي ) عن اي إصدار في الداخل او ما يمكن تسريبه من الخارج .

اجيال جديدة نشأت وهي لا تعرف هذه الرموز المنفية وحين عادوا من المنفى بعد ٢٠٠٣ كانوا - ويا للأسى - بحاجة إلى اعادة تعريف او تنشيط لذاكرة الجمهور الثقافي .

مع التقدم في السن لم يجد صادق الصائغ تلك الفتوة التي تتيح له التدافع بالمناكب لتصدر مشهد ثقافي جديد تغير كثيرا عن نكهة السبعينات السالفة وصار له وجها آخر افرزته الثقافة الحكومية الرسمية بعجرها وبجرها وله ما له وعليه ما عليه فلم يجد صادق الصائغ المثقف الموسوعي القادر لوحده بحكم امكانياته على إصدار مطبوع بخطوطه وتصميماته ومواده من الغلاف إلى الغلاف ، لم يجد غير غرفة فارغة في وزارة الثقافة بحكم وظيفته كمستشار ثقافي وهو منصب شرفي غير حيوي فما كان له إلا العودة لمنفاه ثانية .

في الثقافة العراقية وبحكم خروجها من عباءة الأنظمة السياسية في اكثر الأوقات فان استذكار المنسيين لا يحدث إلا عند موتهم وذلك لاجل رفع العتب لا غير .

وحسب علمي فان صادق الصائغ لم يحصل حتى على حق تقاعدي مشروع جراء خدمته الوظيفية ما قبل سنوات المنفى بحكم البيروقراطية المستحكمة في الدولة العراقية ، لم يجد صادق الصائغ ما يتيح له العيش في شيخوخة كريمة يمنحها له بلده فعاد للمنفى اضطرارا .

كان الراحل من متعددي المواهب الذين يتركون اثرا مميزا في اي مجال يعملون فيه فلا تزال خطوطه وترويساته بائنة في صحف ومطبوعات كثيرة وكان له مع زميله الراحل محمد سعيد الصحار جهود في مجال تطوير الحرف الطباعي العربي وهي جهود ضيعت بين المنفى والبلاد .

شاعرا كان صادق الصائغ صوتا متفردا ما انصفه النقاد فما حسبوه على الخمسينيين ولا على الستينيين رغم ان ديوانه نشيد الكركدن وهو ديوان مميز كتبت قصائده اغلبها في الستينات ورغم انه عمل في حقل النقد السينمائي مبكرا منذ الخمسينات وسافر في الستينات إلى اوربا منغمسا في حياته مع الهيبيين وحركات الثورة الطلابية نهاية الستينات وعمل في التلفزيون العراقي كمعد ومقدم لبرنامج سينمائي أثار في احدى إطلالاته التلفزيونية حفيظة الرئيس احمد حسن البكر الذي انزعج لطول شَعره ! ما أدى إلى إبعاده عن التلفزيون ، رغم كل مواهبه المتعددة فإنه كان زاهدا بطبع مؤلفاته او جمعها ، لقد كان يعتقد ان مهمته هي كتابة الأفكار : شعرا او نثرا او نقدا وإيصالها للقاريء بطريقة ما فظل نتاجه المتنوع منجما بين صحف ومجلات ظهرت في أمكنة وأزمنة مختلفة بطريقة يصعب جمعها .

برحيل صادق الصائغ تفتقد الثقافة العراقية نكهة مختلفة ، تلك النكهة الأنيقة المتأنية التي تتوزع بين مختلف أجناس الادب والفن مؤمنة بوحدة الابداع وسعة امكانياته ،

كان موهوبا لافتا ضيعت المنافي الكثير من آثاره الادبية والفنية وسيظل علامة لجيل تتلمذ على يديه يوم كان واحدا من معلمي مدرسة ( طريق الشعب ) في سبعينات العراق .


مقالات ذات صلة

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

ثقافة التعايش، وتحولات الرواية العربية، وحضور المرأة في فن الخط، وصون التراث المعماري والمخطوطات النادرة، قضايا تصدرت العدد الثامن من مجلة «الإيسيسكو» الثقافية الفصلية، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في 104 صفحات جمعت بين الحوارات الفكرية والدراسات النقدية والبحوث التراثية.

