صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

جمع بين الشعر والصحافة والسينما والمسرح والخط والفن التشكيلي

صادق الصايغ
صادق الصايغ
TT

صادق الصايغ يرحل بعيداً عن «وطن الروح»

صادق الصايغ
صادق الصايغ

نعى «اتحاد الكتاب العراقيين»، والوسط الثقافي العراقي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء الجمعة في العاصمة البريطانية. ومن المعروف عن الصايغ أنه مارس عدة مجالات إبداعية، إذ جمع بين الشعر والفن التشكيلي والخط والصحافة والسينما والمسرح، وكان من أبرز المصممين والخطاطين الذين عملوا على تطوير الخط العربي. بدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينات والستينات في العراق، وأصدر ديوانه الأول «نشيد الكركدن» في عام 1978، وهو من أبرز دواوينه الشعرية. ومن مجموعاته الأخرى: «وطن للروح»، و«حيث هو القلب»، و«أنا التراب»، و«حجر يبكي»، و«قصائد الحب»، و«قصائد الوحدة». غادر الصايغ العراق عام 1961 إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام 1967. واضطر، مرة أخرى، للهجرة حاله حال مئات المثقفين العراقيين عام 1979، بعد اشتداد حملة القمع البعثي. عاش لفترة طويلة في بيروت، حيث شارك في تأسيس «رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين»، وأصبح سكرتير تحرير مجلة «البديل» التي أصدرتها الرابطة. ثم هاجر إلى براغ، وأخيراً استقر وعائلته في لندن.هنا استذكارات من بعض زملائه وأصدقائه:

أتذكر اليوم الأول الذي عرفت به صادق الصايغ في مقهى بـ«شارع أبو نواس» يلعب النرد مع سركون بولص. معطف رمادي يخط الأرض وخصلة شعر فالتة ووسامة ممثلي السينما. كان قد عاد من براغ التي تغلي إلى بغداد التي أحبها. أراد صادق أن ينظم إلى جيلنا الستيني، يأتي إلى مقاهينا ويكتب مثلنا ويحمل الكتب التي أدمنّاها، لكنه وجد الباب موصداً «كنتم منغلقين عليّ، ربما لأنني جئت متاخراً، وربما بسبب شكلي وشعري الطويل المحرج».

لا أتذكر صادق الصايغ إلا وبيروت معه.

وصلت بيروت بجواز سفر مزور في يوليو (تموز) عام 1979 سبقني إليها صادق الصايغ وسعاد الجزائري بأشهر. سكنت معهم في بيت يعود لعضو اللجنة التنفيذية عبد الجواد صالح، رئيس بلدية البيرة، الذي انتزعته السلطات الإسرائيلية من مدينته وتركته على حدود بلاده. نادراً ما يتردد أبو صالح على هذا البيت، وعندما يأتي للاجتماعات يتعارك مع ياسر عرفات، ويعود للبيت مقاطعاً الاجتماعات. يخرج للشرفة ليشرب قهوته ويدخن غليونه وهو يدردش مع نفسه كأنه ما زال في الاجتماع. آنذاك نصمت جميعاً ونسكّت أطفالنا احتراماً لغضب الرجل الذي لا يجيد المهادنة ولا السكوت عن الأخطاء.

أمام العمارة تجويف هائل غائر في الأرض كان ذات يوم مرآباً لعمارة. دخله مهندس الموت وربط أعمدة العمارة بمائتي كيلوغرام «تي إن تي» ووضع عقرب التفجير على الساعة 12.30 وغادر دونما خيال: كل شيء جاهز!

نقف صادق وأنا على الشرفة، ننظر إلى التجويف الفاغر ونفكر في لحظات الغفلة التي سبقت الانفجار: الطفل النائم يمصّ إبهامه ويحلم بأنه يطير مثل ريشة، كف العريس المرتجفة توقظ الشهوات في جسد زوجته الشابة، أبخرة العرق تزحف على قلب الكهل وهو يراقب فيلم السهرة... ننظر وننظر حتى تقشعر أجسادنا من هاجس أن شيئاً كهذا سيحدث لبنايتنا في اللحظة التي سيخطر فيها هذا الهاجس النحس.

