لماذا ثار علي جواد الطاهر على البنيوية؟

اختطّ الأديب والناقد العراقي منهجاً نقديّاً واءم بين قراءاته التراثية وما تحصّل عليه في السوربون من علم ومعرفة

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

لماذا ثار علي جواد الطاهر على البنيوية؟

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

نشر الدكتور علي جواد الطاهر الحاصل على الدكتوراه في جامعة السوربون مقالاً بعنوان (البنيوية أعلى مراحل السوء في ترف نظرية الفن للفن) في مجلة العرب عدد سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) 1988، وأعادت جريدة «الوطن» نشره في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2024، ذهب فيه إلى أنه في أعوام الستينات الميلادية المنصرمة، انطلاقاً من باريس، قامت الدنيا في أوروبا وأميركا ولم تقعد، وكذلك في الشرق على علم وغير علم، حول تبني البنيوية وتفرعاتها... متسائلاً: ماذا جرى وماذا جد؟ أصوات ترتفع بالجديد، ونهاجم البحث (الأكاديمي) السائد حيث خلا الجو في باريس من أندريه جيد ومورياك ومورو وغياب أساطين السوربون، فثارت ثورة بحثاً عن تميز جديد، هذا ينادي برواية جديدة (يعني ألن روب جرييه وناتالي ساروت) وذاك ينادي بطلاب جدد - كأنه يشير إلى ثورة الطلاب سنة 1968 معتبرين أنفسهم في موقع الأساتذة! - كما عبّر عن ذلك بيار دوشين في روايته (الموت حباً) وقد تزوج الطالب ذو السبعة عشر عاماً أستاذته الثلاثينية، وآخر يطالب بسوربون جديدة ليست سوربوناً بتقاليدها الأكاديمية العريقة، التي درس الطاهر في أروقتها بين نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، على يدي أبرع الأكاديميين المستشرقين (ريجيس بلاشير في أطاريحه عن القرآن الكريم وشعر العرب الأقدمين - المتنبي خاصة - وشارل بيلا الذي لم يلفت نظره في مجمل التراث العربي سوى الجاحظ بأطروحته اللافتة عنه).

ويواصل الطاهر تساؤله النقدي الثقافي:

«لم يسأل أحد من المتحمسين المبشرين بالبنيوية عن التاريخ القريب... فأين كانت الأسماء الأوائل من مؤسسيها وما خطبهم (كأنه يقصد ميخائيل باختين الروسي وتزفيتان تودوروف وجوليا كريستيفا الفرنسيين من جذور بلغارية)؟ لمَ هاجر من هاجر من موسكو ولينينغراد وبراغ، ومنهم النقاد الشكلانيون الروس الذين نادوا بإفراغ الأدب من محتواه الاجتماعي تحت رعاية القيصر ومؤسساته، قبل انفجار ثورة 17 أكتوبر، بعدها برزت البنيوية التي قادها كلود ليفي شتراوس بدروسه الأنثروبولوجية (1908 - 2009)، مؤكداً أن البنيوية انطلقت من الوقوف على تأمل النص وتحليله، وهذا ما عمل عليه باختين (1895 - 1975) في تحليله البنيوي للخطاب الروائي الروسي، خاصة ديستوفسكي».

إذن، لماذا هذا التطرّف النقدي المطلق لها في باريس بعد ذلك بعقود، والتبشير بها نحو واشنطن مروراً بمغربنا العربي، حيث فُتن بها بعض نقّادها ومفكّريها وبغيرها من مناهج أدبية وفلسفية، افتتاناً سدّ منافذ تذوق المتلقّين المغاربة والمشارقة للنصوص الإبداعية، حداً جعل دكتور شكري محمد عيّاد - وهو أحد أبرز مفكري الأدب والنقد قديمه وحديثه - يكتب مقاله الأكاديمي الاحتجاجي المطوّل في أحد أوائل أعداد مجلة (فصول) المصرية بداية الثمانينات بعنوان (موقف من البنيوية)، وهو القارئ المتعمّق بالفرنسية وغيرها من مناهج النقد الأدبي الحديث.

