خليل النعيمي: أكتب رواياتي بمشرطي كطبيب جراح

الكاتب السوري المقيم في باريس لا يرى في الترجمة سبيلاً للعالمية

خليل النعيمي
خليل النعيمي
TT

خليل النعيمي: أكتب رواياتي بمشرطي كطبيب جراح

خليل النعيمي
خليل النعيمي

يقيم الكاتب السوري خليل النعيمي في باريس منذ عقود ومع ذلك يرفض الكتابة بغير العربية رغم إجادته الفرنسية؛ بسبب غرامه بلغة الضاد التي درس بها الطب والفلسفة في جامعة دمشق. ورغم نجاحاته المهنية في «مدينة النور» طبيباً جراحاً، فإن قلبه معلق بالهم السوري والعربي وهو ما يتجلى في معظم أعماله منذ روايته الأولى «الرجل الذي يأكل نفسه» وحتى روايته الأخيرة «زهر القطن»، مروراً بأعماله الأخرى مثل «قصاص الأثر»، و«تفريغ الكائن»، و«مديح الهرب» و«دمشق 67».

في هذا الحوار، يتطرق النعيمي إلى هموم التجربة الإبداعية، وولعه بالسفر والترحال الذي انعكس في عدد من أعماله وبخاصة كتابه الأحدث «أنا مكان».

* تواصل مسيرتك في أدب الرحلات والولع بالسفر من خلال كتابك الأخير «أنا مكان»... كيف تنظر إلى هذا العمل في سياق تجربتك الإبداعية عموماً؟

- إبداع الكاتب الحقيقي هو إبداعه في حياته، والكتابة هي جزء ضئيل من عملية الإبداع الأساسية هذه التي تمثلها حياتنا في أبعادها المختلفة. لكن إذا حاولنا أن نؤطِّر هذا الكتاب، فلا بد لي من القول إنه «زبدة» ما كتبت حول الأمكنة الكثيرة التي زرتها، لا من حيث اللغة وطريقة الكتابة فحسب، وإنما من حيث «وعي الكاتب بالأمكنة»، فالمكان ليس شيئاً آخر غير وَعينا به. ولكي ألخّص ما أقول، يكفي أن أعد أسماء الكتب السابقة، والأسماء ليست حيادية، كما تعلمين: «مخيلة الأمكنة»، و«كتاب الهند»، و«قراءة العالم»، و«الطريق إلى قونية» وأخيراً «أنا مكان».

* بما أن هذا الكتاب ليس الأول من نوعه في أدب الرحلات بالنسبة إليك، ما الجديد الذي يحمله «أنا مكان» مقارنة بما سبقه؟

- الأمكنة لا تنتهي والإحساس بجمالها، هو الآخر لا نهائيّ. وعبر الجمال المتجدد الذي يمنحنا إيّاه السفر، نستَخْلِق، نحن العابرين، مشاعر جديدة، أكثر إبداعاً، وأكمل بنية، وأعمق وَعْياً، ممْا نعيشه، وممّا عشناه، من قبل. تاريخ الكتابة، وإنجازها، يتعلّقان، بشكل متين، بتاريخ الكاتب الشخصيّ، الذي يتجلّى دائماً فيما يكتب. ومن منظور آخر، يمكن أن نقول إن الكتابة ليست تجميعاً إنشائياً، أو وصفاً جغرافياً للأمكنة والبشر الذين يعيشون فيها، إنها علاقة حميمة تتخلّق بين العابر والمقيم، علاقة تتعمّق إلى أن تغدو، بشكل أو بآخر، شبه تاريخية. نحن نسافر لأننا نحب الآخرين، ونفرح بأمكنتهم التي تعيدنا إلى مكاننا الأول.

* لكن، تحديداً، ما سر ولعك بالسفر و«هوسك» باكتشاف الأمكنة الجديدة؟

- بكلمة واحدة «الفَقْد». فَقْد المكان الأول الذي لم يكن باستطاعتي العودة إليه، بعد أن رحلتُ عنه بطريقة قسرية. وهو ما جعلني أكتب فيما بعد: «نحن لا ننفر من الأمكنة، وإنما من الفكر الذي يتحكّم فيها. نحن لا نستبدل مكاناً بمكان آخر، وإنما فكراً بفكر آخر. فالمكان كالكائن لا يمكن استبداله». وبتعبير آخر، كنت أبحث عن مكاني الأول في الأمكنة الأخرى التي أزورها، وهو ما استغرق مني وقتاً طويلاً لكي أدرك البعْد النفسي للفَقْد. كان السفر بالنسبة لي الملجأ الذي حماني من الانهيار.

* إلى أي حد انعكس هذا الولع على تجربتك الأدبية... هل المكان بطل أساسي في النص؟

- المكان شيء أساسيّ في تجربة الكتابة الروائية عندي، فهو على سبيل المثال «الشخصية الأساسية» في روايات «دمشق 67»، و«قَصّاص الأثَر» و«زهر القطن». وعلى العموم، فإن الكتابة، أياً كان شأنها، أو نوعها، في حاجة إلى «أرضيّة» تستند إليها. نحن لا نكتب عن السماء وإنما عن الأرض، الأرض التي نشأنا فوق ترابها، وتنفسنا هواءها، وأحببناها. وعندما نسافر تكون هي المعيار الذي نرى من خلاله أرض الآخرين التي ستغدو، سريعاً، أرضنا الأخرى. فمن لا يحب مكانه الأول، لن يحب أمكنة الآخرين، ولن يعني له السفر شيئاً.

* تجمع بين كل من الأدب والطب في ثنائية شهيرة تجلت أصداؤها عبر نماذج مدهشة، من أبرزها عالمياً أنطون تشيخوف وعربياً يوسف إدريس... كيف تنظر إلى تلك الثنائية من واقع تجربتك الشخصية؟

- أنا طبيب جراح، وأمارس الجراحة، مهنتي التي أعيش منها. أنا لم أكتفِ بدراسة الطب فقط، مثل كثير من الأدباء، وإنما أمارسه. والممارسة تطبع الكائن بضروراتها، وتعلّمه حتى ما لا يريد أن يتعلمه. أنا أقوم بعمليات جراحية عالية التخصص، تستغرق مني العملية الواحدة، أحياناً، ساعات عدة، وهو ما يعني الكثير، ثقافياً وحتى سلوكياً. من الجراحة تعلّمتُ الصبر، والمثابرة، والإتقان. منها تعلمت، أيضاً، أن عمل الكائن، أياً كان نوعه، يمثله. العمل يمثّل مَنْ ينجزه.

هذا ما حاولتُ، وأحاول باستمرار، أن أطبّقه على الكتابة، فالكتابة التي هي مجرّد حروف على الورق، لا تقلّ أهمية عندي، عن العمل الجراحي الذي أقوم به على الجسد الإنساني، والذي لا يقبل أي تنازل في أدائه. ففي الجراحة، كما في الكتابة، وفي الحياة، أقصد في السلوك والأفعال، ليس هناك شيء نافل. كل شيء مهم. والفعل أياً كانت نوعيته، يستحق الاهتمام نفسه، سواء أكان حركة المشرط الجراحي، أم حركة القلم على الورق.

* هل يمتلك المبدع القادم من خلفية طبية «حساسية إبداعية» مختلفة تميزه عن زملائه القادمين من خلفيات أخرى؟

هذا يتعلّق بنوعية المبدع، وبطريقة حياته. رد الفعل الإنساني، ليس واحداً ولا موحَّداً أمام الأشياء، والأوضاع، والظروف. هناك أمور عدّة تتدخّل في مسار الحياة، وبالتالي في الإبداع، بشكل خاص. نحن كلنا نعيش على سطح هذه الأرض، ولكن منْ يستطيع أن يعثر على اثنين «طبق الأصل»؟ لا أحد، بالطبع. المماثلة لا توجد إلا على الورق، وبإرادة السلطة، ولفترة محدودة جداً من الوقت.

أقول إن الحساسية الإبداعية مسألة شخصية بحتة، لكنها قابلة للتأثّر. وهي، مثلها مثل غيرها من الحساسيات الإنسانية الأخرى، عرضة للتحوّل والتغيّر المستمر. يبقى علينا أن نعترف بأن الحساسية الإبداعية ليست معطى جامداً، ولا هي نهائية. وهي ليست خلف المبدع، أي ليست متصلة بتاريخه، فقط. وإنما هي، باستمرار، أمامه، متعلّقة بسلوكه واعتباراته ومشاغله اليومية، وبمهنته، ومعارفه، حتى العابرين منهم، وقبل كل شيء، بقابليته للتغيّر. المبدع، بهذا المعنى، طاقة خلاّقة متبدّلة باستمرار. ولكن إلى أي حدّ؟ تلك هي النقطة التي يصعب تحديدها.

* رغم إقامتك في فرنسا منذ عقود، فإن الهمّ السوري العربي هو المهيمن على فضاءاتك الإبداعية... ما السبب وراء ذلك؟

- السبب في ذلك هو اللغة، علاقني باللغة العربية علاقة وجودية. أنا لا أستطيع أن أعيش ثقافياً من دون اللغة العربية. أنا درست الطب والفلسفة في جامعة دمشق العريقة باللغة العربية، وفي فرنسا، تخصصتُ في الجراحة، وتابعت دراسة الفلسفة المقارنة في جامعة السوربون حتى صرت «عضو الحمعية الجراحية الفرنسية»، و«جرّاح المستشفيات في فرنسا». وأمارس مهنتي باللغة الفرنسية، بالطبع.

لكن التعبير عن الإبداع له شأن آخر. لماذا؟ لأن الكائن مهما تقدم في العلم، وتعمّق في التخصص، يظل قريباً من مجاله العاطفي المرتبط بمكانه الأول. وأتصوّر أنني لو كتبت باللغة الفرنسية لكنت نسيت، بشكل من الأشكال، مَنْ كنتُ، ومن أين جئت، حتى ولو ظلتْ رائحة المكان الأول عالقة بي. أنا أكتب من أجل «مجتمعي»، وأعمل من أجل أن أكون مستقلاًّ عن جميع سلطات العالم. هناك، إذن، علاقة ارتباط لا انفكاك منها مع المكان الذي نشأت فيه. علاقة وجود أكثر مما هي علاقة مصلحة عابرة.

* ألم تفكر في الكتابة بالفرنسية بدعوى ما يعدُّه البعض «تحقيق حلم العالمية» والوصول إلى الآخر بلغته؟

- لم أفكّر بالكتابة بلغة أخرى، حتى ولو كنت أتقنها، وأمارسها في حياتي اليومية. إضافة إلى أن «مفهوم العالمية» عن طريق الترجمة مفهوم سخيف تماماً. هناك جوائز عربية مستلَبة بهذا المفهوم، تترجم كل كتب جوائزها إلى أكثر من لغة، وكلها ترجمات مدفوعة الثمن، مسبقاً، وهو ما أساء، ويسيء، إلى الإبداع العربي الحقيقي. ومع ذلك ليس هناك في الغرب الذي أعيش فيه أي صدى لهذه الترجمات التي سرعان ما تُنسى، وكأنها لم تكن.

العالمية جهد فردي، ليس هدفه الترجمة، وإنما نقد المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب. نقده بمعنى المساهمة في إغناء تراثه الثقافي الخاص، وعدم التردد في مقاومة العوآئق الأخلاقية والسلوكية والمعرفية التي تكبّل التحرر الاجتماعي.

* كانت بدايتك مع الشعر من خلال ديوان «صور من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث»، لماذا لم تستمر في المسار الشعري... ألا تشعر بالحنين إلى القصيدة؟

- في الحسكة كنت شاعراً، وفي دمشق صرت روائياً، وفي باريس كتبتُ «موت الشعر». أقصد أن الإبداع صيغة من صِيَغ المكان الذي نعيش فيه، أما مفهوم الحنين إلى القصيدة، فهو ما لم يخطر لي على بال. ومما يجدر ذكره أن ديواني المشار إليه في سؤالك مُنِع، وصودِر، ربما كان ذلك وراء تحوّلي إلى الرواية بشكل جذري، مع أن أول رواية لي «الرجل الذي يأكل نفسه»، مُنعت هي الأخرى.

* في هذا السياق، كيف ترى ظاهرة تحول الكثير من الشعراء العرب حالياً نحو كتابة الرواية بحثاً عن الأضواء والانتشار؟

- أنتِ قلتِ هذا: «بحثاً عن الأضواء والانتشار». هذا ما أعتقده أنا أيضاً. لكن المهم، رغم ذلك، هو الاعتراف العلني والصريح بحق المبدع في أن يمارس الفن الذي يعتقد أنه يلائم ذائقته ووقته وجهده وإمكاناته. وله كل الحق في أن يتنقّل من فن إلى آخر ما شاء، وسمحت له ظروفه. لا تخصص نهائياً في مجال الإبداع، ولا حظر لممارسته، بأي شكل من الأشكال. المهم، في النهاية، هي القيمة الإبداعية للعمل الفني، وليس شكله.


مقالات ذات صلة

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

ثقافة وفنون تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

كشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.