المتنبي... «اختراعات» تكشف عبقريته

الأكاديمي والناقد الإماراتي علي بن تميم يستخرج من 40 بيتاً «لألئ بقيت دفينة لقرون»

علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
TT

المتنبي... «اختراعات» تكشف عبقريته

علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب
علي بن تميم: كانت للمتنبي القدرة على رؤية العالم بعينٍ لم تعهدها العرب

أولى الأكاديمي والناقد الإماراتي ورئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الدكتور علي بن تميم، اهتماماً كبيراً بالشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي، وقدَّم رؤى وإسهامات ملحوظة في دراسة شعره وسيرته. في كتابه «عيون العجائب: في ما أورده أبو الطيب من اختراعات وغرائب»، الصادر حديثاً عن مركز أبوظبي للغة العربية، يركز على «الاختراعات» البلاغية والفكرية في شعر المتنبي، مستوحياً عنوان الكتاب من بيت المتنبي: «إِلَيّ لَعَمري قَصدُ كُلِّ عَجيبَةٍ كَأَنّي عَجيبٌ في عُيونِ العَجائِبِ». كما أن لعلي بن تميم بالإضافة إلى ذلك برنامجاً تلفزيونياً بعنوان «من طيبات أبي الطيب».

يختار الدكتور بن تميم في هذا الكتاب أربعين بيتاً شعرياً للمتنبي يرى أنها تجسد «الاختراعات» وتكشف عن عبقريته، محاولاً استخراج «لآلئ بقيت دفينة لقرون» بأسلوب مبتعد عن التكرار والحواشي التقليدية.

في حوارنا معه، يشرح أبعاد ما أنجزه في كتابه الجديد:

* ما هي أهمية أبي الطيب المتنبي ومكانته التي تتجدد؟

- يُمكن القولُ، بادئَ ذي بدء، إنّ ولادةَ أبي الطيّب المتنبّي كانت حدثاً فريداً، كأنّما جاءت لتقطعَ ذِكرَ من سبقَه وتطويَ صفحةَ الشِّعرِ المعهود. بزغَ نجمُهُ في زمنٍ خَفتت فيهِ قاماتٌ شِعريّةٌ كبيرة، فبدا كأنّه الوحيدُ في الميدان. حتّى أبو فراس الحمداني، الشاعرُ الفارس، كانَ يصغُرُه سنّاً ويختلفُ عنه أفقاً. وإن وُجِدَ شُعراءٌ في ذاكَ العصر، فإنّ هِمَمَهُم لم تتّجِه صوبَ القضايا العربيّة الكُبرى، ولم تهتزّ أقلامُهُم دفاعاً عن ثغور الأمّةِ المهدّدة، كما فعلَ هو بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ وقلبٍ جسور. لقد جاءَ المتنبّي ليُعيدَ تشكيلَ وعي الشِّعرِ ذاتِه، واقفاً على إرثٍ عظيمٍ امتدّ من امرئ القيس حتّى البحتريّ وأبي نواس، مُستلهماً حتّى من تجاربَ صوفيّةٍ كالحلّاج، لكنّه لم يكن يوماً مجرّدَ وريث. كانَ عليه أن يطبعَ بصمتَهُ الخاصّة، أن يُضيفَ ما لم يُضَف، أن «يخترعَ» شِعرَهُ الخاصّ. ولأنّ أبا الطيّب كانَ نسيجَ وَحدِهِ، متنوّعَ المشاربِ، ذا نزعةٍ فلسفيّةٍ عميقةٍ، وبلاغةٍ مُحكَمةٍ، وشاعريّةٍ أصيلةٍ؛ فقد كان لزاماً عليه أن يكونَ «مُخترِعاً» في كلِّ مَيدانٍ طرقَه. ومن هنا تكمن أهميته.

