محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

رحلة البحث عن شعره واستحضاره من جديد

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري
TT

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

شكَّل الشاعر محمود البريكان ظاهرة كبيرة في الشعرية العراقية والعربية، اتسمت بجودة شعره وباحتجابه وزهده في الحضور والنشر، فنادراً ما تجد شاعراً زاهداً في حضور المهرجانات أو الدعوات والسفر وطباعة الدواوين واللقاءات التلفزيونية، والكثير الكثير من عوامل النجومية والشهرة التي يطمح أغلب الشعراء لها، إلا أن البريكان زهد بكل ذلك. ولكنه في الوقت نفسه، بقي ساهراً وحارساً على القصيدة العربية الحديثة، يتأملها ويراجع فيها، يضيف لها مزاجاً مختلفاً عن معظم الرواد، فينفر بها بعيداً عن غنائية جيله، ورومانسيتهم، يغذِّي قصيدته بمرجعيات ثقافية كبرى، ربما تعدى شعراء مجايلين له بخطوات عديدة، حيث الثقافة العربية والأجنبية تدخل بقوة في نسيج القصيدة البريكانية، تلك التي تحولت بفضل صاحبها المحتجب إلى ما يشبه الأسطورة، حيث تنسج الحكايات والقصص الغريبة عن شاعر عراقي اسمه محمود البريكان يراه شعراء البصرة بعدد محدود جداً. لم يكن متاحاً للجميع، لذلك تحول إلى أسطورة الغائب الشعري، الذي نتسقط حكاياته وأسراره، حتى قيل لنا إن قصائده أيام الحرب العراقية - الإيرانية كانت مودَعة في مصرف الرافدين فرع البصرة، وهي حكاية غريبة لم نتثبت من صحتها، ولكن البريكان تحول مثل كرة الثلج إلى حكايات وأساطير، حتى موته كان يشبه الأسطورة حين تنبأ به في أحد نصوصه:

على الباب نقر خفيف

على الباب نقر بصوت خفيف ولكن شديد الوضوح

يعاود ليلاً. أراقبه. أتوقعه ليلة بعد ليلة

أصيخ إليه بإيقاعه المتماثل

يعلو قليلاً قليلاً

ويخفت

أفتح بابي

وليس هناك أحد

مَن الطارق المتخفِّي؟ ترى؟

شبح عائد من ظلام المقابر؟

ضحية ماضٍ مضى وحياة خَلَتْ

أتت تطلب الثأر؟

روح على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟

رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة

ومهراً لأجل الرحيل

وهذا الغياب المتعمَّد من البريكان نظر إليه نقّاد وباحثون منهم الدكتور حيدر سعيد، حيث سمّاه «شهوة الغياب»، فمثلما أن للحضور شهوة، كذلك فإن للغياب شهوةً تمنح الغائب هالة عظيمة، وهذا ما كان عليه محمود البريكان الذي ربما كان يشعر بالمرارة حين لم يجد اسمه في قائمة الشعراء الرواد، وهو الذي ينظر إلى نفسه وإلى تجربته على أنه متقدم على تجربة الرواد فنياً.

وحين ننظر إلى نتاج البريكان الشعري، ففي الواقع لا يوجد عمل شعري يجمع كل شعره، فقد كان محتجباً عن النشر والظهور، ما عدا بعض الملفات والقصائد التي كانت تُنشر له، وبالأخص ملف مجلة «الأقلام» 1993 وملف 1998، فضلاً عن عمل نشره عبد الرحمن طهمازي دراسة ومختارات ضمت 12 قصيدة فقط «سيادة الفراغ: محمود البريكان» 1989، وآخر نشره باسم المرعبي «متاهة الفراشة» 2003 ضم 70 قصيدة، لذلك بقي شعر البريكان حلماً يراود جميع مريدي الشعر الحديث فضلاً عن أن حضور شعر ه الآن هو استحضار له من جديد، قد ينافس على الريادة، من حيث الأسلوب والموضوعات، لا من حيث التاريخ والبداية.

