بركة: أبحث عن أرض عذراء أزرع فيها شجرتي الروائية

يرى أن الأدب العربي الحالي تفوق على نظيره في كثير من دول العالم

 الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة
الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة
TT

بركة: أبحث عن أرض عذراء أزرع فيها شجرتي الروائية

 الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة
الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة

يعدّ الروائي والكاتب الصحافي محمد بركة حالة خاصة في المشهد الثقافي المصري، فمع كل رواية يصدرها يثبت وجوده كأحد الأسماء المهمة، وتجد رواياته صدًى طيباً على مستوى التلقي النقدي، فضلاً عن تلقي القراء. في السنوات الخمس الماضية تخلى عن «كسله» وأصبح يصدر أعمالاً بشكل شبه منتظم، وقد مثّلت روايته «حانة الست» مرحلةً مهمةً في مسيرته، ولفتت إليه الأنظار بشدة، وهي الرواية التي ترجمت مؤخراً للإنجليزية، وبالتوازي مع صدور هذه الترجمة أصدر روايته الأحدث «مهنة سرية»، التي أحدثت ردود فعل طيبة وكتب عنها كثيرون.

«الشرق الأوسط»... حاورته حول روايته الجديدة وسيكولوجية الكتابة لديه... وهنا نصّ الحوار:

> روايتك الأحدث «مهنة سرية» يبدو فيها البطل وكأنه يتعرى روحياً كما لو كان في طقس اعتراف بكل ما اقترفه في حياته... هل كنت تقصد بهذه الاعترافات الوصول به لحالة من التطهر؟

- أكتب دائماً ما أفتقده في قراءاتي، فالروايات كثيرة والفن قليل، الشجن نادر ورعشة القلب أكثر ندرة. أحب نبرة الاعتراف في السرد، فهي تضع أبطالي في مواجهة مباشرة مع القارئ، لا مجال للتجمل أو المناورة، كما أنها تضع البطل نفسه في مواجهة مع ماضيه على طريقة «واجه أسوأ مخاوفك».

ليس الهدف بالضرورة الوصول بالبطل إلى مرحلة التطهر، بمعنى إطلاق المشاعر المكبوتة على طريقة تراجيديات المسرح اليوناني، إنما الهدف الأساسي هو امتلاك ناصية السرد المرهف الحميم الذي يشتبك في منطقة شديدة الصدق مع المتلقي من خلال الشخصية الرئيسية التي تروي تفاصيل إنسانية مدهشة، على هامش مهنة تقديم المتعة من جانب شابّ إلى السائحات مقابل المال.

> يبدأ كل فصل بسؤال وإجابة عنه تعيد تعريف بعض المفردات والمفاهيم عبر لغة محملة بحسّ تراثي وتقترب من لغة المتصوفة... هل هذا لكسر حدة الاعترافات والإحالة للدلالات الفكرية والروحية لقصة البطل؟

- كان الهدف الأول هو البحث عن عتبة أو مدخل مختلف لكل فصل، على نحو يجعله أكثر تشويقاً، بشرط أن يكون السؤال والإجابة نابعين من روح هذا الفصل، ويؤكدان على خصوصيته.

الفكرة أيضاً أنني أردت صياغة تقترب من روح الشعر وعبق التراث مع حداثة المعنى، هكذا توالت العتبات عبر أسئلة وإجابات من نوعية «سألتني ما الحرمان؟ قلت: أنين الريح وهى تبحث عن شيء تلاعبه»، «سألتني وما الحب؟ قلت: أشهر شهداء الابتذال اللغوي». ظللت أداعب أصدقائي الشعراء وأقول لهم إنني قدّمت تعريفاً للشعر لم يقدموه هم أنفسهم: «سألتني وما الشعر؟ قلت أقدم محاولات البشر لمخاطبة الآلهة».

