محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

المؤرخ الإماراتي قال لـ «الشرق الأوسط» إن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس
TT

محمد فارس الفارس: علينا صياغة التاريخ باستمرار

 محمد فارس الفارس
محمد فارس الفارس

وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة. نالَ درجةَ الليسانس في الآدابِ (تخصّص تاريخ) من جامعةِ القاهرةِ عامَ 1984، ثمَّ دبلومَ الدّراساتِ العُليا من جامعةِ القدّيسِ يوسف بلبنانَ عامَ 1989، فالماجستير في التّاريخِ من الجامعةِ ذاتِها عامَ 1991 عن رسالةٍ بعنوان «التجمّعاتُ القبليّةُ ودورُها في تكوينِ الوحداتِ السّياسيّةِ في الخليجِ العربيِّ خلالَ القرنينِ السّابعَ عشرَ والثّامنَ عشر». وهو حاصلٌ أيضاً على درجةِ دكتوراه الدّولةِ في العلومِ الإنسانيّةِ والاجتماعيّةِ (فرع التّاريخ) من جامعةِ تونس الأولى عامَ 1999 عن أطروحةٍ موسومةٍ بـ«الأوضاع الاقتصاديّة في إماراتِ السّاحلِ 1862- 1965». هنا حوار معه استطلعنا من خلاله رأيَهُ حولَ أحدثِ إصداراتهِ «شريعةُ حمورابي أم شريعةُ إبراهيم؟»:

> أولاً، ما هيَ أهمُّ الأدلّةِ والبراهينِ الّتي تستندونَ إليها لإثباتِ فرضيّةِ التّزامنِ التّاريخيِّ بينَ النّبيِّ إبراهيمَ (عليهِ السّلام) والملكِ حمورابي؟

- فرضية تزامن النبي إبراهيم عليه السلام مع الملك البابلي الشهير حمورابي أتت بالصدفة، ومن خلال إعدادي لكتاب آخر بعنوان «من هو فرعون موسى؟»، حيث انطلقت في البحث بهذا الموضوع قبل حوالي 14 سنة، أثبت فيه أن الفرعون الذي بعث له موسى عليه السلام هو الفرعون أمنحوتب الثالث والد الفرعون الشهير أخناتون، مما يعني أن تاريخ وفاته وهو عام 1353 ق.م تقريباً هو عام خروج بني إسرائيل من مصر، وتبين لي أيضاً أن السنوات الـ430 التي كتبت بالتوراة على أنها كامل المدة التي مكثها بنو إسرائيل في مصر هي في واقع الأمر كامل المدة منذ عهد جدهم الأول إبراهيم عليه السلام، كما جاء في 4 مصادر مهمة هي: التوراة السامرية والتلمود وكتاب المؤرخ اليهودي جوزيفوس وكتاب المؤرخ أفريكانوس، ثم قمت بجمع الـ430 سنة مع سنة 1353 ق.م لأعرف في أي زمن عاش إبراهيم، وكانت المفاجأة أنه عاش في زمن الملك حمورابي، الذي حكم خلال الفترة من عام 1792ق.م إلى عام 1750 ق.م، وبعد البحث تبين أن كبار علماء الآثار ذكروا أن إبراهيم عاش في زمن حمورابي، منهم ليونارد وولي الذي قام بعمليات الحفر والتنقيب في أور بالعراق من عام 1922 حتى عام 1934، والبروفسور هوبرت غريم، والبروفسور سايس وغيرهم. كما ذكر هؤلاء العلماء وغيرهم أن «أمرافيل» الذي ذكر في التوراة هو حمورابي.

> في كتابكم، تطرحون فرضيةً جريئةً مفادُها أنَّ شريعةَ حمورابي مُستلهَمةٌ أو مُقتبَسةٌ من «شريعة إبراهيم»، كيف تبرهنون على هذا التأثير أو الاستمداد؟

- شريعة حمورابي أثارت جدلاً طويلاً منذ اكتشافها أوائل عام 1902، وهي مكتوبة على حجر من الديورايت، واكتشفت في مدينة سوسة المعروفة اليوم بـ«قلعة الشوش»، جنوب غرب إيران، وكان المذهل في تلك الشريعة أنها مشابهة لشريعة موسى عليه السلام، رغم أن موسى أتى بعد إبراهيم بأكثر من 400 سنة، وأهم قانون متشابه بين الشريعتين هو قانون «العين بالعين والسن بالسن»، وهذا القانون ذكره الله تعالى في القرآن في سورة «المائدة» على أنه فُرض على بني إسرائيل في التوراة، مما يعني أن هذا النص في التوراة نص أصلي ولم يطله التحريف، وكانت هناك فرضية لأن اليهود أثناء السبي البابلي هم من وضعوا هذا النص من شريعة حمورابي في التوراة، ولكن هذه الفرضية لم تكن مقبولة من كثير من المؤرخين، وهنا يبرز السؤال المهم: من أين أتى حمورابي بهذا النص وهو يسبق موسى بمئات السنين؟ لا يوجد إلا تفسير واحد لذلك، وهو أن شريعة حمورابي هي شريعة مستمدة من مصدر ما، وتحديداً من شريعة سماوية لكون موادها تنبئ بذلك، وبما أن الشرائع السماوية متشابهة في النصوص لأنها من المصدر نفسه، وأثبتنا أن إبراهيم كان معاصراً لحمورابي، فمعنى ذلك أن حمورابي أخذ شريعة إبراهيم ونسبها لنفسه، وقمت بعمل مقارنة بين شريعة حمورابي وشريعة موسى والشريعة الإسلامية، وتبين لي أنها متشابهة، ويمكننا أن نلاحظ أيضاً أن «صحف إبراهيم وموسى» ذكرتا معاً في سورتي «الأعلى» و«النجم»، كون تشريعاتهما متشابهة، مما يعني أن شريعتي إبراهيم وموسى كانتا متشابهتين بالنصوص.

> نودُّ منكم إضاءةً أوسع حول شريعةِ حمورابي: طبيعتِها، وأبرزِ سماتِها، والسياقِ الحضاريِّ والتشريعيِّ الذي ظهرت فيه؟

- تتألف نصوص مواد مسلة حمورابي من 44 حقلاً أو عموداً من الكتابة المسمارية التي تنقسم إلى مقدمة، ونص الشريعة، ويشتمل على 282 مادة، وخاتمة. ونقشت هذه القوانين على ثلاث كتل كبيرة من حجر الديورايت، وجمعت مع بعضها البعض لتشكل نصاً مخروطياً. ومما يلفت النظر في تلك الشريعة، أنها أتت شاملة لكل شيء يخص حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، وبتفاصيل تتناول أموراً تحث عليها الديانات السماوية، مثل الإحسان للوالدين، والنهي عن القتل وعن الزنى، وعدم التعدي على مال اليتيم، والنهي عن الغش والسرقة وشهادة الزور، والحث على الوفاء بالعهود، إضافة إلى أحكام بالقصاص في القتل وزنا المحارم والربا والسرقة، وأحكام تخص العبودية والطلاق وغيرها، بالتالي لا يمكن أن تأتي هذه القوانين المنظمة لحياة المجتمع، التي تحث على الفضيلة والنزاهة، إضافة إلى التمسك بالقيم فيما يخص العلاقات الاجتماعية والتجارية وبهذا التفصيل، في زمن كانت فيه معظم تلك الأمور عادات وتقاليد طبيعية وغير مستهجنة، وهناك نقطة مهمة، وهي أن التشريعات البشرية تأتي معظمها من الشرائع السماوية، ثم تصاغ حسب الرغبات، فمن أين أتى حمورابي، وهو ملك وثني، ويحكم مجتمعاً وثنياً بشريعة موادها مشابهة للشرائع السماوية، وتضع قوانين للربا في حين أن الربا كان يعدُّ من أهم الأسس التي قامت عليها المعاملات التجارية في تلك الفترة.

> وما هي، في تقديركم، طبيعةُ العلاقةِ بين ما سميتموه «شريعة إبراهيم» ومبادئ الدياناتِ التوحيديةِ الأولى؟

- شريعة الله سبحانه وتعالى التي أتى بها الأنبياء واحدة، لأنها من مصدر واحد، يقول تعالى في سورة الشعراء «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه»، هذا فيما يخص الثوابت الرئيسية، وأولها التوحيد، حيث إن الأنبياء بعثوا لأمم وشعوب وثنية تعبد النجوم والكواكب والأصنام، ويوجد بها كل المفاسد مثل القتل والسرقة والزنا والربا وغيرها، ولذلك نجد أن ما ورد في الشرائع يكاد يكون متشابهاً، ولكن هناك أحياناً بعض الاختلافات في الأمور الثانوية، ولذلك نجد تشابهاً فيما يخص الشرائع بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية.

> كم من الوقت استغرقت رحلتُكم البحثيةُ للتوصلِ إلى هذه الاستنتاجاتِ وتوثيقِها؟

- بدأت رحلتي البحثية عام 2011م، وقمت منذ ذلك الوقت بزيارات إلى متاحف برلين والبريطاني في لندن ومتحف كونست هيستوريشس في فيينا، ومتحف اللوفر في باريس، حيث توجد مسلة حمورابي منذ اكتشافها، كما قمت بمراسلة متحف بغداد وتفضلوا بإرسال كل الصور المطلوبة، وأرسل لي أحد الأصدقاء صوراً للمنطقة التي كانت تشغلها مدينة أور التي يقال إن إبراهيم ولد فيها.

> ما هي طبيعةُ المصادرِ والوثائقِ التي استندتُم إليها في هذا البحث المهم، وهل كان من بينها ما هو نادرٌ أو غيرُ متداولٍ على نطاقٍ واسع؟

- اعتمدت على المصادر الأصلية بشكل كامل، فعكفت في البداية على قراءة كل الآيات القرآنية وتفسيرها فيما يخص قصة موسى عليه السلام وفرعون، وما يخص قصة إبراهيم عليه السلام، إضافة إلى التوراة والتلمود بعد شرائي النسخ الأصلية منهما، وقمت بشراء كمية كبيرة من المراجع الأصلية للبحث من موقع «أمازون» مثل كتب المؤرخين القدامى: جوزيفوس، ومانيثون، ويوليوس أفريكانوس، ويوسيبيوس وغيرهم، إضافة إلى كتب كبار علماء الآثار مثل ليوناردو وولي الذي نقب في العراق وجيمس بريستد وسيريل الدريد وفلندرز بتري وإيريل كوزلوف ودونالد ريدفورد وغيرهم، واستغرقت فترة القراءة عدة سنوات قبل البدء بالكتابة.

> كتابُكم الثاني، الذي صدر بالتزامن مع الكتاب الأول، يتناول، حسب فهمنا، التاريخَ القديم لبني إسرائيل منذ النشأةِ حتى سنواتِ الاضطهادِ في مصر. هل يمكن أن تُعطونا لمحةً عن أبرزِ محاور هذا الكتاب ومنهجيتكم فيه؟

- يتناول كتابي «من يوسف إلى موسى عليهما السلام» قصة التكوين الأولى لبني إسرائيل، وبمعنى أدق بدايتهم الأولى، حيث إن إسرائيل هو يعقوب والد يوسف عليهما السلام كما جاء في القرآن والتوراة، وبني إسرائيل هم حصراً يوسف وإخوته الأحد عشر وذريتهم، وهؤلاء كانوا يعيشون في صحراء النقب جنوب الأردن، وأثبت أن يوسف تم بيعه في مصر في الفترة التي حكم فيها الهكسوس مصر، والهكسوس عرب على ديانة التوحيد، ولذلك قاموا بتعيين يوسف بمنصب رفيع لديهم، وبعد طرد الهكسوس من مصر، بدأت محنة بني إسرائيل، حيث اعتبرهم المصريون خونة كونهم متعاونين مع الهكسوس، وبدأ فراعنة الأسرة 18 التي تلت الهكسوس باضطهادهم، وكان يتم قتل المواليد الذكور، كما جاء في القرآن، إلى أن جاء موسى إلى الفرعون الرابع في الاضطهاد وهو أمنحوتب الثالث، وهو ما أثبت أنه فرعون موسى، وهو والد الفرعون الشهير أخناتون.

> تَكتنِفُ الروايات التاريخية لبداياتِ بني إسرائيل اختلافاتٌ وتفسيراتٌ مُتعددة، ما هي أبرزُ هذه الاختلافات في تقديركم، وكيف تعاملتُم معها في ضوءِ ما قدَّمه المؤرخون السابقون والمعاصرون؟

- معظم الدراسات العربية التي ظهرت عن بني إسرائيل، إما أن تقص القصة القرآنية فقط دون المواءمة مع الأحداث التاريخية، أو تنقل من المصادر الأجنبية المعتمدة على الرواية التوراتية، ولذلك تم تكرار معظم المعلومات التاريخية في تلك الكتب، وهذا ما حرصت على تجنبه في كتابي، حيث قدمت رواية جديدة موثقة.

> ما هو موقعُ القرآنِ الكريمِ كمصدرٍ في أبحاثِكم المتعلقةِ بالتاريخ القديم لبني إسرائيل، وكيف وازنتم بينه وبين المصادرِ التاريخيةِ والأثريةِ الأخرى؟

- من يقرأ القرآن جيداً، سيجد أن قصة بني إسرائيل تحوي تفاصيل دقيقة أكثر من التوراة، ولكن لغة القرآن البليغة تحتاج إلى وقت لفهمها، كما أن قصة بني إسرائيل في القرآن أتت في عدة سور، في حين أتت في التوراة متسلسلة، ولذلك لجأ معظم الباحثين إلى القصة التوراتية لسهولة النقل منها، ولأن المراجع الأجنبية تعتمد عليها، وبالتالي أصبحت هناك عملية نقل للمعلومات دون الاهتمام بما جاء في القرآن.

> هل يمكنُ اعتبارُ ما تطرحونه في هذين الكتابين محاولةً لتقديمِ قراءةٍ جديدةٍ أو إعادةِ نظرٍ في بعضِ فصولِ التاريخِ القديم للمنطقة؟

- ما طرحته في الكتابين هو دراسة تعتمد على ما ذكره كبار المؤرخين وعلماء الآثار، وما يقابله في القرآن الكريم، وما تحويه التوراة من المتشابه مع القرآن، وهذا الأمر احتاج مني فترة طويلة من الإنجاز، وسأكون سعيداً بفتح باب النقاش حول هذا الموضوع. وُلِدَ المؤرّخُ محمد فارس الفارس في إمارةِ الشّارقةِ عامَ 1960، ويشغلُ حاليّاً منصبَ رئيسِ قسمِ الجودةِ بإدارةِ التّعليمِ المستمرِّ في وزارةِ التّربيةِ والتّعليمِ والشّبابِ بدولةِ الإماراتِ العربيّةِ المتّحدة.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.