كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية

يشعر بالخجل عند الحديث عنه... ولا يعدّ نفسه «جزءاً من الحياة الأدبية»

كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية
TT

كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية

كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية

كان كراسناهوركاي، البالغ من العمر 71 عاماً، الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، هذا العام «لأعماله المقنعة والرؤيوية التي تؤكد قوة الفن في خضم الرعب المروع»، حسبما جاء في بيان الأكاديمية السويدية، مرشحاً لنيل الجائزة منذ سنوات طويلة. لقد وصفته سوزان سونتاغ مرة بأنه «سيد نهاية العالم»، وهو يحظى منذ فترة طويلة باحترام زملائه الكتّاب لأسلوبه الفريد ورواياته القاتمة التي غالباً ما تكون مفعمة بروح الدعابة الخفية.

بالإضافة إلى رواياته، كتب ستة سيناريوهات بالتعاون مع المخرج السينمائي الهنغاري بيلا تار، الذي قام بتحويل العديد من رواياته إلى أفلام. وقام تار بتصوير فيلم «كآبة المقاومة»، وهو اسم روايته التي تُعدّ من أشهر أعماله، وكذلك «تناغمات ميركمايستير - Werckmeister Harmonies»، في عام 2000. وهي رواية مليئة بالجمل الطويلة بلا أي تنقيط، وتتناول الأحداث التي وقعت في بلدة هنغارية صغيرة بعد وصول سيرك يحمل معه حوتاً محشواً ضخماً.

وأحدث رواياته التي صدرت باللغة الإنجليزية هي «Herscht 07769»، ونُشرت العام الماضي في الولايات المتحدة. تثير الرواية، التي تتكشف في جملة واحدة، مخاوف بشأن صعود الفاشية في أوروبا، وتتخيل عامل تنظيف في ألمانيا يكتب رسائل إلى المستشارة أنغيلا ميركل لتحذيرها من الدمار الوشيك للعالم. ولا تحتوي الرواية التي تبلغ 400 صفحة سوى على نقطة واحدة.

يقول كراسناهوركاي لصحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2014، إنه حاول تطوير أسلوب «مبتكر تماماً... لقد أردت أن أكون حرّاً في الابتعاد عن أسلافي الأدبيين، وألا أكتب نسخة جديدة من كافكا أو دوستويفسكي أو فوكنر».

وأشاد ستيف سيم-ساندبرغ، عضو اللجنة التي منحت الجائزة، «بأسلوب كراسناهوركاي الملحمي القوي والمستوحى من الموسيقى»، وذلك في المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه عن منح جائزة نوبل.

وأضاف سيم-ساندبرغ، قائلاً: «إن نظرة كراسناهوركاي الفنية، الخاوية تماماً من الوهم، والتي تخترق هشاشة النظام الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع إيمانه الراسخ بقوة الفن، هي التي دفعت الأكاديمية إلى منحه الجائزة».

وقالت متحدثة باسم الناشر الألماني لأعمال كراسناهوركاي في رسالة بالبريد الإلكتروني يوم الخميس، إن المؤلف لم يُجرِ أي مقابلات، على الرغم من أنه تحدّث، لفترة وجيزة، إلى الإذاعة السويدية في وقت سابق من اليوم، قائلاً: «أنا سعيد للغاية، شكراً لكم»، مضيفاً: «لا أعرف ما يخبئه المستقبل».

ولد كراسناهوركاي عام 1954، في بلدة جيولا، وهي بلدة صغيرة تبعد نحو 120 ميلاً عن بودابست. بقيت الجذور اليهودية لعائلته سرّاً -فقد غيّر جده اسم العائلة من كورين إلى كراسناهوركاي من أجل التماهي والاندماج في المجتمع- ولم يكن كراسناهوركاي على علم بتراثه اليهودي حتى أخبره والده بذلك عندما كان في الحادية عشرة من عمره.

كان كراسناهوركاي طفلاً معجزة في الموسيقى، وعمل موسيقياً محترفاً لعدة سنوات في شبابه؛ حيث كان يعزف على البيانو في فرقة جاز، ويغني في فرقة روك آند رول.

كان والده محامياً، ووالدته تعمل في وزارة الرعاية الاجتماعية. خطّط لدراسة القانون متأثراً بأعمال كافكا -الكاتب الذي كان يُقدسه- وكان مفتوناً بعلم النفس الجنائي، لكنه انتهى به الأمر إلى دراسة اللغة والأدب الهنغاريين.

بعد الجامعة، خدم كراسناهوركاي في الجيش، لكنه قال في مقابلات إنه هرب من الجيش بعد أن عوقب بسبب عصيانه، ثم عمل في وظائف مؤقتة، مثل عامل منجم وحارس ليلي لـ300 بقرة، وهو عمل سمح له بقراءة أعمال دوستويفسكي، ورواية «تحت البركان» لمالكولم لوري، وهو كتاب وصفه بأنه «مرجعه الأول».

عندما بدأ الكتابة، كان هدفه إكمال كتاب واحد، ثم متابعة مسيرته في مجال الموسيقى. في الوقت الذي نشر فيه قصته القصيرة الأولى، كان الفنانون والكتاب يخضعون للرقابة في ظل النظام الشيوعي في هنغاريا، وتم استدعاؤه للاستجواب من قبل الشرطة، التي استجوبته حول آرائه المعادية للشيوعية، وصادرت جواز سفره.

