المتنبي... «اختراعات» تكشف عبقريته

الأكاديمي والناقد الإماراتي علي بن تميم يستخرج من 40 بيتاً «لألئ بقيت دفينة لقرون»

علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
TT

المتنبي... «اختراعات» تكشف عبقريته

علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب

أولى الأكاديمي والناقد الإماراتي ورئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الدكتور علي بن تميم، اهتماماً كبيراً بالشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي، وقدَّم رؤى وإسهامات ملحوظة في دراسة شعره وسيرته. في كتابه «عيون العجائب: في ما أورده أبو الطيب من اختراعات وغرائب»، الصادر حديثاً عن مركز أبوظبي للغة العربية، يركز على «الاختراعات» البلاغية والفكرية في شعر المتنبي، مستوحياً عنوان الكتاب من بيت المتنبي: «إِلَيّ لَعَمري قَصدُ كُلِّ عَجيبَةٍ كَأَنّي عَجيبٌ في عُيونِ العَجائِبِ». كما أن لعلي بن تميم بالإضافة إلى ذلك برنامجاً تلفزيونياً بعنوان «من طيبات أبي الطيب».

يختار الدكتور بن تميم في هذا الكتاب أربعين بيتاً شعرياً للمتنبي يرى أنها تجسد «الاختراعات» وتكشف عن عبقريته، محاولاً استخراج «لآلئ بقيت دفينة لقرون» بأسلوب مبتعد عن التكرار والحواشي التقليدية.

في حوارنا معه، يشرح أبعاد ما أنجزه في كتابه الجديد:

* ما هي أهمية أبي الطيب المتنبي ومكانته التي تتجدد؟

- يُمكن القولُ، بادئَ ذي بدء، إنّ ولادةَ أبي الطيّب المتنبّي كانت حدثاً فريداً، كأنّما جاءت لتقطعَ ذِكرَ من سبقَه وتطويَ صفحةَ الشِّعرِ المعهود. بزغَ نجمُهُ في زمنٍ خَفتت فيهِ قاماتٌ شِعريّةٌ كبيرة، فبدا كأنّه الوحيدُ في الميدان. حتّى أبو فراس الحمداني، الشاعرُ الفارس، كانَ يصغُرُه سنّاً ويختلفُ عنه أفقاً. وإن وُجِدَ شُعراءٌ في ذاكَ العصر، فإنّ هِمَمَهُم لم تتّجِه صوبَ القضايا العربيّة الكُبرى، ولم تهتزّ أقلامُهُم دفاعاً عن ثغور الأمّةِ المهدّدة، كما فعلَ هو بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ وقلبٍ جسور. لقد جاءَ المتنبّي ليُعيدَ تشكيلَ وعي الشِّعرِ ذاتِه، واقفاً على إرثٍ عظيمٍ امتدّ من امرئ القيس حتّى البحتريّ وأبي نواس، مُستلهماً حتّى من تجاربَ صوفيّةٍ كالحلّاج، لكنّه لم يكن يوماً مجرّدَ وريث. كانَ عليه أن يطبعَ بصمتَهُ الخاصّة، أن يُضيفَ ما لم يُضَف، أن «يخترعَ» شِعرَهُ الخاصّ. ولأنّ أبا الطيّب كانَ نسيجَ وَحدِهِ، متنوّعَ المشاربِ، ذا نزعةٍ فلسفيّةٍ عميقةٍ، وبلاغةٍ مُحكَمةٍ، وشاعريّةٍ أصيلةٍ؛ فقد كان لزاماً عليه أن يكونَ «مُخترِعاً» في كلِّ مَيدانٍ طرقَه. ومن هنا تكمن أهميته.

* ما هو هذا «الاختراع» الذي وضعته عنوناً لكتابك الجديد عن المتنبي؟

- إنّه القدرةُ على رؤيةِ العالمِ بعينٍ لم تعهدها العرب، والتعبيرِ عنه بلغةٍ تتجاوزُ المألوف. نجده في القديمِ راسخاً كالجبال، وفي الحديثِ مُحلّقاً كالأفكارِ الجديدة. إنّه في قمّةِ «الاختراع»؛ اختراعِ الصورِ التي لم تُسبَق، واختراعِ المعاني التي لم تُطرَق، واختراعِ البلاغةِ التي تُدهِشُ العقول. يقولُ وهو يُخاطبُ محبوبتَهُ (أو ربّما رمزاً أسمى) في دُجى الليل:

أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ

إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ

هُنا، يتجاوزُ الصورةَ التقليديّة ليجعلَ من المحبوبِ ضوءاً يَشُقُّ الظلامَ ذاتَه، فيختفي الرُقباءُ لا خوفاً، بل لأنّ النورَ قد عمَّ فصارَ اللقاءُ جَهراً. هذا هو اختراعُ الصورةِ والمعنى. كما لم يتوقّف اختراعُهُ عندَ الصورةِ، بل تعدّاهُ إلى البلاغةِ والبيانِ والفلسفةِ واللغة. لقد أحصى الباحثونَ لهُ ما يقرُبُ من أربعين حالةً من حالاتِ الابتكارِ البيانيّ والبلاغيّ. حتّى أنّ تأثيرهُ امتدَّ ليشملَ عوالمَ أخرى، فيُقالُ إنّ ابنَ خلدون نفسَهُ، في مقدّمتهِ، لم يكن بعيداً عن أثرِ فكرِ المتنبّي ونظرتهِ للتاريخِ والدول. وإنّ روحَ قصيدةِ «البُردة» للبوصيريّ، على بُعدِها الدينيّ، قد حملت شيئاً من قوّةِ البيانِ وسموِّ الروحِ التي بثّها المتنبّي في الشِّعرِ العربيّ، وكأنّ البوصيريّ قد استلهمَ من تلك القدرةِ الفذّةِ على الارتقاء بالكلمة.

* إذن، هذا الاختراع أو الابتكار لم يكن مقتصراً على جانب واحد في شعر المتنبي، بل شمل العملية الإبداعية برمتها؟

- تماماً. إنّ فهمَ المتنبّي يقتضي إدراكَ هذهِ الحساسيّةِ الفائقةِ تجاهَ «الاختراع» و«الابتكار». لم يكن أبو الطيّب يعتمدُ على التُراثِ مُتّكأً أو قالباً جاهزاً، بل كانَ ينظُرُ إليه بصفته نقطةَ انطلاقٍ لخلقِ صورةٍ مُختلفة، صورةٌ تقتربُ من روحيّةِ الفنّانِ الذي يرى ما لا يراهُ الآخرون. إنّ المفارقةَ الحقيقيّةَ تكمنُ هُنا: كيف نتعاملُ مع القاماتِ الكُبرى؟ هل نستنسخُها فنقتُلُ روحَها؟ أم نفهمُ سرَّ إبداعِها فنُبدعَ على منوالِها دون تقليد؟ لقد اختارَ المتنبّي طريقَ الابتكار، فلم يستنسخ من سبقَهُ، بل صهرَ تجاربَهُم في بوتقتِهِ الخاصّة ليُخرجَ ذهباً جديداً. فالاختراعُ يسري في دمِ شِعرِ المتنبّي، في صورهِ ومضامينه. نجدهُ في فخرِهِ الذي يتجاوزُ حدودَ الذاتِ ليُعانقَ المطلق:

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي

وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني

وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

هذا ليسَ مجرّدَ فخرٍ، بل هو إعلانٌ عن قوّةِ الكلمةِ وقدرتها على تجاوزِ الحواسِّ والحدود. ونجدهُ في حكمتِهِ التي تستخلصُ جوهرَ الحياةِ بكلماتٍ قليلة:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

هذهِ الأبياتُ ليست مجرّدَ حِكَمٍ، بل هي قانونٌ في فهمِ النفسِ البشريّةِ وطبائعِ الأمور. وهذا هو جوهرُ اختراعِهِ: أن يُلخّصَ نظريّةً كاملةً في الشِّعرِ والحياةِ، وأن يربطَ ذلك كلّهُ بعلاقتِهِ المعقّدةِ بالسلطةِ، كما تجلّت في حضرةِ سيفِ الدولة الحمدانيّ، حيثُ امتزجَ المدحُ بالفخرِ، والنُصحُ بالتحدّي.

