المتنبي... «اختراعات» تكشف عبقريته

الأكاديمي والناقد الإماراتي علي بن تميم يستخرج من 40 بيتاً «لألئ بقيت دفينة لقرون»

علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
TT

المتنبي... «اختراعات» تكشف عبقريته

علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب

أولى الأكاديمي والناقد الإماراتي ورئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الدكتور علي بن تميم، اهتماماً كبيراً بالشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي، وقدَّم رؤى وإسهامات ملحوظة في دراسة شعره وسيرته. في كتابه «عيون العجائب: في ما أورده أبو الطيب من اختراعات وغرائب»، الصادر حديثاً عن مركز أبوظبي للغة العربية، يركز على «الاختراعات» البلاغية والفكرية في شعر المتنبي، مستوحياً عنوان الكتاب من بيت المتنبي: «إِلَيّ لَعَمري قَصدُ كُلِّ عَجيبَةٍ كَأَنّي عَجيبٌ في عُيونِ العَجائِبِ». كما أن لعلي بن تميم بالإضافة إلى ذلك برنامجاً تلفزيونياً بعنوان «من طيبات أبي الطيب».

يختار الدكتور بن تميم في هذا الكتاب أربعين بيتاً شعرياً للمتنبي يرى أنها تجسد «الاختراعات» وتكشف عن عبقريته، محاولاً استخراج «لآلئ بقيت دفينة لقرون» بأسلوب مبتعد عن التكرار والحواشي التقليدية.

في حوارنا معه، يشرح أبعاد ما أنجزه في كتابه الجديد:

* ما هي أهمية أبي الطيب المتنبي ومكانته التي تتجدد؟

- يُمكن القولُ، بادئَ ذي بدء، إنّ ولادةَ أبي الطيّب المتنبّي كانت حدثاً فريداً، كأنّما جاءت لتقطعَ ذِكرَ من سبقَه وتطويَ صفحةَ الشِّعرِ المعهود. بزغَ نجمُهُ في زمنٍ خَفتت فيهِ قاماتٌ شِعريّةٌ كبيرة، فبدا كأنّه الوحيدُ في الميدان. حتّى أبو فراس الحمداني، الشاعرُ الفارس، كانَ يصغُرُه سنّاً ويختلفُ عنه أفقاً. وإن وُجِدَ شُعراءٌ في ذاكَ العصر، فإنّ هِمَمَهُم لم تتّجِه صوبَ القضايا العربيّة الكُبرى، ولم تهتزّ أقلامُهُم دفاعاً عن ثغور الأمّةِ المهدّدة، كما فعلَ هو بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ وقلبٍ جسور. لقد جاءَ المتنبّي ليُعيدَ تشكيلَ وعي الشِّعرِ ذاتِه، واقفاً على إرثٍ عظيمٍ امتدّ من امرئ القيس حتّى البحتريّ وأبي نواس، مُستلهماً حتّى من تجاربَ صوفيّةٍ كالحلّاج، لكنّه لم يكن يوماً مجرّدَ وريث. كانَ عليه أن يطبعَ بصمتَهُ الخاصّة، أن يُضيفَ ما لم يُضَف، أن «يخترعَ» شِعرَهُ الخاصّ. ولأنّ أبا الطيّب كانَ نسيجَ وَحدِهِ، متنوّعَ المشاربِ، ذا نزعةٍ فلسفيّةٍ عميقةٍ، وبلاغةٍ مُحكَمةٍ، وشاعريّةٍ أصيلةٍ؛ فقد كان لزاماً عليه أن يكونَ «مُخترِعاً» في كلِّ مَيدانٍ طرقَه. ومن هنا تكمن أهميته.