لم يثبط ذلك كراسناهوركاي عن عزمه، ففي عام 1985، نشر روايته الأولى المثيرة للجدل بعنوان «ساتان تانغو»، أو «رقصة الشيطان»، التي تدور حول الحياة في قرية فقيرة متهالكة. ولقد أحدثت الرواية ضجة أدبية في هنغاريا. وقال في مقابلة مع مجلة «باريس ريفيو» في عام 2018: «لم يستطع أحد، بمن في ذلك أنا، فهم كيف كان من الممكن نشر (ساتان تانغو) لأنها رواية غير مثيرة للمشكلات بالنسبة للنظام الشيوعي».

تدور أحداث «ساتان تانغو» في مزرعة جماعية مهملة، وتركز على العديد من الموضوعات التي تميز أعمال كراسناهوركاي؛ فهي تصور أشخاصاً عاديين يملؤهم شعور عام بالبارانويا والارتباك، ويواجهون حالة من عدم اليقين مع بدء انهيار الأنظمة الاجتماعية.

يقول الشاعر جورج سزيرتيس، الذي ترجم «ساتان تانغو» والعديد من أعمال كراسناهوركاي الأخرى: «إنه لا يتعامل مع القضايا السياسية الكبرى، وإنما يتعامل مع تجارب الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات آخذة في التدهور والانهيار».

في عام 1994، صوّر المخرج بيلا تار فيلماً مقتبساً عن الرواية مدته أكثر من 7 ساعات. وفي مقابلة يوم الخميس، تذكّر أنه قرأ الكتاب في ليلة واحدة، وسأل المؤلف عما إذا كان بإمكانه تحويله إلى فيلم، ليجد أن المؤلف منزعج من إيقاظه خلال عطلة عيد الفصح. ويقول تار إن الرواية مليئة بـ«هؤلاء الناس الفقراء، وهؤلاء الناس البؤساء»، لكن كراسناهوركاي منحهم «كرامة» نادرة.

أما سزيرتيس فيقول إن كراسناهوركاي لم يتوقع مطلقاً أن تحظى كتبه -المفعمة بالعبارات والجمل الفرعية التي لا نهاية لها- بشعبية واسعة بين القراء في مختلف أنحاء العالم، فكتبه، حسب قوله، «قد تبدو مرهقة في بعض النواحي، ببساطة لأنه لا توجد فواصل فيها».

خلال العقود الأخيرة، حصل كراسناهوركاي على سلسلة من الجوائز خارج وطنه. في عام 2015، فاز بجائزة «مان بوكر» الدولية، التي كانت تُمنح في ذلك الوقت لمجمل أعمال المؤلف، وليس لرواية معينة.

وفي الولايات المتحدة، نشرت دار نشر «نيو دايركشنز» عشرات من كتبه المترجمة، وهناك المزيد في الطريق، بما في ذلك رواية «لقد رحل زومله - Zsömle Is Gone»، وهي رواية ساخرة عن كهربائي متقاعد مسن يعيش في الريف، ويعتقد أنه من سلالة العائلة المالكة الهنغارية.

غالباً ما تحتوي أعماله على انتقادات لصعود آيديولوجية اليمين

تقول باربرا إيبلر، ناشرة دار «نيو دايركشنز»، «إن من أكثر الأشياء إثارة للإعجاب في أعمال كراسناهوركاي قدرته على نسج الفكاهة غير المتوقعة في قصص قاتمة... كل هذه الظلمة، ومع ذلك في داخله حالة من المرح المتصاعد والفارغ من التعبيرات بشكل لا يُصدق».

على الرغم من أن أعمال كراسناهوركاي غالباً ما تُشاد لطابعها السياسي، فإنه يرفض فكرة أنه يكتب قصصاً سياسية رمزية.

يقول لصحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2014: «لا أريد مطلقاً أن أكتب روايات سياسية. لم تكن مقاومتي للنظام الشيوعي سياسية، بل كانت ضد المجتمع بأسره».

ومع ذلك، غالباً ما تحتوي أعماله على انتقادات للسلطوية، وصعود آيديولوجية اليمين. كما انتقد كراسناهوركاي الزعيم الاستبدادي الهنغاري فيكتور أوربان وحزبه «فيدس»، وهو موقف محفوف بالمخاطر في وقت يواجه فيه الكتّاب الذين ينتقدون الحكومة مضايقات في كثير من الأحيان، حسبما قالت أوتيلي مولزيت، التي ترجمت نحو 6 من كتبه إلى الإنجليزية.

تقول مولزيت: «إنه يضع مرآة السخرية أمام المجتمع الهنغاري. لقد كان شجاعاً جداً في إعلان موقفه بأنه غير راضٍ عن أوربان».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، هنأ أوربان كراسناهوركاي على فوزه بجائزة نوبل، وقال إنه «يجلب الفخر لأمتنا».

لا يشعر كراسناهوركاي بالراحة عندما يُصوَّر على أنه متنبئ اجتماعي أو سياسي. وقد صرح بأنه لم يشعر مطلقاً بالراحة عند مناقشة أعماله، ولا يعدّ نفسه «جزءاً من الحياة الأدبية».

قال لمجلة «باريس ريفيو»: «الكتابة، بالنسبة لي، هي عمل خاص تماماً. أشعر بالخجل عند الحديث عن أعمالي الأدبية، فهذا يُشبه سؤالي عن أسراري الخاصة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي