وصايا الشعراء... خرائط لمجاهيل القصيدة

في يوم الشعر العالمي

أر.إس . توماس
أر.إس . توماس
TT

وصايا الشعراء... خرائط لمجاهيل القصيدة

أر.إس . توماس
أر.إس . توماس

نصائح الأدباء الذين أمضوا زمناً طويلاً في ممارسة الكتابة الإبداعية إلى الأجيال الشابة السالكة دروبَ الأدب حديثاً، في مؤداها، حديث الذات المرتد إلى تجربة خبرها الأديب واستجمع خلاصتها. ليس خطاباً أبوياً، ويرتفع كذلك عن الأسلوب الوعظي بما يتضمنه من إشارات وإيحاءات تجاوز بها الأديب عثرات أو محذورات نتيجة لاندفاعه. منها جزء من وصف تجربته، والأبعد شوطاً، هو ما يأمل فعله لو عاد به الزمن.

قد تأتي هذه التجارب موجهةً بشكل مباشر، كوصايا عبد الحميد الكاتب للكتاب، أو تلك الوصايا المنبثة في «كشاكيل» الأدباء وكتبهم. الشعراء لهم طريقتهم الخاصة التي يعبرون بها عن رؤاهم وفهمهم للشعر. من ذلك تسمع شقشقة اللغة وجدال العقل ورفيف الروح؛ مزيج معبر، وتهويمات شبيهة بأحلام اليقظة؛ ذلك إن كانوا يعبرون شعراً عما تعنيه لهم القصيدة. أما عندما يتوجهون بخطابهم إلى مريديهم من الشعراء الشباب، فيصبح حديثهم مباشراً واضحاً؛ بأسلوب قريب من المدرسي التعليمي، وإن كان لا يخرج عن نطاقه الشعري الإيحائي. فنثراً، على سبيل المثال، كتب الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه أوائل القرن الماضي رسالةً إلى شاعر مبتدئ ينبهه إلى اكتشاف ما في نفسه من كنوز، يقول فيها: «كل ما حولك؛ كل ما تراه في حلمك من صور؛ كل ما في زوايا ذاكرتك هو ملك لعينيك. أما إذا ما بدا لك أن حياتك اليومية فقيرة جدباء فلا تلمها، بل لم نفسك أنك لست الشاعر الذي يستطيع أن يكتشف ما فيها من غنى».

«إلى الشاعر الشاب»

أما النصيحة بالقول الشعري، فتذهب إلى الاختزال والومض بالفكرة المراد إيضاحها مع شيء من المباشرة، كما في نص الشاعر الآيرلندي رونالد ستيوارت توماس «إلى الشاعر الشاب»، التي ينطلق في وصاياه من المرحلة الذهبية للروح في تعبيرها الشاطح، والمتوهج:

«في الأعوام العشرين الأولى

ستكون في طور النمو الجسمي،

بالطبع لم تولد لتكون شاعراً منذ البداية

ولكن في السنوات العشر القادمة

ستحصد من تجربتك المبكرة

وستظهر بابتسامة متكلفة

لتغازل عروس الشعر بوقاحة».

بمحدد العمر، يمضي الشاعر في وصاياه، وكأن هناك تلازماً بين نمو الخبرة الشعرية والتقدم في السن؛ لذا تحظى مرحلة «منتصف العمر» باهتمام الشاعر كونها تستدعي التأني في الاندفاع والمراجعة، مع قليل من التردد. بالإضافة إلى ما تقدمه القصيدة من معالجة عاطفية ووجدانية لمتاعب الروح في تلك المرحلة:

«ومن الأربعين وصاعداً

تتعلم من الحذف والنتوءات في القصائد

التي تكونت بين يديك القاسيتين

كيف تنظم بمهارة

الأجزاء في القصيدة الغنائية

أو السونيتة بشكل اعتباطي

في حين يعزز الزمان حافزاً جديداً

ليخفي جرحك من قصائدك

ومن جسارة الناس

أصحاب الفضول».

