ليانة بدر: مشروعي هو كتابة التاريخ الفلسطيني بعيون النساء

الكاتبة الفلسطينية تقول إن الكتابة أرشيف حيّ لتجربة الحرب والمنفى

ليانة بدر
ليانة بدر
TT

ليانة بدر: مشروعي هو كتابة التاريخ الفلسطيني بعيون النساء

ليانة بدر
ليانة بدر

يتنوع النِّتاج الأدبي للكاتبة الفلسطينية ليانة بدر ما بين الرواية والقصة والشِعر، علاوة على مُنجزها السينمائي، وقد حازت أخيراً على «جائزة فلسطين للأدب». ومن أبرز أعمالها: «الخيمة البيضاء»، و«نجوم أريحا»، و«شرفة على الفاكهاني»، و«ورد السياج».

هنا حوار معها حول مشروعها الأدبي، ورؤيتها للكتابة...

> في رواية «ورد السياج» نلمح تداخلاً بين الحاضر والذاكرة، وتعدداً في الأصوات السردية. كيف رسمتِ خريطتك لبناء شخصيات قادرة على التعبير عن تجربة الشتات الفلسطيني بكل تشعباتها؟

- أردت ان تكون رواية «ورد السياج» معبرة عن الحياة الفلسطينية خارج وداخل فلسطين، ووددت أن أُظهر التضحيات الجمة والأهوال التي عاشها فلسطينيّو المخيمات خارج الوطن، وهذه مسألة يتم التغافل عنها عادة، وكأن النضال مقتصر على الفلسطينيين داخل الوطن. لقد بذل الناس في الشتات تضحيات كبيرة، وعاشوا أهوالاً ومجازر، مثل تجربة الحصار في مخيم تل الزعتر ومجزرة صبرا وشاتيلا خلال الحرب الأهلية اللبنانية وما بعدها.

كما وددت ان أرصد مرحلة حافلة بتضحيات النساء وصعود إمكاناتهن وقدراتهن على المساهمة في الحياة الفلسطينية بكافة تجلياتها. كانت هناك مفاهيم أخرى، تسمح للعمل التطوعي النسائي بأن يتحمل مسؤوليات جمة في ترميم المجتمع ومساعدة الناس، وهو ما قضت عليه التنظيمات غير الربحية فيما بعد.

ولتغطية مرحلة واسعة بين 1977-1982، وهي ما اختتمت بالخروج من بيروت، كان عليّ متابعة شخصيات عديدة مختلفة الطباع والمشارب، وهكذا وُجد تعدد الأصوات في الرواية.

> هل ترين أن الذاكرة يمكن أن تكون «مساحة للكتابة» تعيد صياغة الحاضر بشكل مختلف؟

- الذاكرة هي الرافعة التي تحمي وجودنا من انعدام الأمل. حينما نحافظ على ذاكرتنا، فإننا نساعد وجودنا على الاحتفاظ بالحب والحنان والتوقعات بحيث لا نقع فريسة الخيبة والنسيان.

وعلى الصعيد الجماعي لم تتح الفرصة لكتابة تاريخنا الفلسطيني روائياً، وما أشتغل عليه في معظم كتاباتي هو متابعة التاريخ العام عبر التاريخ الشخصي لبشر تعرفت عليهم، وكنت على ألفة ومعرفة عميقة بهم. هذا هو تاريخ الأدب على كل حال، نحن نسجل ما نحس به ومن نتعرف بهم، ونحاول الربط بين هذا التاريخ الروائي المنفرد وبين تاريخ المجموع.

> تمثل أعمالك مزيجاً بين التوثيق التاريخي والصوت الذاتي. إلى أي مدى ترين أن حضور التجربة الذاتية عنصر أساسي في مشروعك الأدبي عموماً، وبرز بشكل خاص في «شرفة الفاكهاني» عن تجربة بيروت؟