في هذا البيت توقفنا صادق وأنا عن الكتابة والقراءة، أردنا فسحةً من الوقت لنقرأ حياتنا بين البلد الذي تركناه وهذا المكان الذي كنا فيه لاجئين عند اللاجئين. المكان مشحون بالأحداث، أحداث تبتر ما قبلها فلا تترك لذاكرتنا أن تحتويها. بعد العاشرة صباحاً تمر الطائرات الإسرائيلية عالية مثل إبر تبرق في الشمس وتترك في السماء المنذرة خيطاً من الغمام... آنذاك تدوي المضادات المنتشرة في زواريب الفاكهاني لتبعدها عنّا، ولا ندري في أي لحظة ستنقض الطائرات علينا. سألنا ولم نجد جواباً غير هزة الرأس: من يعرف؟ وهكذا نسينا الطائرات ونسينا سؤالنا.

في كل يوم تتجدد حيطان المنطقة بصور شهداء سيحلون مكان القدامى، نسير بينهم ونشعر بأنهم يراقبوننا، لوماّ أو انتظاراً؟ لم يكن صادق الشاعر مشغولاً بالمكان ولا أحداثه. ذاكرته وخياله تفلت منه، من المكان الحالي والحدث الحالي لتذهب إلى مكان آخر وربما اللامكان. في منافيه لم يكن المنفى من انشغالات صادق، إنما المكان المفقود. في براغ قضى أجمل سنوات حياته، ومع ذلك لم تترك المدينة ختمها على دفتره. فيما عدا كتاباته المهمة عن «ربيع براغ» لم أجد ما يمت للمدينة. ليس للمنفى من ذاكرة. مرة كان يفرّجني على براغ التي يعرف كل أزقتها وحاناتها ونساءها. وقفنا على نهر فلتافا نراقب انعكاسات الأضوية على الماء فامتدحت جمال المشهد والمدينة. التفت إليّ صادق: هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟ بغداد تسكن صادق وهو يكرر دائما «أحب حتى مزابلها».

الوطن الذي يناجيه صادق في قصائده هو وطن مجرد، وحتى حين يسميه العراق أو «العراق الجميل» يبقى مجرداً لا تفاصيل فيه، وطن للروح، أهرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن.

تقدمت عكس الرياح، عبرت بك المدن الموصدة

عبرت الحرائق، جبت الجبال، رحلت مع النازحين

بكيت على حائط الحمزة

وكنت ورائي، ورائي

لقد كنت يا وطني

ليدهشني أخرج لي صادق الصايغ شيئاً غريباّ عليه، مسدس «كلوك»، أخذ يقلّبه أمامي بين التباهي والاستغراب وقليل من خجل المفارقة. بعد أن أمّنَ المسدس سمح لي بأن أقلب هذا الجسم الغريب الذي سيصاحبنا في تجوالنا. كلانا كان يضحك في داخله ونحن نقلب هذا الحديد البارد... نعرف أن الوقت لن يتاح لنا لاستعماله لأننا سنعرف القاتل بعد أن يطلق الرصاصة.

كنت أسير مع صادق في الشارع القصير بين البيت ومركز الفاكهاني، أنظر إليه وإلى نظرته الساهية الصاعدة قليلاً فوق الموجودات وتحت السماء الضيقة فوقه. يجر خطواته بتثاقل غير معني بالمكان الذي هو فيه ولا المكان الذاهب اليه، غافلاً عن المخاطر حوله، أنظر وأسأل نفسي: كيف سيعرف قاتله؟

يخاطب صادق نفسه وهو يمشي:

