نقوش تصويرية منمنمة من موقع مليحة بالشارقة

تتبع طرازاً فنياً يعكس التقليد السومري

3 قطع منقوشة على صدف من عِرق اللؤلؤ مصدرها موقع مليحة في إمارة الشارقة
3 قطع منقوشة على صدف من عِرق اللؤلؤ مصدرها موقع مليحة في إمارة الشارقة
TT

نقوش تصويرية منمنمة من موقع مليحة بالشارقة

3 قطع منقوشة على صدف من عِرق اللؤلؤ مصدرها موقع مليحة في إمارة الشارقة
3 قطع منقوشة على صدف من عِرق اللؤلؤ مصدرها موقع مليحة في إمارة الشارقة

خرجت من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية المتنوّعة، منها ثلاث قطع منمنمة صُنعت من صدف عرق اللؤلؤ، تزيّنها نقوش تصويرية، تبدو فريدة من نوعها في هذا الميدان. تتشابه قطعتان بشكل شبه كامل، وتُمثّل كل منهما رأس أسد كما يبدو، فيما تمثّل القطعة الثالثة رأس رجل ملتحٍ. تظهر هذه الرؤوس الثلاثة في وضعية جانبية، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً يعكس أثر التقليد الفني الذي عُرف به السومريون في صناعة الألواح التصويرية المطعمة بفسيفساء من الصدف.

تقع مليحة في سهل داخلي إلى الغرب من سلسلة جبال الحجر، وأبرز معالمها مجموعة من المقابر كشفت عنها سلسلة متواصلة من حملات المسح والتنقيب. انطلقت أولى هذه الحملات خلال عام 1973، وأشرفت عليها يومذاك بعثة عراقية، تبعتها بعثة فرنسية عملت في هذا الموقع من عام 1984 إلى عام 1994. في المقابل، دخلت بعثة محلية تابعة لـ«هيئة الشارقة للآثار» في هذا الحقل تحت إدارة الأستاذ صباح عبود جاسم، وكشفت عن مدفن كبير حوى 26 قبراً، منها 12 قبراً مخصّصة للجمال، ضمّ قبران منها حصانين. دُفنت هذه البهائم كما يبدو على مقربة من أصحابها الذين احتلوا 14 قبراً، وأظهرت الأبحاث اللاحقة أن رفاتها يعود إلى جِمال في سن اليُفُوع، منها 9 جمال عربية أصيلة و3 جمال هجينة.

تحوّلت هذه المقبرة الغريبة التي تُعرف باسم «البلية» إلى موقع سياحي بعد أن أعيد بناؤها وفقاً للمقاييس العلمية المتبعة عالمياً، ودخلت أبرز اللقى الأثرية التي خرجت منها إلى «مركز مليحة للآثار» الذي شُيّد على مقربة من قبر دائري ضخم يعود إلى العصر البرونزي، يُعرف باسم ضريح أمّ النار، وتمّ افتتاح هذا المركز في مطلع عام 2016. حوت مقبرة «البلية» مجموعات متنوعة من اللقى تشابه تلك التي خرجت من المقابر الأثرية التي تمّ استكشافها في إقليم عُمان، ومنها مجموعة من الأواني المصنوعة من الفخار والزجاج والرخام والبرونز، ومجموعة من الرماح ورؤوس السهام، ومجموعة من الحلى وقطع الزينة الفردية، إضافة إلى مجموعة مميزة تتمثل بفخاخ وأقراص ذهبية وحلقات برونزية، تشكّل جزءاً من الزينة الخاصة بالخيول.

إلى جانب هذه المجموعة المميزة، تحضر ثلاث قطع منمنمة مزيّنة بنقوش تصويرية، صُنعت ممّا يُعرف في قاموس علم الآثار بـ«أمّ اللؤلؤ»، أي من الطبقة الداخلية اللامعة الخاصة بصدفة الرخويات التي يتكوّن منها اللؤلؤ، وتُعرف هذه المادة الصدفية كذلك بعرق اللؤلؤ، وهو المصطلح الأكثر شيوعاً. عُثر على هذه القطع المنمنمة في ركن ضمّ قبرين من قبور مقبرة «البلية»، وهما القبران اللذان حملا الرقم 5 والرقم 6 في التقرير الخاص باستكشاف هذا الموقع، وهي على شكل ثلاثة رؤوس في وضعية جانبية، صُوّرت ملامحها بأسلوب فنيّ واحد.

تُمثّل قطعة من هذه القطع المنمنمة رأساً آدمياً، يرتفع فوق كتفين تشكّلان قاعدة له، وهو رأس رجل ملتحٍ، يعلو جبينه رباط ينعقد فوق شعر كثيف، تتطاير خصلاته الطويلة من الخلف، وتشكّل شبكة من الخطوط الملتوية المتجانسة. تحتل العين المساحة الكبرى من هذا الوجه، وهي على شكل لوزة ضخمة مجرّدة، يحدّها جفن مقوّس عريض، يعلوه حاجب مشابه. وتحضر في وسط هذا المحجر الضخم دائرة صغيرة تمثّل البؤبؤ. الأنف كبير وبارز، وهو على شكل مثلث تتصل قمّته مباشرة بخط الجبين المستقيم. الفم مطبق، ويتمثّل بخط أفقي يفصل بين شفتين تغيبان خلف خصل لحية طويلة، تحتلّ الجزء الأسفل من هذا الوجه.

