محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

رحلة البحث عن شعره واستحضاره من جديد

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري
TT

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

محمود البريكان... أسطورة الغائب الشعري

شكَّل الشاعر محمود البريكان ظاهرة كبيرة في الشعرية العراقية والعربية، اتسمت بجودة شعره وباحتجابه وزهده في الحضور والنشر، فنادراً ما تجد شاعراً زاهداً في حضور المهرجانات أو الدعوات والسفر وطباعة الدواوين واللقاءات التلفزيونية، والكثير الكثير من عوامل النجومية والشهرة التي يطمح أغلب الشعراء لها، إلا أن البريكان زهد بكل ذلك. ولكنه في الوقت نفسه، بقي ساهراً وحارساً على القصيدة العربية الحديثة، يتأملها ويراجع فيها، يضيف لها مزاجاً مختلفاً عن معظم الرواد، فينفر بها بعيداً عن غنائية جيله، ورومانسيتهم، يغذِّي قصيدته بمرجعيات ثقافية كبرى، ربما تعدى شعراء مجايلين له بخطوات عديدة، حيث الثقافة العربية والأجنبية تدخل بقوة في نسيج القصيدة البريكانية، تلك التي تحولت بفضل صاحبها المحتجب إلى ما يشبه الأسطورة، حيث تنسج الحكايات والقصص الغريبة عن شاعر عراقي اسمه محمود البريكان يراه شعراء البصرة بعدد محدود جداً. لم يكن متاحاً للجميع، لذلك تحول إلى أسطورة الغائب الشعري، الذي نتسقط حكاياته وأسراره، حتى قيل لنا إن قصائده أيام الحرب العراقية - الإيرانية كانت مودَعة في مصرف الرافدين فرع البصرة، وهي حكاية غريبة لم نتثبت من صحتها، ولكن البريكان تحول مثل كرة الثلج إلى حكايات وأساطير، حتى موته كان يشبه الأسطورة حين تنبأ به في أحد نصوصه:

على الباب نقر خفيف

على الباب نقر بصوت خفيف ولكن شديد الوضوح

يعاود ليلاً. أراقبه. أتوقعه ليلة بعد ليلة

أصيخ إليه بإيقاعه المتماثل

يعلو قليلاً قليلاً

ويخفت

أفتح بابي

وليس هناك أحد

مَن الطارق المتخفِّي؟ ترى؟

شبح عائد من ظلام المقابر؟

ضحية ماضٍ مضى وحياة خَلَتْ

أتت تطلب الثأر؟

روح على الأفق هائمة أرهقتها جريمتها

أقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟

رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة

ومهراً لأجل الرحيل

وهذا الغياب المتعمَّد من البريكان نظر إليه نقّاد وباحثون منهم الدكتور حيدر سعيد، حيث سمّاه «شهوة الغياب»، فمثلما أن للحضور شهوة، كذلك فإن للغياب شهوةً تمنح الغائب هالة عظيمة، وهذا ما كان عليه محمود البريكان الذي ربما كان يشعر بالمرارة حين لم يجد اسمه في قائمة الشعراء الرواد، وهو الذي ينظر إلى نفسه وإلى تجربته على أنه متقدم على تجربة الرواد فنياً.

وحين ننظر إلى نتاج البريكان الشعري، ففي الواقع لا يوجد عمل شعري يجمع كل شعره، فقد كان محتجباً عن النشر والظهور، ما عدا بعض الملفات والقصائد التي كانت تُنشر له، وبالأخص ملف مجلة «الأقلام» 1993 وملف 1998، فضلاً عن عمل نشره عبد الرحمن طهمازي دراسة ومختارات ضمت 12 قصيدة فقط «سيادة الفراغ: محمود البريكان» 1989، وآخر نشره باسم المرعبي «متاهة الفراشة» 2003 ضم 70 قصيدة، لذلك بقي شعر البريكان حلماً يراود جميع مريدي الشعر الحديث فضلاً عن أن حضور شعر ه الآن هو استحضار له من جديد، قد ينافس على الريادة، من حيث الأسلوب والموضوعات، لا من حيث التاريخ والبداية.