* ما هو هذا «الاختراع» الذي وضعته عنوناً لكتابك الجديد عن المتنبي؟

- إنّه القدرةُ على رؤيةِ العالمِ بعينٍ لم تعهدها العرب، والتعبيرِ عنه بلغةٍ تتجاوزُ المألوف. نجده في القديمِ راسخاً كالجبال، وفي الحديثِ مُحلّقاً كالأفكارِ الجديدة. إنّه في قمّةِ «الاختراع»؛ اختراعِ الصورِ التي لم تُسبَق، واختراعِ المعاني التي لم تُطرَق، واختراعِ البلاغةِ التي تُدهِشُ العقول. يقولُ وهو يُخاطبُ محبوبتَهُ (أو ربّما رمزاً أسمى) في دُجى الليل:

أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ

إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ

هُنا، يتجاوزُ الصورةَ التقليديّة ليجعلَ من المحبوبِ ضوءاً يَشُقُّ الظلامَ ذاتَه، فيختفي الرُقباءُ لا خوفاً، بل لأنّ النورَ قد عمَّ فصارَ اللقاءُ جَهراً. هذا هو اختراعُ الصورةِ والمعنى. كما لم يتوقّف اختراعُهُ عندَ الصورةِ، بل تعدّاهُ إلى البلاغةِ والبيانِ والفلسفةِ واللغة. لقد أحصى الباحثونَ لهُ ما يقرُبُ من أربعين حالةً من حالاتِ الابتكارِ البيانيّ والبلاغيّ. حتّى أنّ تأثيرهُ امتدَّ ليشملَ عوالمَ أخرى، فيُقالُ إنّ ابنَ خلدون نفسَهُ، في مقدّمتهِ، لم يكن بعيداً عن أثرِ فكرِ المتنبّي ونظرتهِ للتاريخِ والدول. وإنّ روحَ قصيدةِ «البُردة» للبوصيريّ، على بُعدِها الدينيّ، قد حملت شيئاً من قوّةِ البيانِ وسموِّ الروحِ التي بثّها المتنبّي في الشِّعرِ العربيّ، وكأنّ البوصيريّ قد استلهمَ من تلك القدرةِ الفذّةِ على الارتقاء بالكلمة.

* إذن، هذا الاختراع أو الابتكار لم يكن مقتصراً على جانب واحد في شعر المتنبي، بل شمل العملية الإبداعية برمتها؟

- تماماً. إنّ فهمَ المتنبّي يقتضي إدراكَ هذهِ الحساسيّةِ الفائقةِ تجاهَ «الاختراع» و«الابتكار». لم يكن أبو الطيّب يعتمدُ على التُراثِ مُتّكأً أو قالباً جاهزاً، بل كانَ ينظُرُ إليه بصفته نقطةَ انطلاقٍ لخلقِ صورةٍ مُختلفة، صورةٌ تقتربُ من روحيّةِ الفنّانِ الذي يرى ما لا يراهُ الآخرون. إنّ المفارقةَ الحقيقيّةَ تكمنُ هُنا: كيف نتعاملُ مع القاماتِ الكُبرى؟ هل نستنسخُها فنقتُلُ روحَها؟ أم نفهمُ سرَّ إبداعِها فنُبدعَ على منوالِها دون تقليد؟ لقد اختارَ المتنبّي طريقَ الابتكار، فلم يستنسخ من سبقَهُ، بل صهرَ تجاربَهُم في بوتقتِهِ الخاصّة ليُخرجَ ذهباً جديداً. فالاختراعُ يسري في دمِ شِعرِ المتنبّي، في صورهِ ومضامينه. نجدهُ في فخرِهِ الذي يتجاوزُ حدودَ الذاتِ ليُعانقَ المطلق:

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي

وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني

وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

هذا ليسَ مجرّدَ فخرٍ، بل هو إعلانٌ عن قوّةِ الكلمةِ وقدرتها على تجاوزِ الحواسِّ والحدود. ونجدهُ في حكمتِهِ التي تستخلصُ جوهرَ الحياةِ بكلماتٍ قليلة:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

هذهِ الأبياتُ ليست مجرّدَ حِكَمٍ، بل هي قانونٌ في فهمِ النفسِ البشريّةِ وطبائعِ الأمور. وهذا هو جوهرُ اختراعِهِ: أن يُلخّصَ نظريّةً كاملةً في الشِّعرِ والحياةِ، وأن يربطَ ذلك كلّهُ بعلاقتِهِ المعقّدةِ بالسلطةِ، كما تجلّت في حضرةِ سيفِ الدولة الحمدانيّ، حيثُ امتزجَ المدحُ بالفخرِ، والنُصحُ بالتحدّي.

* هل يمكن تحديد «عيون العجائب» التي وضعتها عنوناً لكتابك؟ وهل تعتقد أن عظمته شاعراً تأتي من كونه ظل حداثياً ومعاصراً لنا؟

- نعم. أبو الطيّب المتنبّي ليسَ مجرّدَ شاعرٍ عظيم، بل هو «ظاهرةٌ» ثقافيّةٌ وفنيّة. إنّهُ «المخترعُ» الذي لم يكفّ عن ابتكارِ الجديد، والذي تركَ لنا إرثاً هائلاً لا يزالُ يُلهمُنا ويُدهشُنا، ويُعلّمنا أنّ الطريقَ إلى الخلودِ لا تمرُّ عبرَ الاستنساخ، بل عبرَ شجاعةِ الابتكارِ وقوّةِ الإبداعِ الأصيل. ويمكنني القول إنّ وهجَ المتنبّي لم ينطفئ برحيله، بل امتدَّ ليُضيءَ دروبَ الشُعراءِ من بعده، حتّى في أكثرِ لحظاتِهم حميميّةً وإنسانيّة. عندما يصدحُ صوتُ محمود درويش في العصرِ الحديث، مُعبّراً عن لوعةِ الفقدِ وحنينِ الابن: «أحنُّ إلى خُبزِ أمّي»، فإنّ صدى هذا الحنينِ العميقِ يتردّدُ في جنباتِ قصيدةٍ خالدةٍ للمتنبّي، كتبها في رثاءِ جدته، حيثُ يتجاوزُ الحنينُ الشخصيَّ ليُعانقَ رمزيةَ الأصولِ والبدايات:

أَحِنُّ إِلى الكَأسِ الَّتي شَرِبَت بِها

وَأَهوى لِمَثواها التُرابَ وَما ضَمّا

إنّها اللوعة ذاتُها، والشوقِ ذاته إلى ماضٍ لا يعود، وإلى الجذورِ التي شكّلتنا. هي قدرةُ الشِّعرِ الخالدِ على لمسِ أوتارِ الروحِ الإنسانيّةِ المشتركة، وهي قدرةُ المتنبّي على صياغةِ هذه المشاعرِ في قوالبَ تبقى حيّةً عبرَ العصور. ولعلّنا حين نتأمّلُ أوجاعنا، كما فعلَ المتنبّي في شِعرهِ الذي لم يخلُ من مرارةِ التجربة، نُدركُ أنّ «أسوأَ ما حدثَ لنا كانَ من الناس، وأجملَ ما حدثَ كانَ من الله... وما زلنا نقتربُ من الناسِ ونبتعدُ عن الله!». إنّها حكمةٌ تُشبهُ حِكَمَ أبي الطيّب، تلك التي جعلتهُ «الشاعرَ الحكيم».

* هل تعتقد أن الكثير من الشعراء أو القادة في عصرنا أخذوا من حكمة المتنبي واستلهموا من فكره؟

- بالفعل، لم يكن تأثيرُ المتنبّي محصوراً في عالمِ الشِّعرِ والأدب، بل تجاوزهُ ليُؤثّرَ في قادةٍ كبارٍ أدركوا قيمةَ الكلمةِ وعُمقَ الحكمة. فقد كانَ المغفورُ لهُ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّبَ اللهُ ثراه، من أشدِّ المُعجبينَ بأبي الطيّب المتنبّي، مُعجباً باختراعاتِهِ وبلاغتِهِ وحكمتِهِ الخالدة. كان الشيخ زايد، بحكمتِهِ وفراستِهِ، يرى في المتنبّي «الشاعرَ الحكيم»، ويستلهمُ من وصفِهِ للخيلِ معانيَ الشجاعةِ والوفاءِ والأنفةِ والخصالِ النبيلة، ويرى فيهِ رمزاً للاعتزازِ بالهويّةِ العربيّةِ ولغتِها البليغة. لقد كانَ الشيخ زايد من القادةِ القلائلِ الذين احتفوا بشِعريّةِ أبي الطيّب وقيمِهِ ومُثُلِهِ العُليا، وكانت أشعارُهُ تُلازمُهُ، جنباً إلى جنبٍ مع إعجابِهِ بشُعراءَ كبارٍ آخرين كالماجدي بن ظاهر. ولعلّ هذا الاهتمامَ العميقَ من قائدٍ بحجمِ الشيخ زايد كانَ من الحوافزِ التي دفعتنا للكتابةِ عن هذا الشاعرِ الفذّ.

