نزار قباني شاعر الرغبات المترامية والأنوثة المستحيلة

نزوعه إلى الحرية آزرته ظروف أسرية وتحولات اجتماعية ملائمة

نزار قباني (أ.ف.ب)
نزار قباني (أ.ف.ب)
TT

نزار قباني شاعر الرغبات المترامية والأنوثة المستحيلة

نزار قباني (أ.ف.ب)
نزار قباني (أ.ف.ب)

يصعب على المرء، أكان ناقداً متمرساً للشعر أم متذوقاً له، أن يقارب موضوع الحب في الشعر العربي الحديث دون التوقف ملياً عند التجربة الثرية لنزار قباني. ذلك أن أحداً من الشعراء العرب منذ عمر بن أبي ربيعة لم يجعل من المرأة والعشق هاجسه المحوري، ويفرد لهما عشرات الأعمال الشعرية والنثرية ويحوّل الشعر إلى حصالة هائلة للنشوة الحسية والثمل بالجمال الأنثوي كما فعل صاحب «قصائد متوحشة» و«أشعار خارجة عن القانون».

وإذا كان نزار وليد التحالف الوثيق بين موهبته العالية والتحولات السياسية والاجتماعية التي أحاطت بنشأته، فقد كان للأسرة المتنورة التي خرج من بين ظهرانيها أبو خليل القباني رائد المسرح العربي أبلغ الأثر في دفع تلك الموهبة بعيداً إلى الأمام. وإذ وصف الشاعر تلك الأسرة بالقول «إن الحب يولد مع أطفالها كما يولد السكّر في التفاحة، وبأن أفرادها ينصبون سرادق عشقهم على تخوم الموت»، لا تفوته الإشارة إلى أن حادثة انتحار أخته وصال بسبب عجزها عن الاقتران بالشخص الذي أغرمت به كان لها الأثر الأكبر في تعميق إحساسه بالظلم اللاحق بالمرأة، وفي رفده بأسباب النقمة والتمرد والدعوة إلى الحرية.

إلا أن جرأة نزار المفرطة في مقاربة موضوعات الحب والشغف بالمرأة لم تكن توازيها - في أعماله الأولى - جرأة مماثلة في هدم الأشكال القديمة، ودفع التجربة الشعرية بعيداً في مجال التجديد الأسلوبي والرؤيوي. صحيح أننا نجد أنفسنا إزاء قصيدة رشيقة اللغة والقوام ومتخففة من النسق الأسلوبي الفحولي، ولكن الشاعر لم يخرج حينها من عباءة التجارب النهضوية السابقة لكل من إلياس أبو شبكة وصلاح لبكي والأخطل الصغير وسعيد عقل وآخرين.

أما المرأة في تلك الأعمال فقد تم تظهيرها على صورة أعضاء منتزعة من سياقها، و«قطع غيار» مختلفة تم تجميعها في معمل الرغبات الفائرة كما يتبدى جلياً في قصائد من مثل «فم» و«الشفة» و«الضفائر السود» و«خصر» و«أنامل» وغيرها. كما أن احتفاء الشاعر بها لم يقتصر على جسدها فحسب، بل تعدى ذلك إلى إكسسواراته ومتعلقاته من ثياب وأدوات زينة وعطور وأسرّة ووسائد. وهو ما يرى فيه رولان بارت محاولة رمزية لملامسة المعشوق الغائب عبر ملامسة مقتنياته وهداياه والأشياء التي يقع بصره عليها.

لكن الأمور لم تستقر طويلاً على هذا النحو، إذ إن مغامرة نزار الشعرية بدأت تؤتي ثمارها في أعمال لاحقة، مثل «قصائد» و«الرسم بالكلمات» و«أحبك أحبك والبقية تأتي» وغيرها. ورغم أن الجانب الجسدي والشهواني لم يغب عن أعمال الشاعر فإن رؤيته للأنوثة اتسعت دائرتها لتتلمس وجوهها من خلال حالات إنسانية أوسع أفقاً وأعمق غوراً. وحيث راح نزار يتحدث بلسان المرأة، فقد أراد التأكيد على أن كل إبداع حقيقي هو سباحة في المياه الإنسانية المشتركة التي تتخطى الهوية الجندرية والفواصل التقليدية بين الجنسيين.

