أين «رومانسية» مؤنس طه حسين و«إسلامه»؟

لم تترجَم رسالته لنيل الدكتوراه ولا مذكراته ذات الصفحات الثمانمئة عن أبيه

طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس
طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس
TT

أين «رومانسية» مؤنس طه حسين و«إسلامه»؟

طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس
طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس

هناك «لحظات» أدبية قضاها طه حسين أيام الشباب، بين أدباء الغرب وقراء الشرق، منذ حصل على الدكتوراه الفرنسية، عاملاً على كسر طوق العزلة الثقافية، لتفعيل الصلة العقلية بين الشرق والغرب، فيتواصل الأدب العربي المعاصر بالآداب الأوروبية - الفرنسية خاصة؛ نقلاً وترجمة وتعريفاً بأدبائهم، دون تهالك على هذه الآداب بما يغني فيها الأديب هويته، ضارباً المثل بنفسه، كما جاء في كتابه «لحظات» الصادر سنة 1942، فهو حين ينشر مقالاته التعريفية بأدباء فرنسا وشعرائها ومسرحييها -بول فاليري أنموذجاً- في أيام الآحاد من سنة 1922، فإنه ينشر في أيام الأربعاء منها فصولاً في الأدب العربي -يزيد بن مفرغ الحميري أنموذجاً- موازناً بين إحياء القديم وإثراء الحديث، وبين ما يقدَّم ويترجَم عن الإغريقية القديمة والآداب الأوروبية الحديثة... متفاعلاً منذ كان أول أمره في باريس مع ما تصدره مطابعها من كتب، ومعجباً بما تعرضه الأوبرا من مسرحيات.

بهذا عبَّر في مقالته المنشورة في كتابه «ألوان» عن روي بلاس، وهي قصة تمثيلية شعرية من تأليف فيكتور هوغو، ملتذَّا بما يسمع، لأن الممثل نابغة في التمثيل، ولأن الشاعر نابغة في الشعر، صاعداً مع هوغو في سماء الجمال الفني، وهو يصور الصراعات السياسية بين الملكيين والجمهوريين، في أعقاب الثورة الفرنسية، حيث «تناصَّت» رواية طه حسين «المعذبون في الأرض» ورواية فيكتور هوغو «البؤساء» تناصّاً فنيّاً في الموضوع البائس والأبطال البائسين، مما جعل بعض نقاد الأدب المقارن يقفون عند إعجاب طه بفيكتور إعجاباً بلغ حد التأثر، وهو ما ورثه د.مؤنس طه حسين عن أبيه.

هذا الافتتان بهوغو هو ما جعل مؤنس، المنغمس في صميم الأدب الفرنسي، يخصُّ روائيَّ فرنسا وشاعرَها بمقال مطوَّلٍ في كتابه المترجَم «ملامح فرنسية» الصادر من «مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري» سنة 2006، بعنوان «فيكتور هوغو في الشرق». فهل هذا المقال ذو الصفة الأكاديمية، فصلٌ منتزَعٌ من أطروحته الأكاديمية للدكتوراه في جامعة السوربون عن «الرومانسية الفرنسية والإسلام»؟ فالمعروف أنه قد صدر لمؤنس كتاب بهذا العنوان عن «دار المعارف» ببيروت سنة 1962، لا «دار المعارف» بالقاهرة التي نشرت معظم كتب والده.