وطرح العدد سؤالاً يتصل بمستقبل الثقافة في العالم الإسلامي، وكيف يمكن الحفاظ على الذاكرة الحضارية، دون تحويل التراث إلى مجرد مادة للاحتفاء بالماضي، بل استثماره في إنتاج المعرفة وتعزيز الحوار والتواصل بين الثقافات.

وعكست موضوعات العدد اهتماماً يجمع بين النقد الأدبي والبحث التاريخي والفكر الديني وقضايا المعرفة، مع الاهتمام بموقع التراث في الحياة المعاصرة.

وبين أسئلة الرواية والشعر، وقضايا الحوار والتعايش، وحماية المخطوطات والعمارة والفنون، تقدم المجلة قراءة للثقافة الإسلامية باعتبارها تجربة إنسانية متعددة الروافد، لا تنفصل فيها الذاكرة عن أسئلة الحاضر، ولا يقتصر دور التراث على حفظ ما أنتجته الأجيال السابقة، بل يمتد إلى إعادة قراءته وتوظيفه في مواجهة تحديات المستقبل.

وفي افتتاحية العدد، رأت رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج أن الموضوعات التي تجمعها المجلة، على اختلاف حقولها، تلتقي عند سؤال العلاقة بين الذاكرة والمستقبل. وأكدت أن دور المجلة الثقافية لا يقتصر على نقل ما يحدث، وإنما يمتد إلى مساءلة معاني الأحداث والأفكار، وإعادة اكتشاف التراث وتأويله.

وفي كلمة العدد، استعرض المدير العام لمنظمة الإيسيسكو الدكتور سالم بن محمد المالك، أبرز مشروعات المنظمة خلال عام 2026، مشيراً إلى استمرار برامجها الثقافية والعلمية رغم التحديات الدولية.

ومن أبرز المبادرات التي تناولها إطلاق برنامج لتدريب عشرة آلاف قائد على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الدورة الثانية من ملتقى شباب المعرفة، وإعلان بيان الدبلوماسية العلمية في نيويورك.

كما أشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع متحف الإرميتاج الروسي في مجال حماية التراث وتوثيقه، وحصول المنظمة على جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع في خدمة اللغة العربية وجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي.

الحوار ضرورة

وخصصت المجلة حوارها الرئيسي مع الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، لقضايا الاعتدال الديني والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية.

وأكد العيسى أن الحوار لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة إنسانية وأخلاقية، مشدداً على أهمية الانتقال من اللقاءات الشكلية إلى حوار يتناول القضايا الخلافية، ويؤسس للتفاهم والتعاون.

وتناول الحوار دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ قيم التعايش، والتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي، خصوصاً انتشار المعلومات المضللة وخطابات الإقصاء. ودعا العيسى إلى تطوير أدوات الخطاب الديني والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي واللغات العالمية.

كما ناقش ظاهرة الإسلاموفوبيا، معتبراً أنها نتاج عوامل سياسية وثقافية وإعلامية متداخلة، وأن مواجهتها تتطلب حضوراً إعلامياً أكثر مهنية، إلى جانب تصحيح التصورات التي تنتجها الممارسات المتطرفة.

وقال العيسى: «(الإسلاموفوبيا) ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل سياسية وإعلامية وثقافية وتتمدد مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة، مستفيدة من ممارسات المتطرفين المحسوبين في الظاهر على المسلمين، والتغطيات الإعلامية المنحازة، إضافة إلى الجهل بحقيقة الإسلام، وتكوين صورة سلبية عنه من خلال ممارسات بعض المسلمين».

وأضاف أنه «بحسب دراسات رابطة العالم الإسلامي، فإن بعضاً من تنامى هذه الظاهرة يرتبط بممارسات صادرة عن بعض المنتسبين للإسلام، أساءت إلى صورته الحقيقية، وغذت خطاب التطرف، ثم جرى تعميمها بصورة ظالمة على الدين وأتباعه».

وأشار إلى «أننا نحتاج إلى حضور إعلامي أكثر احترافية، يوصل الرسالة الحقيقية للإسلام، ويواجه خطاب الكراهية بلغة رصينة ومؤثرة».