علي جواد الطاهر

في السياق نفسه، تساءل الطاهر قبل عيّاد متعجباً وكأن الوقوف النقدي على النص وتحليله لغويّاً وبلاغيّاً، وإعادة بنائه غير موجودة في نقدنا العربي القديم... الجرجاني في «دلائل الإعجاز»، والزمخشري في تفسيره القرآني الأدبي «الكشاف»، وحازم القرطاجني بعدهما في «مناهج البلغاء»، فهؤلاء كانوا بنيويين بمعنى من المعاني... هذا مع الإشارة إلى أن الطاهر في كتابه التعليمي الأكاديمي (مقدمة في النقد الأدبي الحديث) يحث تلامذته وقراءه على ضرورة الإلمام بالفكر الغربي، منتقداً اقتصار أقسام اللغة العربية وآدابها على تدريس طلابها مناهج قديمة جزئية، داعياً إلى الإفادة من فوائض التجارب العميقة والثرية في المناهج الغربية، بحيث يكون التثاقف الأدبي معها عن وعي دون تعجّل، وتأمّل دون استهلاك، واستيعاب دون جري وراء هذا «الموديل» النقدي أو ذاك، وصولاً إلى صياغة نظرية نقدية عربية.

من هنا جاء اشتغال الطاهر في تحليله النصوص الشعرية قديمها وحديثها، انطلاقاً من دراسة النص وفهم أبعاده ومراميه، آخذاً بأولوية النص في عمله النقدي، من ابن (حلّته) وأستاذه في دار المعلّمين العالية دكتور محمد مهدي البصير، حامل الدكتوراه في الأدب الفرنسي من سوربون أستاذه لوي ماسينيون وزملائه، فلطالما أكّد البصير في دروسه على إعطاء الأولوية لتحليل النص وتفكيك علاقاته الداخلية، قبل تمثّل هذا المنهج أو ذاك من مناهج النقد الأدبي الحديث، وهو ما جعل الطاهر يستجيب لتوجيه أستاذه في دراسة شعر الطغرائي، التي انطلق منها على يدي أستاذه ريجيس بلاشير في أطروحته الفرنسية للدكتوراه حول (الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي)، وقد خرج بنتائج بحثية مثيرة شجّعت عدداً من الأكاديميين والباحثين على دراسة تلك الفترة، التي أعقبها ما سُمّي «عصر الانحطاط»، وكان أستاذه الآخر شارل بيلا قد أوصاه في دراسة الطغرائي بالانطلاق من لاميّته الشعرية الشهيرة.

ومع ما عُرف عن منهج أسلوب الطاهر التأثري الانطباعي، فإنه لم يُبعده عن تحليله النصي، متأثراً بأستاذه مصطفى جواد في دروسه اللغوية والتحقيقية، محاولاً أن يختطّ لقلمه أسلوباً نقديّاً، موائماً بين قراءاته التراثية، وما تحصّل عليه في السوربون من علم ومعرفة، واستفاد من منهج بحث، دون أن يتناول هذا المنهج أو ذاك تناول المتبضّع من دكان هذا أو ذاك! فها هو يقف دارساً (اللوحة في الشوقيات) فيرى صور أحمد شوقي قد أوهنتها الأيام، لاستعانة شوقي بالمبالغة التي صرفته عن البلاغة، فلا يستوقفك من نظمه شعر له رواء، ولا تحسّ به ريًّا... إنما هو وصف نثري أقرب إلى الكليشيهات والفوتوغرافية منه برسم اللوحة، وإن وصف الطبيعة في شعره قد غلب عليه الجفاف، رغم أن الصفة الغالبة فيه هي التصوير، إلا أن تعلق شوقي بالماضي في حياته الشخصية، تعدّاه إلى حياته الاجتماعية، فإذا لوحاته غير متفاعلة مع الواقع المتغير خارج قصره الأنيق على ضفة نهر النيل، معللاً الطاهر ذلك بأن شوقي لم يُقدم على تصوير حياته والتعبير عن تجربته، خشية السخط الاجتماعي على سلوكه الشخصي بوصفه شاعر بلاط، لذلك حين يحاول وصف واقع الشعب المصري، يحاذر دون الوقوع في همومه وقضاياه، منصرفاً إلى وصف الماضي، فهو جنة ووقاء عن التورّط في أسئلة الحاضر... إن هذا التوقي هو ما جعل شوقي يعيش عزلة شخصية وهو يدرس في باريس، فإذا مسرحياته الشعرية التي كتبها تغدو قصائد مطوّلة، ما بعث فيها الحياة سوى صديقه سعيد عبده بإعادة كتابتها مسرحيّاً، وكأن شوقي لم يغشَ عروض المسرح الباريسي، التي غشيها طه حسين وهو يواصل دراساته الجامعية بين مونبلييه وباريس، فيأنس بها ويتفاعل معها، ولا يملّ متردداً عليها بعد ذلك في إجازاته، مستروحاً فصل الصيف والشتاء بين مشاهدها، كما جاء في كتاباته النقدية العديدة في بعض كتبه.

