«مجرد وقت وسيمضي»... سردية السرطان و«سرد الذاكرة»

شاكر الناصري يقاوم المرض بالأمل والكتابة

شاكر الناصري
شاكر الناصري
TT

«مجرد وقت وسيمضي»... سردية السرطان و«سرد الذاكرة»

شاكر الناصري
شاكر الناصري

كيف لنا أن نكتب عن أمراضنا؟ المتنبي المتفرد، دائماً، ترك لنا ما لم يتركه غيره في هذا المقام؛ فكانت قصيدته في وصف الحمى درساً مختلفاً، يصحُّ معه أن نسمِّي قصيدته باليتيمة؛ فلا أحد بعده قد «قال» شعراً من داخل لحظة «الحمى»، محولاً إيّاها إلى معاناة ومواجهة إنسانية كبرى مع المرض. وقد يكون السياب الشاعر العربي الثاني في الكتابة الشعرية المتفردة عن محنة المرض المفضية إلى الموت المحتم. صور السياب المريض في «سفر أيوب» ربما تتفوق، في سرديتها الفائقة على منطق المريض وصوره المتفردة، ولا شك، كما تظهر في شعر المتنبي؛ فالحمى تظل حالة «مؤقتة» أو «عرضاً» خاصاً بالمرض، لكنها ليست المرض ذاتها. وهذا أمر مختلف، جذرياً، عن سردية المرض في قصيدة «سفر أيوب»؛ المرض، هنا، ينفتح على محنة الموت وأسئلة الوجود كله. ولنا أن نقول إن سردية المرض في شعر السياب هي صيغة مبكرة، كما نفترض، من التعامل مع «السرطان»، أو «إمبراطور المآسي»، كما سماه الطبيب سيد هارتا موكرجي في كتابه الشهير بالعنوان ذاته. وهذا ذاته شأن كتاب شاكر الناصري «مجرد وقت وسيمضي، يوميات السرطان/ الرافدين – 2025».

السرطان سيرة مقترحة

يستعيد الناصري لحظة الرعب الأولى، وهي ذاتها لحظة المعرفة بالمرض وإدراكه، بوصفه الحد الفاصل بين ما مضى وما تبقَّى، فلا يركن إلى تلك اللحظة بالصمت والتواري، إنما يسعى لمواجهتها بالاعتراف بها، أولاً، ومقاومتها بالكتابة ثانياً. خيار المواجهة وضعه أمام «محنة» اختيار سبل المواجهة، وأهمها سبل الكتابة. ولكن أي نوع من الكتابة يمكنه أن يصمد أمام كابوس «السرطان»؟ شأن تجارب عالمية وعربية مشابهة يشير إلى بعضها، يجد الناصري أن فرضية «الاختيار» أو «الانتقاء» ترف لا وجود له في حالته. وربما الأصح أن نقول إنه «ترف» لا قيمة، ولا وزن له أمام «سردية» كبرى اسمها «السرطان»؛ فليس هناك سوى سبيل وحيد وأوحد هو أن «تعيش» السرطان بكل حالاته وأوجاعه واستبداده، فلا «اختيار» سوى ما يفرضه السرطان ذاته عليك وعلى محيطك. باختصار مرير عليك أن تعيش «السرطان» كما تعيش يومك؛ فهو قد صار كل ما تبقَّى من حياتك. هل «أتفلسف» في حضرة السرطان، كما يسخر كثيرون في حالات مشابهة؟ وفي الحقيقة لا فلسفة كبرى سوى فلسفة السرطان ذاته؛ فهو الذي يقرر، وهو الذي يفرض علينا طريقة «مقاومتـ»ـه، وهي أن تكتب قصتك، سيرتك في مواجهة رعب السرطان. اليوميات، إذن، ليست خياراً إنما هي السبيل الوحيد المتاح لوهم عذب اسمه «مقاومة» السرطان. وكل الذين «قاوموا» السرطان لم يفعلوا سوى أنهم كتبوا «سيرهـ»ـم، وقصصهم في مواجهته.