في موازاة هذا الرأس الآدمي، يحضر رأس بهيمي تتكرّر ملامحه بشكل شبه مطابق على القطعتين المقابلتين. يأتي هذا التكرار بشكل معاكس؛ إذ يظهر رأس محدّقاً في اتجاه اليمين، ويظهر الرأس الآخر محدّقاً في اتجاه اليسار. يبدو هذا الرأس البهيمي من الفصيلة السنورية، ويمثّل على الأرجح رأس أسد مزمجر يكشر عن أنيابه. تماثل عين هذا الأسد في تكوينها عين الإنسان الملتحي، ويشهد هذا التماثل لوحدة الأسلوب المتبع في النقش. الأنف مقوّس، وتعلوه شبكة من الخطوط الأفقية المتوازية تمثل الوبر، مع دائرة صغيرة في الجزء الأسفل تمثّل المنخر. الفك العلوي مقوّس، والفك الأسفل مستقيم، والشدق مفتوح في وسطهما، وقوامه صف من الأنياب المتراصة. الأذن كتلة بيضاوية مجرّدة، واللبدة ظاهرة في الجزء الخلفي من الرأس، وخصلها أشبه بالحراشف.

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة في المقابر الأثرية الخاصة بدولة الإمارات العربية المتحدة عن مجموعة كبيرة من القطع العاجية المزينة بنقوش تصويرية، تمثّل تقليداً فنياً محلياً شاع كما يبدو في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية. تخرج قطع مقبرة «البلية» الثلاث عن هذه المجموعة بشكل جليّ؛ إذ تعتمد أسلوباً فنياً مغايراً، واللافت أن هذا الأسلوب الخاص يشبه إلى حد كبير التقليد الفني العريق الذي عُرف به السومريون في صناعة الألواح التصويرية المطعمة بفسيفساء من الصدف، وأشهرها تلك التي خرجت من مدينة أور في جنوب العراق، وتلك التي خرجت من مملكة ماري على الضفة الغربية لنهر الفرات، في طرف الجهة الشرقية من سوريا.

نشأت مستوطنة مليحة في القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهرت على مدى ستة قرون من الزمن، والأرجح أن هذه النقوش المصنوعة من عرق اللؤلؤ جاءت من الخارج، كما توحي فرادة أسلوبها في محيطها. صُنعت هذه القطع الفنية على الأرجح في ناحية من نواحي الشرق الأوسط الأوسع، شكّلت فنونها التصويرية استمرارية خلّاقة للتقاليد التي تأسست قديماً في زمن السومريين. وتحديد هويّة هذه الناحية يظلّ افتراضياً، نظراً لتعدّد القراءات والاحتمالات التي تواجه الباحث في هذا الميدان الشائك.


مقالات ذات صلة

من داخل المتحف البريطاني... زاهي حواس يدعو لاسترداد «حجر رشيد»

يوميات الشرق حجر رشيد بالمتحف البريطاني (موقع المتحف البريطاني)

من داخل المتحف البريطاني... زاهي حواس يدعو لاسترداد «حجر رشيد»

في إطار حملة لاستعادة القطع الأثرية النادرة من الخارج، دعا عالم المصريات الدكتور زاهي حواس لاسترداد «حجر رشيد».

فتحية الدخاخني (القاهرة)
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق مشهد من الفيلم الوثائقي عن كنيسة الموتى (إدارة الرقابة على المنافذ بوزارة السياحة والآثار المصرية)

«كنيسة الموتى»... وثائقي مصري يكشف خبايا دير سانت كاترين

ضمن سلسلة أفلام وثائقية تحمل عنوان «آثار وأسرار» نشرت وزارة السياحة والآثار المصرية الفيلم الوثائقي «كنيسة الموتى».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من مقبرة توت عنخ آمون بالأقصر (وزارة السياحة والآثار)

عرض سدادات مقبرة توت عنخ آمون للمرة الأولى في الأقصر

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن عرض السدّات الطينية الأصلية لمقبرة الملك توت عنخ آمون لأول مرة منذ اكتشافها عام 1922 خلال افتتاح قاعة «الخبيئة» بالأقصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)

«رسوم سماوية»... جداريات لتوثيق «الدير الأحمر» بصعيد مصر

بدا اختيار «بيت السناري» الأثري، الممتد عمره لأربعة قرون، لاستضافة ومناقشة كتاب «رسوم سماوية - الدير الأحمر الأثري» للدكتورة أمنية صلاح، مرتبطاً بالتراث.

منى أبو النصر (القاهرة )

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».