* هل يمكن تحديد «عيون العجائب» التي وضعتها عنوناً لكتابك؟ وهل تعتقد أن عظمته شاعراً تأتي من كونه ظل حداثياً ومعاصراً لنا؟

- نعم. أبو الطيّب المتنبّي ليسَ مجرّدَ شاعرٍ عظيم، بل هو «ظاهرةٌ» ثقافيّةٌ وفنيّة. إنّهُ «المخترعُ» الذي لم يكفّ عن ابتكارِ الجديد، والذي تركَ لنا إرثاً هائلاً لا يزالُ يُلهمُنا ويُدهشُنا، ويُعلّمنا أنّ الطريقَ إلى الخلودِ لا تمرُّ عبرَ الاستنساخ، بل عبرَ شجاعةِ الابتكارِ وقوّةِ الإبداعِ الأصيل. ويمكنني القول إنّ وهجَ المتنبّي لم ينطفئ برحيله، بل امتدَّ ليُضيءَ دروبَ الشُعراءِ من بعده، حتّى في أكثرِ لحظاتِهم حميميّةً وإنسانيّة. عندما يصدحُ صوتُ محمود درويش في العصرِ الحديث، مُعبّراً عن لوعةِ الفقدِ وحنينِ الابن: «أحنُّ إلى خُبزِ أمّي»، فإنّ صدى هذا الحنينِ العميقِ يتردّدُ في جنباتِ قصيدةٍ خالدةٍ للمتنبّي، كتبها في رثاءِ جدته، حيثُ يتجاوزُ الحنينُ الشخصيَّ ليُعانقَ رمزيةَ الأصولِ والبدايات:

أَحِنُّ إِلى الكَأسِ الَّتي شَرِبَت بِها

وَأَهوى لِمَثواها التُرابَ وَما ضَمّا

إنّها اللوعة ذاتُها، والشوقِ ذاته إلى ماضٍ لا يعود، وإلى الجذورِ التي شكّلتنا. هي قدرةُ الشِّعرِ الخالدِ على لمسِ أوتارِ الروحِ الإنسانيّةِ المشتركة، وهي قدرةُ المتنبّي على صياغةِ هذه المشاعرِ في قوالبَ تبقى حيّةً عبرَ العصور. ولعلّنا حين نتأمّلُ أوجاعنا، كما فعلَ المتنبّي في شِعرهِ الذي لم يخلُ من مرارةِ التجربة، نُدركُ أنّ «أسوأَ ما حدثَ لنا كانَ من الناس، وأجملَ ما حدثَ كانَ من الله... وما زلنا نقتربُ من الناسِ ونبتعدُ عن الله!». إنّها حكمةٌ تُشبهُ حِكَمَ أبي الطيّب، تلك التي جعلتهُ «الشاعرَ الحكيم».

* هل تعتقد أن الكثير من الشعراء أو القادة في عصرنا أخذوا من حكمة المتنبي واستلهموا من فكره؟

- بالفعل، لم يكن تأثيرُ المتنبّي محصوراً في عالمِ الشِّعرِ والأدب، بل تجاوزهُ ليُؤثّرَ في قادةٍ كبارٍ أدركوا قيمةَ الكلمةِ وعُمقَ الحكمة. فقد كانَ المغفورُ لهُ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّبَ اللهُ ثراه، من أشدِّ المُعجبينَ بأبي الطيّب المتنبّي، مُعجباً باختراعاتِهِ وبلاغتِهِ وحكمتِهِ الخالدة. كان الشيخ زايد، بحكمتِهِ وفراستِهِ، يرى في المتنبّي «الشاعرَ الحكيم»، ويستلهمُ من وصفِهِ للخيلِ معانيَ الشجاعةِ والوفاءِ والأنفةِ والخصالِ النبيلة، ويرى فيهِ رمزاً للاعتزازِ بالهويّةِ العربيّةِ ولغتِها البليغة. لقد كانَ الشيخ زايد من القادةِ القلائلِ الذين احتفوا بشِعريّةِ أبي الطيّب وقيمِهِ ومُثُلِهِ العُليا، وكانت أشعارُهُ تُلازمُهُ، جنباً إلى جنبٍ مع إعجابِهِ بشُعراءَ كبارٍ آخرين كالماجدي بن ظاهر. ولعلّ هذا الاهتمامَ العميقَ من قائدٍ بحجمِ الشيخ زايد كانَ من الحوافزِ التي دفعتنا للكتابةِ عن هذا الشاعرِ الفذّ.

