هل يستطيع الأدب أن يحمل رسالة بدون أن يتحول إلى موعظة؟

«سيد الذباب» لويليام غولدنغ نموذجاً

مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ
مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ
TT

هل يستطيع الأدب أن يحمل رسالة بدون أن يتحول إلى موعظة؟

مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ
مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ

هل للأدب رسالة؟ سؤالٌ يبدو من فضول القول، فالأدب قول يخرج من خيال الأديب متجهاً إلى وعي المتلقي، وللقول معنى بذاته أو يحمّله إياه الأديب ويبحث عنه القارئ. لكن إن كان للأدب رسالة فهل معنى هذا أن الأديب واعظ يبشر بدعوة ما؟ أم هو فنان خالق ينفخ من روحه في صلصال ميت فإذا بالحياة تدب في عالم لم يكن له وجود من قبل؟ وإذا نزّهنا الأديب عن أن يكون واعظاً، هل يستطيع الأدب حمل رسالة دون أن يتحول إلى موعظة؟ هذه أسئلة دائماً ما شغلت المهتمين بالنقد والأدب من دون أن تُحسم بقول فصل.

وليام غولدنغ

من أدباء الإنجليز الذين يقفزون إلى الخاطر عند النظر في هذه القضية خصوصاً الروائي المعاصر ويليام غولدنغ (1911 - 1993) الحائز جائزة نوبل في الأدب سنة 1983. درس غولدنغ الأدب في جامعة أكسفورد وشارك في الحرب العالمية الثانية وكان ضابطاً في البحرية البريطانية، وشاهد من فظائع الحرب ما ترك في نفسه أثراً لم تمحه الأيام، وآمن بأن «الإنسان يفرز الشر كما تفرز النحلة العسل»، على حد قوله. بعد الحرب ترك الخدمة العسكرية وانخرط في الحياة المدنية مدرساً في مدرسة للأطفال، كما عكف على تأمل تجربته في الحرب وتجارب البشرية في تاريخها الطويل.

انتهى ولدنغ إلى أن الإنسان يُولد ومعه الاستعداد للشر. أن الشر يقطن في قلب الإنسان وليس شيئاً خارجاً عليه. إننا البشر مصدر الشر في الكون لكننا نحب أن نتعامى عن هذه الحقيقة، وأن نسقط ظلمتنا الباطنة على الآخرين، أو على قوى خفية غيبية هي من صنع خيالنا. هذه هي العلة في تشخيص الكاتب (الواعظ؟) فما هو العلاج في رأيه؟ معرفة الذات. من أراد الخلاص فليلتفت إلى داخله ويحدّق في ظلمة قلبه. فليُدِنْ نفسه قبل أن يدين الآخر. معرفة الذات هي بداية الصلاح.

هذه هي الرسالة أو «الموعظة» التي أراد جولدنغ أن يعظ بها البشر. لكن حيث إنه كاتب مبدع لا واعظ، وحيث إن الناس لا تستطيب الوعظ ولكن قد تستخلص العبرة من قصة حيّة آسرة، كان الطريق واضحاً أمام غولدنغ، ومن هنا وُلدت روايته الأولى «سيد الذباب» التي انقضى على نشرها الأول (1954) سبعون عاماً. نجحت الرواية نجاحاً باهراً حين اضطلعت بنشرها دار حصيفة هي «فابر آند فابر» بعد أن رفضها ناشرون عديدون لا شك أنهم تحسروا كثيراً فيما بعد، فقد بيع منها ملايين النسخ في بريطانيا والولايات المتحدة، وترجمت إلى لغات عديدة، كما أُدرجت في المناهج الدراسية، ولم تلبث بعد تسع سنوات من نشرها أن اضطلع المخرج الكبير بيتر برُوك بتحويلها إلى فيلم لاقى نجاحاً بدوره.

فمن هو «سيد الذباب» الذي تحمل الرواية اسمه؟ إنه الشيطان أو «بعلزبوب» في لغة «الكتاب المقدس»، الذي يشير اسمه إلى القذارة والعفن، وقد اختاره المؤلف رمزاً للشر في الرواية في إشارة إلى ميل البشر إلى إلصاق الشر بوجود خارجي لا قوة لهم عليه.

تدور أحداث القصة في زمن مستقبلي، وإن كان ذلك هو غاية ما تشترك فيه مع روايات الخيال العلمي. الخلفية هي حرب نووية وأبطالها حفنة من الصبيان تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشرة. يتعرض الأطفال للخطر في إحدى مناطق القتال فتقرر السلطات نقلهم جواً إلى منطقة آمنة. لكن الطائرة تُصاب بقذيفة أثناء الرحلة ويلقى الطيار مصرعه لكن الأطفال ينجون، إذ إن الطائرة مصممة بحيث تنفصل عنها كابينة الركاب وتهبط بمفردها عند الطوارئ. يجد الأطفال أنفسهم وحيدين بعيداً عن عالم الكبار في جزيرة غير مأهولة في وسط المحيط. وتبدأ القصة.

يعثر أحد الصبية الناجين على محارة فيلتقطها وينفخ فيها فتصدر صوتاً كالنفير يسمعه الأطفال فيتقاطرون نحوه من أنحاء الجزيرة. يجد الأطفال أنفسهم بمعزل عن المجتمع والحضارة والقانون في عالم بلا كبار يدبرون أمورهم لهم. يتشاورون في الموقف ويقررون تنظيم مجتمعهم الصغير لكي يتمكنوا من البقاء أحياء حتى تأتيهم النجدة.

في البداية يلجأ الأطفال إلى سلوك ديمقراطي متحضر فيجرون اقتراعاً وينتخبون زعيماً لهم، ويقررون أن هناك أمرين حيويين ينبغي عليهم القيام بهما. أولاً، إشعال نار دائمة فوق هضبة عالية في قلب الجزيرة على أمل أن تراها إحدى السفن العابرة فتأتي لإنقاذهم، ثانياً بناء أكواخ على شاطئ الجزيرة لكي تحميهم من الأمطار الغزيرة وعوامل الطقس.

في البداية تسير الأمور سيراً حسناً. لكن ما أسرع ما ينهار النظام وتُهجر الاتفاقات. تشذ من بين الصبيان جماعة تجعل همها الأوحد اللهو واللعب، خصوصاً صيد الخنازير فيتعطل بناء الأكواخ، وما هو أدهى من ذلك يتخلى حراس النار الموقدة عن مواقعهم التي يحتلونها لتغذية النار باستمرار ليشتركوا في مطاردة الخنازير، فتخبو في الوقت الذي تظهر فيه سفينة عند الأفق، لا تلبس أن تختفي بدون أن تحس بهم. يجن جنون رالف (الزعيم المنتخب) بسبب حماقة جاك (قائد فرقة الصيد)، الذي يتسبب في ضياع فرصة النجاة. يتشاجر الولدان وينسحب جاك مع فريقه ليعيشوا وحدهم داخل الغابة، بينما يبقى رالف والآخرون في الأكواخ قرب الشاطئ.

يبدأ الصراع بين القبيلتين. نعم، القبيلتين، فالأطفال لم يعودوا أطفالاً، والحضارة التي نشأوا في ظلها أصبحت نسياً منسياً، وما تلقوه من تعليم وتهذيب وقيم من عالم الكبار تحلل واندثر. ومما يزيد الأمور سوءاً أن أنصار رالف الولد العاقل والزعيم الشرعي ينفضون من حوله واحداً وراء الآخر أمام إغراء حياة اللهو وقتل الخنازير وأكلها، مما يوفره لهم جاك مغتصب الزعامة.

لا يقف الأمر عند ذلك بل تُهدر الدماء أيضاً، ويتحول الأطفال الذين اعتدنا أن نقرنهم بالبراءة إلى سفاكي دماء فيقتلون «سيمون» الصبي الرقيق، داعية السلام والحب بينهم، الأشبه بنبيٍّ، الذي يحاول أن يقنعهم أثناء قيامهم برقصة وثنية حول رأس خنزير قتلوه وتكاثف عليه الذباب لإبعاد «الغول» عنهم مع أنه لا غول هناك، وأنهم إنما يخلقون في خيالهم غولاً لا وجود له ثم يخافون منه بعد ذلك ويقدمون له القرابين. ثم تسقط ضحية أخرى «بيجي» الصبي الذي يصر على مبدأ الديمقراطية، ويبقى إلى جانب الزعيم الشرعي إلى أن يسقط قتيلاً بصخرة يلقونها عليه من إحدى القمم.

بذلك لا يبقى هناك سوى رالف، وقد هجره الجميع، وأباح جاك دمه بعد أن أصبح وحيداً تماماً. يهرب رالف مرعوباً بعد مقتل بيجي ليختبئ من مطارديه داخل الدغل الكثيف. لكنهم في إصرارهم الجنوني على قتله يشعلون النار في الغابة لإجباره على الخروج منها، مما ينتج عنه حريق كبير في الغابة تشاهده سفينة حربية عابرة فتتجه إلى الشاطئ وينزل منها ضابط ينقذ رالف في اللحظة الأخيرة.

حين تنهار القيم الحضارية نعود جميعاً صغاراً وكباراً إلى شرعة الغاب

عبرة الرواية تكمن في هذا المشهد الأخير المنطوي على مفارقة هائلة. فهذا الضابط هو بالأحرى في حاجة إلى من ينقذه. فهو يصل في سفينة حربية وهو أيضاً يطارد عدواً ويطارده عدو. هو أيضاً منهمك في صراع محموم ويتصور أن هناك غولاً يطارده ولا يدري الحقيقة البسيطة التي أدركها الطفل القتيل سيمون، وهي أن الغول ليس إلا وهماً من اختراعنا نسقطه على الآخرين. أن الغول الوحيد هو نحن. أن المصدر الوحيد للشر هو نحن.

هذه هي «الرسالة» التي أراد الكاتب إبلاغها للناس، ولأجلها خلق هذا العمل الفني الجميل، محوّلاً الموعظة إلى عمل مُشْغِف لا ينصرف الناس عنه كما ينصرفون عن المواعظ. القصة رغم غرابتها مقنعة وتفاصيلها تتسم بالواقعية الصريحة. كذلك يكشف تناول غولدنغ لشخصياته عن دراية عميقة بنفسية الأطفال وأسلوب تفكيرهم وتعبيرهم اللغوي، وهي دراية اكتسبها لا بد من عمله مدرساً. كما أنه نجح في تعضيد «موعظته» بجعل شخوصه الفاعلة من بين الأطفال الذين نقرنهم عادة بالبراءة، ما يدل على أن الميل للشر والهمجية مركب فيناً من الأصل ولا يحد منه ويروضه إلا القانون والأعراف الاجتماعية، وحين تنهار هذه القيم الحضارية نعود جميعاً، صغاراً وكباراً، إلى شرعة الغاب.في النهاية لا بد أن نعترف بأن غولدنغ الفنان اضطر هنا إلى إفساح المجال لغولدنغ الواعظ من باب الحرص على توصيل «الرسالة» أوضحَ ما تكون. فرموز الرواية تسهل ترجمتها إلى ما ترمز إليه، بينما يطمح الجمال الفني لأن يكون الرمز والمرموز إليه كياناً عضوياً لا ينفصم. كما أن شخصيات الأطفال يمكن ترجمتها إلى النماذج التي تمثلها في عالم الكبار. فهناك رالف الزعيم الليبرالي، وجاك الذي يمثل الطاغية المطلق، وبيجي الذي يرمز إلى المثقف العقلاني، وسيمون رمز النبي أو القديس حامل البشارة الذي يموت في سبيل تبليغ الرسالة. هذه الرواية تُعدّ بحق نموذجاً للتوتر الإبداعي بين الرغبة في خلق عمل فني جميل والرغبة المصاحبة في توصيل رسالة أخلاقية واضحة للقارئ.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».