وعن مسؤولية العلماء والمثقفين في مواجهة التطرف الفكري؟ قال العيسى: «تقع على عاتق العلماء والمثقفين مسؤولية محورية في حماية الوعي العام، وتحصين المجتمعات المسلمة من الفكر المتطرف، بوصفهم حملة الشريعة ورواد ما يسمى الفكر الإسلامي، وتبدأ هذه المسؤولية بتفكيك الخطابات المتطرفة وكشف انحرافها عن الشريعة ومقاصدها، من خلال خطاب علمي رصين، مؤصل شرعاً، ومقدم بلغة معاصرة تلامس واقع الناس».

الرواية العربية بين الحكاية واللغة

واختارت المجلة «شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة» عنواناً لملف العدد، الذي تناول التحولات التي شهدها الفن الروائي العربي، وعلاقة البناء السردي باللغة، وتأثير الحداثة والتقنيات الجديدة في أشكال الكتابة والتلقي.

وشارك في الملف نقاد وباحثون، من بينهم سعيد يقطين، ومحمد محمود أبو علي، وزهور كرام، وحاتم الفطناسي، في مقاربات تناولت الرواية بوصفها فناً يتجدد بتغير المجتمع ووسائط التعبير.

وناقشت الدراسات قدرة الرواية على تجاوز الحكاية التقليدية، وإعادة تشكيل الزمن والشخصيات والأحداث، من خلال اللغة والتجريب وتعدد الأصوات. كما طرحت أسئلة عن العلاقة بين الرواية والواقع، وحدود التداخل بين الأجناس الأدبية، وتأثير التحولات الرقمية في الكتابة السردية.

قال سعيد يقطين إن «عدم التركيز في دراساتنا للرواية العربية على خصوصيتها الجمالية، والاهتمام أكثر بالقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تتعامل معها لا يمنحها خصوصيتها التعبيرية المميزة لها عن غيرها من الخطابات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعنى بها الباحثون. إن إبداع مادة حكائية يتطلب خيالاً، وقدرة على بناء قصة جديرة بجلب المتلقي وإثارته إليها بالدرجة الأولى. إن ما يعنيه قبل ذلك هو ما تمثله هذه القصة بالنسبة إليه أكثر مما يزخر به واقعه إننا نستمتع الآن بالنصوص القديمة التي أبدعها الإنسان، وصارت من التراث العالمي بجماليتها في التعبير. وليس لأنها تطرح علينا المشكلات اليومية التي نعيشها الآن تحت تأثير العولمة وما تفرضه علينا قيم ومعاملات بين الشعوب. وصراعات بين القيم والأفكار والإثنيات، ومسائل الهجرة السرية، أو القضايا النسوية، وما شاكل هذا من المسائل التي تقدمها لنا الرواية العربية اليوم لا مراء في أن طرح هذه القضايا هو من جوهر العمل الإبداعي والسردي على وجه الخصوص، لكن عدم تقديمها من خلال قصة مبنية بشكل يثير القارئ ويستهويه ويفرض عليه الاندماج في اللعبة السردية يجعلها، رغم قيمتها، غير قادرة على خلق قيمة جمالية أو معرفية لدى المتلقي. إن ما يهم القارئ، وهو بصدد قراءة رواية، تحصيل المتعة الفنية التي من خلالها تتقدم عوالم الرواية وصراع الشخصيات حول قيم وأفكار معينة. إننا نركز عادة على موقف الكاتب، وليس على كيفية بنائه لعمله السردي».

الشعر تجربة لا تحتاج إلى شرح

وفي حوار آخر أجراه الباحث عبد الرحمن غانمي مع الشاعر المغربي محمد بنيس، عادت المجلة إلى أسئلة الكتابة الشعرية وعلاقة الشاعر بنصوصه، وتجربته الممتدة في الشعر والترجمة والفكر النقدي.

وجاء الحوار تحت عنوان «لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه»، في إشارة إلى موقف بنيس من استقلال النص الشعري، وحق القارئ في إنتاج قراءته بعيداً عن سلطة المؤلف.

