ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

غياب كُتّاب السيناريو أصغر المشاكل وأقلها تأثيراً

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟
TT

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟

على النقيض ممن يعتقدون بوجود ما يسمونها «أزمة كُتّاب سيناريو»، أرى أن عدم وجودهم لن يكون أبداً حجراً تتعثر به الرواية المحلية فيمنع وصولها إلى الشاشة.

والاعتقاد بأنه العائق لرحلتها إلى دور السينما هو، من وجهة نظري، محض تبسيط وتسطيح لما هو معقد، ونتيجة لضبابية الرؤية لوضع صناعة الأفلام في بلادنا.

إن تأخر صنع أفلام «مبنية» على روايات محلية مسألة تكتنفها مشكلات وصعوبات عدة، ليس منها غياب كُتّاب السيناريو، وإذا كان لا بد من اعتباره كذلك، فهو بالتأكيد أصغر المشكلات، وأقلها تأثيراً؛ لأنها ببساطة مشكلة قابلة للحل وبأكثر من طريقة.

فالفراغ الناشئ عن هذا الغياب المفترض يمكن ملؤه بكُتّاب سيناريو أكفاء وذوي خبرة من البلدان العربية مثلاً، مثلما استعانت، وتستعين، هذه البلاد، مثل كل البلدان في العالم، بخبرات وكفاءات أجنبية بتخصصات في جميع المجالات.

باختصار، هذه ليست قضية محورية في رأيي، كما سأوضح فيما يلي:

«شارع الأعشى»... مثلاً

في هذا السياق أذكر أن مسلسل «شارع الأعشى» أفضل وأحدث مثال ذي صلة بالموضوع، حين استعانت «إم بي سي» بالخبرات والكفاءات التركية في مشروع ترجمة رواية الكاتبة بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» إلى مسلسل درامي، فوقعت عقداً بين «إم بي سي ستوديوز» وشركة «آي يابم الشرق الأوسط للإنتاج الإعلامي» التركية.

وكان ثمة خيار آخر أمام «إم بي سي»، وأمام غيرها من مؤسسات الإنتاج، وهو الاكتفاء بالتعاقدات المباشرة مع كُتّاب سيناريو عرب أو أجانب من دون الدخول في تعاقدات شراكة عندما لا يكون ذلك ضرورياً.

وتقدم «إم بي سي» مثالاً جديداً بإنتاجها فيلماً مبني على رواية الروائي أسامة المسلم «جحيم العابرين»، الذي يجري تصويره الآن، كتب السيناريو الروائي المسلم نفسه، وإخراج المخرجة هناء العمير.

ومن جمعية الأدب المهنية يأتي مثالٌ آخر، يدعم الرأي أن عدم وجود كاتب سيناريو ليس هو المشكلة، كما يثبت أن هنالك كُتّاب سيناريو سعوديين يستحقون منحهم فرصة الاعتماد عليهم والثقة بهم، منهم الثلاثة الذين كلفتهم جمعية الأدب بكتابة سيناريوهات من ثلاث روايات: «وجوه الحوش» لحسين علي حسين، و«ابنة ليليت» لأحمد السماري، و«الحفائر حفرة الجبل» لخالد النمازي.

أعتقد أن دور الجمعية ينتهي عند هذا الحد، وإذا وُفِّقَت في تسويق مشروعها على مُنِّتجٍ قادرٍ على، وراغبٍ في، تنفيذ السيناريوهات الثلاثة، سيكون ذلك إنجازاً كبيراً يُسَجَّل لها.

لكن هذه الاختراقات المنفردة، لا تعني الخروج النهائي من نفق المشاكل والصعوبات التي تؤخر مشاهدة روايات سعودية على الشاشة. فثمة حقائق يبدو جلياً غيابُها عن الأذهان.

