عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع

«الحياة ليست رواية» لعبده وازن بطلها «القارئ»

عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع
TT

عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع

عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع

غالباً ما يقوم العمود الفقري للقصص على ثنائيات، أو ثنائي واحد. هذه المرة يأخذنا عبده وازن في روايته «الحياة ليست رواية» الصادرة عن «دار المتوسط» إلى علاقة ثلاثية. لكل واحد من أقطابها حكايته الخاصة، وخلفياته، وظلاله، لكنهم معاً، يشكلون مشهداً بيروتياً متكاملاً، حيث تحضر الحروب المتوالية، والهجرة، واليتم، والتبني، والقتل، والضياع، والبحث المحموم عن الهوية، والحب الضائع.

الراوي هو قارئ أو «القارئ» الذي لا مهنة له غيرها. له من المقومات الحياتية والمادية ما يتيح له أن يتفرغ للكتب وخاصة الروايات، التي يعيشها حتى الثمالة، يحفظ أسماء أبطالها، ويستعيدهم، يربط مسارهم بما يعيشه، ويستوحي حيواتهم ليستنبط منها ويستلهم. ومع أنه يقرأ ليقرأ، وتلك غاية جعلته «تلميذاً أبدياً... يمضي جلّ أوقاته حاملاً بين يديه كتاباً، هو رواية في معظم الأحيان»، إلا أن الظروف تضع في طريقه جوسلين التي سيواصل القراءة معها، ويرى فيها امتداداً لما قرأ. هو وريث أب ميسور، لم يشعر بحاجة لأن يجهد نفسه بما لا يحب. كسول، درس الأدب الفرنسي، ولم يكمل ليحصل على شهادته الجامعية، وما حاجته إلى ذلك؟ إنه مفتون بالقراءة فقط! وهذا وحده يكفي، حتى الكتابة ليست هدفاً، ولا رغبة.

أما وقد قرر الراوي (القارئ) الخروج عن معهوده والمباشرة بكتابة رواية، فالغاية هي فقط «أن أتخلص من العبء الذي يثقل نفسي، ومن الشجن الذي يربض عليّ». ينبهنا الراوي الذي هو «القارئ» نفسه، منذ البداية إلى أنه ليس بأديب محترف. «أكتب، إذن، كما يحلو لي، فأنا قارئ يكتب، ولست كاتباً، ولن أكون. أكتب بالقلم، وليس على الكمبيوتر، فأنا لا أجيد الكتابة عليه بإتقان». هو عبء حكايته مع جوسلين وجوزف الذي يدفعه لأن يعدّل من مهمته الأثيرة.

ففي تلك الشقة التي جعلها مكتباً أو مكتبة إلى جانب شقة والدته، تقتحم عزلته جوسلين اللبنانية من أم فرنسية، الواصلة للتو من باريس، لزيارة جدتها أنجل (جارته) وإعادة اكتشاف وطنها، حيث مات والدها قتلاً خلال الحرب الأهلية في خضم نزاع مسلمين ومسيحيين. بعد الحادث الأليم اصطحبتها أمها مع شقيقها إلى فرنسا عائدة بهما إلى وطنها. لكن ها هي جوسلين تعود لتخوض مغامرتها اللبنانية الاستكشافية، ولا بد أنها في أشد الحاجة إلى معونة صديق، وتشاء الصدف أن يكون جار جدتها الذي تلتقيه بمجرد وصولها. لكن رغم انجذاب الراوي لها، وإعجابه السريع بها، سيميل قلبها إلى المحامي جوزف صديق طفولته والأقرب إليه. خيار موجع، لكن الراوي يبقى على هدوئه، وصمته ويترك لها أن تعيش خيارها.

في استسلام يشبه انسياقه صوب الروايات التي يقرأها، يترك الراوي لقصة الحب بين جوسلين وجوزف أن تأخذ مداها، وكأنما القدر يسوق الخطى. كل الرواية تسير فيها شخصياتها، وكأنها منساقة أو هائمة في حياة، تبحث فيها عن شيء ما فاتها. جوسلين في رحلة النبش عن ماضي والدها الذي فقدته، تلاحق تفاصيل قصة حب عاشها مع منى قبل أن يتزوج بوالدتها، ورسائل تبادلها معها، كل هذا يتزامن مع محاولة الابنة معرفة ظروف مقتله بعد أن اختُطف على نقطة البربير في بيروت. الراوي (القارئ) يساندها في مهمتها، بينما يكتفي جوزف بدور الحبيب، الذي سرعان ما يعيش قصة غير منتظرة هي معرفته المتأخرة بأنه ابن بالتبني لعائلة كان يظن أنها امتداده البيولوجي. أمر سيخلق للراوي أيضاً انشغالاً جانبياً آخر. فهو صديق العمر، لكنه غريم في الوقت نفسه. جوسلين تحب جوزف بحق، لكنه لا يبادلها الشغف نفسه، ومع ذلك فالراوي يترك الأمور تمضي بينهما، ولو كان متحرقاً متشوقاً، متألماً بصمت.