باختين

أما حين يؤكد الطاهر على انطباعيته وتأثره في نقده الأدبي، فلأن هذا يجعله يغوص على لآلئ بحار النصوص فيصطاد منها الأصيل ويترك الزائف، مستعيناً بعدّته التراثية والحديثة، المدجّجة بفنون الأدب وتيارات الفكر ومذاهب الفلسفة، التي انبسطت أمامه في دار المعلّمين العالية ببغداد، ثم في دار المعلمين بباريس، مستوعباً مناهجها النفسية والاجتماعية والتاريخية والأدبية، وهذا ما تبدّى واضحاً في كتابه (مقدمة في النقد الأدبي الحديث)، فلا يكون فقهه للفكر الغربي كفقه أهله، وهذا ما حفّزه - ذاتيّاً وموضوعيّاً - على أن يختطّ له (إجراء) نقديّاً تذوّقيّاً - نظريّاً وعمليّاً - في كتاباته النقدية، مستفيداً من فوائض تلك المناهج الحديثة، دون أن يطبقها حرفيّاً في دراسة النصوص الشعرية أو القصصية أو المسرحية - عراقيّاً وعربيّاً - فباتخاذه هذا (الإجراء) أصبحت له سيميائية أسلوبية في نقده تدل عليه، خاصة في مقالاته الأدبية، بوصفهما إبداعاً ثانياً تالياً على النص الأول محل التشريح النقدي، معبّراً فيهما عن تذوّقه الجمالي لما يقرأ من نصوص ويكتب من نقود... هذا ما نراه كذلك في كتابات طه حسين النقدية الانطباعية التأثرية، التي فُتن بها الطاهر أيّما افتتان، فالعميد هو من ترجم نظام الأثينيين وكتب عن قادة فكرهم، وتملى شعرهم، ودرس نقدهم، واستوعب ما استوعب من مناهج أسلافهم الأوروبيين، وما كان يستجد في ساحاتها الأدبية من فنون وآداب، أبلى في تحصيلها - خاصة الفرنسية - بلاءً حسناً، دون أن يرتهن لهذا المنهج أو ذاك، سوى ما جرّ عليه تمثّله للمنهج الديكارتي من مآزق في دراسة الشعر الجاهلي... والشأن التأثري الانطباعي نفسه مع عبد الفتاح كيليطو بلسانه المفلوق بين العربية (التراثية) والفرنسية (الحداثية)، حيث يستمتع قارئ كتاباته النقدية بـ«لذّة بارتية»! في قراءته النصوص العربية القديمة، دون اتّكاء ميكانيكي على هذا المنهج التفكيكي، أو تماهٍ استعراضي مع ذاك الألسني، وكأنه بذلك بدا متجاوباً مع دعوة علي جواد الطاهر المبكرة، في تجاوز مساوئ تبعات التقليد البنيوي الأعمى.


مقالات ذات صلة

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

ثقافة وفنون صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس».

ثقافة وفنون خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون 
مايك والاس

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» -

سام روبرتس
ثقافة وفنون تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»،

محمود الزيباوي

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
TT

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بوابلٍ من الشتائم العنصرية الفاضحة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بأنّه فرنسي»، و«أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة»، بل بلغت حدّ القول إنّه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإنّ أكثر ما سمعه ثقافةً كان أصوات الشمبانزي». وقد يبدو الأمر مجرّد انفعالٍ فرديّ عابر صدر عن سياسيةٍ معروفة بإثارة الجدل. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف عن أنّ ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعاً جديداً، بل صدى لخطابٍ ظلّ يلاحق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطابٌ يُنكر على لاعبين من أصولٍ أفريقية أو مغاربية حقّهم في تمثيل الأمة، رغم أنّهم يحملون جنسيّتها ويرتدون قميصها. وليست حادثة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلةٍ جعلت من كرة القدم مرآةً مكبّرة لجدلٍ فرنسيّ لا ينتهي حول الانتماء.

من الملعب إلى المختبر السياسي

لفهم هذا الجدل؛ ينبغي تجاوز الرياضة. فالمنتخب الوطني ليس فريقاً فحسب؛ إنّه تمثيلٌ رمزيّ للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعاً سياسياً بامتياز. وقد بيّنت دراسات لعلم الاجتماع الرياضي أنّ تشجيع المنتخب فعلٌ سياسيّ صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه، في دراساته الرائدة عن «شغف الجماهير»، إلى أنّ كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حين يهتف للفريق إنّما يهتف لصورةٍ عن ذاته الجماعية، ويعلن عبر اللعبة عمّن يَعُدّه منتمياً إلى «الـنحن». ويؤكّد الكتاب الجماعي «كرة القدم والهويّات»، بإشراف الباحث جان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبيّن أنّ المنتخبات أصبحت أدواتٍ لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هي أسئلةٌ تتحوّل سريعاً مادّةً للصراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته».

هذا الصراع ليس وليد اليوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المؤرّخ جيرار نوارييل وعالم الاجتماع ستيفان بو ما سمّياه «أَعرقة الخطاب الاجتماعي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين يحبسون الأفراد في هويةٍ عرقية جامدة، على حساب هويتهم الاجتماعية والطبقية. وحين انفجرت عام 2011 «قضية الحصص» في مراكز التكوين، إثر كشف موقع «ميديابارت» عن مشروعٍ لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الباحثان في «ليبيراسيون» إلى أنّ مسؤولي الاتحاد لم يبتكروا هذا المعجم العنصري، بل ورثوه بعد عقودٍ من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجتماع إيريك فاسان المفارقة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنيةٌ تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحدٌ بأنّه عنصريّ.

ليس اليمين المتطرف وحده

واللافت، أنّ الطعن في انتماء اللاعبين لم يبقَ حبيس خطاب اليمين المتطرّف وحده، بل تبنّاه أحياناً مثقّفون مرموقون. ففي خريف 2005، في حوارٍ مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ذهب الفيلسوف آلان فينكلكروت إلى أنّ «الناس يقولون إنّ منتخب كرة القدم محبوبٌ لأنّه أسود- أبيض -عربي، لكنّه في الحقيقة صار اليوم أسود -أسود -أسود؛ وهو ما يجعله أضحوكةً في عيون أوروبا كلّها». عبارةٌ صادمة لأنّها لم تصدر عن سياسيّ متطرّف، بل عن مفكّرٍ محسوبٍ طويلاً على اليسار، وهي العبارة التي حوّلت لون بشرة اللاعبين مقياساً لـ«فرنسية» الفريق.

على أنّ هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ 1996، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرف قد فتح الباب حين اتهم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرضٍ واحد هو اللعب في الفريق»، مستدلّاً على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يحفظونه». ومنذ ذلك الوقت، صار أداء «المارسييز» أو النشيد الوطني الفرنسي من عدمه اختباراً علنياً لوطنية اللاعب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، حين قُوطع النشيد الفرنسي بأصوات صفير الجمهور في ملعبٍ باريسي، فصار الحدث ذخيرةً دائمة في يد كلّ من أراد التشكيك في ولاء الفرنسيين من أصولٍ مهاجرة.