* ما هو هذا «الاختراع» الذي وضعته عنوناً لكتابك الجديد عن المتنبي؟

- إنّه القدرةُ على رؤيةِ العالمِ بعينٍ لم تعهدها العرب، والتعبيرِ عنه بلغةٍ تتجاوزُ المألوف. نجده في القديمِ راسخاً كالجبال، وفي الحديثِ مُحلّقاً كالأفكارِ الجديدة. إنّه في قمّةِ «الاختراع»؛ اختراعِ الصورِ التي لم تُسبَق، واختراعِ المعاني التي لم تُطرَق، واختراعِ البلاغةِ التي تُدهِشُ العقول. يقولُ وهو يُخاطبُ محبوبتَهُ (أو ربّما رمزاً أسمى) في دُجى الليل:

أَمِنَ اِزدَيارَكِ في الدُجى الرُقَباءُ

إِذ حَيثُ أَنتِ مِنَ الظَلامِ ضِياءُ

هُنا، يتجاوزُ الصورةَ التقليديّة ليجعلَ من المحبوبِ ضوءاً يَشُقُّ الظلامَ ذاتَه، فيختفي الرُقباءُ لا خوفاً، بل لأنّ النورَ قد عمَّ فصارَ اللقاءُ جَهراً. هذا هو اختراعُ الصورةِ والمعنى. كما لم يتوقّف اختراعُهُ عندَ الصورةِ، بل تعدّاهُ إلى البلاغةِ والبيانِ والفلسفةِ واللغة. لقد أحصى الباحثونَ لهُ ما يقرُبُ من أربعين حالةً من حالاتِ الابتكارِ البيانيّ والبلاغيّ. حتّى أنّ تأثيرهُ امتدَّ ليشملَ عوالمَ أخرى، فيُقالُ إنّ ابنَ خلدون نفسَهُ، في مقدّمتهِ، لم يكن بعيداً عن أثرِ فكرِ المتنبّي ونظرتهِ للتاريخِ والدول. وإنّ روحَ قصيدةِ «البُردة» للبوصيريّ، على بُعدِها الدينيّ، قد حملت شيئاً من قوّةِ البيانِ وسموِّ الروحِ التي بثّها المتنبّي في الشِّعرِ العربيّ، وكأنّ البوصيريّ قد استلهمَ من تلك القدرةِ الفذّةِ على الارتقاء بالكلمة.

* إذن، هذا الاختراع أو الابتكار لم يكن مقتصراً على جانب واحد في شعر المتنبي، بل شمل العملية الإبداعية برمتها؟

- تماماً. إنّ فهمَ المتنبّي يقتضي إدراكَ هذهِ الحساسيّةِ الفائقةِ تجاهَ «الاختراع» و«الابتكار». لم يكن أبو الطيّب يعتمدُ على التُراثِ مُتّكأً أو قالباً جاهزاً، بل كانَ ينظُرُ إليه بصفته نقطةَ انطلاقٍ لخلقِ صورةٍ مُختلفة، صورةٌ تقتربُ من روحيّةِ الفنّانِ الذي يرى ما لا يراهُ الآخرون. إنّ المفارقةَ الحقيقيّةَ تكمنُ هُنا: كيف نتعاملُ مع القاماتِ الكُبرى؟ هل نستنسخُها فنقتُلُ روحَها؟ أم نفهمُ سرَّ إبداعِها فنُبدعَ على منوالِها دون تقليد؟ لقد اختارَ المتنبّي طريقَ الابتكار، فلم يستنسخ من سبقَهُ، بل صهرَ تجاربَهُم في بوتقتِهِ الخاصّة ليُخرجَ ذهباً جديداً. فالاختراعُ يسري في دمِ شِعرِ المتنبّي، في صورهِ ومضامينه. نجدهُ في فخرِهِ الذي يتجاوزُ حدودَ الذاتِ ليُعانقَ المطلق:

أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي

وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني

وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

هذا ليسَ مجرّدَ فخرٍ، بل هو إعلانٌ عن قوّةِ الكلمةِ وقدرتها على تجاوزِ الحواسِّ والحدود. ونجدهُ في حكمتِهِ التي تستخلصُ جوهرَ الحياةِ بكلماتٍ قليلة:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

هذهِ الأبياتُ ليست مجرّدَ حِكَمٍ، بل هي قانونٌ في فهمِ النفسِ البشريّةِ وطبائعِ الأمور. وهذا هو جوهرُ اختراعِهِ: أن يُلخّصَ نظريّةً كاملةً في الشِّعرِ والحياةِ، وأن يربطَ ذلك كلّهُ بعلاقتِهِ المعقّدةِ بالسلطةِ، كما تجلّت في حضرةِ سيفِ الدولة الحمدانيّ، حيثُ امتزجَ المدحُ بالفخرِ، والنُصحُ بالتحدّي.

* هل يمكن تحديد «عيون العجائب» التي وضعتها عنوناً لكتابك؟ وهل تعتقد أن عظمته شاعراً تأتي من كونه ظل حداثياً ومعاصراً لنا؟

- نعم. أبو الطيّب المتنبّي ليسَ مجرّدَ شاعرٍ عظيم، بل هو «ظاهرةٌ» ثقافيّةٌ وفنيّة. إنّهُ «المخترعُ» الذي لم يكفّ عن ابتكارِ الجديد، والذي تركَ لنا إرثاً هائلاً لا يزالُ يُلهمُنا ويُدهشُنا، ويُعلّمنا أنّ الطريقَ إلى الخلودِ لا تمرُّ عبرَ الاستنساخ، بل عبرَ شجاعةِ الابتكارِ وقوّةِ الإبداعِ الأصيل. ويمكنني القول إنّ وهجَ المتنبّي لم ينطفئ برحيله، بل امتدَّ ليُضيءَ دروبَ الشُعراءِ من بعده، حتّى في أكثرِ لحظاتِهم حميميّةً وإنسانيّة. عندما يصدحُ صوتُ محمود درويش في العصرِ الحديث، مُعبّراً عن لوعةِ الفقدِ وحنينِ الابن: «أحنُّ إلى خُبزِ أمّي»، فإنّ صدى هذا الحنينِ العميقِ يتردّدُ في جنباتِ قصيدةٍ خالدةٍ للمتنبّي، كتبها في رثاءِ جدته، حيثُ يتجاوزُ الحنينُ الشخصيَّ ليُعانقَ رمزيةَ الأصولِ والبدايات:

أَحِنُّ إِلى الكَأسِ الَّتي شَرِبَت بِها

وَأَهوى لِمَثواها التُرابَ وَما ضَمّا

إنّها اللوعة ذاتُها، والشوقِ ذاته إلى ماضٍ لا يعود، وإلى الجذورِ التي شكّلتنا. هي قدرةُ الشِّعرِ الخالدِ على لمسِ أوتارِ الروحِ الإنسانيّةِ المشتركة، وهي قدرةُ المتنبّي على صياغةِ هذه المشاعرِ في قوالبَ تبقى حيّةً عبرَ العصور. ولعلّنا حين نتأمّلُ أوجاعنا، كما فعلَ المتنبّي في شِعرهِ الذي لم يخلُ من مرارةِ التجربة، نُدركُ أنّ «أسوأَ ما حدثَ لنا كانَ من الناس، وأجملَ ما حدثَ كانَ من الله... وما زلنا نقتربُ من الناسِ ونبتعدُ عن الله!». إنّها حكمةٌ تُشبهُ حِكَمَ أبي الطيّب، تلك التي جعلتهُ «الشاعرَ الحكيم».

* هل تعتقد أن الكثير من الشعراء أو القادة في عصرنا أخذوا من حكمة المتنبي واستلهموا من فكره؟

- بالفعل، لم يكن تأثيرُ المتنبّي محصوراً في عالمِ الشِّعرِ والأدب، بل تجاوزهُ ليُؤثّرَ في قادةٍ كبارٍ أدركوا قيمةَ الكلمةِ وعُمقَ الحكمة. فقد كانَ المغفورُ لهُ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّبَ اللهُ ثراه، من أشدِّ المُعجبينَ بأبي الطيّب المتنبّي، مُعجباً باختراعاتِهِ وبلاغتِهِ وحكمتِهِ الخالدة. كان الشيخ زايد، بحكمتِهِ وفراستِهِ، يرى في المتنبّي «الشاعرَ الحكيم»، ويستلهمُ من وصفِهِ للخيلِ معانيَ الشجاعةِ والوفاءِ والأنفةِ والخصالِ النبيلة، ويرى فيهِ رمزاً للاعتزازِ بالهويّةِ العربيّةِ ولغتِها البليغة. لقد كانَ الشيخ زايد من القادةِ القلائلِ الذين احتفوا بشِعريّةِ أبي الطيّب وقيمِهِ ومُثُلِهِ العُليا، وكانت أشعارُهُ تُلازمُهُ، جنباً إلى جنبٍ مع إعجابِهِ بشُعراءَ كبارٍ آخرين كالماجدي بن ظاهر. ولعلّ هذا الاهتمامَ العميقَ من قائدٍ بحجمِ الشيخ زايد كانَ من الحوافزِ التي دفعتنا للكتابةِ عن هذا الشاعرِ الفذّ.

*هل تعتقد أن بيئةُ الاختراع تأتي من علاقته بسيفُ الدولة الذي كان بمثابة المُتلقّي العظيم لشعره والتفاعل معه؟

- أجل، وجدَ أبو الطيب بلاطاً عظيماً ومُتلقّياً أعظمَ هو سيفُ الدولة الحمدانيّ. في خضمِّ صراعاتِ ذاكَ العصرِ مع البويهيين والإخشيديين، كانَ ذلك المكان منارةً للعلمِ والأدب. ولم يكن سيفُ الدولة مجرّدَ حاكمٍ، بل كانَ عالماً بالشِّعرِ، ناقداً بصيراً، يُدركُ تماماً قوّةَ أبي الطيّب ومكامنَ اختراعاتِهِ. هذا الإدراكُ من قِبلِ المُتلقّي الأوّل، سيفِ الدولة، كانَ بمثابةِ الوقودِ الذي غذّى جذوةَ الاختراعِ لدى المتنبّي نفسِه. فالشاعرُ حينَ يعلمُ أنّهُ أمامَ مُتلقٍّ يفهمُ أسرارَ الشِّعر، ويميزُ بينَ التقليدِ والاتّباع، وبينَ الإبداعِ والتكرار، فإنّهُ يرتفعُ بهمّتِهِ ويُحلّقُ في سماواتٍ أعلى. ولم يكتفِ سيفُ الدولة بذلك، بل فتحَ للمتنبّي نوافذَ على الثقافاتِ الأخرى – اليونانيّة والفارسيّة والروميّة – ليسَ ليُقلّدَها أو يستنسخَها، بل لتكونَ حافزاً لهُ على الابتكارِ بمنظورٍ عربيٍّ أصيل، ليُثبتَ أنّ العربيّةَ قادرةٌ على استيعابِ العالمِ والتعبيرِ عنه بقوّةٍ وجمالٍ لا يُضاهيان. وبهذا، خالفَ المتنبّي سلالةً من الشُعراءِ الذين انشغلوا بالصغائرِ أو بقوا أسرى التقليد، بينما كانَ هو يتطلّعُ إلى أن تكونَ علاقتُهُ بأسلافِهِ علاقةَ حوارٍ وتجاوز، علاقةَ اختراعٍ وابتكار، لا علاقةَ ترديدٍ واتّباع.

* هناك مسألة مثيرة عند أبي الطيب المتنبي ألا وهي موقفه من المرأة... هل يمكن توضيح ذلك؟

- المعروف أن المتنبي حدّد في قصيدة مدح فيها كافور الإخشيدي سنة 346 هجرية، مواصفات المرأة الأجمل، ومنتقداً في الوقت نفسه، ولع النساء في عصره، بتصنّع الجَمال وإبراز مفاتن صُنِعت صناعة ولم تكن على طبيعته، ذلك يعني أنه لم يكن تقليديّاً في نظرتهِ للمرأة. فعندما نتأمّلُ قصائدَهُ، خاصّةً رثاءَهُ لجدّته التي رعته مثل أمه أو لخولة أختِ سيف الدولة الكبرى، نجدُ صورةً للمرأةِ تتجاوزُ المألوفَ في شِعرِ عصره. لم تكن المرأةُ عنده مجرّدَ موضوعٍ للغزلِ أو البكاءِ على الأطلال، بل أصبحت رمزاً ومصدراً للثقافةِ والقوّةِ والمعرفةِ التاريخيّة. لقد كانَ من أوائلِ الشُعراءِ الذين أدركوا - ربّما بحدسِ الفنّان - أهميّةَ دورِ المرأةِ وقدرتها، فمنحها في شِعرهِ مكانةً تليقُ بها، وكأنّهُ كانَ يستشرفُ فكرةَ «تمكينِ المرأة» بلغةِ الشِّعرِ قبلَ قرون.

* في الأخير، نسألك عن الفنان العراقي محمود شوبر الذي زيّنت لوحاته كتابك؟

- لم يكن الفنُّ التشكيليُّ ببعيد، فها هو الفنّانُ الكبيرُ محمود شوبر يجدُ في شِعرِ المتنبّي معيناً لا ينضبُ، فيُترجمُ اختراعاتِ الشاعرِ اللغويّةَ والبصريّةَ إلى اختراعاتٍ تشكيليّةٍ على لوحاتِه.


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.