صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

جمع بين الشعر والصحافة والسينما والمسرح والخط والفن التشكيلي

صادق الصايغ
صادق الصايغ
TT

صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

صادق الصايغ
صادق الصايغ

نعى «اتحاد الكتاب العراقيين»، والوسط الثقافي العراقي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة البريطانية. ومن المعروف عن الصايغ أنه مارس عدة مجالات إبداعية، إذ جمع بين الشعر والفن التشكيلي والخط والصحافة والسينما والمسرح، وكان من أبرز المصممين والخطاطين الذين عملوا على تطوير الخط العربي. بدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينات والستينات في العراق، وأصدر ديوانه الأول «نشيد الكركدن» في عام 1978، وهو من أبرز دواوينه الشعرية. ومن مجموعاته الأخرى: «وطن للروح»، و«حيث هو القلب»، و«أنا التراب»، و«حجر يبكي»، و«قصائد الحب»، و«قصائد الوحدة». غادر الصايغ العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام 1967. واضطر، مرة أخرى، للهجرة حاله حال مئات المثقفين العراقيين عام 1979، بعد اشتداد حملة القمع البعثي. عاش لفترة طويلة في بيروت، حيث شارك في تأسيس «رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين»، وأصبح سكرتير تحرير مجلة «البديل» التي أصدرتها الرابطة. ثم هاجر إلى براغ، وأخيراً استقر وعائلته في لندن.هنا استذكارات من بعض زملائه وأصدقائه:

أتذكر اليوم الأول الذي عرفت به صادق الصايغ في مقهى بـ«شارع أبو نواس» يلعب النرد مع سركون بولص. معطف رمادي يخط الأرض وخصلة شعر فالتة ووسامة ممثلي السينما. كان قد عاد من براغ التي تغلي إلى بغداد التي أحبها. أراد صادق أن ينظم إلى جيلنا الستيني، يأتي إلى مقاهينا ويكتب مثلنا ويحمل الكتب التي أدمنّاها، لكنه وجد الباب موصداً «كنتم منغلقين عليّ، ربما لأنني جئت متاخراً، وربما بسبب شكلي وشعري الطويل المحرج».

لا أتذكر صادق الصايغ إلا وبيروت معه.

وصلت بيروت بجواز سفر مزور في يوليو (تموز) عام 1979 سبقني إليها صادق الصايغ وسعاد الجزائري بأشهر. سكنت معهم في بيت يعود لعضو اللجنة التنفيذية عبد الجواد صالح، رئيس بلدية البيرة، الذي انتزعته السلطات الإسرائيلية من مدينته وتركته على حدود بلاده. نادراً ما يتردد أبو صالح على هذا البيت، وعندما يأتي للاجتماعات يتعارك مع ياسر عرفات، ويعود للبيت مقاطعاً الاجتماعات. يخرج للشرفة ليشرب قهوته ويدخن غليونه وهو يدردش مع نفسه كأنه ما زال في الاجتماع. آنذاك نصمت جميعاً ونسكّت أطفالنا احتراماً لغضب الرجل الذي لا يجيد المهادنة ولا السكوت عن الأخطاء.

أمام العمارة تجويف هائل غائر في الأرض كان ذات يوم مرآباً لعمارة. دخله مهندس الموت وربط أعمدة العمارة بمائتي كيلوغرام «تي إن تي» ووضع عقرب التفجير على الساعة 12.30 وغادر دونما خيال: كل شيء جاهز!

نقف صادق وأنا على الشرفة، ننظر إلى التجويف الفاغر ونفكر في لحظات الغفلة التي سبقت الانفجار: الطفل النائم يمصّ إبهامه ويحلم بأنه يطير مثل ريشة، كف العريس المرتجفة توقظ الشهوات في جسد زوجته الشابة، أبخرة العرق تزحف على قلب الكهل وهو يراقب فيلم السهرة... ننظر وننظر حتى تقشعر أجسادنا من هاجس أن شيئاً كهذا سيحدث لبنايتنا في اللحظة التي سيخطر فيها هذا الهاجس النحس.

في هذا البيت توقفنا صادق وأنا عن الكتابة والقراءة، أردنا فسحةً من الوقت لنقرأ حياتنا بين البلد الذي تركناه وهذا المكان الذي كنا فيه لاجئين عند اللاجئين. المكان مشحون بالأحداث، أحداث تبتر ما قبلها فلا تترك لذاكرتنا أن تحتويها. بعد العاشرة صباحاً تمر الطائرات الإسرائيلية عالية مثل إبر تبرق في الشمس وتترك في السماء المنذرة خيطاً من الغمام... آنذاك تدوي المضادات المنتشرة في زواريب الفاكهاني لتبعدها عنّا، ولا ندري في أي لحظة ستنقض الطائرات علينا. سألنا ولم نجد جواباً غير هزة الرأس: من يعرف؟ وهكذا نسينا الطائرات ونسينا سؤالنا.

في كل يوم تتجدد حيطان المنطقة بصور شهداء سيحلون مكان القدامى، نسير بينهم ونشعر بأنهم يراقبوننا، لوماّ أو انتظاراً؟ لم يكن صادق الشاعر مشغولاً بالمكان ولا أحداثه. ذاكرته وخياله تفلت منه، من المكان الحالي والحدث الحالي لتذهب إلى مكان آخر وربما اللامكان. في منافيه لم يكن المنفى من انشغالات صادق، إنما المكان المفقود. في براغ قضى أجمل سنوات حياته، ومع ذلك لم تترك المدينة ختمها على دفتره. فيما عدا كتاباته المهمة عن «ربيع براغ» لم أجد ما يمت للمدينة. ليس للمنفى من ذاكرة. مرة كان يفرّجني على براغ التي يعرف كل أزقتها وحاناتها ونساءها. وقفنا على نهر فلتافا نراقب انعكاسات الأضوية على الماء فامتدحت جمال المشهد والمدينة. التفت إليّ صادق: هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟ بغداد تسكن صادق وهو يكرر دائما «أحب حتى مزابلها».

الوطن الذي يناجيه صادق في قصائده هو وطن مجرد، وحتى حين يسميه العراق أو «العراق الجميل» يبقى مجرداً لا تفاصيل فيه، وطن للروح، أهرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن.

تقدمت عكس الرياح، عبرت بك المدن الموصدة

عبرت الحرائق، جبت الجبال، رحلت مع النازحين

بكيت على حائط الحمزة

وكنت ورائي، ورائي

لقد كنت يا وطني

ليدهشني أخرج لي صادق الصايغ شيئاً غريباّ عليه، مسدس «كلوك»، أخذ يقلّبه أمامي بين التباهي والاستغراب وقليل من خجل المفارقة. بعد أن أمّنَ المسدس سمح لي بأن أقلب هذا الجسم الغريب الذي سيصاحبنا في تجوالنا. كلانا كان يضحك في داخله ونحن نقلب هذا الحديد البارد... نعرف أن الوقت لن يتاح لنا لاستعماله لأننا سنعرف القاتل بعد أن يطلق الرصاصة.

كنت أسير مع صادق في الشارع القصير بين البيت ومركز الفاكهاني، أنظر إليه وإلى نظرته الساهية الصاعدة قليلاً فوق الموجودات وتحت السماء الضيقة فوقه. يجر خطواته بتثاقل غير معني بالمكان الذي هو فيه ولا المكان الذاهب اليه، غافلاً عن المخاطر حوله، أنظر وأسأل نفسي: كيف سيعرف قاتله؟

يخاطب صادق نفسه وهو يمشي:

سمعت الخطى والرصاص

وأضوية القاطرات

ولم تلتفت

رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاةً

ولم تلتفت

قتلت، قتلت

ولم تلتفت

كنت أستمع لأحاديث صادق وتجاربه المدهشة وأشرب كلماته مع العرق باستمتاع... عن محلة الأزرملي التي عاش فيها فرسمت طفولته وشبابه، هناك عرف صادق الشيوعية من شقاوات المحلة، عن خاله المنولوغست الشهير عزيز علي، وكان صادق واحداً من الكومبارس، ورافقه في أول تسجيلاته، عن بداياته في جريدة «البلاد»، وفي الإذاعة بعد ثورة تموز، حيث كان يعد برنامج «المايكرفون وراء الحقيقة» الذي أحبه رئيس محكمة الشعب فاضل المهداوي ووزير الإعلام فيصل السامر، عن اللقاء المخيف والمثير بينه وبين أحمد حسن البكر... حين أخطئ وأسأل صادق: لم لا تكتب هذه الذكريات؟ يتوقف الحديث وينقطع حبل الذكريات، في داخله إحساس بلا جدوى الكتابة فيترك الذكريات للريح. الكل يحسد صادق على وسامته، على كثرة مواهبه، حظوته عند النساء، إلا صادق نفسه «لم أعش أبداً حياة ترضيني» لا بيئة عائلية ولا بيت ولا وطن مستقر.

البيت الثاني في بيروت شقة في الطابق الثامن من عمارة «النجمة» عند نزلة أبي شاكر. في هذا البيت يجلس صادق تاركاً ضيوفه في الغرفة الأخرى ليخط حين تستعصي القصيدة. خلال الممارسة الطويلة تعلم صادق قواعد الخط وطبقها بسلاسة، يرسم الحرف بمقدار ما يخطه، ويطوعه باحثاً عن أبعاد غير معهودة، مازجاً بين الخطوط ليجد هارموني مختلفاً. يجلس صادق ليخط وظهره إلى الشباك. ينحني على الطاولة حين يخط الألف، ويرفع رأسه حين يضع الهمزة فوقها. من بعيد، من وراء «برج أبي رزق» بَرَكَ قناص ضجراً من فترة الهدنة القلقة. بالناظور رأى هذا الرأس الذي يصعد وينزل في إطار النافذة. سدد الفرضة والشعيرة إلى مكمن القصيدة ثم سحب الزناد. طارت الرصاصة على طول كورنيش المزرعة واخترقت النافذة داخلة الغرفة وقد تاه عليها الرأس في اللحظة التي انحنى فيها صادق ليضع النقطة. لم يعرف صادق بالرصاصة التي استهدفته إلا بعد مدة حين فتحت سعاد دولاب الملابس واكتشفت، ويا للهول، مظروف الرصاصة نائماً مثل فأر نحاسي وديع بين صوف الملابس الشتائية.

حين تهدأ الجبهات الكبيرة تندلع داخل الجبهة الواحدة حروب النفوذ داخل الجبهة، آنذاك علينا أن نغيّر أماكن جلوسنا. ذات يوم كنا نسهر في سطح هذا البيت حين قفز فوق بيتونة الفراش مقاتل مع رشاشته المتوسطة وطلب منّا، بكل أدب، أن ندخل إلى البيت وبدأ يطلق صليات متواترة نحو منظمة جارة تنافسهم على زعامة الحارة.

عند مدخل العمارة التي يسكنها صادق رأينا، فالح عبد الجبار وأنا، قاتلين أنيقين داخل سيارة «فولكسفاغن» منحنيين قليلاً وعيونهما باتجاه المصعد الذي سيخرج منه صادق. لم يخرج صادق رغم صعود المصعد وعودته. مرة، مرة ثانية، ثالثة... يأسَ القاتلان وتركا مكانهما وقد اعتقدا أن الحذر الشديد أعلم الطريدة بوجودهما. لم يخطر النسيان ببالهما، ونحن نعلم أنه ما من مرة غادر صادق بيته إلا وعاد ثانية وثالثة، مرة نسي المفتاح، وثانية أن ياخذ معه كيس الزبالة، وثالثة نسي المسدس في رف الحمام... واحدة من فلتات النسيان أنقذت صادق من قتلته.

ذات يوم أبلغت منظمة التحرير بأن مجموعة من حملة الكواتم وصلت بيروت ومعها قائمة أسماء محددة، هي صادق وقاسم حول وزهير وربما أسماء أخرى. وأوصتنا بالحذر! أعرف وأنا أسير مع صادق أن جذوة القصيدة تأتيه حين يمشي وتتقطر في داخله بوجود الآخرين فينفصل عنهم ويذهب إلى غرفته ليكتبها قبل أن تفلت وتضيع كما ضاعت منه قصائد كثيرة.

وصادق بيننا نموذج للضياع... ضائع بين مواهبه المتعددة وهو موهوب في كل منها. بدأ مشهوراً منذ بداية عشرينياته كنجم إذاعي وخطاط. ثم انفرشت مواهبه... شاعر ورسام ونجم تلفزيوني وناقد وكاتب أطفال وخطاط... ضائع بين كل هذه المواهب لا يعرف أيها هو وقد ترك في كل واحدة منها قطرة من روحه. وفي داخل القصيدة ضائع بين التفعيلة والنثر، قصيدته ضيعت مكانها وزمانها إلى عوالم سريالية مجهولة، لا تنتمي لتجربته الحياتية، إنما إلى الشعر نفسه وإلى حساسية ميتافيزيقية دفينة، يكتب عما يفقده وعما سيفقده وليس عما يجده. ضائع بين جيلين مثل صديقه يوسف الصائغ، فهو يقف داخل دائرة الشعر الستيني دون أن ينتمي إليها فنياً. ضائع بين منافيه وبين حنينه إلى وطن ضائع. بين ذاته كداندي، وبين الآخرين في الحزب، بين النهم إلى اللحظة الحاضرة، والخوف من المجهول القادم، ضائع بين جمال المظهر وعتمة الروح، بين الحسية والإقبال على متع الحياة وبين السهولة التي يضيع فيها ما حصل عليه، بين خوفه من الموت وحب الحياة، بين ذكريات تجتاحه فجأة وتملي قصيدته وبين مستلزمات الحياة الحاضرة التي تفلت منه إلى هاوية النسيان. كلما جلسنا معاً أمام الكأس وصحون المزة يأخذ صادق الرشفة الأولى وينسى كأسه حين يشرب من كأس الأحاديث.

أفكر بصادق وأكتشف، وأنا أكتب، أن صادق هو نحن، ما ننتقده عليه وما نحسده عليه وما نحبه فيه.

الصايغ عاش أجمل سنيّ حياته في شارع الثقافة العراقي

علي حسين

عانى صادق الصائغ، مثل الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة؛ تارةً هارباً من القمع وقسوة التسلط، وتارةً من جحود الوطن الذي أغلق الباب بوجهه في السنوات الأخيرة:

كلما صرخت:

النجدة!!

أغلق الباب.

عندما أسترجع في ذهني الآن صورة صادق الصائغ، الفتى الوسيم المتعدد الاهتمامات: الشعر، الرسم، الخط، السينما، الصحافة، أتذكر أبيات قصيدته الشهيرة "هنا بغداد":

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَمِ

وَمَعَ أنَّهَا، للتَّوِّ، ضُربَت بالقنابل

وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام،

كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ

لكنَّها،

وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ.

وأسترجع معها صورة الفتى الوسيم الذي يغوص في أزقة بغداد، يحمل الأوراق والحبر ليخط عناوين مجلة السينما التي أصدرها كاميران حسني في خمسينيات القرن الماضي، وتلوح لي صورته وهو يطل من على شاشة تلفزيون العراق في السبعينيات، يقدم قصائد عراقية وعربية بطريقة سينمائية، ونظراته الفاحصة تتابع يوسف العاني يؤدي شخصية البيك في المسرحية الشهيرة "البيك والسايق" التي أعدها الصادق عن إحدى مسرحيات بريشت، أو حواراته التي كانت تنتهي بالخصام أحياناً مع جعفر علي الذي كتب له سيناريو فيلم "المنعطف"، أو حالة الوجع التي تتلبسه وهو يتذكر معاناة خاله فنان الشعب "عزيز علي". عندما أسترجع في ذهني الآن كل هذه الصور التي شكلت شخصية صادق الصائغ، سأكتشف أن هناك صورة واحدة سنظل نتذكرها؛ صورة المثقف الوطني المتمرد الذي قال ذات يوم: "لا أنافس أحداً سوى نفسي". .

عاش صادق الصائغ أجمل سني حياته في شارع الثقافة العراقي الحديث، تجول في كل أزقته، مسكوناً بالجمال والمعرفة والحب والمغامرة، ليصبح بحق واحداً من آباء الحداثة العراقية، إلا أن الشعر ظل هاجسه الرئيسي منذ أن أصدر ديوانه الأول "نشيد الكركدن" ليكشف لنا عن تفرد مشروعه الشعري وحيوية قصائده التي لم تنل منها سنوات الغربة والمطاردة، بل زادته إصراراً على الكتابة التي كانت جنته ورؤياه التي أتاحت له سفراً دائماً نحو التمرد والحرية، ولتكتسب تجربة التمرد قيمة كبيرة في معظم قصائده، فالشاعر يواصل رحلة الوقوف في وجه العالم، يشاكس حتى اللحظة الأخيرة من حياته أصحابه الذين يشاركونه الحلم بعراق معافى، يشاركهم همومه وأحلامه ومشاريعه المؤجلة، متطلعاً إلى الغد الذي يتمناه أن يكون جميلاً، ولم يكن يدري أن الموت يتربص به ليرحل وحيداً على أمل أن يتحقق الوعد الذي قطعه للأصدقاء:

إذا طَلَبـُتُ المَوْت

فَلأنِي أعْرف

أنِّي سَأسْتَيْقِظُ عَلى حُلُمٍ آخر

سأتحلل فيه إلى ماء وظل

ومع قطرات المطر

أنزل إلى جذور الأرض أنزل

كَموسِيْقا

الصائغ... المعلم في مدرسة «طريق الشعب»

إبراهيم البهرزي

يشكل العام 1978 بالنسبة للثقافة العراقية جرحا سريا ظلت آثاره المؤلمة حاضرة كلما رحل اديب عراقي في المنفى ،

فهو العام الذي شن فيه النظام السياسي حملته الوحشية ضد اليسار العراقي وترك مثقفيه رهائن المنافي او الاعتزال والصمت .

كان صادق الصائغ المثقف الموسوعي : الشاعر الفنان الخطاط المصمم الطباعي كاتب السيناريو السينمائي الناقد السينمائي كاتب المسرح والمعد والمقدم التلفزيوني يشكل مع اخرين وجها جديدا للثقافة العراقية كان يتمظهر من خلال مطبوعات الحزب الشيوعي التي سمح لها بالظهور انذاك : طريق الشعب والفكر الجديد ومجلة الثقافة الجديدة اضافة لمطبوعات متفرقة كانت تصدرها دار الرواد الزاهرة .

كانت هذه الصحف وطريق الشعب بالذات في صفحاتها الثقافية تشكل بؤرة لثقافة مختلفة عن تلك الثقافة الرسمية التي تتمثل في الإصدارات الثقافية الرسمية وكان لمثقفي ( طريق الشعب ) شيبهم وشبابهم مزاجا أدبيا وفنيا متميزا .

ولإعطاء صورة مبسطة عن الجو العام انذاك يمكننا الإشارة إلى صفحة ثقافية يتعاون على إصدارها شعراء مثل سعدي يوسف ويوسف الصائغ وصادق الصائغ وجليل حيدر وفوزي كريم وياسين النصير وفاطمة المحسن ومخلص خليل ومصطفى عبد الله وأسماء مضيئة اخرى وكنا نحن الشباب من جيل السبعينات نحظى برعاية هذه الأسماء الفذة ما شكل تيارا ثقافيا له خصائصه الفكرية والأسلوبية الذي سرعان ما حطمته قبضة الجلاد بهجماتها الشرسة على اليسار العراقي ودفع باغلب هذه الرموز الثقافية إلى المنافي .

كان الراحل صادق الصائغ واحدا ممن أخذته دروب المنفى إلى تلك القطيعة الثقافية القسرية مع جذوره الاولى حيث كانت قسوة النظام السياسي قامعة لحد حجب ( الاسم الثقافي ) عن اي إصدار في الداخل او ما يمكن تسريبه من الخارج .