وفي مواءمة واضحة بين الشعر والحب يلحّ نزار على أن قصائد الشعراء ينبغي أن تكتب بالأعصاب لا بالأفكار، وتُتناول بالحواس لا بالبراهين الفلسفية، وعلى أنه ينحاز لجدول الحب لا لجدول الضرب. وهو يشير في قصيدة له إلى أنه لا يتعاطى التفكير بل الشعر، وإلى أن الحب حالة انجذاب إلى الآخر تقتلها التفاسير والشروحات. والشعر الحقيقي عنده ليس نتاج الأفكار التي يتم نقلها من «ثلاجة» العقل البارد إلى الورق، بل هو ثمرة التضافر الخلاق بين توهج القلب وجماليات التعبير، وبين بروق التخييل وملموسية الصور، كما في قوله:

حين أحببتكِ لاحظتُ بأن الكرز الأحمر في بستاننا

أصبح جمراً مستديرا

وبأن السمك الخائف من صنارة الأولاد

يأتي بالملايين ليلقي في شواطينا البذورا

حين أحببتك لاحظتُ بأن القمر الهارب من بلدتنا

جاء يستأجر بيتاً وسريرا

وإذا كان هناك من أخذ على نزار زهوه الشهرياري الطاووسي، أو وقوعه في المباشرة والسرد التقريري، أو تناوله الجسد الأنثوي بوصفه وليمة آهلة بالثمار ومنتزعة عن سياقها العاطفي والإنساني، فإن هذه المآخذ على وجاهة بعضها، لا يمكن أن تحجب الوجوه الأكثر أهمية لواحدة من أكثر تجارب الحب العربي جرأة وفرادة. فهو أحد الشعراء القلائل الذين وسّعوا لغة الحب ومعجمها التعبيري، ودفعوا بالحرية إلى حدودها القصوى، وسبروا الروح الأنثوية في أغوارها النائية والملغزة.

أما من الناحية الفنية فقد بدت لغة الحب وصور المرأة المعشوقة عند نزار بعيدة عن التوليدات الذهنية المجردة، ومحتطبة من غابة الحواس الخمس التي تتبادل فيما بينها الأدوار، فيحل المسموع محل المرئي، والمشموم محل المتذوق والملموس. وهو ما تتكرر شواهده في استعارات من مثل «أنامل صوتكِ الزرقاء تمعن فيّ تمزيقا»، أو «ففي الظل يغدو لعطركِ صوتٌ»، أو «ويخضرُ في شفتيها الصدى». كما يبدو افتتان الشاعر بالمرأة افتتاناً باللغة نفسه كاشفاً عما بين الجسد الأنثوي وخطوط اللغة وحروفها من تناظر جمالي ودلالي، كمثل قوله:

تتحضر حين أحبكِ آلاف الكلماتْ

تتشكّل لغة أخرى،

تسرع أنفاس الساعاتْ

ترتاح حروف العطف وتحبل تاء التأنيثِ

وينبتُ قمحٌ ما بين الصفحاتْ

وخلافاً لمناخات العويل الرثائي الطلل، التي سادت الكثير من نصوص الحب العربي فإن قباني يودع نساءه الراحلات أو المرحَّلات بالقليل الأقل من المرارة والحسرة الدامعة، وقد يكون ذلك عائداً إلى تكوينه الشخصي وإقباله المتفائل على الحياة، ولأنه لا يجد الوقت الكافي للنحيب، وهو الذي لا يكاد يشيع امرأة إلى مثوى قصيدته حتى تداهمه غيرها على حين غرة. ولمّا كان الانتشاء بالجمال والاقتناص الأبيقوري للملذات جزءاً لا يتجزأ من فلسفة الشاعر ورؤيته إلى الوجود فقد انسحب ذلك الطرب الراقص بالعالم على نتاجه برمته، بحيث عمل - ما بوسعه - على ترشيق بحوره وأوزانه، وإبعاد قوافيه عن التعسف، ولغته عن التكلف وتقريب الشفوي من المكتوب، من المصداقية. بما أكسب حديثه عن اللغة الثالثة التي اجترحها لنصوصه الكثير من المصداقية.

وإذا كان التساؤل مشروعاً عما إذا كان نزار قد اختبر الحب الذي يصعق المرء ويزلزل كيانه، أم ظل أسير الافتتان العابر بنساء حياته اللواتي حوّلهن إلى مجرد «حصّالات» للكتابة، فقد تولى الشاعر الإجابة بنفسه حين كتب قائلاً: «أعترف أن النساء اللواتي أحدثن كسراً في زجاج حياتي لا يتجاوز عددهنّ أصابع اليد، أما الباقيات فلم يتركن سوى خدوش بسيطة على سطح جلدي».

اللافت أن الشاعر الذي رثى زوجته بلقيس بحرقة بالغة إثر رحيلها المأساوي، لم يستطع البقاء طويلاً في خانة الحزن الحدادي أو العزوف عن العشق. إذ لم تمض شهور قليلة على فاجعة بلقيس، حتى كان نزار يعاود مسيرته الطويلة مع النساء، متجولاً مع فاطمة في شوارع باريس ولندن، ومتشاطراً معها غرف الفنادق ونظرات الحب وصفير القطارات. لا بل إنه في مجموعته «الحب لا يقف على الضوء الأحمر» التي يكرسها لحب فاطمة، يخاطبها بالمعجم نفسه والتعابير إياها التي خاطب بها من سبقها ومن سيتبعها من نسائه المعشوقات. وكما كتب لغيرها «أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ» كتب لها قائلاً: «فكأنك أنثايَ الأولى وكأني قبلكِ ما أحببت». وقد تكرر الأمر نفسه والقَسم إياه مع مايا ولوليتا وأوريانتيا وماريا وتمارا، وكثيرات غيرهن.

والأرجح أن النساء القليلات اللواتي خلبن لب الشاعر كنّ أولئك المتمنعات اللواتي دفعنه دفعاً إلى طاولة الكتابة. وأولئك اللواتي أدركن بذكائهن المفرط أن الرجل الدون جوان يحمل الكثير من طبائع الأطفال الذين يستميتون لاقتناء الدمى، حتى إذا تم لهم ذلك لم يتوانوا عن كسرها أو هجرها بدافع الملل. ولأن الإبداع في عمقه هو قرين المتمنع والمتخيل، لا المتاح والمتحقق، هتف نزار في قصيدته «النساء والمسافات» بالمرأة التي التصقت به حد الضجر:

اتركيني حتى أفكر فيكِ

وابعدي خطوتين كي أشتهيكِ

أنتِ في القرب تخسرين كثيراً

فاذهبي أنتش واتركي لي شكوكي

أنتِ أحلى تأكّدي أنت أحلى

حين في عالم الرؤى ألتقيكِ

إلا أن التفاوت المأساوي بين قلة الجسد وكثرة النساء، كما بين قصر الذراعين ولانهائية الرغبات، ما لبث أوهن من عزيمة نزار قباني المتعب من أحمال السنين، والباحث عن مستق لروحه الظامئة إلى حب حقيقي. حتى إذا أحس بأنه يدور في حلقة مفرغة، وبلغ به الدوار أقصاه فوق مسرح الأنوثة العبثي لم يتوان عن الاعتراف:

كرهتُ كتابة شعري على جسد الغانياتْ

أريد انتشال القصيدة من تحت أحذية العابراتْ

أريد عناقاً بلا مفرداتٍ وموتاً بلا مفرداتْ

أريد استعادة وجهي البريء كوجه الصلاةْ

أريد الرجوع إلى صدر أمي... أريد الحياةْ


مقالات ذات صلة

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

ثقافة وفنون تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استط

أحمد الفاضل
ثقافة وفنون «سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون لورين روثري

هل توجد حياة في هوليوود؟

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

إلكسندرا جاكوبس
ثقافة وفنون المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اقرأ كي تعيش

اقرأ كي تعيش

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء...

د. ماهر شفيق فريد

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة