أين «رومانسية» مؤنس طه حسين و«إسلامه»؟

لم تترجَم رسالته لنيل الدكتوراه ولا مذكراته ذات الصفحات الثمانمئة عن أبيه

طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس
طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس
TT

أين «رومانسية» مؤنس طه حسين و«إسلامه»؟

طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس
طه حسين وزوجته سوزان و ابنه مؤنس

هناك «لحظات» أدبية قضاها طه حسين أيام الشباب، بين أدباء الغرب وقراء الشرق، منذ حصل على الدكتوراه الفرنسية، عاملاً على كسر طوق العزلة الثقافية، لتفعيل الصلة العقلية بين الشرق والغرب، فيتواصل الأدب العربي المعاصر بالآداب الأوروبية - الفرنسية خاصة؛ نقلاً وترجمة وتعريفاً بأدبائهم، دون تهالك على هذه الآداب بما يغني فيها الأديب هويته، ضارباً المثل بنفسه، كما جاء في كتابه «لحظات» الصادر سنة 1942، فهو حين ينشر مقالاته التعريفية بأدباء فرنسا وشعرائها ومسرحييها -بول فاليري أنموذجاً- في أيام الآحاد من سنة 1922، فإنه ينشر في أيام الأربعاء منها فصولاً في الأدب العربي -يزيد بن مفرغ الحميري أنموذجاً- موازناً بين إحياء القديم وإثراء الحديث، وبين ما يقدَّم ويترجَم عن الإغريقية القديمة والآداب الأوروبية الحديثة... متفاعلاً منذ كان أول أمره في باريس مع ما تصدره مطابعها من كتب، ومعجباً بما تعرضه الأوبرا من مسرحيات.

بهذا عبَّر في مقالته المنشورة في كتابه «ألوان» عن روي بلاس، وهي قصة تمثيلية شعرية من تأليف فيكتور هوغو، ملتذَّا بما يسمع، لأن الممثل نابغة في التمثيل، ولأن الشاعر نابغة في الشعر، صاعداً مع هوغو في سماء الجمال الفني، وهو يصور الصراعات السياسية بين الملكيين والجمهوريين، في أعقاب الثورة الفرنسية، حيث «تناصَّت» رواية طه حسين «المعذبون في الأرض» ورواية فيكتور هوغو «البؤساء» تناصّاً فنيّاً في الموضوع البائس والأبطال البائسين، مما جعل بعض نقاد الأدب المقارن يقفون عند إعجاب طه بفيكتور إعجاباً بلغ حد التأثر، وهو ما ورثه د.مؤنس طه حسين عن أبيه.

هذا الافتتان بهوغو هو ما جعل مؤنس، المنغمس في صميم الأدب الفرنسي، يخصُّ روائيَّ فرنسا وشاعرَها بمقال مطوَّلٍ في كتابه المترجَم «ملامح فرنسية» الصادر من «مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري» سنة 2006، بعنوان «فيكتور هوغو في الشرق». فهل هذا المقال ذو الصفة الأكاديمية، فصلٌ منتزَعٌ من أطروحته الأكاديمية للدكتوراه في جامعة السوربون عن «الرومانسية الفرنسية والإسلام»؟ فالمعروف أنه قد صدر لمؤنس كتاب بهذا العنوان عن «دار المعارف» ببيروت سنة 1962، لا «دار المعارف» بالقاهرة التي نشرت معظم كتب والده.

أما مقال مؤنس ذاك، فقد تمحور حول ديوان «الشرقيات» لهوغو «بعد خروجه من المطهر الثقافي إلى الهواء الطلق». ورغم عدم اعتبار مؤنس هذا الديوان تحفة فنية، فإنه ينبري للكتابة عنه بتحليل نقدي متقصٍّ لتجربة هوغو الشعرية، بوصفه مصرياً من الشرق العربي، محاولاً إبراز ما انطوى عليه وجدان هوغو المسحور بعالم الشرق، متأثراً بما كتبه الأديب الفرنسي فرنسوا رينيه دي شاتوبريان في رحلة حجه المسيحي «الطريق من باريس إلى القدس» بين سنتَي 1806 و1807. وقد ألهبت مخيلته «ألف ليلة وليلة» بترجمة أنطوان غالان المبكرة، وكذلك ما تناهى إلى مجتمع النخبة الباريسية من رحلات الفرنسيين إلى الشرق العربي، وصور رساميهم (أوجين ديلاكروا) بعد الحملة البونابرتية على مصر سنة 1798 التي تركت آثارها في ثقافة فيكتور هوغو وخياله الخصب، حيث أصبح الشرق ملهماً له ولشاتوبريان قبله وجيرار دي نرفال بعده في كتابه الضخم المثير «رحلة إلى الشرق». لقد خصَّه مؤنس بمقال في أواخر كتابه عنونَه بـ«جيرار دي نرفال وليالي رمضان»، إذ حطَّ الأخير رحاله المكتظة بكتب وقواميس في إسطنبول، مستطيباً قضاء الشهر الإسلامي المتألق فيها بصلوات الأتراك والحافل بأطباق موائدهم الشهية، منبهراً بمنظر مَغيب الشمس وراء المساجد، هذه التي بهرت قبله فيكتور هوغو بمعمارها الهندسي البديع في الأندلس، معتبراً إسبانيا التي زارها من الشرق، وكان قد التحق بوالده الضابط في جيش جوزيف بونابرت بمدريد، بعدما تعلم هوغو اللغة الإسبانية منذ صغره واطَّلع شابّاً على أدبها.

طه حسين

هذا ويذهب مؤنس طه حسين إلى أنه قبل حرب البلقان كان هوغو يرى في اليونان جغرافيا التوازن الأوروبي مع الشرق العربي والإسلامي، عندما مال ميزان القوى لصالح القسطنطينية العثمانية، «فإذا بالقارة الأوروبية تميل كلها إلى الشرق»، حسبما ترجم مؤنس مقدمة هوغو لديوانه «الشرقيات». وقد تأثر بثقافة دوائر الاستشراق في بلده، منذ أسس سيلفستر دي ساسي مدرسة اللغات الشرقية في باريس سنة 1821، متصوراً -أي مؤنس- إمكانية قراءة فيكتور هوغو للقرآن الكريم وفق ذاك.

هذا الموضوع الجدليّ هو ما اهتم به القنصل الفرنسي في جدة لويس ميلان -مؤخراً- بعدما لاحظ تكرار ذكر القرآن الكريم والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عشرات المرات في أثناء قراءته ديوان «أسطورة القرون» لفيكتور هوغو -كما ذكر ذلك في حديث صحافي حول كتابه «فيكتور هوغو والإسلام».

لهذا كان بحثي عن كتاب د.مؤنس طه حسين آنف الذكر «الرومانسية الفرنسية والإسلام»، بحثاً دؤوباً للقراءة المقارنة بين ما كتبه وما توصل إليه لويس ميلان من نتائج يبدو أنها متشابهة... كما أن أطروحة مؤنس هذه لا تبتعد عمَّا دعا إليه والده من قبل، في التثاقف العربي - الفرنسي بين الشرق العربي الإسلامي والغرب الأوروبي المسيحي... إلا أن بحثي عن كتاب مؤنس المفقود لم يُسفر عن نتيجة، متسائلاً بمرارة عن السبب وراء إهمال ما كتبه ابنُ عميد الأدب العربي، الذي تنبئ قراءة كتابه «ملامح رومانسية» بتملكه أطروحة فكرية وتمتعه بذكاء نقدي، فلا رسالته لنيل الدكتوراه تُرجمت ونُشرت، ولا كذلك مذكراته ذات الصفحات الثمانمئة عن أبيه، التي وعدت وزارة الثقافة المصرية بترجمتها ونشرها، ما عدا مقدمته لها التي نشرتها له مجلة «وجهات نظر» قبل وفاته بقليل في عددها الستين يناير 2004 بعنوان «أبي طه حسين»، مؤكداً فيها «كان من المأمول أن يصبح والده مجرد قارئ للقرآن الكريم، لكن سرعان ما أظهر ذكاء فائقاً وخصالاً ممتازة، وكذا استطاع أن يفلت من مصيره».

هل كان مؤنس يقصد بهذا الإفلات من تأثير والدته سوزان، المتشبثة بفرنسيتها حتى آخر رمق في حياتها الطويلة مع والده، كما تجلَّت في إبداعها السردي الممتع «معك» وهي تروي قصة حياتها مع طه حسين، الذي أحبها وفُتن بها أيَّما افتتان، بل كانت النور الذي أبصر به مجريات حياته، لكن بمنظاره هو، فقد أخذت قراءته اليومية للقرآن بمجامع قلبه المفعم وفكره النير وأدبه البليغ.

أختم بأملي المعقود على من يُرجَى منه، بعث ما تركه مؤنس طه حسين، من عناكب الإهمال ووحشة النسيان، فلا أجد سوى مَن كتب عن أبيه أروع ما كتب... أعني زميل عمله في منظمة «اليونسكو» بباريس، صديقه الباحث الجادّ عبد الرشيد الصادق محمودي.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.