جغرافية اللذة ومفهوم السعادة

أرسطو
أرسطو
TT

جغرافية اللذة ومفهوم السعادة

أرسطو
أرسطو

اللذة حسية مادية واضحة، لا يمكن التشكيك في وجودها؛ لأنها تُعاش مباشرة قبل أي تفسير أو حكم، وتعمل بوصفها محركاً خفياً للسلوك، حتى قيل إن حركات الإنسان كلها جبرية تحكمها اللذة والألم. واللذة ليست محصورة في الأكل والشرب والجنس، كما درج الخطاب الأخلاقي على اختزالها، بل تتخلل الجسد كله، وتتشكل وفق خريطة دقيقة من الاستجابات العصبية والتوترات والانفراجات. وهذه الملذات، وكذا الآلام، تتفاوت في القوة. لنا أن نتخيل لذة نيوتن عندما اكتشف قانون الجاذبية. ولنا أن نتذكر أنك عندما تنظف أذنك، لا تكون المسألة مجرد إزالة للشمع، بل هناك لذة حقيقية، ذات قوة، تدعو الإنسان إلى تكرار الفعل، حتى بعد تحقق الغاية الوظيفية. هذه الملذات، كبيرها وصغيرها لا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى خطاب أخلاقي؛ لأنها ببساطة تحدث.

جغرافية اللذة تمتد لمساحات أوسع بكثير مما يتصور العجلان. وبإمكان القارئ أن يستكشف هذه التضاريس ويتوسع في دراستها. فاللذة، في معناها الجوهري، ليست بالضرورة نشوة عالية أو إثارة قصوى، بل غالباً ما تكون إحساساً دقيقاً بزوال اختلال، أو بعودة الجسد إلى الراحة. ولهذا السبب نغيّر المِرفق الذي نتكئ عليه بمجرد أن نشعر بأدنى انزعاج. لا ننتظر ألماً حقيقياً، ولا نفكر في القرار، بل تتحرك أجسادنا كالآلات لتجنّب الألم، ولو كان في بدايته. هذا السلوك اليومي البسيط يؤكد أن حياتنا تُدار، في مستواها الأعمق، وفق ميزان اللذة والألم، لا وفق المفاهيم الكبرى التي تخترعها عقولنا لاحقاً.

هنا يبرز سؤال السعادة. إذا كانت اللذة بهذا الوضوح والحضور، فما السعادة إذن؟ وهل هي شيء نعيشه فعلاً؟ حين نزعم أننا سعداء، فإننا لا نصف تجربة حاضرة، بل نصدر حكماً عاماً على فترة أو على حياة كاملة. لكننا في الواقع لا نلتقي بشيء اسمه السعادة في الشارع. ما نعيشه دائماً هو لحظات، لذة وراحة وانشراح وزوال توتر، أو على العكس ألم وضيق وحزن. السعادة ليست إحساساً نشعر به، بل تلك هي اللذة. السعادة بناء ذهني، أشبه بعنوان يُوضع على سلسلة من الوقائع بعد مرورها، وقد يكون وهماً.

ولا بد من التفريق بين اللذة الحسية واللذة العقلية ضرورياً. اللذة الحسية قصيرة العمر، مرتبطة بالجسد واستجابته المباشرة، لا يمكن للطعم أن يدوم ساعات، ولا للمس أن يبقى متوهجاً إلى ما لا نهاية، فجميع الملذات الحسية لا تتجاوز الدقائق المعدودة. أما اللذة العقلية فهي أبطأ وأطول نفساً؛ لأنها لذة المعنى والحديث والذاكرة. حين نقول إننا قضينا ساعات ممتعة على العشاء مع أصدقاء، فإن اللذة الحسية للطعام انتهت في وقت قصير، وما استمر هو لذة النقاش والضحك واستعادة الذكريات والشعور بالقرب الإنساني.

من هنا يمكن القول إن اللذة هي الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها؛ لأنها تُعاش دائماً في الحاضر. أما السعادة فليست سوى مفهوم اخترعه الإنسان ليمنح حياته شكلاً كلياً، وليحكي عنها قصة متماسكة. الحياة، كما تُعاش فعلاً، ليست سعيدة ولا تعيسة، ولا ذنب لها في إنشاء تلك المفاهيم الحالمة، بل هي سلسلة من الاستجابات الدقيقة للذة والألم.

ما نسميه سعادة ليس إلا الاسم الذي نطلقه، بعد مرور الوقت، على تتابع لحظات لذة غلب فيها الانسجام على الاختلال. في هذا السياق، يظهر تصور أرسطو للسعادة بوصفه المثال الأوضح على تحويل اللذة من حقيقة معيشة إلى عنصر ثانوي. أرسطو لا ينكر اللذة، لكنه يرفض أن تكون أساس الحياة الجيدة، ويعرّف السعادة بأنها «نشاط النفس وفقاً للفضيلة في حياة تامة». غير أن هذا التعريف ينقل معيار الحياة من مستوى التجربة المَعيشة إلى مستوى الحكم العقلي، وهذا ديدن أرسطو في كل حقل.