> مكان الرواية يتراوح بين عالمين؛ الأول مكان نشأة البطل المفعم بروائح القمامة في إحدى عشوائيات القاهرة، والآخر مدينة شرم الشيخ وفنادقها بروائحها الخلابة... كيف صنعت هذا التناقض؟ وكيف ترى أثره على شخصية البطل؟

- المكان مهم في كتاباتي، هو ليس بطلاً مستقلاً بالمعنى المتعارف عليه، لكنه حاضر بشكل أو بآخر. قد يكون مدينة أوروبية رمادية مقبضة تمتص روح الراوي، وقد يكون مدينة قاسية بلا ملامح تم تشييدها حديثاً على أطراف الصحراء، أو قرية مبللة بالمطر ومغطاة بستارة صفراء من عواصف الخماسين.

في «مهنة سرية» جاء التناقض المكاني بين الحي العشوائي المخصص لتداول تجارة القمامة، وبين شرم الشيخ صارخاً، أشبه بالتناقض بين الكابوس الأسود وبين الحلم الوردي. الأول مكان نشأة البطل الذي امتلك موهبة الشعر، لكنه فضّل السير في حقل ألغام، مكان بدا كأنه شاهد العيان على بؤس الطفولة، فقر الروح قبل فقر البيوت. الثاني يتمثل بمدينة الأحلام والحرية وملتقى جميلات الغرب اللواتي يحضرن في النص ليعزفن على وتر حساس، هو اللقاء بين الشرق والغرب.

> سبق أن تُرجمت روايتك «الفضيحة الإيطالية»، ومؤخراً روايتك «حانة الست»، إلى الإنجليزية... ما رأيك في هوس بعض المبدعين العرب بترجمة أعمالهم تحت أي ذريعة بدعوى الوصول للعالمية؟

- إن لم تكن الترجمة حقيقية وعبر آليات قوية ذات مصداقية، فلن تصنع الفارق وسوف تصبح وهماً ومخدراً. ولهذا السبب تحديداً، كانت سعادتي غامرة أن تصدر «حانة الست» عن دار «Sulfur Editions» الدولية التي تمتلك فريقاً من المترجمين والمحررين الأجانب، ولا سيما الأميركيين. والجميل أن كثيراً من هؤلاء هم بالأساس روائيون وأدباء قبل أن يعملوا بصناعة النشر. وقريباً جداً، سوف تُطرح الرواية ورقياً في 120 دولة حول العالم، كما ستكون متوفرة في أكبر متاجر البيع الإلكتروني العالمية.

الترجمة الناجحة ليس شرطاً أن تحمل توقيع أجنبي «خواجة»، فهناك على الساحة من النخبة الثقافية العربية من يتقن لغة الآخر بكفاءة لا تقل عن الآخر نفسه، وبالتالي حين يتصدى للترجمة يملك ميزة تفضيلية، تتمثل في قدرته على فهم ثقافة ولغة النص الأصلي أفضل من الأجنبي. وهذا ما ينطبق على سبيل المثال على «حانة الست» التي تصدّت لترجمتها د. سلوى جودة، وهى ترجمة أشاد بها فريق محرري الناشر الأجانب.

ويظل الهوس بالعالمية بحاجة إلى مراجعة، فالأدب العربي الحالي تجاوز تلك العالمية وأصبح متفوقاً في كثير من نماذجه على نظيره في كثير من دول العالم، سواء «الطابع الإنساني» لموضوعاته أو أساليب الكتابة وتقنياتها المتطورة. أقول هذا من باب الإنصاف والموضوعية، وليس الانحياز، فأنا أتابع بشكل جيد أبرز ما يصدر روائياً في أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. العالمية لم تعد حلماً.

> روايتك السابقة «حانة الست» أثارت كثيراً من الجدل، ويبدو أن «مهنة سرية» في طريقها لإثارة جدل جديد... كيف ترى هذا الجدل؟

- لا أتعمده إطلاقاً، لكن الناس عموماً، والقارئ بشكل خاص، يكرهون الحقيقة. لا يحبون من يهدد قناعاتهم، مهما كانت زائفة، أو من يخالف تصوراتهم الموروثة، مهما كانت وهمية. الجدل كان صاخباً وعنيفاً بسبب «حانة الست» التي تعرضت بسببها لموجة واسعة من الهجوم، بدعوى تشويه أم كلثوم كرمز، ما وصل للمطالبة بسحب الرواية من الأسواق، ورفع دعوى قضائية ضدي. والحقيقة أن كل ما فعلته هو أنني رسمت الوجه الإنساني الآخر المسكوت عنه لكوكب الشرق، معتمداً على ما قالته أم كلثوم نفسها كمرجع موثق. أردت أن تتراجع الأسطورة قليلاً لتتقدم الإنسانية.

