خليل النعيمي: أكتب رواياتي بمشرطي كطبيب جراح

الكاتب السوري المقيم في باريس لا يرى في الترجمة سبيلاً للعالمية

خليل النعيمي
خليل النعيمي
TT

خليل النعيمي: أكتب رواياتي بمشرطي كطبيب جراح

خليل النعيمي
خليل النعيمي

يقيم الكاتب السوري خليل النعيمي في باريس منذ عقود ومع ذلك يرفض الكتابة بغير العربية رغم إجادته الفرنسية؛ بسبب غرامه بلغة الضاد التي درس بها الطب والفلسفة في جامعة دمشق. ورغم نجاحاته المهنية في «مدينة النور» طبيباً جراحاً، فإن قلبه معلق بالهم السوري والعربي وهو ما يتجلى في معظم أعماله منذ روايته الأولى «الرجل الذي يأكل نفسه» وحتى روايته الأخيرة «زهر القطن»، مروراً بأعماله الأخرى مثل «قصاص الأثر»، و«تفريغ الكائن»، و«مديح الهرب» و«دمشق 67».

في هذا الحوار، يتطرق النعيمي إلى هموم التجربة الإبداعية، وولعه بالسفر والترحال الذي انعكس في عدد من أعماله وبخاصة كتابه الأحدث «أنا مكان».

* تواصل مسيرتك في أدب الرحلات والولع بالسفر من خلال كتابك الأخير «أنا مكان»... كيف تنظر إلى هذا العمل في سياق تجربتك الإبداعية عموماً؟

- إبداع الكاتب الحقيقي هو إبداعه في حياته، والكتابة هي جزء ضئيل من عملية الإبداع الأساسية هذه التي تمثلها حياتنا في أبعادها المختلفة. لكن إذا حاولنا أن نؤطِّر هذا الكتاب، فلا بد لي من القول إنه «زبدة» ما كتبت حول الأمكنة الكثيرة التي زرتها، لا من حيث اللغة وطريقة الكتابة فحسب، وإنما من حيث «وعي الكاتب بالأمكنة»، فالمكان ليس شيئاً آخر غير وَعينا به. ولكي ألخّص ما أقول، يكفي أن أعد أسماء الكتب السابقة، والأسماء ليست حيادية، كما تعلمين: «مخيلة الأمكنة»، و«كتاب الهند»، و«قراءة العالم»، و«الطريق إلى قونية» وأخيراً «أنا مكان».

* بما أن هذا الكتاب ليس الأول من نوعه في أدب الرحلات بالنسبة إليك، ما الجديد الذي يحمله «أنا مكان» مقارنة بما سبقه؟

- الأمكنة لا تنتهي والإحساس بجمالها، هو الآخر لا نهائيّ. وعبر الجمال المتجدد الذي يمنحنا إيّاه السفر، نستَخْلِق، نحن العابرين، مشاعر جديدة، أكثر إبداعاً، وأكمل بنية، وأعمق وَعْياً، ممْا نعيشه، وممّا عشناه، من قبل. تاريخ الكتابة، وإنجازها، يتعلّقان، بشكل متين، بتاريخ الكاتب الشخصيّ، الذي يتجلّى دائماً فيما يكتب. ومن منظور آخر، يمكن أن نقول إن الكتابة ليست تجميعاً إنشائياً، أو وصفاً جغرافياً للأمكنة والبشر الذين يعيشون فيها، إنها علاقة حميمة تتخلّق بين العابر والمقيم، علاقة تتعمّق إلى أن تغدو، بشكل أو بآخر، شبه تاريخية. نحن نسافر لأننا نحب الآخرين، ونفرح بأمكنتهم التي تعيدنا إلى مكاننا الأول.

* لكن، تحديداً، ما سر ولعك بالسفر و«هوسك» باكتشاف الأمكنة الجديدة؟

- بكلمة واحدة «الفَقْد». فَقْد المكان الأول الذي لم يكن باستطاعتي العودة إليه، بعد أن رحلتُ عنه بطريقة قسرية. وهو ما جعلني أكتب فيما بعد: «نحن لا ننفر من الأمكنة، وإنما من الفكر الذي يتحكّم فيها. نحن لا نستبدل مكاناً بمكان آخر، وإنما فكراً بفكر آخر. فالمكان كالكائن لا يمكن استبداله». وبتعبير آخر، كنت أبحث عن مكاني الأول في الأمكنة الأخرى التي أزورها، وهو ما استغرق مني وقتاً طويلاً لكي أدرك البعْد النفسي للفَقْد. كان السفر بالنسبة لي الملجأ الذي حماني من الانهيار.