*هل تعتقد أن بيئةُ الاختراع تأتي من علاقته بسيفُ الدولة الذي كان بمثابة المُتلقّي العظيم لشعره والتفاعل معه؟

- أجل، وجدَ أبو الطيب بلاطاً عظيماً ومُتلقّياً أعظمَ هو سيفُ الدولة الحمدانيّ. في خضمِّ صراعاتِ ذاكَ العصرِ مع البويهيين والإخشيديين، كانَ ذلك المكان منارةً للعلمِ والأدب. ولم يكن سيفُ الدولة مجرّدَ حاكمٍ، بل كانَ عالماً بالشِّعرِ، ناقداً بصيراً، يُدركُ تماماً قوّةَ أبي الطيّب ومكامنَ اختراعاتِهِ. هذا الإدراكُ من قِبلِ المُتلقّي الأوّل، سيفِ الدولة، كانَ بمثابةِ الوقودِ الذي غذّى جذوةَ الاختراعِ لدى المتنبّي نفسِه. فالشاعرُ حينَ يعلمُ أنّهُ أمامَ مُتلقٍّ يفهمُ أسرارَ الشِّعر، ويميزُ بينَ التقليدِ والاتّباع، وبينَ الإبداعِ والتكرار، فإنّهُ يرتفعُ بهمّتِهِ ويُحلّقُ في سماواتٍ أعلى. ولم يكتفِ سيفُ الدولة بذلك، بل فتحَ للمتنبّي نوافذَ على الثقافاتِ الأخرى – اليونانيّة والفارسيّة والروميّة – ليسَ ليُقلّدَها أو يستنسخَها، بل لتكونَ حافزاً لهُ على الابتكارِ بمنظورٍ عربيٍّ أصيل، ليُثبتَ أنّ العربيّةَ قادرةٌ على استيعابِ العالمِ والتعبيرِ عنه بقوّةٍ وجمالٍ لا يُضاهيان. وبهذا، خالفَ المتنبّي سلالةً من الشُعراءِ الذين انشغلوا بالصغائرِ أو بقوا أسرى التقليد، بينما كانَ هو يتطلّعُ إلى أن تكونَ علاقتُهُ بأسلافِهِ علاقةَ حوارٍ وتجاوز، علاقةَ اختراعٍ وابتكار، لا علاقةَ ترديدٍ واتّباع.

* هناك مسألة مثيرة عند أبي الطيب المتنبي ألا وهي موقفه من المرأة... هل يمكن توضيح ذلك؟

- المعروف أن المتنبي حدّد في قصيدة مدح فيها كافور الإخشيدي سنة 346 هجرية، مواصفات المرأة الأجمل، ومنتقداً في الوقت نفسه، ولع النساء في عصره، بتصنّع الجَمال وإبراز مفاتن صُنِعت صناعة ولم تكن على طبيعته، ذلك يعني أنه لم يكن تقليديّاً في نظرتهِ للمرأة. فعندما نتأمّلُ قصائدَهُ، خاصّةً رثاءَهُ لجدّته التي رعته مثل أمه أو لخولة أختِ سيف الدولة الكبرى، نجدُ صورةً للمرأةِ تتجاوزُ المألوفَ في شِعرِ عصره. لم تكن المرأةُ عنده مجرّدَ موضوعٍ للغزلِ أو البكاءِ على الأطلال، بل أصبحت رمزاً ومصدراً للثقافةِ والقوّةِ والمعرفةِ التاريخيّة. لقد كانَ من أوائلِ الشُعراءِ الذين أدركوا - ربّما بحدسِ الفنّان - أهميّةَ دورِ المرأةِ وقدرتها، فمنحها في شِعرهِ مكانةً تليقُ بها، وكأنّهُ كانَ يستشرفُ فكرةَ «تمكينِ المرأة» بلغةِ الشِّعرِ قبلَ قرون.

* في الأخير، نسألك عن الفنان العراقي محمود شوبر الذي زيّنت لوحاته كتابك؟

- لم يكن الفنُّ التشكيليُّ ببعيد، فها هو الفنّانُ الكبيرُ محمود شوبر يجدُ في شِعرِ المتنبّي معيناً لا ينضبُ، فيُترجمُ اختراعاتِ الشاعرِ اللغويّةَ والبصريّةَ إلى اختراعاتٍ تشكيليّةٍ على لوحاتِه.


مقالات ذات صلة

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم

بدر الخريف (الرياض)
ثقافة وفنون كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

لطالما كانت الكتب التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ
TT

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

 رديارد كيبلنغ
رديارد كيبلنغ

لطالما كانت الكتب والمؤلفات التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء، الذين رأوا فيها زادهم المعرفي، ودليلهم إلى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر المشتغلين بالأدب احتفاء بالكتاب وإطراء لمحاسنه، وهو الذي اعتبر في «البيان والتبيين» أن الكتاب هو «الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملُّك، والجار الذي لا يستبطئك». ولعل في توصيف الجاحظ للكتاب، ما وجد صداه اللاحق في قول المتنبي «أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ، وخير جليسٍ في الأنام كتابُ».

اللافت أن دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها، بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي، ومحرضاً على الإلهام، وموضوعاً للاحتفاء من قبل الكتّاب والمؤلفين، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والحث على اقتناء الكتب، وصولاً إلى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم المنزلية. ولما كانت المؤلفات المتعلقة بهذا الموضوع أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ المكتبات»، وليونيل كاسون «المكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي».

وإذا كان الكاتب والمفكر الأرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة ولا نهائية الاتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قد انتقلت إلى مساعده ألبرتو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ الأعمال المختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هو نفسه إلى تأليف كتب عدة حول طقوس القراءة والكتابة وجماليات الكتب والمكتبات. ومن أبرز تلك المؤلفات «المكتبة في الليل» و«تاريخ القراءة» و«مدينة الكلمات» و«جنتلمان المكتبات».

وقد يكون كتاب «أطوي العالم في مكتبتي » الذي أعده وترجمه الكاتب المصري أحمد الزناتي واحداً من الإصدارات اللافتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بين الفائدة والمتعة، لتفاصيل العلاقة الحميمة، أو الملتبسة، التي تربط بين الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في القراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم.

وإذ يتضح لنا بأن لكل واحد من الكتاب الذين تناولهم المؤلف بالدراسة علاقة بالكتب والمكتبات تختلف عن سواه، فإننا لا نستطيع سوى التوقف ملياً عند آرتور شوبنهاور الذي لم ينظر إلى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته المثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «العالم إرادة وفكرة» في رسالة بعث بها إلى صديق له، وقد قرر السفر بعيداً عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلولا سكينة الكتب لكنت استسلمت لليأس من هذه الحياة منذ زمن طويل».

آرتور شوبنهاور

وحيث لم يقتصر مديح شوبنهاور للكتب على مناسبة واحدة أو نص بعينه، فهو لا يتوانى في مطلع مخطوط سيرته الذاتية عن القول «ولما عجز المعاصرون من بني قومي على أن يؤنسوا وحشتي، آثرت صحبة من يشبهونني من الذين طواهم الموت، والذين طافوا في الدنيا كما أطوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث فيّ وداً أصدق من وصال الأحياء، وتفيض علي صفاءً أعمق من سلام ذوي الأرواح».

ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة الأنيسة للكتاب، ما يجمعه بأبي عثمان الجاحظ، ومع ذلك فإن الفارق شاسع بين الاثنين، حيث كان الجاحظ كائناً اجتماعياً ميالاً إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلى العالم، فيما كان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات.

أما الملاحظة المهمة التي لم تفت المؤلف الإشارة إليها، فهي أن شوبنهاور لم يكن حيادياً تماماً في اختيار الكتب التي يقتنيها، بل كان ذلك الاختيار خاضعاً لمزاجه الشخصي، وليس فقط لمعايير إبداعية خالصة. ففي حين دفعه إعجابه بمواطنه الألماني غوته إلى اقتناء أعماله كافة، وبمختلف طبعاتها، إضافة إلى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هاينه، تجاهل بشكل كلي أعمال كتاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكلايست، إضافة إلى هولدرلن الذي رأى فيه مارتن هايدغر المجسد العملي لأنطولوجيا الكينونة.

لكن إفراط شوبنهاور في تقريظ الكتب والمكتبات، لم يمنعه من التحذير من الإفراط بالقراءة، معتبراً أن الذهن يختنق بكثرة المطالعة كما تختنق المعدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيداً لما تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار الآخرين.

وإذ ركز الكاتب البريطاني هنري ويتلي على انتقائية المكتبات، وعدم مراكمة محتوياتها على نحو عشوائي، أشار في الوقت نفسه إلى أن مكتبة الإمبراطور الألماني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مجلدات أربعة تضم أعمال أفلاطون وبلينيوس وبلوتارخ وبطليموس. وقد اعتبر ويتلي أن الانتقائية هي كلمة السر الأهم في تكوين المكتبات، وأن المكتبة المثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إلا من خلال نزوعه الانتقائي.

كما يدافع الناقد الألماني فالتر بنيامين عن مبدأ الإفراط في اقتناء الكتب، حتى ولو كان الأمر يتم من باب المتعة المجردة، أو على سبيل الاحتياط لأي حاجة معرفية لاحقة. ومع تشديده على التمييز بين جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود بالمعرفة، فإن الكاتب الكندي روبرتسون دافيس، لا يتوانى عن الاعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغواء الكتب، واقتناء ما يلزم منها وما لا يلزم، دون أن تكون لديه أي نية في وقف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبرتسون عن الكاتب الفرنسي أناتول فرانس قوله لمن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «ولا حتى عشْرها يا سيد، فأنا لا أعتقد أنك تستعمل طاقم المائدة الصيني كل يوم».

وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديارد كيبلنغ على أن القراءة بحد ذاتها ليست برهاناً قاطعاً على صلاح نفس القارئ أو فسادها، بل إن الأمر يعتمد على حسن اختياره للكتب التي يقرأها. فإذا أقبل المرء على القراءة بعقل متوقد وذهن حي، فقد يمكن له، ولو بحدود معينة، أن يكون وريثاً للعظماء، وموصولاً بهم برباط خفي. والرجل الفطن عند الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب، هو الذي يعرف النماذج الرفيعة في عالم الكتب، لأن تلك النماذج وحدها هي التي تعينه على فهم مغزى العالم.

دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقلاً للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول الأدبي

ولا يبتعد الكاتب الألماني هيرمن هسّه كثيراً عن المنظور الذي حدده شوبنهاور للقراءة، معتبراً أن على المرء ألا يلهث وراء المطالعة، كما يلهث طالب اللقب وراء رتبة الأستاذية، أو كمريض ساذج يدخل صيدلية، فيعمد بهدف البحث عن دواء ناجع، إلى تجرع كل ما تضمه من الأدوية والعقاقير. لا بل إننا لا نملك سوى الشعور بالدهشة، إزاء اعتبار هسّه بأن البشر في عصره يفرطون في الإقبال على المطالعة، ويولونها أكثر مما ينبغي لهم من الاهتمام، أو إزاء قوله بأن الإفراط في القراءة لا يكرم الأدب بل يسيء إليه. إلا أن دهشتنا تلك، سرعان ما تلبس لبوساً مختلفاً حين نقرأ لصاحب «سدهارتا» أبياته التي يخاطب بها القارئ على نحو مؤثر:

إن كتب العالم كلها لن تجلب لك السعادة

لكنها ستعلّمك سرّ الرجوع إلى نفسك

فنفسك وعاءٌ لكل ما تحتاج

نفسك وعاء الشمس والنجوم والقمر

والنور الذي تلتمسه يسكن بين ضلوعك

والحكمة التي تبتغيها في رفوف المكتبات

تشرق أنوارها من طيات كل صفحة

لأنها نورك أنت


ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
TT

ثلاثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي

يحتفظ متحف دمشق الدولي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تعود إلى الحقبة الأموية، مصدرها قصر يقع على أطراف الطريق بين دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه المجموعة تعددية الأساليب والأطرزة التي نهل منها الفن الأموي وأعاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقاً لتقاليد محلية نمت في المدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت موانئ كبيرة في قلب وادي الشام. تتجلّى هذه التعدّدية في ثلاثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بين أطلال هذا الموقع في ثلاثينات القرن الماضي، خلال أعمال المسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم الآثار دانيال شلومبرجير.

كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية المهشمّة المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تمّ جمعها وتصنيفها بتأنّ على مدى سنوات من الجهد المتواصل. تبيّن أن جزءاً من هذه القطع يعود في الأصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعادة تشكيلها، ومن ثمّ نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الخمسينات. في المقابل، يعود جزء آخر من هذه القطع إلى واجهة داخلية خاصة بهذا القصر، وتحديد الموقع الأصلي لهذه القطع المبعثرة ليس بالأمر السهل، ولا يزال موقع بحث، على ما تُظهر الدراسات العلمية المتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في الأصل على بنى متوازية، جمعت كلّا منها سلسلة متنوّعة من الصور المنحوتة والنقوش الزخرفية. في هذا السياق، تبرز ثلاث قطع شكّلت في الأصل حللاً من سلسلة متراصة، واللافت أن هذه القطع تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين.

تمثّل إحدى هذه القطع طفلا عارياً، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من الجص يبلغ طولها 50 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً، وسمكاتها 15 سنتيمتراً. يتميّز هذا المجسّم بطابعه الروماني الكلاسيكي، ويظهر هذا الطابع في نحت مفاصل البدن، وفقاً للبنية التشريحية التي تحاكي المثال الواقعي الحي. تتبنى هذه المنحوتة أسلوباً تقليدياً شائعاً، غير أن هذا الأسلوب يغيب بشكل كبير عن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهداً مميّزاً في هذا الإطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو الأسفل، مادّاً ساقه اليمنى نحو الأمام، مثنياً ساقه اليسرى في الاتجاه المعاكس، في حركة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت على النحت في التقليد السوري المحلّي، كما يشهد ميراث تدمر الاستثنائي بثرائه الكبير.

الذراعان ملتصقتان بالصدر، والجزء الأسفل منهما ضائع للأسف، وكذلك القدمان. الرأس وصل كاملاً بشكل مستقل، وتمّ وصله بالبدن كما يبدو، وملامحه جلية، وتعكس حرفة عالية في النحت والتجسيم. الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر، جاءت خصلها على شكل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقاً لطراز يغلب عليه الطابع الشرقي. ملامح الوجه كلاسيكية، وتتمثّل بعينين نصف مغمضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الخدّان مكتنزان، والعنق عريضة، قائمة على كتفين عريضتين، تحدان صدراً مصقولاً ببراعة، ظهر مفصلاه الناتئان، مع شق في الوسط.

صيغ هذا الطفل وفقاً لنموذج تقليدي يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «بوتو»، وهذا التعبير لاتيني، ومعناه طفل مذكر، أي صبي. حلّ هذا النموذج بشكل واسع في العالم اليوناني، ثم انتقل إلى العالم الروماني، ومنه إلى الفن المسيحي الناشئ، واتخذ أشكالاً عدة، منها الطفل الكرّام والطفل الصيّاد، وبدا أشبه بملاك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد في عصر النهضة الذي شكّل ولادة جديدة للفن الكلاسيكي التقليدي. في ميدان الفنون الأموية، يحضر هذا الطفل تشكيلياً في العديد من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، ويحضر منحوتاً بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي.

تقابل هذه القطعة منحوتة مغايرة صيغت في تقنية مماثلة، وقوامها قطعة طولها 57 سنتيمتراً، وعرضها 27 سنتيمتراً، وسماكتها 14 سنتيمتراً. تمثّل هذه المنحوتة شيخا ملتحياً، يقف حانياً رأسه في اتجاه اليمين، رافعاً ذراعيه في اتجاه اليسار. وصل هذا المجسّم بشكل شبه كامل، غير أنه فقد يديه وقدميه للأسف. يحضر البدن في وضعية المواجهة، ويحضر الرأس في وضعية نصف جانبية. تخرج بنية هذه القامة عن الطراز الكلاسيكي، وتتبنّى طرازاً محلياً يتخلّى عن التشريح الواقعي. تبدو كتلة الرأس ضخمة قياساً إلى حجم البدن القصير، وفقاً لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير.

في المقابل، تخرج هذه المنحوتة عن طابع الحركة الساكنة التي كرّسها هذا الميراث، وتتميّز بحركتها الحية. صياغة الوجه تدمرية، وتظهر في تجسيم ملامح الوجه، كما في صياغة خصل الشعر الذي يعلو الرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب العنق. يرتدي هذا الشيخ معطفاً طويلاً يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حول الخاصرة. تعلو هذه العباءة شبكة من الثنايا الأفقية المقوّسة، مع شقين عموديين في الوسط، ينسدلان من وسط الحزام، إلى طرف الثوب الأسفل.

نقع على قطعة ثالثة ضاع الجزء الأعلى منها عند نقلها، غير أن الصورة التوثيقية التي تعود إلى زمن اكتشافها حفظت صورته. يبلغ طول ما بقي من هذا المجسّم 22 سنتيمتراً، وعرضه كذلك 22 سنتيمتراً، وسماكته 13 سنتيمتراً. يأخذ اللباس شكل ثوب فضفاض تزيّنه شبكة من الثنايا المتوازية، مع حزام عريض في الوسط، ينسدل منه شريطان عموديان متوازنان.

تكشف الصورة التوثيقية عن شيخ ملتحٍ يرفع ذراعه اليمنى نحو الأعلى، ويحني ذراعه اليسرى نحو الأسفل، في حركة توازي حركة الساقين. مرة أخرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم الأسلوب التدمري الخاص بالنقش، ويظهر هذا الأسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثنايا الثوب الذي يغطي البدن ويحجب مفاصله.


«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية
TT

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

«أناهيتا وكَميفان»... 7 مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية

أصدرت «منشورات رامينا» في لندن الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للمسرحي والكاتب الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقاً واسعاً للتأمل في أسئلة الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، عبر كتابة مسرحية تمزج الشعر بالفكر، وتدفع القارئ إلى مواجهة أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً.

يضم الكتاب المسرحيات: «قبر أمي»، و«سارق الأحذية»، و«لوحة من القتل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أناهيتا وگَميفان»، و«متحف الدم». وتلتقي هذه النصوص حول الإنسان وهو يعبر الخراب، ويقاوم النسيان، ويتمسك بحكايته في مواجهة القهر والحرب والمنفى، مع حضور واضح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة بالإيقاع والدلالة.

وتقود المسرحية الأولى «قبر أمي» القارئ إلى رحلة أب وابنه بحثاً عن قبر الأم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهةً مع الذاكرة، والخوف، والحقيقة، ومعنى الانتماء. يحمل الاثنان تابوتاً فارغاً يثقل بالأسئلة، ويعبران طرقاً تحاصرها الحدود والألغام، فتغدو الرحلة نفسها استعارة عن شعب يحمل ذاكرته فوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب.

ويمنح هلكت إدريس عابد الرمز مساحة واسعة في بناء عالمه المسرحي. مدينة كاملة تقرع الطبول للزعيم، وضجيج يطغى على الحقيقة، وسلطة تعيد تشكيل البشر وفق إيقاعها، حتى يصبح التفكير مخاطرة، والاعتراض تهمة، والذاكرة فعلاً يقاوم المحو. وتكشف هذه المشاهد عن رؤية نقدية عميقة لآليات الاستبداد، من خلال صور مسرحية مكثفة تجمع السخرية بالمأساة، وتستند إلى حوار نابض بالحياة.

وتعبر المسرحيات مجتمعة نحو أسئلة الإنسان الكبرى: معنى الوطن، وجدوى البطولة، وحدود الأخلاق، وقيمة الحرية، وعلاقة الفرد بالجماعة. وتتحول الشخصيات أصواتاً تحمل تجارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها الإنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة.

ويأتي صدور «أناهيتا وگَميفان» امتداداً لمشروع «منشورات رامينا» في نقل الأدب الكردي إلى العربية، وإغناء المكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتاً أدبية معاصرة، وتفتح باباً جديداً أمام القارئ للتعرف إلى تجارب مسرحية تمتلك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية.

يقع الكتاب في 224 صفحة من القطع الوسط، وكانت لوحة الغلاف للفنان التشكيلي خضر عبد الكريم.

ويعدّ إدريس عابد من الأسماء الأدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة المسرحية والسردية، وقد صدرت له ستة أعمال مطبوعة، من بينها: «Xewnek ji Dervey Bazney - حلم من خارج الدائرة» الصادر عام 2011 عن «اتحاد أدباء دهوك»، و«Anahîta û Gemîvan - أناهيتا و گمیڤان» الصادر عام 2013 عن «مديرية الطباعة والنشر» في دهوك، و«ماذا قال أرسطو» الصادر عام 2016 عن «نقابة الفنانين» – فرع دهوك، و«قبر أمي» الصادر عام 2021 عن «دار پالو للنشر»، إلى جانب طبعة جديدة من «أناهيتا و گمیڤان» صدرت عام 2024 عن «مطبعة آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب «Dastana Kurdistanê - ملحمة کردستان» الصادر سنة 2024 عن رئاسة وزراء حكومة إقليم كردستان.

وقد حصد أربع مرات جائزة أفضل كاتب مسرحي؛ إذ نالها عام 2010 في دهوك عن مسرحية «المطر»، وفي عام 2011 في السليمانية عن مسرحية «حلم من خارج الدائرة»، كما فاز بها سنة 2019 في أربيل عن المونودراما «Sureya - ثريا»، ونالها مجدداً عام 2024 عن مسرحية «Dadgeha Şahmîranê - محكمة شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران.