محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

المؤرخ الإماراتي قال لـ «الشرق الأوسط» إن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس
TT

محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس

وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة. نالَ درجةَ الليسانس في الآدابِ (تخصّص تاريخ) من جامعةِ القاهرةِ عامَ 1984، ثمَّ دبلومَ الدّراساتِ العُليا من جامعةِ القدّيسِ يوسف بلبنانَ عامَ 1989، فالماجستير في التّاريخِ من الجامعةِ ذاتِها عامَ 1991 عن رسالةٍ بعنوان «التجمّعاتُ القبليّةُ ودورُها في تكوينِ الوحداتِ السّياسيّةِ في الخليجِ العربيِّ خلالَ القرنينِ السّابعَ عشرَ والثّامنَ عشر». وهو حاصلٌ أيضاً على درجةِ دكتوراه الدّولةِ في العلومِ الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ (فرع التّاريخ) من جامعةِ تونس الأولى عامَ 1999 عن أطروحةٍ موسومةٍ بـ«الأوضاع الاقتصاديّة في إماراتِ السّاحلِ 1862- 1965». هنا حوار معه استطلعنا من خلاله رأيَهُ حولَ أحدثِ إصداراتهِ «شريعةُ حمورابي أم شريعةُ إبراهيم؟»:

> أولاً، ما هيَ أهمُّ الأدلّةِ والبراهينِ الّتي تستندونَ إليها لإثباتِ فرضيّةِ التّزامنِ التّاريخيِّ بينَ النّبيِّ إبراهيمَ (عليهِ السّلام) والملكِ حمورابي؟

- فرضية تزامن النبي إبراهيم عليه السلام مع الملك البابلي الشهير حمورابي أتت بالصدفة، ومن خلال إعدادي لكتاب آخر بعنوان «من هو فرعون موسى؟»، حيث انطلقت في البحث بهذا الموضوع قبل حوالي 14 سنة، أثبت فيه أن الفرعون الذي بعث له موسى عليه السلام هو الفرعون أمنحوتب الثالث والد الفرعون الشهير أخناتون، مما يعني أن تاريخ وفاته وهو عام 1353 ق.م تقريباً هو عام خروج بني إسرائيل من مصر، وتبين لي أيضاً أن السنوات الـ430 التي كتبت بالتوراة على أنها كامل المدة التي مكثها بنو إسرائيل في مصر هي في واقع الأمر كامل المدة منذ عهد جدهم الأول إبراهيم عليه السلام، كما جاء في 4 مصادر مهمة هي: التوراة السامرية والتلمود وكتاب المؤرخ اليهودي جوزيفوس وكتاب المؤرخ أفريكانوس، ثم قمت بجمع الـ430 سنة مع سنة 1353 ق.م لأعرف في أي زمن عاش إبراهيم، وكانت المفاجأة أنه عاش في زمن الملك حمورابي، الذي حكم خلال الفترة من عام 1792ق.م إلى عام 1750 ق.م، وبعد البحث تبين أن كبار علماء الآثار ذكروا أن إبراهيم عاش في زمن حمورابي، منهم ليونارد وولي الذي قام بعمليات الحفر والتنقيب في أور بالعراق من عام 1922 حتى عام 1934، والبروفسور هوبرت غريم، والبروفسور سايس وغيرهم. كما ذكر هؤلاء العلماء وغيرهم أن «أمرافيل» الذي ذكر في التوراة هو حمورابي.

> في كتابكم، تطرحون فرضيةً جريئةً مفادُها أنَّ شريعةَ حمورابي مُستلهَمةٌ أو مُقتبَسةٌ من «شريعة إبراهيم»، كيف تبرهنون على هذا التأثير أو الاستمداد؟

- شريعة حمورابي أثارت جدلاً طويلاً منذ اكتشافها أوائل عام 1902، وهي مكتوبة على حجر من الديورايت، واكتشفت في مدينة سوسة المعروفة اليوم بـ«قلعة الشوش»، جنوب غرب إيران، وكان المذهل في تلك الشريعة أنها مشابهة لشريعة موسى عليه السلام، رغم أن موسى أتى بعد إبراهيم بأكثر من 400 سنة، وأهم قانون متشابه بين الشريعتين هو قانون «العين بالعين والسن بالسن»، وهذا القانون ذكره الله تعالى في القرآن في سورة «المائدة» على أنه فُرض على بني إسرائيل في التوراة، مما يعني أن هذا النص في التوراة نص أصلي ولم يطله التحريف، وكانت هناك فرضية لأن اليهود أثناء السبي البابلي هم من وضعوا هذا النص من شريعة حمورابي في التوراة، ولكن هذه الفرضية لم تكن مقبولة من كثير من المؤرخين، وهنا يبرز السؤال المهم: من أين أتى حمورابي بهذا النص وهو يسبق موسى بمئات السنين؟ لا يوجد إلا تفسير واحد لذلك، وهو أن شريعة حمورابي هي شريعة مستمدة من مصدر ما، وتحديداً من شريعة سماوية لكون موادها تنبئ بذلك، وبما أن الشرائع السماوية متشابهة في النصوص لأنها من المصدر نفسه، وأثبتنا أن إبراهيم كان معاصراً لحمورابي، فمعنى ذلك أن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه، وقمت بعمل مقارنة بين شريعة حمورابي وشريعة موسى والشريعة الإسلامية، وتبين لي أنها متشابهة، ويمكننا أن نلاحظ أيضاً أن «صحف إبراهيم وموسى» ذكرتا معاً في سورتي «الأعلى» و«النجم»، كون تشريعاتهما متشابهة، مما يعني أن شريعتي إبراهيم وموسى كانتا متشابهتين بالنصوص.

> نودُّ منكم إضاءةً أوسع حول شريعةِ حمورابي: طبيعتِها، وأبرزِ سماتِها، والسياقِ الحضاريِّ والتشريعيِّ الذي ظهرت فيه؟

- تتألف نصوص مواد مسلة حمورابي من 44 حقلاً أو عموداً من الكتابة المسمارية التي تنقسم إلى مقدمة، ونص الشريعة، ويشتمل على 282 مادة، وخاتمة. ونقشت هذه القوانين على ثلاث كتل كبيرة من حجر الديورايت، وجمعت مع بعضها البعض لتشكل نصاً مخروطياً. ومما يلفت النظر في تلك الشريعة، أنها أتت شاملة لكل شيء يخص حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، وبتفاصيل تتناول أموراً تحث عليها الديانات السماوية، مثل الإحسان للوالدين، والنهي عن القتل وعن الزنى، وعدم التعدي على مال اليتيم، والنهي عن الغش والسرقة وشهادة الزور، والحث على الوفاء بالعهود، إضافة إلى أحكام بالقصاص في القتل وزنا المحارم والربا والسرقة، وأحكام تخص العبودية والطلاق وغيرها، بالتالي لا يمكن أن تأتي هذه القوانين المنظمة لحياة المجتمع، التي تحث على الفضيلة والنزاهة، إضافة إلى التمسك بالقيم فيما يخص العلاقات الاجتماعية والتجارية وبهذا التفصيل، في زمن كانت فيه معظم تلك الأمور عادات وتقاليد طبيعية وغير مستهجنة، وهناك نقطة مهمة، وهي أن التشريعات البشرية تأتي معظمها من الشرائع السماوية، ثم تصاغ حسب الرغبات، فمن أين أتى حمورابي، وهو ملك وثني، ويحكم مجتمعاً وثنياً بشريعة موادها مشابهة للشرائع السماوية، وتضع قوانين للربا في حين أن الربا كان يعدُّ من أهم الأسس التي قامت عليها المعاملات التجارية في تلك الفترة.

> وما هي، في تقديركم، طبيعةُ العلاقةِ بين ما سميتموه «شريعة إبراهيم» ومبادئ الدياناتِ التوحيديةِ الأولى؟

- شريعة الله سبحانه وتعالى التي أتى بها الأنبياء واحدة، لأنها من مصدر واحد، يقول تعالى في سورة الشعراء «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»، هذا فيما يخص الثوابت الرئيسية، وأولها التوحيد، حيث إن الأنبياء بعثوا لأمم وشعوب وثنية تعبد النجوم والكواكب والأصنام، ويوجد بها كل المفاسد مثل القتل والسرقة والزنا والربا وغيرها، ولذلك نجد أن ما ورد في الشرائع يكاد يكون متشابهاً، ولكن هناك أحياناً بعض الاختلافات في الأمور الثانوية، ولذلك نجد تشابهاً فيما يخص الشرائع بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية.

> كم من الوقت استغرقت رحلتُكم البحثيةُ للتوصلِ إلى هذه الاستنتاجاتِ وتوثيقِها؟

- بدأت رحلتي البحثية عام 2011م، وقمت منذ ذلك الوقت بزيارات إلى متاحف برلين والبريطاني في لندن ومتحف كونست هيستوريشس في فيينا، ومتحف اللوفر في باريس، حيث توجد مسلة حمورابي منذ اكتشافها، كما قمت بمراسلة متحف بغداد وتفضلوا بإرسال كل الصور المطلوبة، وأرسل لي أحد الأصدقاء صوراً للمنطقة التي كانت تشغلها مدينة أور التي يقال إن إبراهيم ولد فيها.

> ما هي طبيعةُ المصادرِ والوثائقِ التي استندتُم إليها في هذا البحث المهم، وهل كان من بينها ما هو نادرٌ أو غيرُ متداولٍ على نطاقٍ واسع؟

- اعتمدت على المصادر الأصلية بشكل كامل، فعكفت في البداية على قراءة كل الآيات القرآنية وتفسيرها فيما يخص قصة موسى عليه السلام وفرعون، وما يخص قصة إبراهيم عليه السلام، إضافة إلى التوراة والتلمود بعد شرائي النسخ الأصلية منهما، وقمت بشراء كمية كبيرة من المراجع الأصلية للبحث من موقع «أمازون» مثل كتب المؤرخين القدامى: جوزيفوس، ومانيثون، ويوليوس أفريكانوس، ويوسيبيوس وغيرهم، إضافة إلى كتب كبار علماء الآثار مثل ليوناردو وولي الذي نقب في العراق وجيمس بريستد وسيريل الدريد وفلندرز بتري وإيريل كوزلوف ودونالد ريدفورد وغيرهم، واستغرقت فترة القراءة عدة سنوات قبل البدء بالكتابة.

> كتابُكم الثاني، الذي صدر بالتزامن مع الكتاب الأول، يتناول، حسب فهمنا، التاريخَ القديم لبني إسرائيل منذ النشأةِ حتى سنواتِ الاضطهادِ في مصر. هل يمكن أن تُعطونا لمحةً عن أبرزِ محاور هذا الكتاب ومنهجيتكم فيه؟

- يتناول كتابي «من يوسف إلى موسى عليهما السلام» قصة التكوين الأولى لبني إسرائيل، وبمعنى أدق بدايتهم الأولى، حيث إن إسرائيل هو يعقوب والد يوسف عليهما السلام كما جاء في القرآن والتوراة، وبني إسرائيل هم حصراً يوسف وإخوته الأحد عشر وذريتهم، وهؤلاء كانوا يعيشون في صحراء النقب جنوب الأردن، وأثبت أن يوسف تم بيعه في مصر في الفترة التي حكم فيها الهكسوس مصر، والهكسوس عرب على ديانة التوحيد، ولذلك قاموا بتعيين يوسف بمنصب رفيع لديهم، وبعد طرد الهكسوس من مصر، بدأت محنة بني إسرائيل، حيث اعتبرهم المصريون خونة كونهم متعاونين مع الهكسوس، وبدأ فراعنة الأسرة 18 التي تلت الهكسوس باضطهادهم، وكان يتم قتل المواليد الذكور، كما جاء في القرآن، إلى أن جاء موسى إلى الفرعون الرابع في الاضطهاد وهو أمنحوتب الثالث، وهو ما أثبت أنه فرعون موسى، وهو والد الفرعون الشهير أخناتون.

> تَكتنِفُ الروايات التاريخية لبداياتِ بني إسرائيل اختلافاتٌ وتفسيراتٌ مُتعددة، ما هي أبرزُ هذه الاختلافات في تقديركم، وكيف تعاملتُم معها في ضوءِ ما قدَّمه المؤرخون السابقون والمعاصرون؟

- معظم الدراسات العربية التي ظهرت عن بني إسرائيل، إما أن تقص القصة القرآنية فقط دون المواءمة مع الأحداث التاريخية، أو تنقل من المصادر الأجنبية المعتمدة على الرواية التوراتية، ولذلك تم تكرار معظم المعلومات التاريخية في تلك الكتب، وهذا ما حرصت على تجنبه في كتابي، حيث قدمت رواية جديدة موثقة.

> ما هو موقعُ القرآنِ الكريمِ كمصدرٍ في أبحاثِكم المتعلقةِ بالتاريخ القديم لبني إسرائيل، وكيف وازنتم بينه وبين المصادرِ التاريخيةِ والأثريةِ الأخرى؟

- من يقرأ القرآن جيداً، سيجد أن قصة بني إسرائيل تحوي تفاصيل دقيقة أكثر من التوراة، ولكن لغة القرآن البليغة تحتاج إلى وقت لفهمها، كما أن قصة بني إسرائيل في القرآن أتت في عدة سور، في حين أتت في التوراة متسلسلة، ولذلك لجأ معظم الباحثين إلى القصة التوراتية لسهولة النقل منها، ولأن المراجع الأجنبية تعتمد عليها، وبالتالي أصبحت هناك عملية نقل للمعلومات دون الاهتمام بما جاء في القرآن.

> هل يمكنُ اعتبارُ ما تطرحونه في هذين الكتابين محاولةً لتقديمِ قراءةٍ جديدةٍ أو إعادةِ نظرٍ في بعضِ فصولِ التاريخِ القديم للمنطقة؟

- ما طرحته في الكتابين هو دراسة تعتمد على ما ذكره كبار المؤرخين وعلماء الآثار، وما يقابله في القرآن الكريم، وما تحويه التوراة من المتشابه مع القرآن، وهذا الأمر احتاج مني فترة طويلة من الإنجاز، وسأكون سعيداً بفتح باب النقاش حول هذا الموضوع. وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة.



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».