حقائق سينمائية منسية

خلال محادثات مع ثلاثة من الأسماء البارزة والوازنة في صناعة الأفلام المحلية، محادثات أشبه ما تكون بالمقابلات غير المُنَظمَّة (غير المُعدَّة)، تكشفت عدة حقائق منسية، أو يجرى تجاهلها وسط غمرة الحماس والاندفاع، اللافت للنظر بقوته، في المطالبة بنقل الرواية المحلية إلى الشاشة.

من تلك الحقائق، والتي تكرر ذكرها أثناء مناقشة الموضوع، هي أن الوقت مبكر جداً، حتى على مجرد مناقشة موضوع الروايات المحلية والسينما، ناهيك عن قضية «ترجمتها» للشاشة.

ويؤكدون أنه موضوع سابق لأوانه لأنه حتى هذه اللحظة لا يمكن القول إن لدينا شركات إنتاج سينمائي مستقلة، أي متخصصة في الإنتاج السينمائي فقط، وقادرة، في الوقت نفسه، على الاستثمار فيه.

فالشركات الموجودة الآن هي شركات إعلانات في الأساس، بعضها انطلق من اليوتيوب، ودخلت مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي حينما سنحت لها الفرص؛ بيد أنها لم تجرؤ على المغامرة بالتخصص في الإنتاج السينمائي كونه غير مأمون العواقب على الأقل مرحلياً، فقد يؤدي إلى تكبدها خسائر مالية، وربما الإغلاق. الإعلانات هي المجال الحيوي اقتصادياً ومصدر الدخل المأمون والمربح.

«نتفليكس» ومستثمرون

يقول أحد السينمائيين إن في المملكة عدداً كبيراً من شركات الإعلان، يبدأ بعضها خوض تجربة الإنتاج التلفزيوني أو السينمائي عندما تتوفر لديها الإمكانات المالية.

والحقيقة أن كل الشركات لديها الرغبة في خوض التجربة، لكن الفرص لا تتهيأ للجميع، كما أن المستثمرين قليلون. لكن هذه لا يعني انسداد الطريق تماماً أمامها، إذ استطاع البعض منها اجتذاب مستثمرين لتمويل مشاريعها لأنها أصبحت شركات معروفة، أو دخلت في شراكات إنتاج، كما فعلت المجموعة السعودية للإنتاج والتمويل «تلفاز11» بتعاقدها مع «نتفليكس».

ويتفق السينمائيون الثلاثة على أن شراكات مربحة كهذه تمنح شركات الإنتاج القدرة على شراء حقوق ملكية روايات، شريطة فهم الروائيين لطريقة البيع والتعاقد، ولا يقل عن ذلك أهميةً تجنب المغالاة والمبالغة، فاعتقاد بعض الروائيين أن صناعة الأفلام المحلية تدر أموالاً طائلة - والواقع ليس كذلك - وأن رواياتهم كفيلة بذاتها لجعل الأفلام المبنية عليها عظيمة يدفعهم - الاعتقاد - إلى طلب مبالغ خيالية، لا تتناسب منطقياً مع حجم مبيعات ومقروئية رواياتهم الذي لا يستطيعون تقديم أرقام وإحصاءات تثبته، وتبرر مبالغتهم في اشتراط الأثمان الباهظة لروايات قد لا يكون عدد قرائها كبيراً كما يعتقدون أو يتوهمون. كما أن التكلفة العالية لا تنتهي عند حقوق الملكية، فتوظيف كاتب سيناريو للاشتغال على رواية يستغرق وقتاً طويلاً ويشكل عبئاً مالياً إضافياً كبيراً.

صعوبات أخرى وراء الأكمة

لقد سلَّط المتحدثون الضوء على الجانب الأهم للقضية، الذي لن يُرى من دون الانخراط، أو هل أقول التورط، في صناعة الأفلام. بالإضافة، إن وراء الأكمة ما وراءها، ومما وراءها صعوبات سيكشف عرضها أن تحويل الروايات إلى أفلام ليس سهلاً، فوجود المال والرغبة لدى أي شركة إنتاج سيضعها في مواجهة صعوبات لا يستهان بها، في مقدمتها صعوبة اختيار الروايات التي تراهن على انتهائها أفلاماً تحقق اختراقات عظيمة عند شباك التذاكر. سيكون الاختيار صعباً للغاية؛ إذ ستجد نفسها في مواجهة عدد كبير من الروايات «القديمة» والجديدة.