فهل هناك مفارقة «أدبية» سردية تكمن خلف اختيار تقنية «اليوميات» في كتابة روايات معينة كان موضوعها هو «السرطان»؟ أزعم أن منطق السرطان الشمولي لا يسمح، حتى في حالة السرد الأدبي، بترف الخيارات المختلفة، إنما هناك «فرض» مقصود من سردية السرطان؛ بأن تعتمد «الرواية» المقصودة تقنية «اليوميات». وهذا ما فعله الكاتب الروسي الشهير ألكسندر سولجنيتسين في روايته الشهيرة «جناح السرطان». وهو شأنُ كتبٍ كثيرة كتبها مؤلفوها بصيغة اليوميات، وكانت تحكي تجاربهم في «مقاومة» المرض. أشهرها على المستوى العالمي كتاب سوزان سونتاج: «المرض كاستعارة». وفي الثقافة العربية تكرر الأمر في كتب كثيرة، منها كتاب «يوميات سرير الموت» للكاتب الروائي المغربي محمد خيرالدين وقد دوَّن فيه يومياته مع السرطان. والقسم الأخير من كتاب «عن الذاكرة والموت: سعد الله ونوس» بعنوانه الدالِّ «رحلة في مجاهل موت عابر». وقد نتحدث عن سيرة الكاتبة المصرية المعروفة رضوى عاشور «أثقل من رضوى». وكتاب «الجنوبي» لعبلة الرويني عن سيرة زوجها الشاعر المصري المعروف أمل دنقل. وربما يكون آخرها كتاب «أنا قادم أيها الضوء/ محمد أبو الغيط». ولا يشذّ كتاب الناصري عمَّا سلف؛ فهذا حكم السرطان على ضحاياه؛ أن يشهدوا ويلاته ويعيشوا أوجاعه لحظةً فلحظة، يوماً فيوماً. وفي هذا بعض ما نجده في كتب السرطان، مما نتج عن «يوميات» تؤلف، في نهايتها، سيرة منتقاة بعناية فائقة عن المريض، وعن المرض ذاته.

يستعيد الناصري في يومياته لحظة الرعب الأولى وهي ذاتها لحظة المعرفة بالمرض وإدراكه بوصفه الحد الفاصل بين ما مضى وما تبقَّى

