هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟

علاقته بالمرأة توزعت بين العشق والتوجس ولوعة الفقدان

هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟
TT

هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟

هل أحب المتنبي أخت سيف الدولة؟

لم يحدث أن حَظِي شاعرٌ عربيٌّ، قديم أو معاصر، بما حظي به المتنبي من عناية واهتمام. لا بل إن ذينك العناية والاهتمام لم يقتصرا على الدارسين والمشتغلين بالنقد وحدهم، بل إن دائرة المحتفين بالشاعر وإرثه الإبداعي، قد بلغت من الاتساع بما يشمل معظم الناطقين بلغة الضاد في الأصقاع العربية المترامية. إلا أن تعقب الكثيرين، بمن فيهم المنافسون والحساد، لتفاصيل سيرة الشاعر، لم يحل دون بقاء الجوانب العاطفية والعشقية من حياته، في دائرة الإبهام والغموض المحير.

وإذا كان في سيرة المتنبي وشعره ما يثبت ولعه بصليل السيوف وشهوة السلطة والحكم، أكثر من المغامرات المتصلة بالمرأة والعشق وملذات الجسد، كمثل قوله «ولا تحسبنّ المجد زقّاً وقينةً، فما المجد إلا السيف والفتْكةُ البكْرُ »، أو قوله «تروقُ بني الدنيا عجائبُها ولي فؤادٌ ببِيض الهند لا بِيضها مُغرى»، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن المتنبي قد أغلق عينيه عما يراودهما من ألق الأنوثة الساحر، أو أصمَّ أذنيه عن النداءات المتعاظمة للرغبات. لكن ما يلفتنا في شعر المتنبي المتعلق بالمرأة هو خلوه من تسمية النساء اللواتي أحطن به بالاسم. فلا ذكْر أبداً لاسم أمّ أو أخت أو حبيبة أو زوجة، بحيث لم يكن لنا أن نعرف شيئاً يُذكر بشأن زواجه وإنجابه، لولا حديث المؤرخين عن مقتل ابنه محسَّد إلى جانبه، في الكمين الغادر الذي أعدّه له فاتك الأسدي عند أطراف بغداد.

الواقع أن غياب التسميات النسائية الصريحة عن ديوان أبي الطيب لا يمكن تفسيره إلا في إطار السلوكيات المتحفظة للشاعر، إزاء كل ما يتعلق بالمرأة والحب، إضافة إلى أن أناه المتفاقمة دفعته إلى الاعتقاد بأنه هو بالذات الاسم الذي تمّحي فيه أسماء الدائرين في فلكه. ورغم أن رثاءه لجدته قد كشف عن موقعها الاستثنائي داخل نفسه المجهَدة، وبدا نكوصاً مشبعاً بالحنين نحو أرض الطفولة النائية، فهو لم يستطع إخفاء نزوعه النرجسي عن الأعين، حين خاطبها بالقول «ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍ، لكان أباكِ الضخم كونكِ لي أُمّا».

اللافت أيضاً أن المتنبي لم يفرد للمرأة والحب قصائد قائمة بذاتها، بل اقتصر هذا الباب على مطالع القصائد التي توجه بها إلى ممدوحين متفاوتي الأهمية، لم يحوزوا باستمرار على إعجابه الفعلي. ومع أن بعض أبيات المتنبي الغزلية لا يخرج عن سياق النماذج والأساليب التي لم يملّ من تكرارها شعراء العصرين الجاهلي والإسلامي، فإن بعضها الآخر يتسم بالجدة والابتكار وبُعد الدلالة. فالشاعر الذي يستهل واحدة من مدائحه بالقول «أريقكِ أم ماء الغمامة أم خمر؟ بفِيَّ بُرودٌ وهو في كبدي جمرُ»، هو نفسه الذي يظهر قدرته الفائقة على توليد المعاني المبتكرة ذات الطابع الفلسفي، كما في قوله «تناهى سكون الحسن في حركاتها، فليس لراءٍ وجهها لم يمتْ عذرُ».

وفي حين تتسم أغلب نصوص المتنبي الغزلية بالعفة والخفر، إزاء كل ما له علاقة بالمناحي الغرائزية والشهوانية، فإن الإشارات الحسية التي تشي بها نصوص أخرى، كالحديث عن اللثم والعناق وحلاوة القبل، هي من التواضع والاحتشام، بما لا يكاد يجاري طموحات العذريين في هذا المجال.

أما لجوء الشاعر إلى استخدام صيغة الجمع في حديثه عن النساء، إضافة إلى استمرائه صيغ التعميم والخلاصات الحكمية، فقد يكونان ناجمين عن افتقاره إلى الحب الحقيقي الملموس أحياناً، أو عن رغبته الموازية في جعل التعميم نوعاً من «التعمية» على شؤونه العاطفية الخاصة أحياناً أخرى، كما في قوله:

تخلو الديارُ من الظباء وعندهُ من كل تابعةٍ خيالٌ خاذلُ

ألراميات لنا وهنّ نوافرٌ والخاتلاتُ لنا وهنّ غوافلُ

كافأننا عن شِبْههنّ من المها فلهنّ في غير التراب حبائلُ

وإذا كان موقف المتنبي المحافظ والمتعفف من المرأة هو الذي يفسر انحيازه إلى الجمال البدوي المتلفع ببراءته، في وجه الجمال الحضري المثقل بالمساحيق، فلشدّ ما يستوقفنا بالمقابل إظهاره المرأة في صورة الكائن المرادف للمكر والغدر والخداع، في أبيات من مثل «إذا غدرتْ حسناء وفَّتْ بعهدها، فمن عهدها أن لا يكون لها عهدُ». وهو ما يبعث على التساؤل عما إذا كانت مثل هذه الرؤية ناجمة عن التأمل المحض في شؤون النساء وطبائعهن، أم أنها ثمرة تجارب الشاعر ومعاناته القاسية مع النساء.

على أن الحديث عن عشق المتنبي يصعب أن يستقيم دون التطرق إلى طبيعة علاقته بخولة، أخت سيف الدولة الكبرى، التي ظلت على الدوام أقرب إلى الفرضية المحفوفة بالشكوك منها إلى اليقين القاطع. وإذا كانت قصيدة أبي الطيب في رثائها هي «الوثيقة» شبه الوحيدة التي اعتمدها النقاد والباحثون دليلاً على وجود علاقة عاطفية بين الطرفين، فإن في هذا الدليل الكثير من الإشارات الدالة على ما كان يكنّه لها من مشاعر الهيام والافتتان.

وفي حين ينفي البعض وجود علاقة خاصة بين المتنبي وخولة بدعوى أن رثاء امرأة متوفاة لا يقيم حجة قاطعة على عشق الراثي لها، فإن آخرين يردون على ذلك بالقول إن في رثاء الشاعر لأخت سيف الدولة الأخرى ما يقدم براهين ساطعة الوضوح على أن علاقة الشاعر بالأختين الراحلتين لم تكن هي نفسها على الإطلاق.

ففي رثاء الأخت الصغرى التي رحلت قبل شقيقتها بثمانية أعوام، يشغل امتداح المتنبي لسيف الدولة معظم أبيات القصيدة، وتتم التغطية على البرود العاطفي، باجتراح العظات واللقى التعبيرية المناسبة. ومع أن بين هذه اللقى ما يرقى إلى ذروة المعاني الإنسانية المبتكرة، كقول الشاعر «وإذا لم تجد من الناس كفْئاً، ذات خِدْرٍ أرادت الموتَ بعلا»، فإن القصيدة بمجملها كانت أقرب إلى التأمل الوجودي في الموت منها إلى الأسى العميق ومرارة الفقدان. أما رثاء المتنبي لخولة فقد بدا خارجاً من شغاف قلبه، ومضطرماً بنيران أخرى، تختلف تماماً عما هو سائد في تأبين الراحلين، وليست لتقع في باب الرثاء العادي أبيات من مثل:

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ

حتى إذا لم يدع لي صدْقُهُ أملاً شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي

أرى العراقَ طويلَ الليل مذ نُعيتْ فكيف ليل فتى الفتيان في حلبِ

وإذ يردّ المتنبي على ما يظنه تشكيك سيف الدولة بحزنه الفعلي على أخته، مؤكداً ما بقلبه من حرقة وبعينيه من دموع، لا يتردد بالمقابل في الحديث عن حسْن مبسم الراحلة وبرد ريقها، الأمر الذي أخذه عليه الواحدي في نقده، ليس فقط لأن في ذلك تجرؤاً بالغاً على قريبات الأمراء والحكام، بل لأنه خلط، متعمد أو غير متعمد، بين مقام الرثاء ومقام الغزل.

وحيث لم يكن بمقدور الشاعر أن يميط اللثام عن تفاصيل تولهه بخولة في معرض رثائه لها، فإن الإشارات التي راح يبثها في القصيدة كانت كافية تماماً لتركنا في دوامة من الألغاز، كمثل قوله «ولا ذكرتُ جميلاً من صنائعها، إلا بكيتُ ولا ودٌّ بلا سبب». فأي سبب مولِّد للبكاء والود أكثر من تتيمه البالغ بالأميرة الراحلة. وأغلب الظن أن خولة نفسها هي المعنية بالمطلع العشقي الفريد الذي استهل به المتنبي مديحه لسيف الدولة إثر هربه من كافور وقدومه إلى الكوفة، خصوصاً وأن في ذلك النص من الرقة وشجى النفس، ومناجاة الجمال المشرف على الأفول، ما يبعث على الاعتقاد بأنه مُهدى للمرأة نفسها، التي كانت تستعد آنذاك لمغادرة هذا العالم، ومن أبياتها قوله:

ما لنا كلُّنا جوٍ يا رسولُ أنا أهوى وقلبكَ المتبولُ

كلما عاد من بعثتُ إليها غار مني وخان فيما يقولُ

زوّدينا من حسن وجهكِ ما دام فحسْنُ الوجوه حالٌ يحولُ

وصِلينا نصلْكِ في هذه الدنيا فإن الُمقام فيها قليلً

ومع أننا لا نملك بشأن عشق المتنبي لخولة ما يُخرجنا من مقام الحيرة إلى مقام اليقين القاطع، فإننا لا نعدم الإشارات الكثيرة الدالة على مثل هذا العشق. لكن السؤال الذي تتعذر الإجابة عنه هو ما إذا كانت خولة من جهتها قد بادلت شاعرها المتحالف مع القلق، حباً بحب. ولأن زمنها ومقامها لم يساعداها على الإفصاح عن مكنونات قلبها المكلوم، ولم يضف التاريخ إلى صمتها المطبق شيئاً يذكر، فإن الإجابة عن السؤال المطروح ستظل في عهدة الغيب، حتى إشعار آخر، أو كشوف مفاجئة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.