في خضم هذه العلاقة الثلاثية نتنقل مع الشخصيات في بيروت بمبانيها، ومقاهيها، وشوارعها بأسمائها الحقيقية، ومناطقها من ساسين إلى البربير، التباريس، الطيونة، مونو، الجميزة. تزور جوسلين المتحف الوطني فتكون مناسبة لنتعرف على حقبات تاريخية من خلاله، وعلى دور المتحف في الحرب الأهلية، وما يعنيه في ذاكرة اللبنانيين، كونه جغرافياً، يقع على ما كان يعتبر خط تماس بين البيروتين.

الأحداث العامة التي تستدعيها ذاكرة الثلاثي، وخاصة الراوي، هي أيضاً مستلة من تاريخ المدينة، والثلاثي يعيش حياة نعرف ملامحها جيداً، يتحركون في أماكن نسكنها معهم، وربما نكون عشنا الأحداث نفسها.

يسمح الراوي لنفسه أن يجول في الزمن جيئة وذهاباً، تبعاً لحاجة القص. جوسلين لا بد أن تبحر في الماضي، هي الآتية للبحث عنه. هناك استدعاء لأحداث رافقت الحرب، ذكريات انقضت، كل ذلك يحتاج إلى التحرك على خط الزمن بحرية. أما النص فجاء دفقاً واحداً متتالياً، لا تقسيمات ولا أبواب ولا عناوين فرعية. يكفي أن تقرأ على الغلاف «الحياة ليست رواية» لتكتشف سريعاً من الصفحات الأولى أنك تدخل في خضم لعبة أدبية، فيها الكثير من التجريب. لا بل إن الراوي يحمل الكثير من ملامح عبده وازن نفسه؛ بحيث إن الخلط بين المؤلف والراوي، لا يأتي صدفة بل هو جزء من التجربة النصية نفسها. يشرح لك الراوي أنه يهوى هذا الصنف من الروايات التي تُدخل قارئها وكاتبها في لعبة أدبية. «أحب كثيراً الروايات القائمة على لعبة الرواية داخل الرواية».

يتبارى الراوي مع جوسلين في استعادة روايات عديدة، لكتّاب مشهورين، لجأوا إلى ألعاب أدبية من هذا النوع، بينهم شكسبير مثلاً، بيرندللو، أندريه جيد، ناتالي ساروت. تقول جوسلين: «أحب لعبة التوهم السردي، لعبة الوجه والقناع. كأن الرواية تشكك بنفسها، تنتفص، تزدوج. أي رواية نصدق، الأولى أم الثانية؟ الكاتب أم الراوي؟».

يغيب جوزف، يرحل في حادثة، ويبقى الراوي يفكر إذا ما كان هو السبب في الكارثة، أو كان بمقدوره أن يمنعها. يعود زخم الأدب ليظهر وكأنما هو البداية كما في النهاية. لم تكن الأحداث إلا وسيلة القارئ أو الراوي، ليكتب روايته التي في الأصل هي لعبة تجريبية أدبية، من وحي هذا الصنف من الروايات.

كأنما يعيش الثلاثة وهم يحاولون أن يعيشوا حياة جديرة بالكتابة، كما تقول جوسلين: «ليتنا نجد من يكتب عنا رواية نحن الثلاثة، كيف التقينا، وكيف أصبحنا ثلاثياً نادراً؟! ثلاثي رائع، نحب، نقرأ، نتناقش، نعيش معاً، نسهر معاً، حتى ليصعب علينا أن ننفصل واحداً عن الآخر، على رغم حفاظ كل منا على مزاجه وأسراره».

فعل القراءة يحتل جانباً واسعاً من الكتاب، وحيزاً مهماً من حياة الشخصيتين جوسلين والراوي. وكأنما حياتهما مع النصوص الروائية هي محاولة حثيثة، للعثور على وجود بديل عن حياة غير مكتملة. أو كأنما القراءة والكتب، وعوالمها الشاسعة التي تشغل الشخصيات، هي في حياتهم بدل عن ضائع؛ إذ بمجرد أن تغيب جوسلين، عائدة إلى فرنسا بعد موت جوزف، تاركة وراءها الرجل الذي أحبها ولم تلتفت إليه، يقع في فراغ اللاقراءة.

بعد أسابيع من الضيق والحسرة وهجران الكتب، يتوجه في محاولة لنفض الحداد واستعادة الحياة، إلى مكتبة أنطوان، للبحث عن كتب جديدة. هناك، وكي لا نمسّ متعة القراءة واكتشاف النهاية، نعرف أننا لسنا في لعبة رواية داخل رواية، وإنما ثمة طبقة روائية أخرى، وأن صاحبنا ليس عاشقاً للمرأة بقدر ما هو عاشق لها حين تصبح كتاباً أو نصاً أو عملاً روائياً.

وبالتالي فإن عبده وازن في روايته التي لم يردها تقليدية، ولا مشدودة إلى حبكة، إنما يروي حكاية أفراد يلتقون بقدر ما يفترقون، يتواصلون بقدر ما تبعد بينهم الظروف، ويمكن لأحدهم أن ينفصل عن الآخر، تماماً كما يشعر بأن هذا الفطام صعب، وأن الأمر الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه هو الكتاب، والنص.

رواية تغرس جذورها في جغرافيا بيروت وتفاصيل أحيائها وحاناتها ومقاهيها، جامعة بين التخييل الشخصي والواقع الجمعي المألوف.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.