يقول بنيس: «أنا لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه، مسؤوليتي تقف عند حد الكتابة. أما ما وراءها، مما يمكن أن تخلقه القصيدة فنياً ورؤيوياً، فهو أمر لا يمكنني ادعاء معرفته أو اعتقاده في دلالة ما شخصية. نعم، لدي كتابات ونصوص تأملية في الكتابة، كما أشرت سابقاً. لكني لا أتجاوز الحد الفاصل بين الشاعر والناقد».

هذا الحوار يضيف بعداً إلى العدد، من خلال الانتقال من نقد الرواية إلى التجربة الشعرية، ومن دراسة تقنيات الكتابة إلى علاقة المبدع باللغة والمعنى.

العمارة المغربية وذاكرة الأندلس

وفي مجال التراث العمراني، تناول العدد قرية سيدي بوسعيد التونسية، التي أدرجتها «الإيسيسكو» عام 2022 ضمن قائمتها للتراث في العالم الإسلامي، بوصفها نموذجاً لتداخل التاريخ والعمارة والهوية الثقافية.

وركزت الدراسة على خصوصية المكان، وأهمية التعامل مع المواقع التراثية باعتبارها بيئات حية، تتطلب الحماية والإدارة والاستثمار الثقافي، لا مجرد المحافظة على المباني.

كما تناولت المجلة العمارة التراثية المغربية ودورها في تشكيل المعنى الجمالي، وخصصت دراسة لقصر الحمراء في غرناطة، كما وثقه بافيل نوتبيك، في استعادة للاهتمام الأوروبي بالفنون الأندلسية، وما تمثله العمارة من مصدر للمعرفة والإبداع الفني.

المرأة والخط العربي

واستعادت المجلة حضور المرأة في تاريخ الخط العربي، من خلال دراسة تتبعت مساهمات النساء في فنون الكتابة والنسخ وتدوين المصاحف.

وأبرزت الدراسة أسماء وتجارب نسائية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، من الأندلس إلى المشرق والهند، مؤكدة أن النساء شاركن في إنتاج المعرفة وحفظ النصوص، ولم يقتصر دورهن على تلقي العلوم والفنون.

المخطوطات والكتب النادرة

وفي باب التراث المكتوب، ناقشت المجلة مفهوم الكتاب النادر والعوامل التي تمنحه قيمته التاريخية والمعرفية، ومنها طبيعة الطبعة، وندرة النسخ، والإهداءات، والارتباط بالمؤلفين، والشخصيات، والأحداث.

كما أعادت الاهتمام بالمخطوطات بوصفها مصادر لدراسة تاريخ التأليف وانتقال المعرفة، وامتدت موضوعات العدد إلى تاريخ المجلات والدوريات الثقافية العربية، ودورها في تشكيل الوعي ونشر الأفكار.

الغذاء في التراث الإسلامي

وفتحت المجلة ملفاً عن تاريخ الغذاء في الحضارة الإسلامية، تناول العلاقة بين الطعام والعادات الاجتماعية والصحة والفقه، ودور المطبخ في التعبير عن أنماط الحياة.

واستعادت الدراسة مؤلفات في فن الطبخ، منها «الطبيخ» لابن سيار الوراق، و«الطبيخ» للبغدادي، و«فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي، الذي يوثق جوانب من المطبخ المغربي الأندلسي.

وتوقفت عند العلاقة بين الطعام والطب، وأثر العادات الغذائية في تشكيل هوية المجتمعات الإسلامية، إلى جانب ما تكشفه كتب الطبخ عن الحياة اليومية والفوارق الاجتماعية وتطور الأدوات المنزلية.

وثيقة المدينة وأسس التعايش الحضاري

وتناولت دراسة أخرى «وثيقة المدينة وأفق التعايش الحضاري»، من خلال قراءة تاريخية وحقوقية للمبادئ التي نظمت العلاقات بين المكونات الدينية والاجتماعية في المدينة المنورة.

وربطت الدراسة بين مضامين الوثيقة ومفاهيم المواطنة والعدالة والتعددية الدينية، مع التوقف عند إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بوصفه إحدى المبادرات التي استلهمت هذه التجربة التاريخية.

وناقشت الدراسة إمكانية الاستفادة من هذه المرجعيات في مواجهة أطروحات صدام الحضارات، وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.


تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.