أما مقال مؤنس ذاك، فقد تمحور حول ديوان «الشرقيات» لهوغو «بعد خروجه من المطهر الثقافي إلى الهواء الطلق». ورغم عدم اعتبار مؤنس هذا الديوان تحفة فنية، فإنه ينبري للكتابة عنه بتحليل نقدي متقصٍّ لتجربة هوغو الشعرية، بوصفه مصرياً من الشرق العربي، محاولاً إبراز ما انطوى عليه وجدان هوغو المسحور بعالم الشرق، متأثراً بما كتبه الأديب الفرنسي فرنسوا رينيه دي شاتوبريان في رحلة حجه المسيحي «الطريق من باريس إلى القدس» بين سنتَي 1806 و1807. وقد ألهبت مخيلته «ألف ليلة وليلة» بترجمة أنطوان غالان المبكرة، وكذلك ما تناهى إلى مجتمع النخبة الباريسية من رحلات الفرنسيين إلى الشرق العربي، وصور رساميهم (أوجين ديلاكروا) بعد الحملة البونابرتية على مصر سنة 1798 التي تركت آثارها في ثقافة فيكتور هوغو وخياله الخصب، حيث أصبح الشرق ملهماً له ولشاتوبريان قبله وجيرار دي نرفال بعده في كتابه الضخم المثير «رحلة إلى الشرق». لقد خصَّه مؤنس بمقال في أواخر كتابه عنونَه بـ«جيرار دي نرفال وليالي رمضان»، إذ حطَّ الأخير رحاله المكتظة بكتب وقواميس في إسطنبول، مستطيباً قضاء الشهر الإسلامي المتألق فيها بصلوات الأتراك والحافل بأطباق موائدهم الشهية، منبهراً بمنظر مَغيب الشمس وراء المساجد، هذه التي بهرت قبله فيكتور هوغو بمعمارها الهندسي البديع في الأندلس، معتبراً إسبانيا التي زارها من الشرق، وكان قد التحق بوالده الضابط في جيش جوزيف بونابرت بمدريد، بعدما تعلم هوغو اللغة الإسبانية منذ صغره واطَّلع شابّاً على أدبها.

طه حسين

هذا ويذهب مؤنس طه حسين إلى أنه قبل حرب البلقان كان هوغو يرى في اليونان جغرافيا التوازن الأوروبي مع الشرق العربي والإسلامي، عندما مال ميزان القوى لصالح القسطنطينية العثمانية، «فإذا بالقارة الأوروبية تميل كلها إلى الشرق»، حسبما ترجم مؤنس مقدمة هوغو لديوانه «الشرقيات». وقد تأثر بثقافة دوائر الاستشراق في بلده، منذ أسس سيلفستر دي ساسي مدرسة اللغات الشرقية في باريس سنة 1821، متصوراً -أي مؤنس- إمكانية قراءة فيكتور هوغو للقرآن الكريم وفق ذاك.

هذا الموضوع الجدليّ هو ما اهتم به القنصل الفرنسي في جدة لويس ميلان -مؤخراً- بعدما لاحظ تكرار ذكر القرآن الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عشرات المرات في أثناء قراءته ديوان «أسطورة القرون» لفيكتور هوغو -كما ذكر ذلك في حديث صحافي حول كتابه «فيكتور هوغو والإسلام».

لهذا كان بحثي عن كتاب د.مؤنس طه حسين آنف الذكر «الرومانسية الفرنسية والإسلام»، بحثاً دؤوباً للقراءة المقارنة بين ما كتبه وما توصل إليه لويس ميلان من نتائج يبدو أنها متشابهة... كما أن أطروحة مؤنس هذه لا تبتعد عمَّا دعا إليه والده من قبل، في التثاقف العربي - الفرنسي بين الشرق العربي الإسلامي والغرب الأوروبي المسيحي... إلا أن بحثي عن كتاب مؤنس المفقود لم يُسفر عن نتيجة، متسائلاً بمرارة عن السبب وراء إهمال ما كتبه ابنُ عميد الأدب العربي، الذي تنبئ قراءة كتابه «ملامح رومانسية» بتملكه أطروحة فكرية وتمتعه بذكاء نقدي، فلا رسالته لنيل الدكتوراه تُرجمت ونُشرت، ولا كذلك مذكراته ذات الصفحات الثمانمئة عن أبيه، التي وعدت وزارة الثقافة المصرية بترجمتها ونشرها، ما عدا مقدمته لها التي نشرتها له مجلة «وجهات نظر» قبل وفاته بقليل في عددها الستين يناير 2004 بعنوان «أبي طه حسين»، مؤكداً فيها «كان من المأمول أن يصبح والده مجرد قارئ للقرآن الكريم، لكن سرعان ما أظهر ذكاء فائقاً وخصالاً ممتازة، وكذا استطاع أن يفلت من مصيره».

هل كان مؤنس يقصد بهذا الإفلات من تأثير والدته سوزان، المتشبثة بفرنسيتها حتى آخر رمق في حياتها الطويلة مع والده، كما تجلَّت في إبداعها السردي الممتع «معك» وهي تروي قصة حياتها مع طه حسين، الذي أحبها وفُتن بها أيَّما افتتان، بل كانت النور الذي أبصر به مجريات حياته، لكن بمنظاره هو، فقد أخذت قراءته اليومية للقرآن بمجامع قلبه المفعم وفكره النير وأدبه البليغ.

أختم بأملي المعقود على من يُرجَى منه، بعث ما تركه مؤنس طه حسين، من عناكب الإهمال ووحشة النسيان، فلا أجد سوى مَن كتب عن أبيه أروع ما كتب... أعني زميل عمله في منظمة «اليونسكو» بباريس، صديقه الباحث الجادّ عبد الرشيد الصادق محمودي.


مقالات ذات صلة

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

ثقافة وفنون  بدرية البشر

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون «دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي،

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار

يتحدث الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، في نص له شبه مجهول، عن فارسين اثنين يلتقيان صدفة عند أحد مفترقات الطرق الأندلسية. وإذ يسأل أحدهما الآخر: «من أين أنت قادم؟»،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شجرة الحياة في ديوان قصر هشام نواحي أريحا

شجرة ديوان قصر هشام

تحوي البادية الفلسطينية سلسلة من المواقع الأثرية تعود إلى العهد الأموي، أعظمها شأناً قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة.

محمود الزيباوي

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر
TT

السينما... هل هي حقاً طفيلي يقتات على الأدب؟

 بدرية البشر
بدرية البشر

قبل البدء في الكتابة، شاهدت للمرة الثانية الفيلم «الساعات، 2002» المبني على رواية «الساعات، 1998» للروائي الأميركي مايكل كننغهام. وحمدت الله على إخفاقي في العثور على النسخة الورقية منها، كما لم تنجح النسخة الإلكترونية في إغرائي بقراءتها، لأنني لم أكن، في الحقيقة، في حاجة إلى قراءة رواية كننغهام مرة ثانية؛ فهذه المقالة ليست قراءة تأويلية، أو تحليلية، أو بنيوية، أو تفكيكية، أو تشريحية، لا للرواية، ولا للفيلم... أما مشاهدة الفيلم فكانت تنفيذاً لفكرة خطرت في ذهني خلال استرجاع بعض ما تضمنته مقالة فرجينيا وولف المنشورة مرتين بالعنوانين «السينما»، و«السينما والواقع»، وفيها تكشف وولف عدم تقبلها لظاهرة تكييف/ ترجمة الروايات لأفلام سينمائية. على سبيل الدعابة، أقول إن من يشاهد «الساعات» على خلفية تلك المقالة قد يعتقد أن الفيلم نكاية بوولف، وأنه رد السينما عليها ولو بعد عقود من وفاتها؛ بينما هو، في الواقع، إيماءة تقدير للروائية والرواية «السيدة دالاوي» مثلما أن رواية «الساعات» هي أيضاً كذلك.

سلسلة من الانقضاضات

صحيح أن السينما «انقضّت» من قبل على روايات وولف «السيدة دالاوي»، و«أورلاندو» و«الأمواج»، و«إلى المنار»، لكن انقضاضها على الرواية «الساعات» شيء آخر له أبعاد ودلالات مهمة بالنسبة للمقالة. واسترسالاً بفكرة الانقضاض، يمكن الكتابة أن «الساعات»، الرواية، قامت في الأصل على مشروع انقضاض على «السيدة دالاوي» الرواية، والشخصية، وعلى قصة حياة وولف نفسها. فالروائية التي لا تتقبل تحويل الروايات إلى أفلام، أصبحت، ويا للمفارقة، شخصيةً سينمائية (نيكول كدمان) في فيلم هو بحد ذاته نتيجة انقضاض على روايتها. لقد أدركت السينما وولف ورواياتها وكانت قد خالت أن «المنتأى» عن السينما واسع وأبدي! يتضح سبب استخدام المفردات «انقضّ ومشتقاتها» لاحقاً.

موقف وولف من السينما

في 3 يوليو (تموز)، و4 أغسطس (آب) 1926، نُشِرَتْ مقالة وولف بالعنوانين المذكورين سابقاً في صحيفة «The Nation and Athenaeum» البريطانية، ومجلة «The New Republic» الأميركية على التوالي. أعتقد أن موقف وولف من السينما وما كتبته عن صناع الأفلام كانا السبب، أو ربما أحد الأسباب التي أبقت السينما بعيدة عن رواياتها، وقد يفسر لماذا لم تخطر ببال أحد فكرة ترجمة إحدى رواياتها سينمائياً وهي على قيد الحياة، رغم صدور رواياتها المذكورة آنفاً في فترة شهدت تجذر وترسخ التكييف ممارسة، ومصدراً للقصص، والحكايات. لا يُعَبِّرُ ما ذكرته وولف عن السينما ونشوء علاقتها المبكرة بالأدب عن موقف مضاد للسينما؛ إنما هو انتقاد للسينمائيين لاعتمادهم على الأدب، ومحاولة محاكاته بدلاً من تطوير أدواتهم، والإمكانات التعبيرية لفنهم، وخلق لغة خاصة بالسينما. وتشير وولف إلى عدم رضا صناع الأفلام عن «المصادر الواضحة للإثارة، مثل مرور الزمن، وإيحائية الواقع» بالإضافة إلى ازدرائهم لما حولهم، مثل «تحليق النوارس، والسفن على التيمز، وأمير ويلز، وطريق مايل إند، وميدان بيكاديللي». إن لديهم، من دون شك، طموحاً ورغبة في ابتكار وتطوير فن خاص بهم، هذا بحد ذاته مشروع، وطبيعي، بيد أنهم يميلون إلى السهولة تحت إغراء فنون عديدة تحيط بهم، وتلهمهم بأفكار، وحكايات.

وتشير وولف إلى الروايات الشهيرة على نحو خاص، مضيفةً أن السينمائيين يرونها في حالة انتظار للنقل إلى الشاشة الصامتة آنذاك. وتكتب متسائلةً: «ما الذي يمكن أن يكون أسهل وأبسط من ذلك؟ هكذا انقضّت السينما على فريستها بشراهة هائلة ولا تزال... تقتات على جسد ضحيتها سيئة الحظ». من هنا جاء الانقضاض فكرة، ولفظاً.

التكييف والتحويل

على الرغم من عدم احتواء المقالة ما يوحي بازدرائها واعتبارها في منزلة أدنى من الأدب، فإن دعوة وولف للسينما إلى التخلص مما تعده طفيليةً تثيرُ الاستغراب، نظراً لأن ما كان يفعله السينمائيون، في زمانها وبعده، ليس جديداً، وله تاريخ طويل يمتد في ماضي المجتمعات الغربية وثقافاتها. في هذا الصدد، تذكر ليندا هتشيون في «نظرية التكييف»، أن ظاهرة «التكييف/ التحويل» ليست جديدة؛ فــقد «نقل شكسبير قصص الثقافة من الصفحة إلى خشبة المسرح، وجعلها متوفرة لجمهور متلقين جدد. وأعاد إسخيلوس وراسين وغوته ودا بونتي روي قصصاً مألوفة في أشكال جديدة» (2). وتشير في موضع آخر إلى أن الفيكتوريين اعتادوا تحويل كل شيء تقريباً: قصص، روايات، مسرحيات، وأوبرات، ولوحات، وأغانٍ ورقص. يبدو أن كل شيء كان قابلاً للتحويل من شكل إلى آخر في نظر الفيكتوريين. وما لم تقله هتشيون هو أن السينما، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كانت تقتدي بالمسرح، أو هكذا أظن؛ فبالنظر إليه بعيون وولف، فإن المسرحي، وليس صانع الأفلام، هو الطفيلي المعلم والقدوة بنقله الروايات الإنجليزية المبكرة إلى خشبة المسرح، مثل «روبنسون كروسو» لدانيال ديفو، و«باميلا» لصاموئيل ريتشاردسون، و«توم جونز» لهنري فيلدينغ، أما روايات تشارلز ديكنز فكانت تُكيف للمسرح فور نشرها.

الرواية على مسارح «برودواي» و«بارك رو»... تأويل مبني على تأويل

في سياق سرده قصة نشوء علاقة الصبي هنري جيمس بالفنون والأدب، وشغفه بهما، يروي فرِدْ كابلان في الفصل الأول من السيرة الغيرية «هنري جيمس: خيال العبقرية، 1999»: «بالنسبة للصبي الصغير، لم تقتصر هيمنة ديكنز على الروايات، إنما على خشبة المسرح أيضاً. وكان هنري الأب... يصرّ على أن يكون ارتياد المسرح تجربةً عائلية، وأن يتعرف أطفاله منذ نعومة أظفارهم على الترفيه الثقافي.... أما هنري الصغير، فقد كان المسرح بالنسبة إليه سحر، ومشهدية رائعة، ودراما، ولغة، وغناء». (23) ويذكر كابلان أن هنري الصغير شاهد في مسارح «برودواي» و«بارك رو» مسرحيات مبنية على العديد من روايات ديكنز، خصوصاً «نيكولاس نِكلبي»، ومسرحيات مبنية على رواية «كوخ العم توم» التي ترجمت مسرحياً بُعَيْدَ نشرها.

في ضوء ما سبق، ليس مستغرباً أن يكون الفيلم الصامت «غاتسبي العظيم، 1926» مبنياً على المسرحية «غاتسبي العظيم، 1926». المسرح سبق السينما إليها، فالفيلم ترجمة سينمائية مبنية على ترجمة مسرحية؛ تأويل مبني على تأويل يمثل قراءة خاصة للنص «الأصل». اللافت أن المسرحية والفيلم أُنجزا في نفس العام الذي نُشِرَتْ فيه مقالة وولف (1926).

غاتسبي العظيم... حكاية التكييف عابر الوسائط

كان المخرج هربرت برينون سريعاً في «انقضاضه» على رواية فيتزجيرالد، فكأنه كان ينتظر صدورها ليظفر بفرصة إخراجها، لتضاف إلى قائمة الترجمات السينمائية الأخرى لعدد من نصوص فيتزجيرالد (رواية وأربع قصص) سبقت «غاتسبي العظيم» إلى الشاشة الصامتة. وتمثل الترجمتان المسرحية والسينمائية لـ«غاتسبي العظيم» بداية لمتوالية طويلة من التكييفات استمرت من 1926 إلى 2024 في قائمة اشتملت على طيف عريض من الفنون: مسرحيات، أفلام، مسرحيات إذاعية وتلفزيونية، مسرحيات استعراضية، أوبرا، وباليه، وعدة نسخ من روايات مصورة «graphic novels»، وألعاب فيديو. طاف بعض هذه الأعمال ببلدان مثل بريطانيا، وآيرلندا، وأستراليا، ومنها ما أنتج خارج الولايات المتحدة، مثل الباليه «غاتسبي العظيم» التي أنتجتها وقدمتها «شركة هونغ كونغ للباليه» في 2019.

إن «غاتسبي العظيم» نموذج دال على أن التكييف لا يقتصر على تحويل الرواية إلى فيلم فقط؛ إنه أوسع مجالاً من ذلك، ومتعدد بتعدد الأجناس، والأشكال الفنية، ووسائط السرد. بكلمات أخرى، التكييف ظاهرة عابرة للوسائط «transmedial phenomenon»، وتمنح النص فرصة لحياة، أو فرص حيوات إضافية، ومتعددة بتعدد مرات تكييفه، وتهيئ له مناخات، وفضاءات تلقٍ، وأنماط تفاعل «modes of engagement» مختلفة يفرضها نوع الوسيط، وخصائصه، وإمكاناته التعبيرية. ومن البديهي ازدياد النص المُكَيَّف شهرةً وانتشاراً. فرواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» -على سبيل المثال المحلي- أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل. وستتسع شهرتها بعبورها إلى وسائط أخرى عند ترجمتها مسرحياً، أو بصدورها نسخة مصورة، أو بنسخة سينمائية جديدة أفضل من السابقة التي كانت جزءاً من مشروع الغلاف الثالث. تلك كانت تجربة لا يمكن وصفها بـأنها «رائعة!!».

والأسئلة: لم لا تدخل روايات سعودية أخرى تجربة التكييف ولو لمرة واحدة، أو التكييف عابر الوسائط «transmedial adaptation» ؟ ما الذي يمنع ذلك؟ وماذا سيحدث؟

*كاتب وناقد سعودي

رواية بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» أوسع شهرة الآن مما كانت عليه قبل تحويلها إلى مسلسل


«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب
TT

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

«دراما كوين»... نساء يعالجن ندوب الروح باللعب

تتمحور رواية «دراما كوين»، للروائية المصرية نهلة كرم، حول 6 نساء، يمثلن عصب الرواية ومرتكزها، وكل واحدة منهن لها أزماتها الوجودية والنفسية والجسدية، تجمعهن صالة ألعاب رياضية، حيث يمارسن فيها رياضة «رقصة البول»، وفي هذه اللعبة تلتف كل لاعبة حول عمود معدني في وسط الغرفة تتمسك به وترقص، وسط مخاوف من الانزلاق والسقوط من أعلاه. هذه اللعبة التي تسبب لكل منهن وجعاً جسدياً في البداية، وتترك في الجسد ندوباً وكدمات، لكنها مع ذلك تكون سبباً في تعافي الروح؛ إذ تطغى الأوجاع التي تخلفها اللعبة على أوجاعهن القديمة، وتمنح أجسادهن كتلاً عضلية تجعلهن قادرات على تخطي الألم الجسدي واحتماله، وبالقدر نفسه تمنح أرواحهن قوة على المواجهة، وثقة بالنفس، ما يمنحهن قدرة على مواجهة مخاوفهن والندوب الروحية والنفسية اللصيقة بكل منهن، منذ فترة الطفولة أحياناً.

الرواية، الصادرة عن الدار المصرية - اللبنانية في القاهرة، لا تكتفي بأن تجعل صالة الألعاب مجرد فضاء مكاني تدور فيه الأحداث؛ بل تصوغ هذا المكان بوصفه محركاً سردياً لمصائر الشخصيات، وفاعلاً في تحولات حياة كل منهن، فالمكان هنا ليس مجرد صالة رياضية تمارس فيها الشخصيات المروي عنها نشاطاً رياضياً، بل تتحول العلاقة مع العمود المعدني (البول) إلى علاقة نفسية، فيغدو رفيقاً ومعالجاً نفسياً وصديقاً بديلاً، ورغم معدنيته وصلابته، فإنه أقل قسوة من البشر الذين تعاملت معهم هذه الشخصيات في الخارج، ويساعدهن في التطور والتنامي العضلي والعقلي والروحي؛ فالمكان هنا ملاذ، وفضاء للتعافي، وهو المركز الذي تلتقي فيه هذه الشخصيات متفاوتة الانتماء الطبقي، لكن كلهن يهربن إلى هذه الصالة، من تاريخ شخصي ضاغط.

لكل شخصية مشكلاتها النفسية القديمة، بدءاً من «غادة»، التي تتأذى من فقر عائلتها وإقامتها في منطقة شعبية فقيرة، وحتى عندما أصبحت طبيبة لم تتمكن من الارتقاء طبقياً، فقد أصابتها الذئبة الحمراء بفشل كلوي، واضطرت إلى إجراء جراحة زراعة كلى، فتشعر بأن جزءاً من جسدها غريب عنها، وينتمي إلى شخص آخر، فضلاً عن إحساسها بالخجل من الندوب الواضحة في جسدها إثر هذه الجراحة. أما «شيماء»، رغم ثراء عائلتها، فتعاني من النبذ بسبب بدانتها المفرطة، بداية من إحساسها بأن والدها ووالدتها يخجلان من بدانتها، مروراً بتنمر زميلاتها ومدرسيها عليها في طفولتها ومراهقتها، وصولاً إلى استغلال حبيبها لها باسم الحب وسرقة إبداعها، ثم معايرتها ببدانتها والتخلي عنها.

الشخصية الثالثة، «ليلى»، تعيش بعقدة قديمة منذ طفولتها المبكرة، جراء هجر والدها لوالدتها، وزواجه من أخرى، فصارت تخشى أن تصبح مثل أمها، وتعاني من هجر حبيبها لها، فتورطت في علاقات متعددة مع رجال متزوجين، مدفوعة برغبة نفسية دفينة في أن تكون مثل زوجة الأب المرغوب فيها، وليس الأم المرغوب عنها. أما «ريم» فمنذ طفولتها تعاني من سفر أبيها بحثاً عن المال، وموته في الغربة، وبخل أمها وجشعها المادي، ثم زواج ريم بأمر أمها من رجل ثري، اكتشفت بعد ذلك أنه عنين، وكان يضربها بقسوة وعنف كل ليلة تاركاً ندوباً في كل جسدها. الشخصية الخامسة «حلا»، صاحبة الصالة الرياضية، تعاني من كراهية كل من ينافسها، وتشعر منذ طفولتها بأنها ليست جميلة، خصوصاً بعد وفاة والدتها متأثرة بالسرطان، وزواج والدها من امرأة أخرى، لديها ابن وابنة، فكانت حلا تغار من ابنتها وتدبر لها المكائد، لمجرد أنها جميلة وشعرها طويل، مقارنة بشعر حلا التي تخشى من سقوطه كما حدث مع أمها في أيامها الأخيرة.

تتبقى شخصية واحدة هي «فريدة»، مدربة اللعبة، الأكثر بروزاً في الرواية، والمعادل لعمود البول، فهي عمود الرواية، وكل آلام اللاعبات تصب عندها، وتدور حولها، فهي الأكثر شعوراً بآلام كل متدربة، وتعرف أنهن لم يأتين لمجرد اللعب والرياضة؛ بل للتغلب على آلام أكثر قسوة، ومحاولة تجاوزها والتعافي منها، حيث تمتلك من الرهافة وحدة الشعور ما يجعلها تنصت للألم والأوجاع الكامنة داخل كل متدربة، رغم أن أزمتها أنها تعاني من متلازمة عدم الشعور بالألم منذ ولادتها، فلو اشتعلت بها النيران أو انجرحت بسكين أو انكسرت قدمها فلن تشعر بألم، لذا كانت أمها تحبسها في البيت، وكثيراً ما كانت تقيدها بالحبال في كرسي، حتى لا تؤذي نفسها دون أن تشعر بألم جسدي، وينتهي بها المطاف للموت، فللألم إيجابياته، ويجعل من يشعر به يبتعد عن مصدر الأذى، لكن لو انتفى هذا الشعور بالألم فسيتمادى الشخص دون أن يعي، حتى يموت.

قسمت الكاتبة روايتها إلى عدة فصول، كل منها يحمل اسم إحدى الرقصات على البول، مثل «brass monkey» و«butterfly»، و«drama queen»، و«hello boys»، و«suicide spin»، ويبدو اسم كل فصل ولعبة دالاً على أزمة الشخصية المحكي عنها داخله، فهذه الرقصات أو الألعاب موظفة فنياً لتتناسب مع أزمة كل شخصية، والنجاح في اللعبة يأتي متناغماً مع تجاوز الأزمات. وكل فصل ينقسم إلى قسمين؛ الأول يحمل اسم إحدى الشخصيات، وتروي فيه حكايتها مكتملة، منذ طفولتها حتى تعافيها تماماً من أوجاعها، والقسم الثاني عن فريدة، التي تأتي حكايتها مجزأة عبر كل الفصول، ومتخللة كل الحكايات؛ فهي مركز الحكي، وهي الوحيدة التي تسرد حكايتها بضمير المتكلم، في حين أن كل الشخصيات الخمس الأخرى تحكي عنهن الساردة بضمير الغائب، عبر تقنية الراوي العليم.

تبدأ حكاية كل بطلة من وجودها في صالة الرقص، ثم تعود الساردة عبر تقنية الاسترجاع إلى تاريخ المحكي عنها، لنتعرف على حكايتها منذ طفولتها، وكيفية وصولها إلى هذه الصالة الرياضية، ومعاناتها في البداية مع اللعبة التي تبدو عنيفة وصعبة عليهن، ويبدو التوازي بين الانزلاق والسقوط من على عمود اللعبة والسقوط في الحياة والأوجاع، ثم التمرس والصعود في مستويات اللعبة والارتفاع بعيداً عن الأرض، بالتوازي مع الانفلات من جاذبية الماضي وأوجاعه القاسية التي تؤدي للانهزام. لذلك، يبدو الزمن داخل هذه الصالة الرياضية منبت الصلة بالزمن خارجه، فهو زمن للمتعة والتعافي والتجاوز، في حين أن الزمن خارجها يبدو زمناً للآلام.


«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»
TT

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

«الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»

يقدم كتاب «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية»، للباحث والأكاديمي الأردني دكتور أحمد زهير رحاحلة، مقاربة جديدة إلى النقد الروائي العربي، من خلال التركيز على جانب أسلوبي وسردي لم يحظَ بالكثير من الدراسات المستقلة، فاتحاً المجال أمام قراءات جديدة تهتم ليس فقط بما تقوله الرواية، بل بكيفية قولها، وبالطرق التي تتشكل بها علاقتها بالقارئ والثقافة والنص.

ويرى الناقد والأكاديمي المغربي دكتور سعيد يقطين في تقديمه للكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) أن رحاحلة «انفرد بنظره فيما باتت تعرفه الرواية العربية منذ الألفية الجديدة، وما صارت تزخر به من استطرادات ثقافية وزخرفة معرفية»، مشيراً إلى أن الكتاب ينطلق من «تصور دقيق للرواية يبحث فيها عما هو زائد وفائض، ولا يخدم النص الروائي بالطريقة الملائمة التي تجعله نصاً جديراً بالقراءة بلا استطرادات زائدة، أو زخرفة معرفية فائضة».

ويقول يقطين إن خصوصية الدراسة تكمن في تجاوزها القراءات التي تركز على المحتوى المعرفي أو الثقافي الذي ترتبط به الرواية، متجهة إلى فحص طريقة اشتغال هذه العناصر داخل النص، ومدى إسهامها في بناء العمل الروائي وجمالياته، مشيراً إلى أن الباحث أفاد في تحقيق أهدافه من التحليل البنيوي للسرد، ومن جماليات التلقي، لتأتي الدراسة بوصفها مقاربة «سردية - أسلوبية» يمكن أن تشكل مدخلاً إلى تطوير فهم السرد وتحليله من جهة الأساليب التي يقدمها النص الروائي.

ينطلق كتاب رحاحلة من رؤية ترى أن الرواية جنس أدبي مفتوح على التجريب والتحول، وأن حريتها في استيعاب مختلف الخطابات والمعارف لا تعني غياب الحاجة إلى الوعي الفني، إذ إن نجاح أي تقنية سردية يرتبط بقدرتها على أداء وظيفة داخل العمل الإبداعي، لا بمجرد حضورها أو كثافتها.

ويبحث الكتاب في ظاهرة «الاستطرادات الثقافية» التي أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الروايات العربية الحديثة، حيث يلجأ الكاتب إلى إدخال موضوعات معرفية متنوعة مثل التاريخ والفلسفة والفنون والعلوم والأفكار العامة، ضمن النسيج الروائي، مركزاً على السؤال الأساسي، وهو: «متى يصبح هذا الحضور الثقافي إضافة فنية للنص؟ ومتى يتحول إلى فائض يشتت القارئ ويضعف الحركة السردية؟».

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، يحمل الفصل الأول عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار النظري»، وهو فصل تأسيسي يتناول مفهوم الاستطراد الثقافي من خلال تتبع نشأته ومقارباته النقدية، وينقسم إلى ثلاثة مباحث؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية: تأسيس وتأصيل»، حيث يرصد مفهوم الظاهرة، ويتابع ظهورها في الرواية، ويبحث في جوانبها الإيجابية والسلبية، وصولاً إلى تحديد مفهوم «الاستطراد الثقافي الروائي»، أما المبحث الثاني في الفصل الأول فجاء بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتداخل الأجناسي»، ويتناول العلاقة بين دخول أجناس وخطابات مختلفة إلى الرواية من جهة، وظاهرة الاستطراد الثقافي من جهة أخرى، موضحاً نقاط التشابه والاختلاف بين المفهومين، وتأثير ذلك في تشكيل العمل الروائي، ويختتم الفصل الأول بمبحث بعنوان «بين الاستطرادات الثقافية والتناص»، حيث يقارب الكتاب العلاقة بين التناص والاستطراد الثقافي، ويبحث في كيفية توظيف النصوص والخطابات السابقة داخل الرواية، ومدى انعكاس ذلك على بناء السرد.

وينتقل الفصل الثاني إلى الجانب التطبيقي تحت عنوان «الاستطرادات الثقافية في الرواية العربية: الإطار التطبيقي»، حيث يقوم الباحث بتحليل نماذج روائية مختارة للكشف عن مستويات استخدام الاستطرادات الثقافية. وينقسم هذا الفصل إلى مبحثين؛ الأول بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها بنية سردية – نماذج دالة»، ويركز على الأعمال التي نجحت في دمج المعرفة داخل السرد بطريقة تخدم البناء الفني للرواية، أما المبحث الثاني فجاء بعنوان «الاستطرادات الثقافية بوصفها زخرفة معرفية»، ويتناول الحالات التي تتحول فيها المعرفة إلى عنصر زائد أو منفصل عن حاجة النص، بحيث تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون جزءاً من جمالياته.

ويخصص الفصل الثالث والأخير لدراسة العلاقة بين الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية، ويحمل عنوان «الاستطرادات الثقافية وأطراف العملية الإبداعية: تحليل وتركيب»، ويتناول علاقة الاستطراد الثقافي بثقافة الكاتب ودوره في توجيه هذه العناصر داخل الرواية، كما يبحث في علاقة الاستطرادات بثقافة القارئ وقدرته على استقبال النصوص ذات الحمولة المعرفية، ويختتم الفصل الثالث بمبحث بعنوان «الاستطرادات الثقافية والنص»، حيث يناقش مستوى حضور الثقافة في الرواية العربية بعد مطلع الألفية الجديدة، وعلاقتها بتغيرات الكتابة الروائية وتطور ذائقة القراء.