قصة هذه الأعمال الشعرية بدأت حين كلَّفني الناقد والمترجم الدكتور حسن ناظم وزير الثقافة والسياحة والآثار السابق، مديراً عاماً لدار الشؤون الثقافية، حيث بدأنا بسلسلة في غاية الأهمية بدأناها بالأعمال الكاملة للجواهري، ومن ثم استمرّت القائمة لتشمل عدداً كبيراً من الرواد العراقيين في ميادين الشعر والقصة والفكر والمعرفة، وهنا التمع البريكان في ذاكرتي مرة ثانية، وبدأت اتصل بأصدقائي من شعراء البصرة، وأسأل عن شعر البريكان، أين ذهب؟ وهل هناك جهة تحتفظ بشعره؟ وأسئلة عديدة بدأت أطلقها في وجوه أصدقائي شعراء البصرة، وبعض القريبين من محمود البريكان، وقتها تكفل الصديق الشاعر علي نوير بمتابعة الأمر، وقد دلَّني على أخي البريكان، وهو عبدالله البريكان الذي يقيم في المملكة العربية السعودية، وأعطاني صفحته في «فيسبوك»، فدخلت على الخاص، وسلمت عليه، وعرَّفته بنفسي، فردَّ التحية باقتضاب، ثم قلت له إنني أريد أن أطبع أعمال البريكان الشعرية، فلم يردّ عليَّ، تركته أياماً، وعُدتُ إليه، فلم يرد عليَّ، ثم عُدتُ إليه ولكن من دون جواب، حتى سمعت بعد اقل من شهر بوفاته، ساعتها علمت صعوبة وضعه الصحي أيام كنت أسأله عن شعر أخيه البريكان. كانت لحظة مخيبة، فقد ضاع الخيط الذي يوصلنا إلى شعر البريكان، ومرت سنتان تقريباً أو أقل بقليل، حتى عاد الصديق علي نوير ليخبرني بأن ابن عم البريكان قاسم البريكان المقيم أيضاً في الرياض، قد تحصل على كل شعر البريكان، حيث سلَّمته زوجة عبد الله الأمانة التي كانت مع زوجها. اطمأن قلبي أنَّ شعر البريكان بخير وعافية ما دام موجوداً بأيادٍ أمينة، وبدأنا بجولة مفاوضات مع قاسم الشمري، عن طريق علي نوير للقائه، ولكن مرت أكثر من سنة دون أن نوفَّق للقاء، حتى حان موعد برنامج «المعلّقة» الذي كنت أصوّره في مدينة الرياض، وبدأت أتواصل من السيد قاسم الشمري الذي زارني يوم 5 - 2 - 2024 في مقر إقامتي في الفندق في الرياض، وكان شخصاً أميناً على تراث ابن عمه، فشكرته باسم المثقفين العراقيين، حيث حافظ على هذا الإرث العظيم، وسلَّمني لحظتها حقيبة تزن عشرة كيلوغرامات، وإذا بها أشعار محمود البريكان. شعرت بسعادة غامرة تلفّني في الرياض، بقيت فيها ثملاً حيث عدت إلى البصرة بعد يومين، مشاركاً في المربد الشعري ومعي أشعار البريكان التي كانت أشبه بالتميمة التي يبحث الناس عنها.

عدت بعد ذلك إلى بغداد، ومباشرةً قمت بتشكيل لجنة من أساتذة متخصصين وشعراء قريبين من البريكان نفسه، حيث كانت اللجنة مكوَّنة من ماجد السامرائي، وعلي نوير، وطالب عبد العزيز، والدكتورة سهير أبو جلود، وعارف الساعدي. اللجنة اجتمعت أكثر من أربعة اجتماعات، وعملت بحرص ومعاينة شديدة لشعر البريكان، حيث كانت الأشعار التي جلبتها معي كلها بخط يد البريكان، وهناك خطوط وأسطر غير واضحة تماماً، فبدأنا بجولة تنضيد الأشعار، ومن ثم مطابقتها ومراجعتها وتصحيحها، كأن العملية عملية تحقيق نص تراثي لصعوبته، ولكن أخيراً استوى العمل على عوده، وخرج بحلَّة تليق بشعر البريكان وبمرحلة غيابه وانتظار الكل لشعره.