- نعم، إن هذا الدمج بين التاريخ الشخصي والعام هو الذي يصنع الكتابة في حالتنا. لا يمكن للإنسان الفلسطيني أن يهرب من التاريخ الاستعماري العنيف الذي صنع حاضره السياسي المكون من اللجوء والفقر. لقد أردت أن أظهر جمال الحياة الإنسانية التي يعيشها الناس بتضامنهم وارتباطهم بالحرية والتوق إلى الانتماء. وفي «شرفة على الفاكهاني» أثارت انتباهي شخصيات النساء اللاجئات في المخيمات، ووجدت أنهن ما زلن يمتلكن اللغة العفوية الأولى التي جلبنها من الجليل. وهكذا خضت مغامرة محاولة اكتشاف هذه اللهجات الطافحة بالأمثال الشعبية والسخرية والتضامن. وعندما لامني صديق ناقد على الكتابة عن الحاضر أيامها، وكنا ما زلنا في بيروت قلت له إن الحاضر سوف يتحول إلى ماضٍ وإننا سنتذكر المرحلة عبر هذه الشخصيات، وهذا ما حدث فعلاً.

> كيف تساعدك الكتابة على استعادة تجربتي الحرب والمنفى؟

- الكتابة أرشيف حي لتجربة الوطن والمنفى، فقد أتيح لي التنقل بين العديد من الأمكنة ومشاهدة التجارب والخبرات التي تحدث بها. وُلدت في مدينة القدس وطفولتي مقدسية مدينية، ثم أتيح لي الاستقرار في أريحا خلال العام الدراسي بسبب وجود عيادة أبي الطبيب بها، وكانت مدينة صغيرة في الغور محاطة بحزام كبير من المخيمات التي تحوي عشرات الآلاف من لاجئي 1948، وفي العيادة استمعت إلى عشرات القصص والحالات التي تطفح تعاسة بسبب اللجوء وفقدان الوطن.

لكن حرب 1967 حوّلتني بدوري إلى لاجئة بعد أن ذهبنا إلى عمّان ولم نستطع العودة بسبب احتلال الضفة الغربية. ثم عشت في بيروت 10 سنوات، وفي دمشق 5 بعد سقوط بيروت، ثم 7 سنوات في تونس.عايشت معارك الحرب الأهلية اللبنانية بكل رعبها ومآسيها، وكنت أكمل امتحاناتي الجامعية فيها على وقع الرعب الذي تسببه أصوات كسر جدار الصوت الذي تصنعه الطائرات الحربية. لقد رأيت ويلات الحرب والإصابات المرعبة التي تسببها القذائف. وما فعلته عبر كتاباتي هو أنني قمت بتحويل حصيلة الرعب والخوف التي لازمتني سنوات طويلة إلى حروف وكلمات وقصص تحكي عما يحدث وعن الناس الذين عرفتهم وسط هذه المصائب.

بشكل عام، لم أكتب إلا ما عشته وما عاشه من هم حولي، ولكني بحاجة إلى سنوات أخرى كي أحكي ما حدث في فلسطين التي عدت إليها عام 1994.

> اتجهتِ في روايتك «الخيمة البيضاء» إلى توظيف تفاصيل الحياة اليومية، من الأغاني إلى مشهد الحواجز، كيف تنظرين إلى التفاصيل العادية واليوميات في مشروعك الأدبي؟

- قبل عودتي إلى فلسطين كنت أشتغل على إكمال تلك المرحلة أدبياً، فقد اشتغلت في رواية «عين المرآة» على الوجود الفلسطيني في لبنان منذ عام 1948 وتتويجه بالحرب التي قادها اليمين المتطرف في لبنان لتصفية مخيم تل الزعتر بكل ما يضمه من تعدد المكونات الإثنية فيه، لم تكن العودة سهلة على الإطلاق، فقد تغيرت فلسطين بعد غيابي عنها أكثر من عقدين، وتغيرت الأشياء كلها التي كنت أعرفها، ولهذا لزمتني الكتابة عن الوضع الجديد الذي لا أعرفه. كتبت مجموعة قصصية آنذاك «سماء واحدة»، ولكنني كنت مرتبكة من تشابكات الواقع الصعب الذي جعل هناك شقّاً عموديّاً بين أهل البلد والعائدين. علماً أنني كنت أنتمي لكليهما. كانت ثرثرات عديدة تنطلق بين هؤلاء وهؤلاء، وأنا محتارة فيما يجري، وأخيراً قررت أن تكون هذه الحيرة هي موضوع روايتي «الخيمة البيضاء»، وأن أواجهها روائيّاً كي أرى إلى أين تنتهي.