مصدر هذه الصعوبة الأولية هو خلو المشهد الأدبي والثقافي من المعطيات والمؤشرات التي تساعد صُنّاع الأفلام على اختيار الروايات التي يرونها ملائمة.

تمثل قوائم الروايات/ الكتب الأكثر مبيعاً، رغم كل التحفظات التي تحيط بها والانتقادات التي تستهدفها، عاملاً يساعد على الاختيار. إن وجود رواية ما على أكثر من قائمة، ولمدة طويلة، يثير الطمأنينة والثقة بها، وينبئ بنجاح مشروع ترجمتها إلى فيلم.

قد لا يحقق المشروع النجاح المأمول، أو حتى نصف النجاح، غير أن الاختيار لم يكن في الأساس ممكناً من دون تلك القوائم، غير المتوفرة لصُنّاع الأفلام في بلادنا.

المراجعات والجوائز

يؤدي النقد الصحافي، أو المراجعات «reviews»، دوراً مهماً في التعريف والترويج للروايات الجديدة.

وفي بلاد كبلادنا التي يصدر فيها عدد كبير من الروايات سنوياً، يتعذر على صُنّاع الأفلام وغيرهم متابعة ومعرفة، ناهيك عن قراءة، كل ما يصدر، من دون صفحات وملاحق المراجعات التي تختصر عليهم وقت وجهود البحث عمّا يبتغون.

إن الإشادات النقدية والتوصيات بقراءتها فيما يُعرف بـ«rave reviews» عامل حاسم في عملية الاختيار. وتشكل الجوائز الأدبية عاملاً مهماً آخر.

هنالك عوامل أخرى تسهم في تذليل صعوبة البحث والاختيار، ولكنها لا تتوفر في كل رواية جديدة مثل شهرة وشعبية المؤلف، الانتشار الواسع ورواج رواياته السابقة، فوزه بجوائز، أو فوز روايات سابقة له بجوائز، أو «النجاح الجماهيري» لفيلم مبني على إحدى رواياته السابقة. كل هذه العوامل لا يتوفر معظمها في حالة واحد من كُتّاب الرواية الأدبية في واقعنا الأدبي والثقافي.

الوحيد الذي تتوفر معظم هذه المعطيات في حالته، هو الروائي أسامه المسلم، وهذا يفسر شراء «إم بي سي ستوديوز» حقوق روايته «جحيم العابرين» لترجمتها إلى فيلم بنفس العنوان، مُراهنةً على نجاح فيلمها جماهيرياً، كما راهنت على نجاح مسلسل «شارع الأعشى» الذي كلف إنتاجه (52.5) مليون ريال وفقاً لـ«ويكبيديا».

كشّافة كتب وكشّافة أدبيون

في غياب العوامل والظروف المذكورة سالفاً، ليس على المنتج الراغب في، أو يشعر بالحاجة، إلى ترجمة رواية محلية إلى فيلم، سوى الاعتماد على الذات والأخذ بأي وسائل تمكنه من اختيار الروايات المناسبة. ولعل توظيف كشّافة كتب/ كشّافة أدبيين

«book scouts/literary scouts» و«دراماتورغية» كمستشارين، خطوة في اتجاه أحد الحلول، رغم ما تعنيه من ازدياد الأعباء المالية عليه. فكم عدد الكشّافة والدراماتورغية الذين يلزمه توظيفهم للبحث والتنقيب في القديم والجديد عن رواية واحدة فقط؟

الوقت مبكر، كما قال السينمائيون آنفاً، على مطالبة صُنّاع الأفلام بتحويل الرواية السعودية إلى فيلم. سيفعلون ذلك عندما يشعرون بالحاجة، مع توفر الإمكانات والظروف المساعدة على إنجازه.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي