عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع

«الحياة ليست رواية» لعبده وازن بطلها «القارئ»

عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع
TT

عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع

عندما تصبح حكايات الكتب بدلاً عن ضائع

غالباً ما يقوم العمود الفقري للقصص على ثنائيات، أو ثنائي واحد. هذه المرة يأخذنا عبده وازن في روايته «الحياة ليست رواية» الصادرة عن «دار المتوسط» إلى علاقة ثلاثية. لكل واحد من أقطابها حكايته الخاصة، وخلفياته، وظلاله، لكنهم معاً، يشكلون مشهداً بيروتياً متكاملاً، حيث تحضر الحروب المتوالية، والهجرة، واليتم، والتبني، والقتل، والضياع، والبحث المحموم عن الهوية، والحب الضائع.

الراوي هو قارئ أو «القارئ» الذي لا مهنة له غيرها. له من المقومات الحياتية والمادية ما يتيح له أن يتفرغ للكتب وخاصة الروايات، التي يعيشها حتى الثمالة، يحفظ أسماء أبطالها، ويستعيدهم، يربط مسارهم بما يعيشه، ويستوحي حيواتهم ليستنبط منها ويستلهم. ومع أنه يقرأ ليقرأ، وتلك غاية جعلته «تلميذاً أبدياً... يمضي جلّ أوقاته حاملاً بين يديه كتاباً، هو رواية في معظم الأحيان»، إلا أن الظروف تضع في طريقه جوسلين التي سيواصل القراءة معها، ويرى فيها امتداداً لما قرأ. هو وريث أب ميسور، لم يشعر بحاجة لأن يجهد نفسه بما لا يحب. كسول، درس الأدب الفرنسي، ولم يكمل ليحصل على شهادته الجامعية، وما حاجته إلى ذلك؟ إنه مفتون بالقراءة فقط! وهذا وحده يكفي، حتى الكتابة ليست هدفاً، ولا رغبة.

أما وقد قرر الراوي (القارئ) الخروج عن معهوده والمباشرة بكتابة رواية، فالغاية هي فقط «أن أتخلص من العبء الذي يثقل نفسي، ومن الشجن الذي يربض عليّ». ينبهنا الراوي الذي هو «القارئ» نفسه، منذ البداية إلى أنه ليس بأديب محترف. «أكتب، إذن، كما يحلو لي، فأنا قارئ يكتب، ولست كاتباً، ولن أكون. أكتب بالقلم، وليس على الكمبيوتر، فأنا لا أجيد الكتابة عليه بإتقان». هو عبء حكايته مع جوسلين وجوزف الذي يدفعه لأن يعدّل من مهمته الأثيرة.

ففي تلك الشقة التي جعلها مكتباً أو مكتبة إلى جانب شقة والدته، تقتحم عزلته جوسلين اللبنانية من أم فرنسية، الواصلة للتو من باريس، لزيارة جدتها أنجل (جارته) وإعادة اكتشاف وطنها، حيث مات والدها قتلاً خلال الحرب الأهلية في خضم نزاع مسلمين ومسيحيين. بعد الحادث الأليم اصطحبتها أمها مع شقيقها إلى فرنسا عائدة بهما إلى وطنها. لكن ها هي جوسلين تعود لتخوض مغامرتها اللبنانية الاستكشافية، ولا بد أنها في أشد الحاجة إلى معونة صديق، وتشاء الصدف أن يكون جار جدتها الذي تلتقيه بمجرد وصولها. لكن رغم انجذاب الراوي لها، وإعجابه السريع بها، سيميل قلبها إلى المحامي جوزف صديق طفولته والأقرب إليه. خيار موجع، لكن الراوي يبقى على هدوئه، وصمته ويترك لها أن تعيش خيارها.

في استسلام يشبه انسياقه صوب الروايات التي يقرأها، يترك الراوي لقصة الحب بين جوسلين وجوزف أن تأخذ مداها، وكأنما القدر يسوق الخطى. كل الرواية تسير فيها شخصياتها، وكأنها منساقة أو هائمة في حياة، تبحث فيها عن شيء ما فاتها. جوسلين في رحلة النبش عن ماضي والدها الذي فقدته، تلاحق تفاصيل قصة حب عاشها مع منى قبل أن يتزوج بوالدتها، ورسائل تبادلها معها، كل هذا يتزامن مع محاولة الابنة معرفة ظروف مقتله بعد أن اختُطف على نقطة البربير في بيروت. الراوي (القارئ) يساندها في مهمتها، بينما يكتفي جوزف بدور الحبيب، الذي سرعان ما يعيش قصة غير منتظرة هي معرفته المتأخرة بأنه ابن بالتبني لعائلة كان يظن أنها امتداده البيولوجي. أمر سيخلق للراوي أيضاً انشغالاً جانبياً آخر. فهو صديق العمر، لكنه غريم في الوقت نفسه. جوسلين تحب جوزف بحق، لكنه لا يبادلها الشغف نفسه، ومع ذلك فالراوي يترك الأمور تمضي بينهما، ولو كان متحرقاً متشوقاً، متألماً بصمت.

في خضم هذه العلاقة الثلاثية نتنقل مع الشخصيات في بيروت بمبانيها، ومقاهيها، وشوارعها بأسمائها الحقيقية، ومناطقها من ساسين إلى البربير، التباريس، الطيونة، مونو، الجميزة. تزور جوسلين المتحف الوطني فتكون مناسبة لنتعرف على حقبات تاريخية من خلاله، وعلى دور المتحف في الحرب الأهلية، وما يعنيه في ذاكرة اللبنانيين، كونه جغرافياً، يقع على ما كان يعتبر خط تماس بين البيروتين.

الأحداث العامة التي تستدعيها ذاكرة الثلاثي، وخاصة الراوي، هي أيضاً مستلة من تاريخ المدينة، والثلاثي يعيش حياة نعرف ملامحها جيداً، يتحركون في أماكن نسكنها معهم، وربما نكون عشنا الأحداث نفسها.

يسمح الراوي لنفسه أن يجول في الزمن جيئة وذهاباً، تبعاً لحاجة القص. جوسلين لا بد أن تبحر في الماضي، هي الآتية للبحث عنه. هناك استدعاء لأحداث رافقت الحرب، ذكريات انقضت، كل ذلك يحتاج إلى التحرك على خط الزمن بحرية. أما النص فجاء دفقاً واحداً متتالياً، لا تقسيمات ولا أبواب ولا عناوين فرعية. يكفي أن تقرأ على الغلاف «الحياة ليست رواية» لتكتشف سريعاً من الصفحات الأولى أنك تدخل في خضم لعبة أدبية، فيها الكثير من التجريب. لا بل إن الراوي يحمل الكثير من ملامح عبده وازن نفسه؛ بحيث إن الخلط بين المؤلف والراوي، لا يأتي صدفة بل هو جزء من التجربة النصية نفسها. يشرح لك الراوي أنه يهوى هذا الصنف من الروايات التي تُدخل قارئها وكاتبها في لعبة أدبية. «أحب كثيراً الروايات القائمة على لعبة الرواية داخل الرواية».

يتبارى الراوي مع جوسلين في استعادة روايات عديدة، لكتّاب مشهورين، لجأوا إلى ألعاب أدبية من هذا النوع، بينهم شكسبير مثلاً، بيرندللو، أندريه جيد، ناتالي ساروت. تقول جوسلين: «أحب لعبة التوهم السردي، لعبة الوجه والقناع. كأن الرواية تشكك بنفسها، تنتفص، تزدوج. أي رواية نصدق، الأولى أم الثانية؟ الكاتب أم الراوي؟».

يغيب جوزف، يرحل في حادثة، ويبقى الراوي يفكر إذا ما كان هو السبب في الكارثة، أو كان بمقدوره أن يمنعها. يعود زخم الأدب ليظهر وكأنما هو البداية كما في النهاية. لم تكن الأحداث إلا وسيلة القارئ أو الراوي، ليكتب روايته التي في الأصل هي لعبة تجريبية أدبية، من وحي هذا الصنف من الروايات.

كأنما يعيش الثلاثة وهم يحاولون أن يعيشوا حياة جديرة بالكتابة، كما تقول جوسلين: «ليتنا نجد من يكتب عنا رواية نحن الثلاثة، كيف التقينا، وكيف أصبحنا ثلاثياً نادراً؟! ثلاثي رائع، نحب، نقرأ، نتناقش، نعيش معاً، نسهر معاً، حتى ليصعب علينا أن ننفصل واحداً عن الآخر، على رغم حفاظ كل منا على مزاجه وأسراره».

فعل القراءة يحتل جانباً واسعاً من الكتاب، وحيزاً مهماً من حياة الشخصيتين جوسلين والراوي. وكأنما حياتهما مع النصوص الروائية هي محاولة حثيثة، للعثور على وجود بديل عن حياة غير مكتملة. أو كأنما القراءة والكتب، وعوالمها الشاسعة التي تشغل الشخصيات، هي في حياتهم بدل عن ضائع؛ إذ بمجرد أن تغيب جوسلين، عائدة إلى فرنسا بعد موت جوزف، تاركة وراءها الرجل الذي أحبها ولم تلتفت إليه، يقع في فراغ اللاقراءة.

بعد أسابيع من الضيق والحسرة وهجران الكتب، يتوجه في محاولة لنفض الحداد واستعادة الحياة، إلى مكتبة أنطوان، للبحث عن كتب جديدة. هناك، وكي لا نمسّ متعة القراءة واكتشاف النهاية، نعرف أننا لسنا في لعبة رواية داخل رواية، وإنما ثمة طبقة روائية أخرى، وأن صاحبنا ليس عاشقاً للمرأة بقدر ما هو عاشق لها حين تصبح كتاباً أو نصاً أو عملاً روائياً.

وبالتالي فإن عبده وازن في روايته التي لم يردها تقليدية، ولا مشدودة إلى حبكة، إنما يروي حكاية أفراد يلتقون بقدر ما يفترقون، يتواصلون بقدر ما تبعد بينهم الظروف، ويمكن لأحدهم أن ينفصل عن الآخر، تماماً كما يشعر بأن هذا الفطام صعب، وأن الأمر الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه هو الكتاب، والنص.

رواية تغرس جذورها في جغرافيا بيروت وتفاصيل أحيائها وحاناتها ومقاهيها، جامعة بين التخييل الشخصي والواقع الجمعي المألوف.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.