لمرحلة الكهولة اعتبارها لدى الشاعر، فنصوصها ستقع دائماً في دائرة رثاء الذات وهجاء الحياة بتخلفها عما وعدت به، كما كانت تلوح به بشائر الصبا من قبل، فأضحت يباباً مكفهرة:

«والآن كبرت

كما يبدو من سنين عمرك

إلا أنك ما زلت في عالم الشعر البطيء

وقد انتقلت إلى الرجولة الحزينة منذ قليل

وأنت تعلم أن الابتسامة على وجه هذا العالم المتكبر

ليست لك».

قصيدة في جناح الفراشة

أما الشاعر السعودي عبد الله السفر، فهو في وصاياه يذهب إلى الجانب التقني الإجرائي لكتابة القصيدة، ويمارس تمارينه على كتابتها ويشرح رؤيته عنها. لا يمنح نصائحه للغير، إنما هو حديث يرتد صداه إلى أناه المبدعة؛ بين تلك الذات الناقدة الفاحصة، وذاته الأخرى الشاعرة التي يستشرف أفقها ويهيئها للانفعال مع قضايا الوجود بقلق الكينونة وأحلام اليقظة؛ حينما:

«الغريب يودع قصيدته في جناح الفراشة،

ويمضي وديعاً ذائباً في زرقة الليل.

القصيدة نائمة في ليل الأصابع

مَجْمَعُ مسوداتٍ وقبضُ ريح

وكانت يده تطيش في الصفحة

وكان قلبه على الحبر

حقل المرارة ناصعٌ، والحبر ماء

اشحذ كلماتك. كل هذا الجمال لن ينتظر».

ما سبق من خطاب كان بمثابة التهيئة لإعلان المنهج وتحديد مستوى الطموح، أما بنود الشاعر الإجرائية لكتابة القصيدة، فَتُكّون بنية النص الشعري المنشود وتقوده من خلال ثلاث خطوات رئيسية يأمل من خلالها عبد الله السفر أن تراعيها القصيدة وتلتزم بها.

الأول، ألا يحصر الشعر جهود الفكر في نقل مظاهر الواقع وترجمتها، بل أيضاً يطلق خياله متحرراً من كل قيود الفكر؛ حيث الأثر الفني يتطلب معرفة عميقة في كيفية تشكل مظاهر الواقع وقيمته، ويتطلب أيضاً معرفة في كيفية إدراك ما ينبغي تأويله، كما يقول ألبير سوور، وهذا ما يتفق الشاعر معه:

«كلماتك اشحذها يا صديقي.

لا تشد النص إلى سرير المألوفية، سوف تزعجه بالكوابيس.

مع كل دورة زمنية، يقص النص ريشهُ ليقوى على الطيران في أفقٍ جديد.

ترفق، ترفق، وأنت تثني غصنَ القصيدة.

لا تتهور، وتزعم أنك قبضت على القصيدة.

ستكون من أولئك العميان الذين ادعوا - واحداً واحداً - امتلاك حقيقة الفيل.

السطح. إنه جلدٌ ميت! من يريده؟.. احفر عميقاً.

يخون الواقع من ينسخه بأمانة».

ليس نقل الواقع كما هو عليه فقط ما يجب أن ينأى عنه كاتب القصيدة الحديثة، بل أيضاً أن تتخفف ذاكرته وتتخلى عن مجمل اطلاعه على الأفكار والمعارف التي تسربت إلى وعيه بفعل القراءة؛ ليبقى أثرها وانطباعها كما وعاه في لحظة الاستقبال:

«ذهب إلى النسيان ما قرأته في الرواية. بقي لي كدرها المشع.

العربة توقفت في منتصف الفكرة. نزلَ اللعابُ متبوعاً بخيط كلامٍ أبيض».

عند هذا الحد من الاستعداد للدخول إلى فسحة القصيدة، يتجرد الشاعر من قبليات معرفته، ومن ذاته الواعية؛ ليلتحم مع النص ويتوحد معه:

«يا مرشدي سأحرق لوح وصاياك، وأدخل، وحدي في متاهة القصيدة.

يبتكر عزلته. يضع في قلبها الدودة ويحلم...».

البند الثاني، هو نتيجة لما سبقه؛ فعند توحده بالنص، تتقلص المساحة الافتراضية بين الوعي واللاوعي، بين الفكر والحلم. حينها يصل المبدع إلى الحالة التي يصورها موتسارت باستغراب: «تتهاجم عليّ الأفكار جماعة وبسهولة زائدة ولا أعلم كيف أتت ومن أين أتت»، والشاعر بتهيئته السابقة وعند قبضه على الومضة التي تمثل جذوة الإبداع، تتعدد خياراته للتعبير عن لحظته:

«من أجل استدامة جمرةِ نصه، لا يذهب إليه من طريق واحدة.

يا ابن الغرابة، في تربة هذا النص يختفي مجهولك. فأوغل بغريزتك وغُص بحدسك».

قد تأتي هذه الوصايا بشكلٍ مباشرٍ مثل وصايا عبد الحميد الكاتب أو منبثة في «كشاكيل» الأدباء وكتبهم

أما البند الثالث لإنتاج القصيدة المثلى في نظر الشاعر عبد الله السفر، فهو بتفعيل القوى الشاعرية المتفردة للمبدع، حيث وحدها من يستطيع إخراج المعنى وصياغته في صورته اللغوية المغايرة للغة التقريرية، بالتالي يكتسب هوية منشئه وبصمته. التوجه إلى نقل الإحساس والشعور وليس الحكاية؛ فتتخلى الألفاظ عن وظيفة نقل المعنى إلى نقل الإحساس المصاحب له مركزاً للتعبير؛ فيرى المتلقي الأحاسيس والمشاعر المنقولة أكثر مما يرى المعاني. وهذا ما عناه الشاعر السفر بـ«الرقيب» أو وعاء الترشيح الذي يقوم بمهمة التجريد:

«الرقيب يضع الكتابة على خازوق نياته، يصفي دمها من لغة الحياة.

الرقيب تنكل به الاستعارة، يفدح به المجاز.

هويةُ المبدع، دائماً، بدون. يشهِرُ لحمه خارج الأسوار ويغني.

يحتشد البحرُ في لحظة إصغاء.

تنبت للنص أجنحةٌ لا حصر لها عندما يتغلغل هواءُ الوجدان عميقاً في جسد الفكرة».

هذا البند الأخير لعبد الله السفر يأتي متوافقاً مع المرتبة الثالثة في مكونات الإبداع الشعري لرؤية الشاعر جون درايدن التي سمَّاها «بإلباس الفكرة» وتزيينها بإطار مناسب ومعقول من الفن القولي، في حين المرتبة الأولى هي «الاختراع» أو إيجاد الفكرة، والثانية «الاستخراج» أو التبديل للفكرة بحيث تتلاءم مع الموضوع.

وهكذا هو البيان الشعري لعبد الله السفر عن عناصر ومراحل تكون القصيدة الحديثة من منظوره، وهو مزيج من رؤية الشاعر وافتراضات الناقد اللذين يجتمعان فيه. فعقل الناقد الذي يعمل من خلال الشعر عادة ما يكون متقدماً على العقل الذي ينتج الشعر، سواء كان الشعر شعر الناقد نفسه أو شعر غيره، كما يقول الشاعر ت. س. إليوت.

ونختم بما ختم به الشاعر عبد الله السفر نصه: «الشعراء يجددون أعمارنا؛ أعمارَ الذين: يعيشون أقل من حياة وأطول من يأس».

* كاتب سعودي

 


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون محمد سليمان

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي

عمر شهريار (القاهرة)

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»