الغريب أني أهديت نسخة من ديوان البريكان بمجلدين لأحد الشعراء الأصدقاء، وكان يتطلع بحب لقراءة شعره، لكن بعد يومين التقيت صديقاً لي، وإذا به غير متفاعل مع شعر البريكان، قائلاً إن لغته غير شعرية وعوالمه مختلفة عن جيل الرواد، وإن الأفكار التي يطرحها في شعره ممكن أن تُطرح في مقالة فكرية أو فلسفية، وهذا الشاعر الصديق ليس جاهلاً أو قارئاً سطحياً، فكيف تُقنعه بأن للبريكان لغة خاصة مختلفة عن كل الشعراء العراقيين وأن الميوعة والرومانسية واللغة الندِّية أبعد ما تكون عن تجربته الشعرية، كما يقول حسن ناظم في كتابه «الشعرية المفقودة» 2020: «من هنا تكون تأملات البريكان في الوجود منطلقاً لتأسيس حرية، حرية خاصة به، تتملص من اشتراطات الآيديولوجيا؛ سائدةً وغير سائدة، ومن شَرَك اللحظة الراهنة بكل ثقلها ومعطياتها المهمة للشاعر مع ذلك، وأخيراً من أعباء التراث الشعري؛ قديمه وحديثه، هذا التملص والروغان فرض على أشعار البريكان لغةً خاصة، لغة كان عليه أن يكتشفها ويطوّعها لأغراضه، وأن يجرّب وفاءها بمراميه في قصائد متنوعة ومتعددة، لغة (ليست شعرية) تتوخى كتابة قصيدة حقيقية... إن هذا التفكير في اكتشاف لغة تلائم التأمل الأنطولوجي شعراً هو بمثابة مسار آخر في تجديد الشعر العربي يوازي المسار الذي اختطه السياب ونازك وبلند الحيدري، مسار لم يُكتب له الانتشار ولا كان له تأثير بين الشعراء العرب...». وقد لا يتفق مع هذه الآراء عدد غير قليل من المتذوقين والنقاد، من الذين يبحثون عن اللغة المائية أو الصورة الشعرية الصادمة التي يحفظها الناس ويتناقلونها، ولكن هنا في تجربة البريكان علينا أن نتوقف متأملين هذه التجربة الوجودية التي طوَّع لها الشعر، الشعر فقط؛ لتتجلى أسئلة وقلقاً ومراجعة للتاريخ ونصوصه في «الطوفان» و«البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» وبعشرات النصوص الأخرى التي تنبئ عن مرجعية تراثية قلقة تختزن وتستبطن السؤال والحيرة والقلق وليس الإجابة. لذلك فالذين يبحثون عن إجابات مطمئنة لن يجدوا ضالَّتهم في شعر البريكان، لأن شعره يذهب بك إلى الشوارع التي لا نهاية لها وإلى بيوت لا عناوين لها. من يبحث عن القلق والارتباك سيجده هنا، ومن يبحث عن الراحة والطمأنينة سيجده عند غيره من الشعراء. وهذه كلها وجهات نظر لا نفضّل من خلالها البريكان على شعراء جيله، بقدر ما نصف بعضاً من تجربته الغامضة وغير المقروءة بشكل جيد، لهذا فطباعة أعماله الشعرية، كما قلنا، هي لحظة استحضار جديدة للبريكان عراقياً وعربياً.

هناك عشرات المباحث والموضوعات التي يحتملها شعر البريكان والتي لم تأخذ طريقها للدرس والبحث العلمي، ففي النية عقد مؤتمر يتم بالشراكة بين اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وبين جامعة البصرة، يتضمن بحوثاً وشهادات عن البريكان وتجربته الشعرية، فضلاً عن حفل إشهار لإطلاق الأعمال الشعرية في موطن ولادته البصرة، لنحتفل به من جديد بين أهله ومحبيه وعشاق شعره، وهي لحظة لاستعادة تجربة مهمة من تجارب الشعر العربي الحديث.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.