> أنتِ لستِ روائية فقط، بل أيضاً شاعرة وصانعة أفلام. كيف يتسلل الشعر والسينما

إلى العمل الأدبي لديكِ؟

- أول كتاباتي كانت الشِعر كما هو تقليدي في ثقافتنا، لكني كرست عملي الروائي والقصصي أولاً حتى لا تختلط الموازين ولكي يكون هناك فصل إيجابي بينهما. كانت فكرة «المهنية» مغرية بالنسبة لي، وهكذا تأخرت حتى نشرت النصوص الشعرية، وحتى الآن ما زال لدي تراكم من عدم النشر، ربما أيضاً لأن دور النشر تبدي استعدادها للنشر الروائي أولاً، لكن الحقيقة أنه في الحياة يختلط الشعر مع السينما، وتنتج عن هذا توليفة مهمة من الأفكار والحركات المثيرة التي تبث الحيوية، سواء في الأفلام أو في المقطوعات الشعرية.

لقد تربيت على حضور الأفلام مع أطفال العائلة الممتدة في القدس وعلى التعليق والاهتمام بكل جديد في العروض، وكنت أظن في طفولتي أنني سأشتغل بطلة سينمائية مثل كثيرين غيري، وهكذا لذت بالشعر وكتابة المذكرات والانطباعات في صباي إلى أن كتبت روايتي الأولى ونشرتها وأنا في عمر مبكر نسبياً.

من ناحية أخرى، كنت حريصة على ألا تتوقف هذه العلاقة بالسينما والشِعر، لذلك قمت بكتابة وإخراج 7 أفلام وثائقية حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات الدولية، وعرضت في مهرجانات عالمية متعددة، إلا أنني أخذت قراراً بالتوقف عن متابعة القيام بالمزيد منها بسبب احتياجي للوقت كي أُكمل المشروع الأدبي الذي أشتغل عليه، وهو كتابة التاريخ الفلسطيني عبر عيون النساء.

إني بحاجة إلى سنوات أخرى كي أحكي ما حدث في فلسطين التي عدت إليها عام 1994

ليانة بدر

> كيف استقبلتِ تتويجك بجائزة فلسطين للأدب؟

- الجوائز هي محض محفزات تشير لنا إلى أننا على الطريق الصحيح، وأنه علينا أن نتابع مهما كلفنا هذا من جهد وتضحيات. في حياة الكاتب كثير من التكريس للعمل، فهناك دوماً أكداس من الكتب الجديدة التي تنتظره كي يقرأها، وعليه أن يكتب ما يخطر بباله فور أن يتبادر إليه كي لا تطير الأفكار وتكف عن التحليق، ولطالما ضاعت أفكار ثمينة لأن الوقت لم يساعد على تسجيلها.

إن الإصرار والمتابعة خصلتان فريدتان تعلمتهما من والدي الطبيب الكاتب والشاعر ورائد دراسات علم الفلك عند العرب القدامى. كان والدي يخبرني أن الخيلاء تقود أصحابها إلى السقوط، أحياناً لا أصدق أن رواية «ورد السياج» قد بدأت كتابتها في التسعينات وأنها لم تصدر إلا الآن، طبعاً لقد أضفت إليها الكثير وذهبت إلى تغطية مرحلة جديدة يعيشها الشعب الفلسطيني حالياً، لم أستطع أن أنساها. ومن فصل واحد كان مكتوباً أنتجت الرواية الحالية، فصولها التاريخية العديدة تُعبر عن مراحل جديدة، ونساء يحاولن التعبير عن أنفسهن خوفاً من محو أصواتهن، كما جرت العادة في كتابات كثيرة.

> ما الذي ما زلتِ تبحثين عنه في الكتابة والفن إلى اليوم؟

- ما زلت أبحث عن فسحة راحة تنتهي بها هذه الحرب الظالمة على شعبنا الفلسطيني في غزة، التي تسببت في قتل عشرات الآلاف من العائلات والنساء والأطفال، هل يمكننا أن نطمح في سلام ما، تتوقف فيه هذه المقتلة الجنونية؟!

> هل هناك عمل جديد تعكفين عليه حالياً؟- نعم، أقوم بالعمل على رواية تبدو صعبة ومتشعبة إلى الآن، ولكنني أعمل بطاقة الحب والمحبة التي اعتدت معالجة الروايات بها، صلّوا معي من أجل أن أتمكن من إتمامها كما أود دون استعجال أو إهمال.


مقالات ذات صلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!