الإنسان لا يشعر بما يسمى «نشاط النفس»، ولا يختبر «الفضيلة» بوصفهما إحساسين مباشرين. ما يعيشه فعلاً هو لذة أو ألم، راحة أو توتر، انشراح أو ضيق. أما الفضيلة والنشاط فليستا كيفيتين حسيّتين، بل تسميتان ذهنيتان تُستخلصان بعد الفعل، حين يُعاد ترتيب ما عِيش، ووضعه تحت عنوان أخلاقي عام. كما أن اشتراط «الحياة التامة» يكشف الطابع النظري والسردي لهذا التصور. لا أحد يعيش حياته بوصفها كُلاً مكتملاً، بل يعيشها لحظة بلحظة، في توازن هش. السعادة، بهذا المعنى، ليست تجربة، بل قصة تُروى عن حياة بعد مرورها. وما لا يُعاش في الحاضر لا يمكن أن يكون موجهاً فعلياً للسلوك.

إن الزعم بأن اللذة مجرد نتيجة تابعة للفعل وليست غايته يتعارض مع ما نعيشه يومياً. فالأفعال لا تستمر إلا بقدر ما تمنح صاحبها نصيباً من اللذة، مهما كان ضئيلاً أو مؤجلاً. وحين تغيب اللذة، ينهار الدافع، مهما بدا الفعل نبيلاً في الخطاب الأخلاقي. فاللذة ليست زينة تُضاف إلى الفعل، بل شرط بقائه واستمراره.

بهذا المعنى، يتضح أن جغرافية اللذة ليست موضوعاً ثانوياً، بل مفتاح لفهم الإنسان كما هو، لا كما يراد أن يُرى في المرآة الأخلاقية. السعادة، إن كان لها معنى، فهي ليست شيئاً نبحث عنه، بل تقرير عن مهمة بعد انتهائها. بينما اللذة هي الشيء الوحيد الذي نعيشه حقاً، هنا والآن.

الحديث عن مركزية اللذة في توجيه السلوك يصطدم بالحسّ الأخلاقي التقليدي؛ لأنه لا يصوّر الإنسان كما ينبغي أن يكون، بل كما هو في واقعه. فالإنسان لا يعيش وفق مخطط مثالي، ولا يسير موجَّهاً بصورة ذهنية عن «الحياة الجيدة»، بل يتحرك داخل شبكة دقيقة من الاستجابات الحسية، يختار فيها ما يخفف توتره، ويؤجل ألمه، ويمنحه قدراً من الراحة، حتى وإن غلّف كل ذلك بأغلفة من المفاهيم الفلسفية التي لا تنتهي.


مقالات ذات صلة

ترمب وحبائل اللغة

ثقافة وفنون ترمب وحبائل اللغة

ترمب وحبائل اللغة

جلَّت حبائل اللغة في العلاقات المتشابكة بين ترمب والأوروبيين، بين رجلٍ ماهر في ألاعيب اللغة ومجموعة من أحفاد الإمبراطوريات الأوروبية التي كانت عظمى وفقدت عظمتها

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون سكوت آدامز... أعمال وثّقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة

رحيل سكوت آدامز... التراث المُلتبس لمبدع «ديلبرت»

رحل أخيراً رسام الكوميكس الأميركي الشهير سكوت آدامز (1957 - 2026) عن عالمنا، تاركاً خلفه إرثاً انقسم بحدة بين عبقرية السخرية من عالم ذوي الياقات البيض،

ندى حطيط (لندن)
ثقافة وفنون «كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

ليس معنياً الشاعر عقل العويط في «كتاب الغرفة» الذي صدر له حديثاً عن «دار نوفل» في بيروت، لا بالتسميات ولا بالأنواع الأدبية. هو يكتب نصاً يشبهه.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون التاريخ حين يصبح عاجزاً عن احتواء الذعر الإنساني

التاريخ حين يصبح عاجزاً عن احتواء الذعر الإنساني

في روايته «جنون مصري قديم» يضع الروائي المصري طلال فيصل المرويّة التاريخية في مختبر سردي بوصفها مادة فنية مرنة تتشكّل داخل بناء تخييلي جديد،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون متلازمة العشق والموت

متلازمة العشق والموت

تهيمن أجواء الشجن والفقدان والحنين على أحدث مجموعة وليد خيري القصصية، المعنونة «المنزل» -دار «العين» بالقاهرة-