قصة هذه الأعمال الشعرية بدأت حين كلَّفني الناقد والمترجم الدكتور حسن ناظم وزير الثقافة والسياحة والآثار السابق، مديراً عاماً لدار الشؤون الثقافية، حيث بدأنا بسلسلة في غاية الأهمية بدأناها بالأعمال الكاملة للجواهري، ومن ثم استمرّت القائمة لتشمل عدداً كبيراً من الرواد العراقيين في ميادين الشعر والقصة والفكر والمعرفة، وهنا التمع البريكان في ذاكرتي مرة ثانية، وبدأت اتصل بأصدقائي من شعراء البصرة، وأسأل عن شعر البريكان، أين ذهب؟ وهل هناك جهة تحتفظ بشعره؟ وأسئلة عديدة بدأت أطلقها في وجوه أصدقائي شعراء البصرة، وبعض القريبين من محمود البريكان، وقتها تكفل الصديق الشاعر علي نوير بمتابعة الأمر، وقد دلَّني على أخي البريكان، وهو عبدالله البريكان الذي يقيم في المملكة العربية السعودية، وأعطاني صفحته في «فيسبوك»، فدخلت على الخاص، وسلمت عليه، وعرَّفته بنفسي، فردَّ التحية باقتضاب، ثم قلت له إنني أريد أن أطبع أعمال البريكان الشعرية، فلم يردّ عليَّ، تركته أياماً، وعُدتُ إليه، فلم يرد عليَّ، ثم عُدتُ إليه ولكن من دون جواب، حتى سمعت بعد اقل من شهر بوفاته، ساعتها علمت صعوبة وضعه الصحي أيام كنت أسأله عن شعر أخيه البريكان. كانت لحظة مخيبة، فقد ضاع الخيط الذي يوصلنا إلى شعر البريكان، ومرت سنتان تقريباً أو أقل بقليل، حتى عاد الصديق علي نوير ليخبرني بأن ابن عم البريكان قاسم البريكان المقيم أيضاً في الرياض، قد تحصل على كل شعر البريكان، حيث سلَّمته زوجة عبد الله الأمانة التي كانت مع زوجها. اطمأن قلبي أنَّ شعر البريكان بخير وعافية ما دام موجوداً بأيادٍ أمينة، وبدأنا بجولة مفاوضات مع قاسم الشمري، عن طريق علي نوير للقائه، ولكن مرت أكثر من سنة دون أن نوفَّق للقاء، حتى حان موعد برنامج «المعلّقة» الذي كنت أصوّره في مدينة الرياض، وبدأت أتواصل من السيد قاسم الشمري الذي زارني يوم 5 - 2 - 2024 في مقر إقامتي في الفندق في الرياض، وكان شخصاً أميناً على تراث ابن عمه، فشكرته باسم المثقفين العراقيين، حيث حافظ على هذا الإرث العظيم، وسلَّمني لحظتها حقيبة تزن عشرة كيلوغرامات، وإذا بها أشعار محمود البريكان. شعرت بسعادة غامرة تلفّني في الرياض، بقيت فيها ثملاً حيث عدت إلى البصرة بعد يومين، مشاركاً في المربد الشعري ومعي أشعار البريكان التي كانت أشبه بالتميمة التي يبحث الناس عنها.

عدت بعد ذلك إلى بغداد، ومباشرةً قمت بتشكيل لجنة من أساتذة متخصصين وشعراء قريبين من البريكان نفسه، حيث كانت اللجنة مكوَّنة من ماجد السامرائي، وعلي نوير، وطالب عبد العزيز، والدكتورة سهير أبو جلود، وعارف الساعدي. اللجنة اجتمعت أكثر من أربعة اجتماعات، وعملت بحرص ومعاينة شديدة لشعر البريكان، حيث كانت الأشعار التي جلبتها معي كلها بخط يد البريكان، وهناك خطوط وأسطر غير واضحة تماماً، فبدأنا بجولة تنضيد الأشعار، ومن ثم مطابقتها ومراجعتها وتصحيحها، كأن العملية عملية تحقيق نص تراثي لصعوبته، ولكن أخيراً استوى العمل على عوده، وخرج بحلَّة تليق بشعر البريكان وبمرحلة غيابه وانتظار الكل لشعره.

