مذكرات إملي نصر الله يمنع الكشف عنها قبل 2050

تُسلم إلى «الجامعة اليسوعية» في احتفالية خاصة

إملي نصر الله
إملي نصر الله
TT

مذكرات إملي نصر الله يمنع الكشف عنها قبل 2050

إملي نصر الله
إملي نصر الله

بعد سبع سنوات على رحيلها لا تزال عائلة الأديبة الراحلة إملي نصر الله تسعى جهدها لإبقاء إرثها حياً. وفي السابع من يوليو (تموز) المقبل، ستقام احتفاليةٌ لتسليم «المكتبة الشرقية» في «الجامعة اليسوعية» في بيروت، جزءاً من أرشيف نصر الله الغني الذي يستحق أن يوضع بين يدي أمينة بحيث تضمن له الحماية من جهة، ويكون في خدمة البحاثة والمهتمين بالأدب العربي من جهة أخرى. جمع هذا الأرشيف احتاج إلى عمل مضنٍ واستلزم سنوات، كي لا يذهب هذا الكنز في غياهب النسيان.

قبل وفاتها بعامين، قررت إملي نصر الله أن تهب «المكتبة الشرقية» في بيروت ما يقارب 17 وثيقة من أرشيفها الأدبي، إضافة إلى مقالاتها الصحافية التي كتبتها طوال 15 عاماً ولم تجمعها في كتاب، وأبحاث ومجموعة دراسات، هذا عدا مقالات نقدية وأخرى تناولت سيرتها، كانت قد احتفظت بها، مرتبة ومصنفة، تم تسليمها خلال حفل تكريمي أقيم في المناسبة.

صناديق الكنوز الأدبية

يومها، وصف رئيس «الجامعة اليسوعية» البروفسور سليم دكّاش تلك المناسبة بأنها «عزيزة على قلب الجامعة»، لأن إملي نصر الله «صوت لبنان الريفي العميق الذي نقل تفاصيل القرى والناس والذاكرة»، وترجم إلى الكثير من اللغات بينها الإنجليزية والإسبانية والألمانية والفنلندية والتايلندية والفرنسية.

«ظننا أن والدتي وهبت كل ما لديها في ذلك الوقت للجامعة اليسوعية» تقول مها نصر الله، ابنة الأديبة لـ«الشرق الأوسط»، «لكننا بعد وفاتها عام 2018 فوجئنا بوجود صناديق لا بل وصناديق كثيرة، ذات محتويات مهمة، فيها مقالات وصور ورسائل ووثائق مختلفة». وشرحت أن «هذا الأرشيف يحوي صوراً عائلية، وكذلك عثرنا على أجندات تحوي يومياتها حيث كانت تحرص على تسجيلها، وتغطي الفترة من 1989 إلى 2014، أي أنها كتبتها على مدى 26 سنة، إضافة إلى مراسلاتها الخاصة».

وتمنت مها، التي رافقت مسار والدتها عن قرب وهي ترسم لها أغلفة كتبها منذ كانت طفلة، لو تستطيع تصوير كل هذه المحفوظات وحمايتها بطريقة رقمية تضمن لها البقاء. لكنها لم تجد من يعينها على ذلك، إلى أن اتصلت بـ«جمعية موريس خير الله» في جامعة «نورث كارولينا» في أميركا التي قدمت دعماً تقنياً، مكنها من تصوير المستندات التي لديها وإرسالها إلى تلك الجامعة، التي تكفلت بالعناية بالأرشيف موثقاً وإتاحته للمهتمين على منصة إلكترونية.

الأرشيف الورقي يليق به الوطن

صحيح أن مها أعطت حقوق النشر الإلكتروني للأرشيف لجامعة «ساوث كارولينا» التي ساعدتها، لكنها ومن باب الحرص، أبقت على الأصول الورقية في حوزتها. «صدقاً، خشيت على هذه الثروة، أن تكون في مكان بعيد عنا، لا أعرف ما يحدث لها. لهذا فضلت استبقاءها في لبنان».

وجاءت الفرصة المناسبة حين اتصل بمها مدير الجامعة اليسوعية المهندس المعماري جوزف رستم من سنتين، يستوضح عما تبقى من الأرشيف، فوجدتها مناسبة أن يصبح ما أرسلته إلى «نورث كارولينا» محفوظاً ورقياً هنا في لبنان ولدى المكتبة الشرقية. وسيحتفى بنقل هذا الأرشيف في حفل يقام بهذه المناسبة الشهر المقبل، بوجود عائلة إملي نصر الله من أبناء وأحفاد، وشقيقها لبيب أبي راشد، كما ستكون هناك كلمات من بينها مداخلة لابنتها مها رئيسة جمعية «بيت طيور أيلول» الذي افتتح بعد وفاة الكاتبة.

سنة ونصف السنة والتواصل قائم بين وريثة إملي نصر الله و«الجامعة اليسوعية» لوضع تصور حول الأرشيف ودوره، وكيف سيعامل. وقد تم الاتفاق على أن يشمل الاهتمام بهذه التركة، إقامة المحاضرات والندوات ونقاشات ودراسات، لكن ربما الأهم، أن تبقى الأجندات، كما المراسلات الخاصة لإملي نصر الله، مخبأة غير موضوعة في التصرف حتى عام 2050. وتضيف مها ضاحكة: «أي لن يكشف عنها قبل أن نكون قد رحلنا جمعنا». هل هذا لأن ثمة أسراراً كبيرة وحساسة، تجيب مها: «لا توجد أسرار، لكن الخصوصية يجب أن تبقى محفوظة، فهذه كتابات حميمة، لم تدون في الأصل ليطلع عليها القراء. أمي كانت تكتبها لنفسها، لا لغيرها، لهذا نرى من المناسب أن لا نكشف عنها في الوقت الحاضر، كي لا نتسبب بأي حساسية لأحد».

إملي رتبت تركتها حتى الورقة الأخيرة

تصف مها والدتها بأنها كانت «شديدة التنظيم، وقد رتبت كل شيء. وما وجدناه لا يمكن إهماله، ويشكل ثروة يتوجب الاهتمام بها». لم تحتفظ بكتاباتها فقط، بل أرشفت بنفسها كل ما كتب عنها بطريقة منظمة للغاية. في السنوات الأخيرة من حياتها، فضّلت أن تتوقف عن الكتابة، وأن تكرس جهدها لتنظيم ما سبق لها وكتبته، وترتيبه بحيث تسهل إدارته. ليس ذلك فحسب. كان من عاداتها أن تصحو باكراً، وتذهب لشراء الصحف وقراءتها، والاحتفاظ بكل ما يكتب عنها مؤرشفاً ومرتباً. هكذا صدر الكتاب الذي يجمع كل ما صدر من مقالات حول كتابها «طيور أيلول»، ويكاد يكون لكل كتاب لها ما يشبه هذا المؤلف. وقد اعتنت بهذه المقالات، ولم تتردد في الاستعانة بمن يساعدها، ويعيد طباعة ما نشر عنها، كي تتمكن من الاحتفاظ به بطريقة تمنع ضياعها.

لا تريد مها أن تحفظ هذه التركة الأدبية فقط، وإنما أن تبقيها حية، متداولة، يستفيد منها الناس، ويعود إليها من يحتاجها في الوقت الذي يشاء. «لا نريد لهذا الإرث أن يبقى حبيس الخزائن، نعرف أنها مواد ثمينة، ونريد لها أن تكون حية باستمرار». ولكن هل هذه كانت وصية الأديبة لأبنائها، أن يهتموا بإرثها، بهذه الطريقة؟ «على الإطلاق، لم تقل شيئاً في هذا الموضوع. اكتفت بما أعطته من مخطوطات للجامعة اليسوعية».

وعما إذا تم العثور على أعمال أدبية غير منشورة، تقول مها: «ثمة ما عثرنا عليه، لن أتحدث عنها جميعها، لكنني وجدت قصة للأطفال بعنوان (الولد) وضعتها أمي قديماً ولم تنشرها. كما عثرت على كاسيت سجلت عليه بصوتها نصاً آخر بعنوان (كوخ جدو تمار)، وهو مسرحية، ولم أعثر لها على مرادف مكتوب، لذا فرّغت الشريط، وهي في طور الطباعة عند (هاشيت - أنطوان)». وحين علمت الفنانة نويل كسرواني بالأمر، تحمست وستقدم فيلم تحريك مستوحى من المسرحية مقروناً بصوت أملي نصر الله، وستضيف عليه بطريقتها. تخبرنا مها أن «هناك قصتين للأطفال ورسائل، وأشياء أخرى. وأذكر من بين المراسلات رسالة جميلة للغاية كتبها لها الفنان التشكيلي عارف الريس، وقد تواصلت مع (دار نلسن) لإصدارها، وقد تبصر النور قريباً».

بيت «طيور أيلول» مهدد باستمرار

يكتب لعائلة إملي نصر الله، تحديداً ابنتها مها، أنها في غياب أي مبادرات حكومية في لبنان لحماية إرث الكتّاب، بقي اهتمامها بما تركته والدتها متواصلاً. فبعد ستة أشهر على غيابها تم إصدار كتابها الأخير الذي لم يمهلها الوقت لتراه منشوراً، وعنوانه: «المكان». تتحدث فيه الأديبة عن سيرتها الذاتية منذ كانت طفلة صغيرة. أما المشروع البديع الذي يحتاج اهتماماً دائماً، فهو «بيت طيور أيلول». هو منزل عائلة والدة إملي القديم في قرية الكفير الجنوبية، يعود عمره إلى مائة سنة، اشترته وهي على قيد الحياة، لأنها تربت فيه بعد أن ولدت في قرية والدها كوكبا. ومن الكفير استوحت الكثير من شخصياتها وقصصها. تم تحويل البيت إلى مركز لجمعية تحمل اسم روايتها الأولى «طيور أيلول» وهو أقرب إلى مركز ثقافي ومتحف، ومكان لإقامة فنانين.

الانتقادات لا تعنيها

في البيت بعض مقتنيات الأديبة الراحلة، وفيه مكتبها ومكتبتها، وجهّزت غرفة نوم كي تكون صالحة لاستقبال أي فنّان أو باحث مهتمّ بإملي أو حتى بالمنطقة عموماً، إذ مقدوره الإقامة هنا لإتمام ما يريد إنجازه.

كانت ثمة رغبة من العائلة بنقل الأرشيف كاملاً إلى هذا البيت الجميل لكن المخاطر المحدقة به في الجنوب على الحدود مع إسرائيل حالت دون ذلك.

«حكّاءة الريف» كما أُطلق عليها أو «أم الرواية اللبنانية» أو «روائية المنفى»، ثمة من أخذ عليها هدوءها ورصانتها، في زمن الثورات النسوية، والكتابات الصاخبة التغييرية، فهل كانت تنزعج من ذلك. تضحك مها وتقول: «والدتي لم تكن تحب الاستعراضية، ولم تعبأ بكل هذا الكلام. كانت تكتب بصدق، وبطريقتها، ولا تلتفت للانتقادات، ولا تهتم لها».


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».