اجيال جديدة نشأت وهي لا تعرف هذه الرموز المنفية وحين عادوا من المنفى بعد ٢٠٠٣ كانوا - ويا للأسى - بحاجة إلى اعادة تعريف او تنشيط لذاكرة الجمهور الثقافي .

مع التقدم في السن لم يجد صادق الصائغ تلك الفتوة التي تتيح له التدافع بالمناكب لتصدر مشهد ثقافي جديد تغير كثيرا عن نكهة السبعينات السالفة وصار له وجها آخر افرزته الثقافة الحكومية الرسمية بعجرها وبجرها وله ما له وعليه ما عليه فلم يجد صادق الصائغ المثقف الموسوعي القادر لوحده بحكم امكانياته على إصدار مطبوع بخطوطه وتصميماته ومواده من الغلاف إلى الغلاف ، لم يجد غير غرفة فارغة في وزارة الثقافة بحكم وظيفته كمستشار ثقافي وهو منصب شرفي غير حيوي فما كان له إلا العودة لمنفاه ثانية .

في الثقافة العراقية وبحكم خروجها من عباءة الأنظمة السياسية في اكثر الأوقات فان استذكار المنسيين لا يحدث إلا عند موتهم وذلك لاجل رفع العتب لا غير .

وحسب علمي فان صادق الصائغ لم يحصل حتى على حق تقاعدي مشروع جراء خدمته الوظيفية ما قبل سنوات المنفى بحكم البيروقراطية المستحكمة في الدولة العراقية ، لم يجد صادق الصائغ ما يتيح له العيش في شيخوخة كريمة يمنحها له بلده فعاد للمنفى اضطرارا .

كان الراحل من متعددي المواهب الذين يتركون اثرا مميزا في اي مجال يعملون فيه فلا تزال خطوطه وترويساته بائنة في صحف ومطبوعات كثيرة وكان له مع زميله الراحل محمد سعيد الصحار جهود في مجال تطوير الحرف الطباعي العربي وهي جهود ضيعت بين المنفى والبلاد .

شاعرا كان صادق الصائغ صوتا متفردا ما انصفه النقاد فما حسبوه على الخمسينيين ولا على الستينيين رغم ان ديوانه نشيد الكركدن وهو ديوان مميز كتبت قصائده اغلبها في الستينات ورغم انه عمل في حقل النقد السينمائي مبكرا منذ الخمسينات وسافر في الستينات إلى اوربا منغمسا في حياته مع الهيبيين وحركات الثورة الطلابية نهاية الستينات وعمل في التلفزيون العراقي كمعد ومقدم لبرنامج سينمائي أثار في احدى إطلالاته التلفزيونية حفيظة الرئيس احمد حسن البكر الذي انزعج لطول شَعره ! ما أدى إلى إبعاده عن التلفزيون ، رغم كل مواهبه المتعددة فإنه كان زاهدا بطبع مؤلفاته او جمعها ، لقد كان يعتقد ان مهمته هي كتابة الأفكار : شعرا او نثرا او نقدا وإيصالها للقاريء بطريقة ما فظل نتاجه المتنوع منجما بين صحف ومجلات ظهرت في أمكنة وأزمنة مختلفة بطريقة يصعب جمعها .

برحيل صادق الصائغ تفتقد الثقافة العراقية نكهة مختلفة ، تلك النكهة الأنيقة المتأنية التي تتوزع بين مختلف أجناس الادب والفن مؤمنة بوحدة الابداع وسعة امكانياته ،

كان موهوبا لافتا ضيعت المنافي الكثير من آثاره الادبية والفنية وسيظل علامة لجيل تتلمذ على يديه يوم كان واحدا من معلمي مدرسة ( طريق الشعب ) في سبعينات العراق .


مقالات ذات صلة

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون 3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون التفلسف على الحضارات

التفلسف على الحضارات

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها...

خالد الغنامي

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.