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

ترمب وحبائل اللغة

ترمب وحبائل اللغة
TT

ترمب وحبائل اللغة

ترمب وحبائل اللغة

تجلَّت حبائل اللغة في العلاقات المتشابكة بين ترمب والأوروبيين، بين رجلٍ ماهر في ألاعيب اللغة ومجموعة من أحفاد الإمبراطوريات الأوروبية التي كانت عظمى وفقدت عظمتها، غير أنها لمّا تزل تتوهم أنها عظيمةٌ وإنْ عرفت في سرها أنها ليست عظيمةً، على الأقل أمام أمريكا. وهذا القوي الضعيف في آن، لا يجد سلاحاً يواجه به ترمب غير سلاح اللغة ولكن الورطة أن لغتهم لها حدود، وأخطر حدودها أن الأوروبيين يكبرون أنفسهم ويردمون ضعفهم بواسطة اللغة وليس لهم من سلاح غيرها. وفاتَهُم أن اللغة هي لعبة ترمب المفضلة، وهو أكثر منهم مهارةً، حيث يتحدث بلا تحفظ فيما هم يمشون في حقل ألغام مقيدين بحبائل اللغة، ولم يتعلم الأوروبيون ما تعلمه زيلينسكي ومادورو، وقد دفع كل منهما ثمناً لغلطته اللغوية حسب درجة فداحة ومغبات الغلطة. والاثنان معاً كانا ضحيتَي لغتيهما التي تبعثرت أمام ترمب وكانت فرصة ترمب عظيمةً حين وقف على منصة دافوس، تلك الوقفة التي وصفتها قناة «سي إن إن» بقولها: «ترمب هادئ والحضور في حالة ذهول»، رغم أن ترمب يستخدم لغة أصلها أوروبي، وهو نفسه أوروبي الجذور ويتكلم من منبر أوروبي، ومع ذلك نطق دون تحفظ وصمتوا كلهم دون رفة جفن.

خطاب ترمب في دافوس كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل من يتوهم القوة في حين هو ضعيف. على أن وصف القناة للحال بأن ترمب هادئ والحضور في حالة ذهول هي جملة تترجم الكثير عن وظيفة اللغة في صناعة شخصية ترمب، والهدوء الذي أشارت إليه القناة لم يكن هدوءاً عادياً، فهو ينطوي على قوة صنعها ترمب لنفسه على مدى سنوات، فهو يتعامل مع اللغة كما يتعامل الصياد مع بندقية الصيد؛ إذ لا يسير إلا بها، ويسير لوظيفةٍ محددة في أن يصوِّبها لحظة ظهور هدفٍ كان يتحرَّاه ويترقبه. وترمب حين يتكلم في كل عاداته يبداً هادئاً ورزيناً، وما إن يعترضه عارضٌ حتى يستلّ لسانه ويصوِّبه نحو المعترض، وهو ماهر في تصيد أهدافه؛ فحين وقع زيلينسكي في غلطة بسيطة في ظنه تحولت غلطته إلى هدفٍ رائع لترمب الذي أطلق وابل كلماته عليه في مشهدٍ إعلامي عالمي، على أن زيلينسكي تعلم من تلك الفاجعة كيف يتعامل مع ترمب، على نقيض مادورو الذي ظن أنه سيبتز الصياد ليستعمل سلاحه اللغوي إياه، ومارس لغةً خشنةً مع رجلٍ يرى أن الخشونة اللغوية له وحده، وويل لمن تجرأ وخطف منه سلاحه. وهنا كانت نهاية مادورو المخزية التي شهدها العالم كله.

ترامب يخطب في منتدى دافوس

في المقابل فإن الأوروبيين ظنوا بأنفسهم القوة أو تظاهروا بالقوة رغم وعيهم التام بأنهم ليسوا أقوياء وأنهم ضعفاء لأمريكا في كل أمرهم السياسي والاقتصادي والعسكري، وغرَّتهم بقيةٌ من مجدٍ قديمٍ لمَّا تزل تعشعش في رؤوسهم، مما جعلهم يحاولون التسلح باللغة لمواجهة هيمنة ترمب، غير أنه تربص بهم ليومٍ يجتمعون فيه أمامه ليحبس أنفاسهم لساعة كاملة بدا فيها هادئاً ومرتاحاً كأنه «آسٍ يجس عليلاً» كما وصف المتنبي وطأة الأسد على الأرض وهو يتربص بالصيد. وترمب يفعل فعل ذاك الأسد الشعري؛ إذ يتحين فرصة مع الطريدة، حيث شرع يفترسها ويخطب لساعةٍ كاملة وجعل القاعة مسمَّرةً لا حيلة لهم غير أن ينتظروا لحظة الصعداء كي تتنفس عروقهم المعطوبة. وجاءت اللحظة بعد ساعة كاملة حين دخل ترمب في حديث عن الداخل الأمريكي فبدأ بعض الحضور في الخروج من القاعة. وهذا انعكس على حال لغة ترمب، حيث تراجع صوته وخفتت كلماته، فأنهى خطبته فجاءةً وأطلق كلمةً تبدو إنهاءً للكلام؛ إذ قال: «سأراكم لاحقاً»، وختم خطبته. على أن جملة الختام لم تكن ختاماً بل هي وعيد ٌوتهديد ٌ للمغادرين بأني «وراءكم وراءكم». وهذه اللغة الخشنة هي ما سيظلون تحت سياطها إلى أن يتعلموا ما تعلمه زيلينسكي ولم يتعلمه مادورو.

وهنا تتكشف أسلوبيات الخطاب الذي لا يتعالى إلا بالخشونة ويهبط ساعة اللين ليس عنده فقط بل لدى ضحاياه قبله الذين لم يتعلموا بعد أن أسلحة ترمب ليست فقط في فرض الضرائب، بل أيضاً في فرض الذهول والذعر تحت أي منصة يعتليها ويمطرها بلغته الخشنة التي لا تلين إلا مع الأقوياء. وقد رأينا لغته مع الأمير محمد بن سلمان، وكيف كان ترمب ترحيبياً وبشوشاً على غير لغته في دافوس مع قادة أوروبا، مما يكشف عن أنه يحترم القوي ويكره الضعفاء ويسخر منهم، فقط لأنهم يحتاجون إلى درسٍ قاسٍ يُذكِّرهم بضعفهم وحاجتهم إلى أمريكا وأنهم لم يعودوا أقوياء. وإن كان أجدادهم يستعمرون الأرض كلها بما في ذلك أمريكا، فإن ترمب ابن أوروبا؛ عرقاً وسلالةً، عاد لها ليقول كم هو أوروبي في دمائه، ولكنه أمريكي في لغته الخشنة على المتطاول. وكان لا بد له من قاعة مثل قاعة دافوس حيث يقف هو في المجلس الأعلى وهم أمامه جلوس يتقرفصون ويتلقون كلماته دون أي قدرة على إظهار الامتعاض أو التصفير أو الخروج قبل أن يكمل وابل لغته عليهم، وحين التفت لشؤونٍ أمريكية داخلية تنفسوا الصعداء فخرج بعضهم ليشم هواءً يرد لهم أنفاسهم.

‏ومن حبائل لغة ترمب تناقضه كأنه فعلاً شخصيةٌ شكسبيرية تتحلى بشروط الأسلوبية السردية التي تأخذ بخصائص سيميولوجية (علاماتية)، ومن شرط العلامة كي تكون علامةً أن تدلَّ على الشيء ونقيضه، حسب تعريف عبد القاهر الجرجاني، وأبرز علاماتية ترمب جملته الشهيرة «سأُنهي الحروب في العالم»، ويتبعها بجملة نقيضة حيث يقول «القوة الحقيقية أن تجعل غيرك يخاف منك». وهذا التناقض شرط للسردية، وقد وقفت عليها مطولا ً في كتابي «ماذا لو كنتُ مخطئاً؟» حيث طرحت فكرة أن ترمب كائنٌ سردي يتناقض ولا يبالي، ويمهد في توظيف لغة الجسد مع لعبه بالأساليب والتعبيرات خارج شروط البروتوكول اللغوي والاجتماعي. ولقد أصبح ترمب بطل اللغة كأنه شخصيةٌ هربت من إحدى مسرحيات شكسبير لتمارس دورها على مسرح العالم، ولا تحترم غير القوي لكنها تفتك بمن يتوهم أنه قوي في حين أنه ضعيفٌ ولا حيلة له.

* ناقد ثقافي خطاب ترمب في دافوس

كان كاشفاً ثقافياً بين القوة التي تملك قدراتها مقابل

من يتوهم القوة

في حين هو ضعيف


رحيل سكوت آدامز... التراث المُلتبس لمبدع «ديلبرت»

سكوت آدامز... أعمال وثّقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة
سكوت آدامز... أعمال وثّقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة
TT

رحيل سكوت آدامز... التراث المُلتبس لمبدع «ديلبرت»

سكوت آدامز... أعمال وثّقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة
سكوت آدامز... أعمال وثّقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة

رحل أخيراً رسام الكوميكس الأميركي الشهير سكوت آدامز (1957 - 2026) عن عالمنا، تاركاً خلفه إرثاً انقسم بحدة بين عبقرية السخرية من عالم ذوي الياقات البيض، ونهايات وسمها الجدل والعزلة. ولفظ الفنان مبتدع شخصية «ديلبرت» أنفاسه الأخيرة في منزله بمدينة بليسانتون بكاليفورنيا، بعد صراع مع سرطان البروستاتا، ليبقى اسمه مقترناً بأعمال وثقت بؤس الحياة المكتبية المعاصرة، وبتحولات فكرية حادة قادته نحو الهامش في سنواته الأخيرة.

منجزه الفني يعد اليوم سجلاً فريداً وأساساً لفهم سيكولوجيا العمل في الغرب الرأسمالي المعاصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مستمداً رؤاه من تجاربه الشخصية المباشرة كموظف في بنك «كروكر الوطني» وشركة «باسيفيك بيل»، حيث عاش الرتابة والبيروقراطية. معاناته اليومية تلك حولها عبر رسوم الكوميكس إلى منتج ثقافي عالمي، متجاوزاً حدود السخرية التي يمكن أن يحملها الكاريكاتير اليومي ليطرح تفكيكاً فلسفياً لاذعاً لبنية الشركات الحديثة. لقد أدرك مبكراً أن الموظف المعاصر يعيش حالة من الاغتراب المكاني والذهني، محاصراً داخل «مكعب» مكتب العمل؛ ذلك الحيز الضيق الذي يرمز إلى تدجين الروح البشرية، وتحويلها إلى ترس في آلة عملاقة مفتقرة إلى المعنى.

تمحور مشروعه الفكري حول ثيمة العبث المؤسسي في بيئة الشركات. ففي عالم «ديلبرت»، تغيب الكفاءة وتسيطر الحماقة. وصاغ لاحقاً ما عُرف بـ«مبدأ ديلبرت»، وهو أطروحة سوسيولوجية ساخطة تؤكد أن المؤسسات تميل بشكل منهجي إلى ترقية أقل الموظفين كفاءة إلى مناصب إدارية، وذلك ببساطة لإبعادهم عن مسار العمل الإنتاجي الفعلي حيث يمكنهم إحداث ضرر أكبر. عكس هذا المبدأ انقلاباً في فهم الهرم الوظيفي؛ فالصعود إلى الأعلى يعني زيادةً في العجز الفني وابتعاداً عن الواقع التشغيلي. جسّد هذا المفهوم في رسوماته من خلال شخصية «المدير ذي الشعر المدبب»، الذي يمثل السلطة الغاشمة والجاهلة في آن واحد؛ تلك السلطة التي تصدر أوامر مستحيلة، وتتبنى شعارات فارغة، وتدير الموارد البشرية بمنطق القطيع.

لقد فهم مبكراً أن «الحقيقة» في بيئة العمل الحديثة تظل مفهوماً زئبقياً. فالاجتماعات المتواصلة، والعروض التقديمية الجوفاء، ولغة الشركات الرنانة... كلها أدوات لطمس الواقع واستبدال وهْم الإنجاز به. واعتبر أن الموظف الذكي، مثل شخصية «ديلبرت» المهندس، يظل محاصراً بين قرارات إدارية تصدر عن جهل مطبق، وطموحات «الأنا» المتضخمة التي تحكم سلوك الزملاء خلف أقنعة الوداعة المهنية - كما في شخصية «الكلب دوجبرت».

لقد تجاوز نقده الإضاءة على المفارقات ليلامس جوهر الوجود الإنساني داخل النظام الرأسمالي. فصوّر الموظفين ككائنات مرهقة، تبحث عن مهرب عبر السخرية أو الكسل المقنع، في مواجهة نظام يطلب الولاء المطلق مقابل الفتات. وشخصياته كانت تعبيراً عن أنماط بشرية ثابتة: «أليس» التي تمثل الكفاءة المهدورة والغضب المكبوت، و«والي» الذي يجسّد فن التملص من العمل والانتهازية الباردة... هؤلاء جميعاً يتحركون في فضاء يفتقر إلى العدالة المنطقية؛ إذ الثواب والعقاب يخضعان لأهواء الإدارة وعشوائية الظروف.

شهدت سنوات آدامز الأخيرة تحولاً جذرياً في مساره العام؛ إذ انتقل من نقد عبثية الشركات إلى الخوض في وحل الصراعات الثقافية والسياسية، وقد آمن بقوة «الإقناع» كأداة تفوق الحقائق أهمية، وتجلى ذلك في كتابه «الفوز ببراعة» (Win Bigly)؛ إذ حلّل صعود الرئيس دونالد ترمب من منظور تقنيات الإقناع النفسي، معتبراً أن الواقع يظل ذاتياً، والحقائق الموضوعية تتراجع أمام سطوة السردية المؤثرة. قاده هذا الإيمان بمرونة الحقيقة إلى تبني مواقف وتصريحات وضعته في مواجهة مباشرة مع التيارات السائدة في المجتمع الأميركي.

بلغت هذه المواجهة ذروتها في فبراير (شباط) عام 2023، حين أدلى بتعليقات صُنفت «عنصرية» صريحة خلال برنامجه «قهوة حقيقية مع سكوت آدامز»، مستنداً إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة «راسموسن»، وخلص منه إلى وصف الأميركيين السود بـ«جماعة كراهية»، ناصحاً البيض بالابتعاد عنهم. تسببت هذه التصريحات في انهيار فوري لإمبراطوريته الإعلامية؛ فقد ألغت مئات الصحف، بما فيها «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، نشر قصصه المصورة، وفسخ ناشرو كتبه عقودهم معه، ليجد نفسه معزولاً عن المنصات التقليدية التي احتضنته لعقود، لكنه استمر في التمسك بموقفه، معتبراً نفسه ضحية لثقافة «الإلغاء»، ومؤكداً أن تصريحاته كانت تحليلاً استراتيجياً ومبالغة بيانية وليست تعبيراً عن كراهية. وقد لجأ إلى منصات بديلة مثل «لوكالز» ليطلق «ديلبرت من جديد» حيث أصبحت سخريته أكثر مرارة ومباشرة في نقد ما رآه هيمنة للحساسية الاجتماعية والسياسات التقدمية. في هذه المرحلة، ذابت الحدود الفاصلة بين الفنان وشخصياته؛ فقد تحول آدامز نفسه إلى شخصية «ديلبرتية» تصرخ في وجه نظام تراه مختلاً، لكنها هذه المرة كانت تصرخ من خارج الأسوار، منبوذة من المؤسسات التي طالما انتقدتها.

واجه مرضه العضال بذات العقلية التحليلية الباردة. تحدث عن اقتراب أجله بوضوح، وطلب المساعدة العلنية لتأمين علاجات متقدمة، مستمراً في التواصل مع جمهوره المتبقي حتى أيامه الأخيرة. وجاء رحيله تذكيراً بمفارقة كبرى: الرجل الذي برع في تشخيص الغباء الجماعي وسلوك القطيع داخل المكاتب، انتهى به المطاف ضحية لقناعاته الخاصة، وتفسيره المتطرف لآليات المجتمع المعاصر.

يبقى إرثه حاضراً بقوة ذلك التناقض الذي حمله، وستظل رسومات «ديلبرت» الأولى وثيقة تاريخية وفنية تلتقط بدقة متناهية تحولات العمل في أواخر القرن العشرين. وسيذكر التاريخ حتماً قدرته الفذّة على اختزال تعقيدات البيروقراطية في بضعة مربعات مرسومة، وكيف منح صوتاً للملايين من الموظفين الصامتين خلف شاشات الحواسيب. وفي المقابل، سيبقى سقوطه الأخير درساً حول حدود «الإقناع» ومخاطر الانفصال عن المشتركات الاجتماعية.

غادر آدامز تاركاً «ديلبرت» يتيماً في مكعبه، وشاهداً أبدياً على عصرٍ سيطرت فيه التكنولوجيا والبيروقراطية، وتراجعت الحكمة أمام سطوة البيانات الباردة وغلبة الغباء المؤسسي.


«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات
TT

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

«كتاب الغرفة»... سيرة شعرية تصالح المتناقضات

ليس معنياً الشاعر عقل العويط في «كتاب الغرفة» الذي صدر له حديثاً عن «دار نوفل» في بيروت، لا بالتسميات ولا بالأنواع الأدبية. هو يكتب نصاً يشبهه. «سرد مفتوح»، تتداخل فيه الأزمنة والشخصيات والذكريات التي يستدعي واحدها الآخر، ويبقى المحور هو الغرفة التي قد تصبح البيت برمته، أو الرحم الدافئ لشاعر اختار أن يتعاطى مع العالم على طريقته: «لا أبحث عن المال، ولا الشهرة، ولا العلاقات الاجتماعية، ولا المجاملات، ولا مآدب الأكل، ولا الشراب، ولا الترف، ولا الجاه، ولا المقامات الزائلة... أنا هنا مَلك غنيٌّ، فمن مثلي؟!». ذلك لأن كاتبنا في غرفته التي اختارها مقاماً، يعيش حالة من الانخطاف، أو استبدال بكل ما هو خارجي كونه الذاتي الذي يستكمل حضوره بالقراءة والكتابة والتفكّر. «بمقدوري أن أُمضي أياماً متتالية بلياليها في هذه الغرفة، دون أن أشعر بالرغبة في مغادرتها إلا لسدّ جوع وعطش». خيار العزلة وجوديٌّ، من فضائله حماية الذات، وإشعال جذوة النبش في حناياها، حيث صحبة الكتب والحبر والورق وأصدقاء القلب، تحمي من مصادقة الانتهازيين والمرائين وماسحي الجوخ ومقبّلي الأحذية، والمرتشين وبائعي الضمير. «أنظر إلى هذا العالم الخارجي المقيت وأبصق».

السرير الأيقونة

من محطة شراء السرير الحديدي القديم الذي سيتحول إلى أيقونة الغرفة ومحورها تبدأ الرحلة، التي ظنها الكاتب، بضع صفحات، فإذا بها تتناسل، في انسكاب للتذكارات، يجعلك تشعر بأن الحواجز هُدمت، والموانع انكسرت، وحان وقت الحقيقة، لأن تتجلى كما هي.

نثر شعري، أو شعري نثري لا فرق، يمر بك في طرابلس حين كان في المدرسة الثانوية، ثم الانتقال إلى بيروت للالتحاق بكلية التربية حيث كانت فورة استثنائية وحركة تشكل الوعي المجتمعي والسياسي. ثم بدء التفتح على الحياة في منزل الشقيقة الكبرى بعد زواجها، ومشاركة وليدها غرفته وتربيته، والمغامرات الشبابية الأولى في اكتشاف الجسد، وإطلاق العنان للهوى، قبل أن تصاب الشقيقة بمرض عضال وتفارق الحياة، ويغيب السند.

يخبرنا الكاتب بأن ديوان «مقام السروة»، كان مرافقة شعرية لموت شقيقته يوماً بيوم ولحظة بلحظة، «معرّياً الموت نفسه من رائحته العفنة، مضيفاً عليه ما يجعل الحياة باللغة بديلاً عن الحياة».

الانتقال إلى غرفة في شارع الحمرا عند جدة أحد الأصدقاء هي المحطة الوسطية التي سننتقل بعدها إلى الشقة المشتراة أو الغرفة الأساس، وموطن كل الكتابات اللاحقة لكاتبنا في صحيفة «النهار» من مقالات ونصوص وأبحاث، بعد إقامة خمس سنوات في قبرص مع وكالة الصحافة الفرنسية.

في هذا البيت الجديد سيكتب العويط كلّ نتاجه: «افتحي الأيام لأختفي وراءها»، و«سراح القتيل»، و«إنجيل شخصي»، و«وثيقة ولادة»، و«سكايبينغ»، وما لم ينشره بعد، وكذلك «كتاب الغرفة الأخير» الذي بين أيدينا؛ هذا المؤلّف الذي به يتوِّج الشاعر آخر كتاباته في هذا المكان الذي سكنه سنوات طوال مطلّاً على البحر، في يسوع الملك شمال بيروت. فترة خصبة يزيدها أهمية كتابه البوحيّ هذا، كأنما هو عصارة تلك الإقامة التأملية، وماهيتها، وشجونها، وجنوحها. فأنت تقرأ خلاصة مرحلة، وماؤها الزلال، ورحيقها.

القبض على الزمن

لهذا فإن «كتاب الغرفة» بالنسبة إلى مؤلفه يشبه سجلاً توثيقياً وجدانياً، لمرحلة يريد أن يقبض عليها، قبل أن تتسرب من بين أصابعه، وتتلاشى. وهو أيضاً فسحة للتعبير عن السخط، كما للاعتراف بالشغف والتعبير عن الامتنان، للغة العربية التي هي أداة القول والجمال، والتجلي في الكتابة عن صوت فيروز الـ«بركة» والـ«منارة»، حيث خصص له صفحات من العشق وردّ للجميل. وثمة عودة إلى العائلة الحاضنة الدافئة التي تتحول إلى حصن، والكتب بما تمثله من امتداد لفلسفات أصحابها ورؤاهم، ثم الموسيقى ومفعولها السحري. مكونات الغرفة الجمالية من كتب ولوحات وأسطوانات ووثائق، تجعلها عالماً متكاملاً، يحقق المتعة والاستغناء، إذ بهما يكتمل العيش؛ «فمَن تسكنه الأشياء لا يحتاج في الضرورة إلى البقاء الملموس في الأشياء، لكي تظل تسكنه الأشياء».

جدران الغرفة مرايا الذات وانعكاساتها، حيث يأتي السرد كفيض متلاحق، كأنما سُكب مرة واحدة: بوح، واعترافات، وجرأة، وذهاب إلى الأقصى، وفي الغضب والفرح، وتشريح الذات، ونقد الآخر، والغرق في الحب واكتشاف الأبوّة.

غرف الأدباء

فالغرفة ليست منقطعة عن العالم، بل هي الحبل السُّرِّي الذي يسهّل فهم هذا الغائب، وهي أيضاً تحيل إلى غرف أدباء مشاهير، مثل: فرجينيا وولف، وكوليت، وإرنست همنغواي، ومحمد الماغوط، ومحمود درويش، وآخرين. لكنها غرفة عقل العويط الخاصة التي لا تشبه غرفاً أخرى، فهو جمعها قطعة بعد أخرى، لتأتي على مذاقه، إذ إن أهم ما فيها خصوصيتها وذاتيتها، وفرادتها، حيث تصلح لأن تتحول إلى نص، له عمق وجودي، ولغة متحررة من قيودها، وعربية تليق بها.

فالعويط في تعاطيه مع العربية، يعبّر عن حب يرتفع إلى مستوى الشراكة، لا؛ بل الذوبان. «عشت وحيداً، هذا صحيح للغاية. لكنني أقيم في اللغة العربية. هي بالأحرى تقيم فيّ؛ فكيف أكون وحيداً؟!». فهي لغته التي يكتب بها ويفكر ويقرأ ويتبتل، مما يتيح له وهو يذوب في حناياها أن يضع نفسه «في مصافِّ العشاق الزاهدين المتواضعين» الذين لا يحبون الاستعراض.

عشق نحت الكلمات

حب اللغة جاءه من خاله الشاعر، الذي كان يصطحبه مراهقاً إلى السينما، يجول به في صالات الشمال اللبناني الجبلية؛ من حدث الجبة إلى حصرون وبشري. الخال هو قارئ تجاربه الكتابية الأولى، وهو الذي علَّمه العَروض والأوزان، وتقطيع الشعر. وهو أيضاً حلقة في سلسلة عائلية كان لها فضل التكوين المتوازن، الحامي من العواصف التالية.

ينتهي الكتاب بتحضيرات الانتقال إلى غرفة أو بيت جديد في بيروت، بعد أن كتب النص الوداعي في الغرفة الأساس التي هي محور النص ومداره. وتتحول الإقامة في العاصمة، إلى اختبار جديد به ينتهي السرد، لكنه يفتح أفقاً على تساؤلات شتى. فالكاتب لم يغادر بيروت يوماً، لأنه كان يأتيها ويعيشها ويلازمها بشكل شبه يومي، لكنه الآن سيصبح مقيماً فيها ومتورطاً في تفاصيلها. فالغرفة انتقلت إلى هنا. و«في المكان الغريب هذا، أسأل ذاتي: هل سأتمكن أنا هو، هذا الشخص المائل الآن وراء الزجاج، الراغب بقوة هائلة في تأسيس علاقات شعرية وروائية وفلسفية مع عالمي الجديد... هل سأتمكن من كتابة ذاتي المنقولة إلى مكاني الغريب الذي هنا؟».

مونولوج شعري

النص يشبه مونولوجاً شعرياً، ومراجعة ذاتية لعمر انقضى، ومحاولة استكشاف ملامح مرحلة مقبلة، اختار لها الكاتب شروطها وجغرافيتها، بعد أن امتلك شجاعة نقل مملكته الخاصة بكتبها ودفاترها وذكرياتها إلى مكان جديد، يحتاج إلى بناء ألفة ومودة. هكذا تغلَق الصفحات على تساؤلات حول ما ستكونه الحياة البيروتية، في مدينة «ما بقي منها هو مقبرة ذكريات... محفوظة في الطبقات الجريحة والخلاقة» من حياته السابقة.

أما الوحدة التي هي خيار الكاتب، في مختلف الأمكنة التي انتقل إليها، وجعلته غنياً بذاته، فهي خيار وجودي بحيث يبقى الآخر «زائراً غير مقيم». هذا لا يتعارض مع الصلات العشقية، والصداقات الحميمة، والعلاقات المخلصة. فالوحدة هي التي تجعل الفرادة ممكنة، والتجربة مختلفة. والمُقام في الغرفة أو البيت ليس عزلة بالمعنى المؤلم بل هو متعة ما دام بصحبة أشياء المتحف الخاص الذي جمع فيه صاحبه ما كان يحلم بالإقامة معه من أعمال فنية، تضخ في صاحبها دفق الحياة. «صرت أنا نفسي امتداداً لهذه المكتبة التي تمدني بالشغف والأمل، وتجعلني من سكان المطلق».

مصالحة ما لا يُصالَح

المتناقضات جزء أساسي من السيرة، لا؛ بل ثمة سعي دائمٍ إلى مصالحة المتباينات، بحيث تصبح جزءاً من طبيعة السيرة نفسها. «يجتمع في ما لا يجتمع اليأس والأمل، الجدار والحلم، الهشاشة والقوة، الهزيمة والفوز».

سيرة عقل العويط، تبدو للوهلة الأولى حكاية شعرية لشخصية هشة سريعة العطب، فيها خروج على التقليديّ والمعتاد، لكن الميزان الشخصي يعود ويجد بوصلته بفضل الحصانة الروحية المتأتية من بيت العائلة والوالدين اللذين صنعا معاً بالخبز والزيتون والرضا والأنفة، عالماً لا يشبه في معاييره الأخلاقية والقيمية الزمن الراهن.

سيرة شعرية تأملية، تمزج بين التوثيق الذاتي والتفسير الفلسفي مما يجعلها نصاً حراً متخففاً من كل قيد إلا الرغبة في البوح.