الغريب أني أهديت نسخة من ديوان البريكان بمجلدين لأحد الشعراء الأصدقاء، وكان يتطلع بحب لقراءة شعره، لكن بعد يومين التقيت صديقاً لي، وإذا به غير متفاعل مع شعر البريكان، قائلاً إن لغته غير شعرية وعوالمه مختلفة عن جيل الرواد، وإن الأفكار التي يطرحها في شعره ممكن أن تُطرح في مقالة فكرية أو فلسفية، وهذا الشاعر الصديق ليس جاهلاً أو قارئاً سطحياً، فكيف تُقنعه بأن للبريكان لغة خاصة مختلفة عن كل الشعراء العراقيين وأن الميوعة والرومانسية واللغة الندِّية أبعد ما تكون عن تجربته الشعرية، كما يقول حسن ناظم في كتابه «الشعرية المفقودة» 2020: «من هنا تكون تأملات البريكان في الوجود منطلقاً لتأسيس حرية، حرية خاصة به، تتملص من اشتراطات الآيديولوجيا؛ سائدةً وغير سائدة، ومن شَرَك اللحظة الراهنة بكل ثقلها ومعطياتها المهمة للشاعر مع ذلك، وأخيراً من أعباء التراث الشعري؛ قديمه وحديثه، هذا التملص والروغان فرض على أشعار البريكان لغةً خاصة، لغة كان عليه أن يكتشفها ويطوّعها لأغراضه، وأن يجرّب وفاءها بمراميه في قصائد متنوعة ومتعددة، لغة (ليست شعرية) تتوخى كتابة قصيدة حقيقية... إن هذا التفكير في اكتشاف لغة تلائم التأمل الأنطولوجي شعراً هو بمثابة مسار آخر في تجديد الشعر العربي يوازي المسار الذي اختطه السياب ونازك وبلند الحيدري، مسار لم يُكتب له الانتشار ولا كان له تأثير بين الشعراء العرب...». وقد لا يتفق مع هذه الآراء عدد غير قليل من المتذوقين والنقاد، من الذين يبحثون عن اللغة المائية أو الصورة الشعرية الصادمة التي يحفظها الناس ويتناقلونها، ولكن هنا في تجربة البريكان علينا أن نتوقف متأملين هذه التجربة الوجودية التي طوَّع لها الشعر، الشعر فقط؛ لتتجلى أسئلة وقلقاً ومراجعة للتاريخ ونصوصه في «الطوفان» و«البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» وبعشرات النصوص الأخرى التي تنبئ عن مرجعية تراثية قلقة تختزن وتستبطن السؤال والحيرة والقلق وليس الإجابة. لذلك فالذين يبحثون عن إجابات مطمئنة لن يجدوا ضالَّتهم في شعر البريكان، لأن شعره يذهب بك إلى الشوارع التي لا نهاية لها وإلى بيوت لا عناوين لها. من يبحث عن القلق والارتباك سيجده هنا، ومن يبحث عن الراحة والطمأنينة سيجده عند غيره من الشعراء. وهذه كلها وجهات نظر لا نفضّل من خلالها البريكان على شعراء جيله، بقدر ما نصف بعضاً من تجربته الغامضة وغير المقروءة بشكل جيد، لهذا فطباعة أعماله الشعرية، كما قلنا، هي لحظة استحضار جديدة للبريكان عراقياً وعربياً.

هناك عشرات المباحث والموضوعات التي يحتملها شعر البريكان والتي لم تأخذ طريقها للدرس والبحث العلمي، ففي النية عقد مؤتمر يتم بالشراكة بين اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وبين جامعة البصرة، يتضمن بحوثاً وشهادات عن البريكان وتجربته الشعرية، فضلاً عن حفل إشهار لإطلاق الأعمال الشعرية في موطن ولادته البصرة، لنحتفل به من جديد بين أهله ومحبيه وعشاق شعره، وهي لحظة لاستعادة تجربة مهمة من تجارب الشعر العربي الحديث.


مقالات ذات صلة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون بدر شاكر السياب

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008،

محمود الزيباوي

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
TT

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي، وهو عمل مطرز يعود إلى ما يقرب من 1000 عام ويصوّر غزو وليام الأول، وهو من أجداد الملك، لإنجلترا في عام 1066.

وبموجب اتفاق مع الحكومة الفرنسية، تمت إعارة النسيج، الذي يبلغ طوله 70 متراً، إلى المتحف البريطاني من مقره في شمال فرنسا ليُعرض على الأراضي الإنجليزية لأول مرة منذ صنعه.

ويروي هذا النسيج المطرز الأحداث التي قادت إلى معركة هيستنغز الشهيرة وهزيمة الملك الأنغلوسكسوني هارولد الثاني على يد النورمان. ويعتقد المؤرخون أن الأسقف أودو شقيق وليام أمر بصنع النسيج وأن خياطات إنجليزيات في منطقة كنت تولين تطريزه.

وينحدر جميع ملوك إنجلترا منذ ذلك الحين، بمن فيهم الملك تشارلز، من نسل وليام. ويمثل غزوه لإنجلترا آخر غزو ناجح للبلاد، ويعتبر عام 1066 من أشهر الأعوام في تاريخها.

وكان الإقبال كبيراً على مشاهدة هذه التحفة الفنية التي تعود إلى العصور الوسطى لدرجة أن الدفعة الأولى من التذاكر، التي قد يصل سعرها إلى 33 جنيهاً إسترلينياً، نفدت بالكامل، مما حقق إيرادات تقارب 2.5 مليون جنيه إسترليني (3.4 مليون دولار) ليصبح هذا أكثر معارض المتحف بيعاً للتذاكر.

وقال قصر بكنغهام إن الملك تشارلز وزوجته الملكة كاميلا سينضم إليهما ماكرون وزوجته، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، لتفقد النسيج الطويل ودراسة أبرز مشاهده، مثل تتويج هارولد غودوينسون وواقعة قتله الشهيرة بسهم خلال المعركة.

وجرى تأكيد إعارة النسيج في يوليو (تموز) خلال زيارة رسمية أجراها ماكرون إلى بريطانيا، وتعد الخطوة رمزاً لتعزيز العلاقات بين البلدين بعد الخلاف الذي أعقب تصويت بريطانيا في 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتربط الملك والرئيس علاقة ودية.

وقال بورنهام، الذي من المقرر أن يجتمع مع ماكرون في داوننغ ستريت غداً، الخميس، في بيان «تمثل عودة نسيج بايو إلى إنجلترا لحظة تاريخية لبلدينا، وأريد أن يتمكن الناس في كل أنحاء البلاد من الاستمتاع به».

وأضاف: «بينما نحتفل بتراثنا المشترك، سنواصل أنا والرئيس ماكرون تعزيز العلاقة بين بلدينا».

ووصل النسيج إلى بريطانيا في يوليو في رحلة نظمتها فرنسا بعناية، إذ نقل داخل صندوق مكيف ومقاوم للاهتزاز تحت حراسة الشرطة.

ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه أمام الجمهور في المتحف البريطاني في العاشر من سبتمبر (أيلول) حتى يوليو من العام المقبل.


حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب
TT

حين تتحول الغنائية في الشعر إلى تهمة

بدر شاكر السياب
بدر شاكر السياب

يردد بعض النقاد المنحازين للحداثة وما بعدها، وصف الشعراء الذين تطفح قصائدهم بالعاطفة بالشعراء الغنائيين، ويبدو أن هذه الصفة ليست مدحاً، بل هي جزء من مؤاخذتهم على القصيدة الغنائية. وكأن الغنائية، في هذه الرؤية، قد أصبحت تهمة نقدية ينبغي للشاعر الحديث أن يتخلص منها، أو على الأقل أن يخفف من حضورها في قصيدته، حتى لا يُحسب على الشعر الذي ينتمي إلى مرحلة شعرية تجاوزتها الحداثة في نظرهم.

وليس الاعتراض هنا على مصطلح «الغنائية» في ذاته، فهو مصطلح نقدي أصيل، وله حضوره في تاريخ الشعر العربي والعالمي، وإنما على الحمولة التي أُضيفت إليه في بعض التصورات النقدية الحديثة؛ إذ لم يعد يدل على طبيعة التجربة الشعرية وارتباطها بالذات والانفعال والموسيقى، بل صار يُستعمل أحياناً بوصفه علامة على تقليدية القصيدة وذاتيتها، ولم يبلغ ـ في تصور بعض النقاد ـ درجة كافية من التعقيد أو الانفتاح أو التشظي.

والغريب أن العاطفة، التي كانت في تاريخ الشعر واحدة من أهم عناصر الشعرية، أخذت تُعامل في بعض القراءات الحديثة بحذر شديد، وكأن حضورها الكثيف يهبط بالنص من مرتبة الشعر إلى مرتبة البوح. وهنا يقع خلط واضح بين العاطفة بوصفها مادة إنسانية، والتعبير الساذج عنها بوصفه ضعفاً فنياً. فليست المشكلة أن يكون الشاعر عاطفياً، وإنما المشكلة في كيفية تحويل العاطفة إلى بناء شعري قادر على تجاوز الانفعال الشخصي إلى تجربة إنسانية قابلة للتلقي والتأويل.

فامرؤ القيس والمتنبي وأبو تمام وأبو فراس والمعري، وغيرهم من كبار الشعراء، لم يكونوا غرباء عن ذواتهم ومشاعرهم، بل إن جانباً كبيراً من خلود شعرهم جاء من قدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى لغة تتجاوز صاحبها. وحتى في الشعر الحديث، لا يمكن فهم كثير من التجارب الشعرية الكبرى من دون الاعتراف بمركزية الذات والانفعال والحنين والحزن والحب والاغتراب. إن قصيدة السياب، مثلاً، لا تفقد حداثتها لأنها مشبعة بالعاطفة، كما أن شعر محمود درويش لا يصبح أقل حداثة لأن الذات والحب والوطن والذاكرة حاضرة فيه بقوة.

محمود درويش

المشكلة إذن ليست في الغنائية، وإنما في اختزال الشعر إليها. فإذا كانت القصيدة مجرد انفعال مباشر، فقد تكون معرضة للفقر الفني مهما كان موضوعها. أما إذا استطاع الشاعر أن يصوغ انفعاله في صورة ورمز وإيقاع وتركيب لغوي ودلالي، فإن الغنائية تصبح عنصراً من عناصر الشعرية، لا نقيضاً لها.

واللافت أن بعض النقاد الحداثيين بالغوا في الاحتفاء بالتجريب واللغة المنفلتة من المرجع، وجدوا أنفسهم أحياناً أسرى ثنائية مصطنعة: قصيدة غنائية قديمة في مقابل قصيدة حداثية، وذات شاعرة في مقابل نص مستقل، وموسيقى في مقابل تفكيك، ووضوح في مقابل غموض. وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بإقصاء ما سبقها، لا بإعادة قراءته واستثماره وتجاوزه بصورة إبداعية.

والحقيقة أن الشعر لا يتقدم بإلغاء خصائصه الأولى، وإنما بإعادة تشكيلها. فالقصيدة الحديثة تستطيع أن تكون غنائية وتجريبية في الوقت نفسه، وأن تحتفظ بالعاطفة من دون أن تقع في المباشرة، وأن تستثمر الإيقاع من دون أن تكون أسيرة النموذج الموروث، وأن تجعل من الذات منطلقاً لرؤية تتجاوز الذات.

ومن هنا تبدو تسمية الشاعر بـ«الغنائي» بحاجة إلى قدر من التروي النقدي. فإن أريد بها وصف طبيعة شعره، فهي تسمية مشروعة لا تحمل ذماً ولا مدحاً في ذاتها. أما إذا أريد بها إدانة الشاعر لأنه يمنح العاطفة والذات مساحة واسعة في تجربته، فإن الأمر يتحول من توصيف نقدي إلى حكم مسبق تحكمه ذائقة آيديولوجية أو حداثية معينة.

ولعل أخطر ما في هذه النظرة أنها تنقل مركز الحكم من النص إلى التصنيف؛ فيُقرأ الشاعر أولاً بوصفه غنائياً أو حداثياً أو ما بعد حداثي، ثم يُقرأ شعره على ضوء التصنيف، بدل أن يكون النص نفسه هو الذي يفرض أدوات قراءته. وهنا يفقد النقد شيئاً من وظيفته الأساسية؛ لأن الناقد لا يعود مكتشفاً لجماليات النص وطرائق اشتغاله، بل يصبح موظفاً في منظومة تصنيفية جاهزة.

إن الشعر في جوهره لا يُقاس بكمية العاطفة فيه، ولا بكمية العقل، ولا بدرجة اقترابه من الحداثة أو ابتعاده عنها، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى لغة ذات قيمة جمالية ودلالية. ولذلك لا ينبغي أن تكون الغنائية تهمة، كما لا ينبغي أن تكون الحداثة شهادة جودة تلقائية.

فقد تكون القصيدة غنائية، لكنها عميقة ومركبة ومفتوحة على أسئلة الإنسان والوجود، وقد تكون حداثية في شكلها ومصطلحاتها، لكنها فقيرة في التجربة والانفعال. وفي الحالتين لا تنقذ التسمية النص من الحكم النقدي، ولا تدينه. وحده النص هو الذي ينبغي أن يكون في قفص الاتهام، لا الشاعر بسبب انتمائه إلى طريقة شعرية أو حساسية جمالية معينة.

إن النقد الحقيقي لا يسأل الشاعر: لماذا كنت غنائياً؟ بل يسأل: ماذا صنعت بغنائيتك؟ وكيف حولت عاطفتك إلى شعر؟ هنا فقط يصبح الحكم جمالياً وفنياً، بعيداً عن المحاكمات المسبقة التي تجعل من بعض خصائص الشعر العربي تهماً ينبغي التخلص منها لمجرد أنها لا تنسجم مع ذائقة نقدية عابرة. 

 


فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.