«أسود - أبيض - عربي»

في صيف 1998، حين توّجت فرنسا بكأس العالم بمنتخبٍ متعدّد الأصول، بدا أنّ التصوّر الجمهوري قد انتصر نهائياً؛ إذ رُفع شعار «أسود- أبيض- عربي» صورةً لفرنسا التي تتصالح مع تنوّعها، وأعلن الرئيس جاك شيراك أنّذالك أن «هذا الفريق متعدّد الألوان يرسم صورةً جميلة لفرنسا». لكنّ ذلك الإجماع كان أهشّ ممّا بدا، وسرعان ما تحوّل الشعار في نظر كثيرٍ من الباحثين «أسطورةً مستهلكة» تُخفي وراءها استمرار التهميش والتمييز في أحياءٍ بأكملها.

ومنذ ذلك الحين، عاد سؤال الهوية ليطلّ عند كلّ منعطف. ففي كلّ أزمة، من فضيحة إضراب اللاعبين في مونديال 2010 التي أثارت سيلاً من التعليقات عن «فريقٍ فقد روحه الوطنية»، إلى «قضية بنزيمة» حين اتّهم المهاجم الفرنسي من أصلٍ جزائري المدرّب ديدييه ديشان بأنّه «رضخ لضغط جزءٍ عنصريّ من فرنسا» بعد إبعاده عن القائمة؛ ليظلّ السؤال نفسه يفرض ذاته: من يملك حقّ تمثيل فرنسا؟ وهل تكفي الجنسية والموهبة، أم يجب أن يكون اللون واللقب والدين مطابقين لصورةٍ بعينها عن «الفرنسي الأصيل»؟ هذا السؤال الأخير هو ما دأب عليه اليمين المتطرّف، حيث جعل من المنتخب أداةً دائمةً للطعن، بفتح الجدل تارةً حول من لا ينشدون «المارسييز»، وتارةً حول من يرفعون راية بلدٍ آخر، ليبقى السؤال المسموم معلّقاً: «هل هؤلاء يمثّلوننا حقّاً؟».

فخّ الهوية

ما يجعل حادثة مبابي أبلغ من مجرّد إهانةٍ عابرة هو أنّها تكشف «فخّ الهوية» المزدوج الذي تقع فيه كرة القدم وفرنسا معاً. فخ تقع فيه كرة القدم حين تُحمَّل بما لا تحتمل من رموز، فتتحوّل مباراةٌ رياضية استفتاءً على معنى الانتماء، وفخاً تقع فيه فرنسا حين تترك صورتها تتحدّد بلون لاعبيها أكثر ممّا تتحدّد بقيمها المعلنة. واللافت، أنّ الاعتداء هذه المرّة جاء من الخارج، من سياسيةٍ في أميركا اللاتينية، لكنّه استعاد حرفياً المفردات ذاتها التي تتردّد في الداخل الفرنسي؛ وكأنّ الخطاب العنصريّ لغةٌ عابرة للحدود، تجد في جسد اللاعب الأسود شاشةً مشتركة تُسقط عليها مخاوفها من الآخر.

تبقى لردّ مبابي، في حزمه ووضوحه دلالة تتجاوز شخصه. فحين يرفض لاعبٌ أن تُترك الكراهية بلا جواب، يعيد بطريقته طرح سؤال المفكّر إرنست رينان في محاضرته الشهيرة بالسربون عام 1882: هل الأمة إرادةٌ في العيش المشترك تُجسّدها القيم، أم انغلاقٌ على لونٍ وعرق؟ الفيلسوف الفرنسي شرح آنذاك بأن الأمة لا تُبنى على العرق أو اللغة أو الدين، بل على «استفتاءٍ يوميّ» تصنعه الرغبة المشتركة في مواصلة الحياة معاً. وبين هذا التعريف المفتوح وذاك الانغلاق الضيّق، سيظلّ المنتخب الفرنسي مرآةً حسّاسة لصراعٍ لم يُحسم بعد حول مسألة الانتماء والهوية.

عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته


خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية
TT

خمس حكايات نسائية

خمس حكايات نسائية

في روايتها الأولى «قطة السيدة نفيسة»، تشتبك الكاتبة الصحافية سها السمان مع القاهرة التاريخية، بوصفها فضاءً مشبعاً بالروحانية والذاكرة الشعبية والقصص الإنسانية، من خلال سيرة الشخصية الرئيسية «فرح» التي يتقاطع مصيرها مع خمس حكايات نسائية لخمس شخصيات تتعرف عليهن في رحاب مسجد السيدة نفيسة.