ذاكرة السرطان

في «مجرد وقت وسيمضي» تصطرع حكايات وأسئلة متعددة، تؤلِّف، بمجملها، ما يمكن تسميتها بذاكرة النص نفسه، أو مصادره. في الأصل ثمة ذاكرة الناصري نفسه بحكاياته المضطربة المتولِّدة، ولا شك، عن سردية السرطان نفسه. أفكر، هنا، أن سرد الذاكرة، فحسب، هو ما سمحت به سردية هذا المرض. لكن «يوميات السرطان» تعيد نسج المشهد بمواد وصياغات مختلفة إلى حد ما؛ فالسرطان هنا تقنية أكثر مما هو سردية كلية. لماذا لا أقول إن هناك تخادماً مطرداً في الكتاب بين يوميات السرطان وكونه تقنية؟ وفي الواقع أن اليوميات توظِّف السرطان وهو بدرجة مماثلة، يفرض عليها سلطانه. هذا التواصل المثير بينهما نلمسه، ابتداءً، من العنوان «مجرد وقت وسيمضي... يوميات السرطان». يقترح العنوان اندفاعة مبكرة ضد «السرطان»؛ فهو محض «وقت» و«سيمضي» حتماً. هذا التأويل الأولي يتوافق مع تأخير «لماذا لا أقول (تحقير)؟» السرطان وسرديته بجعله عنواناً فرعياً، فيما العنوان الأساسي هو الانتصار للحياة برمتها؛ فهو «وقت» أو مقطع زمني وسيذهب لحاله، فيما ستبقى الحياة كلها للمريض. أفترض أن دلالات العنوان المفترضة هي إحدى استراتيجيات المقاومة الممكنة. لكنها صياغة مبكرة لقصة المريض مع رعب المرض. كأن العنوان يريد أن يدفع بنا نحن قصة أو رواية سيرية. وأنا أدفع، هنا، بأن العنوان يريد إيهامنا بخيالية السيرة السردية المتخيلة؛ طمعاً في الافتراض أنها محض خيال و«سيمضي»، شأن أي قصة أو «رواية» متخيَّلة نجدها في كتاب ما ونقرأها ثم نتركها في زاوية ما من البيت أو المكتبة أو حتى على قارعة طريق. فهي رواية خيالية تعجبنا لكنها لا تخص حياتنا، ولا تحدد مصيرنا.نظل عن حدود الرغبة في إيهام الذات، أولاً، وربما أخيراً، بجدارة القصة المقترحة لأن تكون موضوع القص الأدبي المفترض في «مجرد وقت وسيمضي»، فنحن نجد إصراراً كتابياً وسردياً على الالتزام بحدود التخيل في سرد وقائع النص. عندنا، هنا، نص يريد أن يلتزم بأصول الأدبية المتخيلة فيفترض، مثلاً، أن من واجبه أن يعلن «يعترف» بـ«السرطان»؛ فالناصري لا يتحرَّج، أبداً، من إعلان الإصابة بالمرض الخطير، هذا الاعتراف هو جزء أصيل من «تخييل» قصة المرض؛ بدفعه من خانة «الواقع» إلى خانة لا تمس الذات وما يتصل بها من جسد ومصيره المحتوم، خانة متوهمة تخترعها اليوميات. ثم إن «اليوميات» ذاتها لا تلتزم بسياق زمني متتالي ذي مسار تصاعدي. نعم، ثمة التزام لا ينكره النص بمواعيد جرعات العلاج الثماني، لكن هذا الالتزام يشهد تلاعباً خلَّاقاً بالزمن. فهل ينجح النص بلعبته؟ نزعم أن الظفر حاصل ولا شكَّ، لكنه «نجاح» متوهَّم، وربما لا قيمة له في سياق سردية السرطان؛ فذاكرة النص هي ذاتها ذاكرة هذا المرض. لنأخذ الكتب التي عرض لها النص، فقد كتبها أشخاص مصابون بالسرطان، أو ممن اختصوا بعلاجه. وهذا أمر طبيعي، بل هو أحد فروض السرطان التي لا تُرد، فلا وقت يخصص خارج سطوة المرض وآلامه المميتة. وبعض قدراته أنه يعيد تصريف الزمن وتوجيهه، لا سيَّما في الأوقات التي يستعيد الجسد فيها بعض توازنه، حتى هذا الوقت الشحيح فإن السرطان يفرض عليه سلطانه؛ فيدفع مريضه لقراءة تجارب ضحايا آخرين وسابقين. ولنأخذ موضوع تاريخ عملية رفع المعدة المصابة بالسرطان، فإنه ذو دلالة تاريخية فائقة للناصري وبلاده، وهو يوم الثامن من فبراير (شباط). فأي مفارقة، وأي عذاب؟! ففي تلك الليلة نُحر اليسار العراقي على يد القوميين والبعثيين والعسكر بعد قتل مؤسس الجمهورية العراقية الزعيم عبد الكريم قاسم. لكنَّ للسرطان عظته الأخيرة، فهو بحكم شموليته يدفع ضحاياه لنوع خاص من التسامح مع البشر والحجر على السواء. تسامح يتولَّد عن مراجعة جذرية وشاملة للماضي وذنوبه، ويدفع المبتلين به إلى التسامي عن أي بغض وكراهية. وهذه، ربما، إحدى فضائل مقاومة السرطان نفسه.


مقالات ذات صلة

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».