الجدل حول «مهنة سرية» جاء مختلفاً، بسبب الطبيعة الصادمة للمهنة نفسها، لكن الجميل أن الجميع أكّد على رهافة وشاعرية التناول الذي عبّر عن التفاصيل الداخلية للمهنة بلغة ذات حساسية جمالية لافتة.

> هل تبدأ أعمالك بالبحث عن فكرة مثيرة كعادة الصحافة ثم تبدأ صياغتها سردياً؟

- الإثارة الصحافية لا محل لها من الإعراب في تجربتي الأدبية، فهي مؤقتة وتبحث عن ضجة بأي ثمن. الإثارة تصيب الأدب بالسطحية، لأنه يعمل وفق آليات معاكسة، فهو يبحث عن الخلود عبر كل ما هو عميق وإنساني. لكن هذا لا يمنع أنني أفضّل، قدر المستطاع، أن يكون موضوع كل رواية جديدة أشتغل عليها مختلفاً وجديداً. أفضّل الذهاب إلى أرض عذراء غير مطروقة لأزرع فيها شجرتي، وأضع فيها بذرة مغامرتي الفنية.

الأهم، بالطبع، من اختيار موضوع جديد أو مدهش، هو كيف ستعبر عنه، كيف ستتناوله. سؤال الأدب وتحديده دائماً هو «كيف» وليس «ماذا». طموحي أن أقدّم موضوعاً مختلفاً مع معالجة مدهشة بنفس الوقت.

> كيف ترى مشروعك الروائي وتناميه وتطوره مؤخراً، خاصة مع تزايد أعمالك في الفترة الأخيرة، مقارنة بالبدايات؟

- منذ 2005 حتى 2019 لم تصدر لي سوى روايتين، هما «الفضيحة الإيطالية» و«أشباح بروكسل»، لكن يبدو أنني تخليت عن «كسلي التاريخي» في الآونة الأخيرة، فصدرت لي 5 أعمال في 6 سنوات. البعض يرى أن في الأعمال الخمسة «غزارة إنتاجية»، لكني أراه معدلاً طبيعياً للغاية لكاتب يأخذ الإبداع على محمل الجدّ ويكتب بشكل يومي، خاصة أن رواياتي قصيرة، وأحياناً قصيرة جداً، ولا تنتمي أبداً إلى عالم المطولات.

ملامح التغيير في مشروعي الأدبي عديدة، أهمها برأيي أن عملية الكتابة نفسها صارت أكثر احترافية وانتظاماً وتأتي في صدارة اهتماماتي، وليس على هامش الحياة، أو تلعب في الوقت الضائع، كما كان يحدث في مرحلة سابقة من حياتي. هذا العام، قررت أن آخذ استراحة محارب، ولن يصدر لي عمل جديد، إلا في معرض القاهرة للكتاب 2027.

> لماذا تبدو أحياناً في تصريحاتك كما لو كنت تشعر بغصّة ما، وكأن مشروعك الروائي لم ينل ما يستحق من تقدير؟

- على العكس تماماً، أنا آخر من قد يشكو «مظلومية» أو يدعي أنه لم يحصل على تقدير كافٍ، مصرياً وعربياً. نال مشروعي الروائي إشادات واسعة واحتفاء لافتاً، أكاديمياً ونقدياً وإعلامياً، وأصبحت رواياتي مادة لأطروحات عديدة في الماجستير والدكتوراه، وهناك اهتمام متزايد بها من المترجمين إلى لغات مختلفة.

شعوري بالأسف المرير، وليس الغصة، يتعلق بجماعات المصالح التي باتت تتحكم بمفاصل الحياة الثقافية وتسيطر على الجوائز الأدبية، وترفع أسماء وتُخفض أخرى، بلا أي سبب موضوعي.

> بدأت حياتك بالحصول على جائزة صحيفة «أخبار الأدب» المصرية في التسعينات... فكيف ترى غياب الجوائز عنك، رغم الانفجار الذي تشهده على الساحة؟

كنت أصغر المتسابقين سناً في جائزة «أخبار الأدب» الأولى للقصة القصيرة، التي أجريت في صيف عام 1994، وحضر نجيب محفوظ الحفل، وخرجت الصحيفة بمانشيت تاريخي يقول «عشرون كاتباً هديتنا إلى مصر». كان من بين الفائزين أسماء صنعت تجربتها بقوة فيما بعد.

لا أعرف لماذا لم أحصل على جوائز فيما بعد، إما لأنني لا أشارك أصلاً أو ربما لأنني لست مقرباً على المستوى الشخصي من لجان التحكيم ودوائرها وحساباتها المعقدة.

ورغم ذلك، انفجار الجوائز أحدث حراكاً وحيوية وحماساً لا يمكن إغفاله. المشكلة فقط أن كثيرين أصبحوا يكتبون وفق «وصفة واحدة» وينتجون نصوصاً مهادنة، أليفة، تشبه مدونات التنمية البشرية، و«استخرج الدروس المستفادة من النصّ أعلاه». وهكذا أصبحنا أمام كم مرعب من روايات نمطية، مكررة، تشبه حساء بارداً بلا مذاق أو حليباً فاسداً.

> أخيراً، كيف أفاد عملك الصحافي لغة الروائي بداخلك واختياره لأفكار رواياته؟- لم يفدني عملي الصحافي على مستوى اللغة الأدبية، فهو يروم لغة مباشرة، واضحة، صريحة، فيما أحبّ أنا لغة السرد التي تفوح برائحة الشعر وتكتحل بالمجاز. الصحافة بشكل عام جارت على يومي ووقتي في فترات سابقة، ولم أضعها في حجمها الطبيعي إلا قبل سنوات قليلة، حين أصبحت الكتابة الإبداعية المنتظمة تتصدر أولوياتي.


مقالات ذات صلة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي
كتب لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي

رشا أحمد (القاهرة)

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
TT

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو أسامة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي، تتجاوز حدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المعنى الوجودي، بحيث يصبحان معاً نصاً يعيش حياة خصوصية.

وقد كان شحاتة يتمثل معانيه الشعرية والنثرية في ذاته وكأنه بطل نصوصه، كحال ممثلٍ يكتب المسرحية، ثم يمثلها (كما كانت حال شكسبير). ولا يقف شحاتة عند ذلك، بل يتحول تمثيله للمسرحية إلى تمثلٍ لها، فيغير مسار حياته وفق شروط بطل المسرحية. ومحاضرة شحاتة الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والحياتي، لدرجة أنه عزل نفسه عن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويتخلق بها، وعاش غريباً ومختلفاً وغير قادرٍ على تقبل شروط الواقع.

وكذلك كان محمد الثبيتي الذي عاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكوناً بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شاعراً نبطياً؛ لأنه ليس له من طريق للحياة إلا أن يكون شاعراً؛ ولذا عاش بوصفه كائناً شعرياً مشاغباً للواقع، ولا يقر له قرارٌ واقعي؛ فقد تورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولم تكن خيمة النابغة بعيدة عنه، فهو ابن مكة المكرمة، وعلى مد البصر هناك «سوق عكاظ» يستنشق محمد هواءه، وفُتن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحين شبّ شرع بكتابة الشعر حيث بدأ مع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولكنه في بدايات الشعر حيث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مغامرة شعرية كبرى أحرقت تجاربه السابقة في ديوانه «تهجيت حلماً تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان.

وفي أول لقاء لي معه عام 1984 بعد عودتي من رحلتي العلمية في أميركا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولاً جذرياً أولياً تبعه تحولاتٌ كثرٌ؛ في ذلك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من باب كسر جهامة اللقاء الأول، فرد عليّ وكأنه يتبرأ من الديوان ذاك ويتعالى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج سلطة ذاك الديوان. وتم نشر ديوانه «التضاريس» في «النادي الأدبي» حاملاً قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمسياته الشعرية رغم طوله؛ لأنه كان يرى أن القصيدة تلك مطلوبةٌ ومتوقعةٌ من أي جمهور يقف أمامه. وفي ليلة من ليالي الشعر الحداثي التدشينية التي ضمت أربعة شعراء حداثيين عام 1985 في «النادي الأدبي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «التضاريس» وطوّقت كل أركان القاعة المكتظة بالحضور، من جمهور حداثي جاء مؤازراً للحداثة، وجمهورٍ آخر معارضٍ وناقمٍ على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهداً استثنائياً لحماية الأمسية من الانهيار بما أن الأجواء متوترة، وهناك من جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الجلسة دون مشاكل، وتم ذلك رغم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولم يماثلها إلا ليلةٌ أخرى بفارق خمس سنوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديوانه إياه (التضاريس)، وقد فاز بجائزة النادي متغلباً على كل المتسابقين، وهذا أول فوز تفوز به قصيدةٌ حداثية، ولكنّ حشوداً حاصرت النادي ومنعت تسليم الجائزة، وتم ليلتها تهريب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظاً على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء من جمهورٍ متوترٍ ومتربصٍ بالنادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً.

ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بجرح عميق في ذاكرة الثقافة. أما هو فقد خرج من باب النادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس القصيدة، ولكنه عاش جو القصيدة بطريقته المبتكرة، وهي حال حمزة شحاتة. والشحاتية هنا ستتجسد في الثبيتي، الذي سار دون تقصّد منه مسار حمزة شحاتة؛ فكره الوظيفة كما كرهها حمزة شحاتة. وفرق بين الوظيفة والقصيدة، وقد اعتد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتبٍ مجزٍ إلى موظف براتب أقل؛ لأن عمل الموظف أقل شروطاً من عمل المدرس. وترتب على ذلك أن ينتقل من مكة إلى الرياض بعد أن ترقى وظيفياً إلى مرتبة أعلى في الرياض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الرياض، وهذا ليس عبئاً مادياً فحسب، بل عبء نفسي كذلك بفرقة الأهل والولد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لديّ حلاً لها، وقد وجدت الحل عند الدكتور ناصر الموسى الذي علم مني بوجود الثبيتي تحت إدارته، وعلم برغبته في العودة إلى مكة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مرور سنة في عمله الذي ترقى إليه. وهنا تصرف الدكتور الموسى بتصرفٍ كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قراراً بتكليف هذا الموظف بالعمل في مكتبة الوزارة في مكة. وهنا أحال الثبيتي للكتب والعيش مع الكتب، ولكنه عيشٌ مقيد يقيد طائر القصيدة، كما كانت حال شحاتة حين استقال من عمله وتفرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الثبيتي؛ إذ ضحّى بنصف راتبه لكي يتقاعد تقاعداً يسمى بالتقاعد المبكر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بنصف الراتب، ولكن براتبٍ مضاعفٍ حسب شرط الشعر والكلمات والمعاني، كما هو جو حمزة شحاتة. ولم يطل به العمر ليمضي إلى ربه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة».

وفي كل مرة قابلت فيها محمد الثبيتي كان يبدو حيياً وهادئاً، لكني كنت أرى في داخله بركاناً قابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه ينفجر بالحمم الشعرية، وينفجر شعراً، مما يعني أني لم أكن أراه بشخصه، وإنما كنت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر.

وهكذا مرّ الثبيتي على الحياة مرور المعنى الشعري بمزاياه المجازية في التحول والانزياح؛ أي إنه كائنٌ مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كان راضياً باختلافه وعاشقاً لتحولاته. ومن هنا كان يبدو الهدوء الظاهري في كلماته وسمته، غير أنه ما إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ القاعة، لدرجة أن مكبر الصوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلقاء من أجل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فالقصيدة أعلى صوتاً، وكأنه صنّاجة العرب القديم يعود، ولكن في ثياب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهكذا كان الثبيتي كما كان شحاتة بوصفهما كائنين مجازيين ونموذجين متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما.

وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عن حمزة شحاتة، وهي أن في ملفه الوظيفي نجد عدد خطابات الاستقالة يفوق عدد خطابات التعيين، ومثله الثبيتي الذي ظل يتخلص من الوظيفة واحدة تلو أخرى.

وهذه صيغة علاقتهما المتوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية. وكلاهما فرّ من الوظيفة إلى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة.


موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
TT

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

وضمت القائمة القصيرة: أماني سليمان داوود عن مجموعتها القصصية «جبل الجليد» (الأردن)، الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وشيرين فتحي «عازف التشيلّو» (مصر)، ومحمود الرحبي «لا بارَ في شيكاغو» (عُمان)، «دار الشروق»، وندى الشهراني «قلب مُنقَّط» (قطر)، «دار جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وهيثم حسين «حين يمشي الجبل» (سوريا - بريطانيا)، «منشورات رامينا».

وأطلقت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، على الدورة الثامنة، اسم: دورة الأديب الكويتي فاضل خلف، أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955.

وقالت جائزة «الملتقى»، في بيان: «يواصل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (في الكويت)، أنشطته احتفاءً بالكويت عاصمةً للثقافة العربية والإعلام العربي لعام 2025، وفي تعاون مشترك بين المجلس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة 2026 - 2025، فإنّ المجلس الوطني سوف يحتضن في مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة في الكويت بداية الشهر المقبل».

المجموعات القصصية المؤهلة للقائمة القصيرة (الشرق الأوسط)

وأضافت أن لجنة تحكيم الجائزة ستجتمع لاختيار الفائز لهذه الدورة، واللجنة برئاسة الدكتور: محمد الشحّات، وعضوية كل من: الدكتور عبد الرحمن التمارة، والدكتورة عائشة الدرمكي، وسميحة خريس، وإستبرق أحمد.

وقد تم فتح باب الترشّح للدورة الثامنة بتاريخ الأول من مايو (أيار) حتى نهاية يونيو (حزيران) 2025. وبعد فرز الأعمال المتقدِّمة، وتحديد الأعمال المستوفاة لشروط الترشّح، تبيَّن أن العدد الإجمالي للمترشِّحين لهذه الدورة هو 231 مترشّحاً من جميع الأقطار العربية والعالم، من 28 بلداً.

وقالت الجائزة إن لجنة التحكيم وضعت جُملة من المعايير الإبداعية والنقدية الدقيقة شملت: «تحديد الثيمة، وتشمل: الجِدّة في التناول، وزاوية الرؤية، وحضور الخيال، ودقة العناوين. وتوظيف اللغة، بما يشمل: التجريب اللغوي، وانتقاء المفردات أو بناء الجملة السردية أو الأسلوب. وجماليات البنية السردية (الحبكة)، وتشمل: بناء الشخصية، والحدث، والزمكان، ومناسبة اللغة مع تقنيات السرد أو الحوار. ومنظومة القيم العُليا (الحق والخير والجمال)، وتشمل: الأبعاد الرمزية في القصص، وحُسن توظيفها لخدمة الرؤية الجمالية.

وكذلك الرؤية الجمالية والثقافية، وتشمل: تمثيلات القصص لقضايا الإنسان (العربي) المعاصر، وروح العصر، ومتغيِّرات الواقع المعيش. ومدى الإضافة النوعية للقصة القصيرة العربية، سواء في انتقاء الموضوعات أو الأساليب الفنية أو طرائق السرد والحوار».

وستُصدِر الاحتفالية كتاباً تذكاريّاً بعنوان «مُختارات من القصّ العربي»، إضافةً إلى مجموعة «أحلام الشباب» للكاتب الراحل فاضل خلف، وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف.

الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة (الشرق الأوسط)

وفي كلمة للأديب طالب الرفاعي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة، أشار إلى اعتزاز الجائزة بالشراكة المتينة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعبَّر عن سعادته بأن تبقى دولة الكويت، ممثّلة بجائزة الملتقى، مكاناً مضيئاً للقصة القصيرة العربية، وأنها ما زالت منذ عشر سنوات تقدّم سنوياً أسماء لقصاصين مبدعين يقدّمون أعمالهم القصصية للوطن العربي عبر الترجمات إلى مختلف اللغات العالمية.