* إلى أي حد انعكس هذا الولع على تجربتك الأدبية... هل المكان بطل أساسي في النص؟

- المكان شيء أساسيّ في تجربة الكتابة الروائية عندي، فهو على سبيل المثال «الشخصية الأساسية» في روايات «دمشق 67»، و«قَصّاص الأثَر» و«زهر القطن». وعلى العموم، فإن الكتابة، أياً كان شأنها، أو نوعها، في حاجة إلى «أرضيّة» تستند إليها. نحن لا نكتب عن السماء وإنما عن الأرض، الأرض التي نشأنا فوق ترابها، وتنفسنا هواءها، وأحببناها. وعندما نسافر تكون هي المعيار الذي نرى من خلاله أرض الآخرين التي ستغدو، سريعاً، أرضنا الأخرى. فمن لا يحب مكانه الأول، لن يحب أمكنة الآخرين، ولن يعني له السفر شيئاً.

* تجمع بين كل من الأدب والطب في ثنائية شهيرة تجلت أصداؤها عبر نماذج مدهشة، من أبرزها عالمياً أنطون تشيخوف وعربياً يوسف إدريس... كيف تنظر إلى تلك الثنائية من واقع تجربتك الشخصية؟

- أنا طبيب جراح، وأمارس الجراحة، مهنتي التي أعيش منها. أنا لم أكتفِ بدراسة الطب فقط، مثل كثير من الأدباء، وإنما أمارسه. والممارسة تطبع الكائن بضروراتها، وتعلّمه حتى ما لا يريد أن يتعلمه. أنا أقوم بعمليات جراحية عالية التخصص، تستغرق مني العملية الواحدة، أحياناً، ساعات عدة، وهو ما يعني الكثير، ثقافياً وحتى سلوكياً. من الجراحة تعلّمتُ الصبر، والمثابرة، والإتقان. منها تعلمت، أيضاً، أن عمل الكائن، أياً كان نوعه، يمثله. العمل يمثّل مَنْ ينجزه.

هذا ما حاولتُ، وأحاول باستمرار، أن أطبّقه على الكتابة، فالكتابة التي هي مجرّد حروف على الورق، لا تقلّ أهمية عندي، عن العمل الجراحي الذي أقوم به على الجسد الإنساني، والذي لا يقبل أي تنازل في أدائه. ففي الجراحة، كما في الكتابة، وفي الحياة، أقصد في السلوك والأفعال، ليس هناك شيء نافل. كل شيء مهم. والفعل أياً كانت نوعيته، يستحق الاهتمام نفسه، سواء أكان حركة المشرط الجراحي، أم حركة القلم على الورق.

* هل يمتلك المبدع القادم من خلفية طبية «حساسية إبداعية» مختلفة تميزه عن زملائه القادمين من خلفيات أخرى؟

هذا يتعلّق بنوعية المبدع، وبطريقة حياته. رد الفعل الإنساني، ليس واحداً ولا موحَّداً أمام الأشياء، والأوضاع، والظروف. هناك أمور عدّة تتدخّل في مسار الحياة، وبالتالي في الإبداع، بشكل خاص. نحن كلنا نعيش على سطح هذه الأرض، ولكن منْ يستطيع أن يعثر على اثنين «طبق الأصل»؟ لا أحد، بالطبع. المماثلة لا توجد إلا على الورق، وبإرادة السلطة، ولفترة محدودة جداً من الوقت.

أقول إن الحساسية الإبداعية مسألة شخصية بحتة، لكنها قابلة للتأثّر. وهي، مثلها مثل غيرها من الحساسيات الإنسانية الأخرى، عرضة للتحوّل والتغيّر المستمر. يبقى علينا أن نعترف بأن الحساسية الإبداعية ليست معطى جامداً، ولا هي نهائية. وهي ليست خلف المبدع، أي ليست متصلة بتاريخه، فقط. وإنما هي، باستمرار، أمامه، متعلّقة بسلوكه واعتباراته ومشاغله اليومية، وبمهنته، ومعارفه، حتى العابرين منهم، وقبل كل شيء، بقابليته للتغيّر. المبدع، بهذا المعنى، طاقة خلاّقة متبدّلة باستمرار. ولكن إلى أي حدّ؟ تلك هي النقطة التي يصعب تحديدها.

* رغم إقامتك في فرنسا منذ عقود، فإن الهمّ السوري العربي هو المهيمن على فضاءاتك الإبداعية... ما السبب وراء ذلك؟

- السبب في ذلك هو اللغة، علاقني باللغة العربية علاقة وجودية. أنا لا أستطيع أن أعيش ثقافياً من دون اللغة العربية. أنا درست الطب والفلسفة في جامعة دمشق العريقة باللغة العربية، وفي فرنسا، تخصصتُ في الجراحة، وتابعت دراسة الفلسفة المقارنة في جامعة السوربون حتى صرت «عضو الحمعية الجراحية الفرنسية»، و«جرّاح المستشفيات في فرنسا». وأمارس مهنتي باللغة الفرنسية، بالطبع.

لكن التعبير عن الإبداع له شأن آخر. لماذا؟ لأن الكائن مهما تقدم في العلم، وتعمّق في التخصص، يظل قريباً من مجاله العاطفي المرتبط بمكانه الأول. وأتصوّر أنني لو كتبت باللغة الفرنسية لكنت نسيت، بشكل من الأشكال، مَنْ كنتُ، ومن أين جئت، حتى ولو ظلتْ رائحة المكان الأول عالقة بي. أنا أكتب من أجل «مجتمعي»، وأعمل من أجل أن أكون مستقلاًّ عن جميع سلطات العالم. هناك، إذن، علاقة ارتباط لا انفكاك منها مع المكان الذي نشأت فيه. علاقة وجود أكثر مما هي علاقة مصلحة عابرة.

* ألم تفكر في الكتابة بالفرنسية بدعوى ما يعدُّه البعض «تحقيق حلم العالمية» والوصول إلى الآخر بلغته؟

- لم أفكّر بالكتابة بلغة أخرى، حتى ولو كنت أتقنها، وأمارسها في حياتي اليومية. إضافة إلى أن «مفهوم العالمية» عن طريق الترجمة مفهوم سخيف تماماً. هناك جوائز عربية مستلَبة بهذا المفهوم، تترجم كل كتب جوائزها إلى أكثر من لغة، وكلها ترجمات مدفوعة الثمن، مسبقاً، وهو ما أساء، ويسيء، إلى الإبداع العربي الحقيقي. ومع ذلك ليس هناك في الغرب الذي أعيش فيه أي صدى لهذه الترجمات التي سرعان ما تُنسى، وكأنها لم تكن.

العالمية جهد فردي، ليس هدفه الترجمة، وإنما نقد المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب. نقده بمعنى المساهمة في إغناء تراثه الثقافي الخاص، وعدم التردد في مقاومة العوآئق الأخلاقية والسلوكية والمعرفية التي تكبّل التحرر الاجتماعي.

* كانت بدايتك مع الشعر من خلال ديوان «صور من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث»، لماذا لم تستمر في المسار الشعري... ألا تشعر بالحنين إلى القصيدة؟

- في الحسكة كنت شاعراً، وفي دمشق صرت روائياً، وفي باريس كتبتُ «موت الشعر». أقصد أن الإبداع صيغة من صِيَغ المكان الذي نعيش فيه، أما مفهوم الحنين إلى القصيدة، فهو ما لم يخطر لي على بال. ومما يجدر ذكره أن ديواني المشار إليه في سؤالك مُنِع، وصودِر، ربما كان ذلك وراء تحوّلي إلى الرواية بشكل جذري، مع أن أول رواية لي «الرجل الذي يأكل نفسه»، مُنعت هي الأخرى.

* في هذا السياق، كيف ترى ظاهرة تحول الكثير من الشعراء العرب حالياً نحو كتابة الرواية بحثاً عن الأضواء والانتشار؟

- أنتِ قلتِ هذا: «بحثاً عن الأضواء والانتشار». هذا ما أعتقده أنا أيضاً. لكن المهم، رغم ذلك، هو الاعتراف العلني والصريح بحق المبدع في أن يمارس الفن الذي يعتقد أنه يلائم ذائقته ووقته وجهده وإمكاناته. وله كل الحق في أن يتنقّل من فن إلى آخر ما شاء، وسمحت له ظروفه. لا تخصص نهائياً في مجال الإبداع، ولا حظر لممارسته، بأي شكل من الأشكال. المهم، في النهاية، هي القيمة الإبداعية للعمل الفني، وليس شكله.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.