*هل تعتقد أن بيئةُ الاختراع تأتي من علاقته بسيفُ الدولة الذي كان بمثابة المُتلقّي العظيم لشعره والتفاعل معه؟

- أجل، وجدَ أبو الطيب بلاطاً عظيماً ومُتلقّياً أعظمَ هو سيفُ الدولة الحمدانيّ. في خضمِّ صراعاتِ ذاكَ العصرِ مع البويهيين والإخشيديين، كانَ ذلك المكان منارةً للعلمِ والأدب. ولم يكن سيفُ الدولة مجرّدَ حاكمٍ، بل كانَ عالماً بالشِّعرِ، ناقداً بصيراً، يُدركُ تماماً قوّةَ أبي الطيّب ومكامنَ اختراعاتِهِ. هذا الإدراكُ من قِبلِ المُتلقّي الأوّل، سيفِ الدولة، كانَ بمثابةِ الوقودِ الذي غذّى جذوةَ الاختراعِ لدى المتنبّي نفسِه. فالشاعرُ حينَ يعلمُ أنّهُ أمامَ مُتلقٍّ يفهمُ أسرارَ الشِّعر، ويميزُ بينَ التقليدِ والاتّباع، وبينَ الإبداعِ والتكرار، فإنّهُ يرتفعُ بهمّتِهِ ويُحلّقُ في سماواتٍ أعلى. ولم يكتفِ سيفُ الدولة بذلك، بل فتحَ للمتنبّي نوافذَ على الثقافاتِ الأخرى – اليونانيّة والفارسيّة والروميّة – ليسَ ليُقلّدَها أو يستنسخَها، بل لتكونَ حافزاً لهُ على الابتكارِ بمنظورٍ عربيٍّ أصيل، ليُثبتَ أنّ العربيّةَ قادرةٌ على استيعابِ العالمِ والتعبيرِ عنه بقوّةٍ وجمالٍ لا يُضاهيان. وبهذا، خالفَ المتنبّي سلالةً من الشُعراءِ الذين انشغلوا بالصغائرِ أو بقوا أسرى التقليد، بينما كانَ هو يتطلّعُ إلى أن تكونَ علاقتُهُ بأسلافِهِ علاقةَ حوارٍ وتجاوز، علاقةَ اختراعٍ وابتكار، لا علاقةَ ترديدٍ واتّباع.

* هناك مسألة مثيرة عند أبي الطيب المتنبي ألا وهي موقفه من المرأة... هل يمكن توضيح ذلك؟

- المعروف أن المتنبي حدّد في قصيدة مدح فيها كافور الإخشيدي سنة 346 هجرية، مواصفات المرأة الأجمل، ومنتقداً في الوقت نفسه، ولع النساء في عصره، بتصنّع الجَمال وإبراز مفاتن صُنِعت صناعة ولم تكن على طبيعته، ذلك يعني أنه لم يكن تقليديّاً في نظرتهِ للمرأة. فعندما نتأمّلُ قصائدَهُ، خاصّةً رثاءَهُ لجدّته التي رعته مثل أمه أو لخولة أختِ سيف الدولة الكبرى، نجدُ صورةً للمرأةِ تتجاوزُ المألوفَ في شِعرِ عصره. لم تكن المرأةُ عنده مجرّدَ موضوعٍ للغزلِ أو البكاءِ على الأطلال، بل أصبحت رمزاً ومصدراً للثقافةِ والقوّةِ والمعرفةِ التاريخيّة. لقد كانَ من أوائلِ الشُعراءِ الذين أدركوا - ربّما بحدسِ الفنّان - أهميّةَ دورِ المرأةِ وقدرتها، فمنحها في شِعرهِ مكانةً تليقُ بها، وكأنّهُ كانَ يستشرفُ فكرةَ «تمكينِ المرأة» بلغةِ الشِّعرِ قبلَ قرون.

* في الأخير، نسألك عن الفنان العراقي محمود شوبر الذي زيّنت لوحاته كتابك؟

- لم يكن الفنُّ التشكيليُّ ببعيد، فها هو الفنّانُ الكبيرُ محمود شوبر يجدُ في شِعرِ المتنبّي معيناً لا ينضبُ، فيُترجمُ اختراعاتِ الشاعرِ اللغويّةَ والبصريّةَ إلى اختراعاتٍ تشكيليّةٍ على لوحاتِه.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».