سمعت الخطى والرصاص

وأضوية القاطرات

ولم تلتفت

رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاةً

ولم تلتفت

قتلت، قتلت

ولم تلتفت

كنت أستمع لأحاديث صادق وتجاربه المدهشة وأشرب كلماته مع العرق باستمتاع... عن محلة الأزرملي التي عاش فيها فرسمت طفولته وشبابه، هناك عرف صادق الشيوعية من شقاوات المحلة، عن خاله المنولوغست الشهير عزيز علي، وكان صادق واحداً من الكومبارس، ورافقه في أول تسجيلاته، عن بداياته في جريدة «البلاد»، وفي الإذاعة بعد ثورة تموز، حيث كان يعد برنامج «المايكرفون وراء الحقيقة» الذي أحبه رئيس محكمة الشعب فاضل المهداوي ووزير الإعلام فيصل السامر، عن اللقاء المخيف والمثير بينه وبين أحمد حسن البكر... حين أخطئ وأسأل صادق: لم لا تكتب هذه الذكريات؟ يتوقف الحديث وينقطع حبل الذكريات، في داخله إحساس بلا جدوى الكتابة فيترك الذكريات للريح. الكل يحسد صادق على وسامته، على كثرة مواهبه، حظوته عند النساء، إلا صادق نفسه «لم أعش أبداً حياة ترضيني» لا بيئة عائلية ولا بيت ولا وطن مستقر.

البيت الثاني في بيروت شقة في الطابق الثامن من عمارة «النجمة» عند نزلة أبي شاكر. في هذا البيت يجلس صادق تاركاً ضيوفه في الغرفة الأخرى ليخط حين تستعصي القصيدة. خلال الممارسة الطويلة تعلم صادق قواعد الخط وطبقها بسلاسة، يرسم الحرف بمقدار ما يخطه، ويطوعه باحثاً عن أبعاد غير معهودة، مازجاً بين الخطوط ليجد هارموني مختلفاً. يجلس صادق ليخط وظهره إلى الشباك. ينحني على الطاولة حين يخط الألف، ويرفع رأسه حين يضع الهمزة فوقها. من بعيد، من وراء «برج أبي رزق» بَرَكَ قناص ضجراً من فترة الهدنة القلقة. بالناظور رأى هذا الرأس الذي يصعد وينزل في إطار النافذة. سدد الفرضة والشعيرة إلى مكمن القصيدة ثم سحب الزناد. طارت الرصاصة على طول كورنيش المزرعة واخترقت النافذة داخلة الغرفة وقد تاه عليها الرأس في اللحظة التي انحنى فيها صادق ليضع النقطة. لم يعرف صادق بالرصاصة التي استهدفته إلا بعد مدة حين فتحت سعاد دولاب الملابس واكتشفت، ويا للهول، مظروف الرصاصة نائماً مثل فأر نحاسي وديع بين صوف الملابس الشتائية.

حين تهدأ الجبهات الكبيرة تندلع داخل الجبهة الواحدة حروب النفوذ داخل الجبهة، آنذاك علينا أن نغيّر أماكن جلوسنا. ذات يوم كنا نسهر في سطح هذا البيت حين قفز فوق بيتونة الفراش مقاتل مع رشاشته المتوسطة وطلب منّا، بكل أدب، أن ندخل إلى البيت وبدأ يطلق صليات متواترة نحو منظمة جارة تنافسهم على زعامة الحارة.

عند مدخل العمارة التي يسكنها صادق رأينا، فالح عبد الجبار وأنا، قاتلين أنيقين داخل سيارة «فولكسفاغن» منحنيين قليلاً وعيونهما باتجاه المصعد الذي سيخرج منه صادق. لم يخرج صادق رغم صعود المصعد وعودته. مرة، مرة ثانية، ثالثة... يأسَ القاتلان وتركا مكانهما وقد اعتقدا أن الحذر الشديد أعلم الطريدة بوجودهما. لم يخطر النسيان ببالهما، ونحن نعلم أنه ما من مرة غادر صادق بيته إلا وعاد ثانية وثالثة، مرة نسي المفتاح، وثانية أن ياخذ معه كيس الزبالة، وثالثة نسي المسدس في رف الحمام... واحدة من فلتات النسيان أنقذت صادق من قتلته.

ذات يوم أبلغت منظمة التحرير بأن مجموعة من حملة الكواتم وصلت بيروت ومعها قائمة أسماء محددة، هي صادق وقاسم حول وزهير وربما أسماء أخرى. وأوصتنا بالحذر! أعرف وأنا أسير مع صادق أن جذوة القصيدة تأتيه حين يمشي وتتقطر في داخله بوجود الآخرين فينفصل عنهم ويذهب إلى غرفته ليكتبها قبل أن تفلت وتضيع كما ضاعت منه قصائد كثيرة.

وصادق بيننا نموذج للضياع... ضائع بين مواهبه المتعددة وهو موهوب في كل منها. بدأ مشهوراً منذ بداية عشرينياته كنجم إذاعي وخطاط. ثم انفرشت مواهبه... شاعر ورسام ونجم تلفزيوني وناقد وكاتب أطفال وخطاط... ضائع بين كل هذه المواهب لا يعرف أيها هو وقد ترك في كل واحدة منها قطرة من روحه. وفي داخل القصيدة ضائع بين التفعيلة والنثر، قصيدته ضيعت مكانها وزمانها إلى عوالم سريالية مجهولة، لا تنتمي لتجربته الحياتية، إنما إلى الشعر نفسه وإلى حساسية ميتافيزيقية دفينة، يكتب عما يفقده وعما سيفقده وليس عما يجده. ضائع بين جيلين مثل صديقه يوسف الصائغ، فهو يقف داخل دائرة الشعر الستيني دون أن ينتمي إليها فنياً. ضائع بين منافيه وبين حنينه إلى وطن ضائع. بين ذاته كداندي، وبين الآخرين في الحزب، بين النهم إلى اللحظة الحاضرة، والخوف من المجهول القادم، ضائع بين جمال المظهر وعتمة الروح، بين الحسية والإقبال على متع الحياة وبين السهولة التي يضيع فيها ما حصل عليه، بين خوفه من الموت وحب الحياة، بين ذكريات تجتاحه فجأة وتملي قصيدته وبين مستلزمات الحياة الحاضرة التي تفلت منه إلى هاوية النسيان. كلما جلسنا معاً أمام الكأس وصحون المزة يأخذ صادق الرشفة الأولى وينسى كأسه حين يشرب من كأس الأحاديث.

أفكر بصادق وأكتشف، وأنا أكتب، أن صادق هو نحن، ما ننتقده عليه وما نحسده عليه وما نحبه فيه.

الصايغ عاش أجمل سنيّ حياته في شارع الثقافة العراقي

علي حسين

عانى صادق الصائغ، مثل الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة؛ تارةً هارباً من القمع وقسوة التسلط، وتارةً من جحود الوطن الذي أغلق الباب بوجهه في السنوات الأخيرة:

كلما صرخت:

النجدة!!

أغلق الباب.

عندما أسترجع في ذهني الآن صورة صادق الصائغ، الفتى الوسيم المتعدد الاهتمامات: الشعر، الرسم، الخط، السينما، الصحافة، أتذكر أبيات قصيدته الشهيرة "هنا بغداد":

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَمِ

وَمَعَ أنَّهَا، للتَّوِّ، ضُربَت بالقنابل

وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام،

كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ

لكنَّها،

وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ.

وأسترجع معها صورة الفتى الوسيم الذي يغوص في أزقة بغداد، يحمل الأوراق والحبر ليخط عناوين مجلة السينما التي أصدرها كاميران حسني في خمسينيات القرن الماضي، وتلوح لي صورته وهو يطل من على شاشة تلفزيون العراق في السبعينيات، يقدم قصائد عراقية وعربية بطريقة سينمائية، ونظراته الفاحصة تتابع يوسف العاني يؤدي شخصية البيك في المسرحية الشهيرة "البيك والسايق" التي أعدها الصادق عن إحدى مسرحيات بريشت، أو حواراته التي كانت تنتهي بالخصام أحياناً مع جعفر علي الذي كتب له سيناريو فيلم "المنعطف"، أو حالة الوجع التي تتلبسه وهو يتذكر معاناة خاله فنان الشعب "عزيز علي". عندما أسترجع في ذهني الآن كل هذه الصور التي شكلت شخصية صادق الصائغ، سأكتشف أن هناك صورة واحدة سنظل نتذكرها؛ صورة المثقف الوطني المتمرد الذي قال ذات يوم: "لا أنافس أحداً سوى نفسي". .

عاش صادق الصائغ أجمل سني حياته في شارع الثقافة العراقي الحديث، تجول في كل أزقته، مسكوناً بالجمال والمعرفة والحب والمغامرة، ليصبح بحق واحداً من آباء الحداثة العراقية، إلا أن الشعر ظل هاجسه الرئيسي منذ أن أصدر ديوانه الأول "نشيد الكركدن" ليكشف لنا عن تفرد مشروعه الشعري وحيوية قصائده التي لم تنل منها سنوات الغربة والمطاردة، بل زادته إصراراً على الكتابة التي كانت جنته ورؤياه التي أتاحت له سفراً دائماً نحو التمرد والحرية، ولتكتسب تجربة التمرد قيمة كبيرة في معظم قصائده، فالشاعر يواصل رحلة الوقوف في وجه العالم، يشاكس حتى اللحظة الأخيرة من حياته أصحابه الذين يشاركونه الحلم بعراق معافى، يشاركهم همومه وأحلامه ومشاريعه المؤجلة، متطلعاً إلى الغد الذي يتمناه أن يكون جميلاً، ولم يكن يدري أن الموت يتربص به ليرحل وحيداً على أمل أن يتحقق الوعد الذي قطعه للأصدقاء:

إذا طَلَبـُتُ المَوْت

فَلأنِي أعْرف

أنِّي سَأسْتَيْقِظُ عَلى حُلُمٍ آخر

سأتحلل فيه إلى ماء وظل

ومع قطرات المطر

أنزل إلى جذور الأرض أنزل

كَموسِيْقا

الصائغ... المعلم في مدرسة «طريق الشعب»

إبراهيم البهرزي

يشكل العام 1978 بالنسبة للثقافة العراقية جرحا سريا ظلت آثاره المؤلمة حاضرة كلما رحل اديب عراقي في المنفى ،

فهو العام الذي شن فيه النظام السياسي حملته الوحشية ضد اليسار العراقي وترك مثقفيه رهائن المنافي او الاعتزال والصمت .

كان صادق الصائغ المثقف الموسوعي : الشاعر الفنان الخطاط المصمم الطباعي كاتب السيناريو السينمائي الناقد السينمائي كاتب المسرح والمعد والمقدم التلفزيوني يشكل مع اخرين وجها جديدا للثقافة العراقية كان يتمظهر من خلال مطبوعات الحزب الشيوعي التي سمح لها بالظهور انذاك : طريق الشعب والفكر الجديد ومجلة الثقافة الجديدة اضافة لمطبوعات متفرقة كانت تصدرها دار الرواد الزاهرة .

كانت هذه الصحف وطريق الشعب بالذات في صفحاتها الثقافية تشكل بؤرة لثقافة مختلفة عن تلك الثقافة الرسمية التي تتمثل في الإصدارات الثقافية الرسمية وكان لمثقفي ( طريق الشعب ) شيبهم وشبابهم مزاجا أدبيا وفنيا متميزا .

ولإعطاء صورة مبسطة عن الجو العام انذاك يمكننا الإشارة إلى صفحة ثقافية يتعاون على إصدارها شعراء مثل سعدي يوسف ويوسف الصائغ وصادق الصائغ وجليل حيدر وفوزي كريم وياسين النصير وفاطمة المحسن ومخلص خليل ومصطفى عبد الله وأسماء مضيئة اخرى وكنا نحن الشباب من جيل السبعينات نحظى برعاية هذه الأسماء الفذة ما شكل تيارا ثقافيا له خصائصه الفكرية والأسلوبية الذي سرعان ما حطمته قبضة الجلاد بهجماتها الشرسة على اليسار العراقي ودفع باغلب هذه الرموز الثقافية إلى المنافي .

كان الراحل صادق الصائغ واحدا ممن أخذته دروب المنفى إلى تلك القطيعة الثقافية القسرية مع جذوره الاولى حيث كانت قسوة النظام السياسي قامعة لحد حجب ( الاسم الثقافي ) عن اي إصدار في الداخل او ما يمكن تسريبه من الخارج .

اجيال جديدة نشأت وهي لا تعرف هذه الرموز المنفية وحين عادوا من المنفى بعد ٢٠٠٣ كانوا - ويا للأسى - بحاجة إلى اعادة تعريف او تنشيط لذاكرة الجمهور الثقافي .

مع التقدم في السن لم يجد صادق الصائغ تلك الفتوة التي تتيح له التدافع بالمناكب لتصدر مشهد ثقافي جديد تغير كثيرا عن نكهة السبعينات السالفة وصار له وجها آخر افرزته الثقافة الحكومية الرسمية بعجرها وبجرها وله ما له وعليه ما عليه فلم يجد صادق الصائغ المثقف الموسوعي القادر لوحده بحكم امكانياته على إصدار مطبوع بخطوطه وتصميماته ومواده من الغلاف إلى الغلاف ، لم يجد غير غرفة فارغة في وزارة الثقافة بحكم وظيفته كمستشار ثقافي وهو منصب شرفي غير حيوي فما كان له إلا العودة لمنفاه ثانية .

في الثقافة العراقية وبحكم خروجها من عباءة الأنظمة السياسية في اكثر الأوقات فان استذكار المنسيين لا يحدث إلا عند موتهم وذلك لاجل رفع العتب لا غير .

وحسب علمي فان صادق الصائغ لم يحصل حتى على حق تقاعدي مشروع جراء خدمته الوظيفية ما قبل سنوات المنفى بحكم البيروقراطية المستحكمة في الدولة العراقية ، لم يجد صادق الصائغ ما يتيح له العيش في شيخوخة كريمة يمنحها له بلده فعاد للمنفى اضطرارا .

كان الراحل من متعددي المواهب الذين يتركون اثرا مميزا في اي مجال يعملون فيه فلا تزال خطوطه وترويساته بائنة في صحف ومطبوعات كثيرة وكان له مع زميله الراحل محمد سعيد الصحار جهود في مجال تطوير الحرف الطباعي العربي وهي جهود ضيعت بين المنفى والبلاد .

شاعرا كان صادق الصائغ صوتا متفردا ما انصفه النقاد فما حسبوه على الخمسينيين ولا على الستينيين رغم ان ديوانه نشيد الكركدن وهو ديوان مميز كتبت قصائده اغلبها في الستينات ورغم انه عمل في حقل النقد السينمائي مبكرا منذ الخمسينات وسافر في الستينات إلى اوربا منغمسا في حياته مع الهيبيين وحركات الثورة الطلابية نهاية الستينات وعمل في التلفزيون العراقي كمعد ومقدم لبرنامج سينمائي أثار في احدى إطلالاته التلفزيونية حفيظة الرئيس احمد حسن البكر الذي انزعج لطول شَعره ! ما أدى إلى إبعاده عن التلفزيون ، رغم كل مواهبه المتعددة فإنه كان زاهدا بطبع مؤلفاته او جمعها ، لقد كان يعتقد ان مهمته هي كتابة الأفكار : شعرا او نثرا او نقدا وإيصالها للقاريء بطريقة ما فظل نتاجه المتنوع منجما بين صحف ومجلات ظهرت في أمكنة وأزمنة مختلفة بطريقة يصعب جمعها .

برحيل صادق الصائغ تفتقد الثقافة العراقية نكهة مختلفة ، تلك النكهة الأنيقة المتأنية التي تتوزع بين مختلف أجناس الادب والفن مؤمنة بوحدة الابداع وسعة امكانياته ،

كان موهوبا لافتا ضيعت المنافي الكثير من آثاره الادبية والفنية وسيظل علامة لجيل تتلمذ على يديه يوم كان واحدا من معلمي مدرسة ( طريق الشعب ) في سبعينات العراق .


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.