تمر البطلة بتجربة خاصة مربكة، ورواية متعثرة تحاول أن تجد لها فكرة، وورطة ترتبط باتفاق غريب مع صديقة والدتها، ولكنها سرعان ما تكتشف أن المكان يفتح أمامها أبواباً إلى وجوه وحكايات لم تكن في الحسبان؛ إذ تتبدى لها مشكلات الآخرين بوصفها مرايا تكشف هشاشتها وأسئلتها المؤجلة.

يحمل عنوان الرواية دلالة مركزية، فالقطة ليست مجرد تفصيلة عابرة في فضاء المكان، وإنما هي رمز لكائن صامت يراقب ويتحرك بين الناس ويلتقط ما يخفونه. ومن هذه الزاوية تبدو البطلة شبيهة بالقطة: تقترب من الشخصيات، تنصت إلى اعترافاتهم، وتتعرف على ما وراء الأقنعة اليومية، كما تبدو في بحثها عن روايتها، كأنها تبحث في الوقت نفسه عن لغة جديدة لفهم حياتها ومواجهة مخاوفها.

وعبر رصد تنوع الطبقات الاجتماعية والهموم الصغيرة والأسئلة الوجودية، تقترب الرواية من معاناة النساء وضغوطهن الخفية، عبر الحاجة الإنسانية الدائمة إلى من يسمع ويمنح الأمل، وهي بذلك تقدم حكاية عن الخلاص الممكن، بعيداً عن المعجزات الجاهزة، ومن خلال الإنصات بصدق لصوت الذات والتماس المباشر والحميم مع أرواح الآخرين.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سامح كان الحياة بالنسبة لي، كنت لا أتوقف لحظة عن تمجيده والاستماع إلى كل ما يطلبه مني وأنفذه، فهو لا يخطئ أبداً. حبيبي وصديقي وسيكون قريباً زوجي. كانت مشاكله كلها مع أسرته. كان والده نموذجاً للشخصية الشريرة التي يمكن أن نراها في السينما. شخص لا يتوقف لحظة عن إهانة والدتهم وضربها كلما أتيحت له الفرصة ولأتفه الأسباب، مع السخرية والتقليل من أولادهم.

لا يتذكر سامح -وهو الابن الأصغر- أن والده قد احتضن أبناءه الثلاثة يوماً، أو فرح بنجاحهم، كانت أمهم السيدة التي تتعرض للإهانة والخوف ليلاً ونهاراً نموذجاً للشخص المغلوب على أمره. تتحمل مسؤوليتهم بكل طاقتها، ولا تسمع كلمة شكر واحدة أو تقدير لمجهودها، في حين يذكِّرها والدهم في كل مناسبة بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة في فيلا ضخمة وكل طلباتها مجابة، يأكلون جيداً وفي وضع اجتماعي يحسدهم عليه الجميع.

ولكن سامح كان يجد أن هؤلاء الخدم لم يكونوا يسمعون سوى إهانات والدهم له ولإخوته وأمه، وكيف يمن عليهم طوال الوقت بأنه يجعلهم يعيشون أفضل حياة بأمواله، ولكن الخبر الجيد -تبعاً لوصف سامح- أن والدهم أصيب منذ عدة سنوات بجلطة تسببت في النهاية بجعله يعاني من شلل نصفي، وبالتالي صارت الأمور أكثر هدوءاً؛ خاصة أنهم الثلاثة أصبحوا يتولون إدارة الشركة بأنفسهم.

لم تكن مرحلة الإعلان عن كل ما يتعلق بوضع أسرتي مسألة سهلة بالنسبة لسامح أو أسرته، فإخوانه الذين كانوا يعرفونني من خلال التدريب في شركتهم، وكانوا على علم بارتباطي بأخيهم، وكانوا شديدي اللطف معي، تحولوا لكائنات سخيفة عديمة الذوق في كل ما يتعلق بي وبأمي وأختي».


رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث