سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يسمح بوصول الكتب العربية إلى جمهور عالمي بلمسة زر

سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب
TT

سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب

سعيد الطنيجي: «النشر الرقمي» يتصدر مستقبل توزيع الكتب

في هذا الحوار، يتحدّث المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية، سعيد حمدان الطنيجي لـ«الشرق الأوسط» عن مشروعات المركز، وخاصة في مجال الترجمة، التي يعتبر مشروع «كلمة» عموده الفقري، وأهم تحدياتها في ظل الثورة الرقمية، وكذلك عن المشروع الذي أطلقه المركز ويحمل اسم «سلسلة عيون الشعر العربي» لتعزيز السياق المعرفي والثقافي العربيّ، والعناية الخاصة بالتراث وإبراز ثَرائه شعراً ونثراً. وكان من بين أهم مبادراته إصدار مركز أبوظبي للغة العربية، بالتعاون مع دار المعارف في مصر طبعة خاصة من الأعمال الكاملة لعميد الأدب العربي د. طه حسين. وهنا نص الحوار:

سعيد حمدان الطنيجي (المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية)

> الترجمة وسيلة للتقارب الثقافي بين الشعوب، كيف يساهم مشروع «كلمة» في بناء جسور التواصل بين العالم العربي وبقية العالم؟

- لطالما كانت الترجمة حجر أساس في ازدهار الحضارات، وقد استفاد العرب من الترجمة وأفادوا بها، فكما كانت الترجمة بين العربية ولغات العالم الأخرى سبباً في نهوض الحضارة العربية، كانت سبباً بعد ذلك في نهوض القارة الأوروبية بأكملها.

ويسعى مركز أبوظبي للغة العربية لتنويع مشاريعه ومبادراته في خدمة الترجمة وتعزيز دورها كونها صلة وصل بين الشعوب، تجسِّر المسافات وتقرب المفاهيم وتعزز قيم التسامح والإخاء والانفتاح، وهي القيم التي توليها دولة الإمارات موضع الأولوية في كل خططها التنموية. ويُعدُّ مشروع كلمة للترجمة، الذي يحظى بدعم رئيس الدولة، كونه أحدَ أبرز المشروعات المؤثرة في مسيرة الترجمة إلى العربية، من خلال ترجمته 100 كتاب سنوياً، وبلغ عدد ترجماته أكثر من 1300 كتاب من 24 لغة في 10 تصنيفات معرفية.

> كيف تساعد الشراكات مع دور نشر في العالم في تحسين نوعية الكتب المترجمة؟

- حرص مشروع كلمة منذ انطلاقته على تكوين شراكات مع دور النشر العالمية تجسيداً لاحترام حقوق الملكية الفكرية، والتزم المشروع بتوفير حقوق الترجمة والنشر لجميع الكتب التي يتم ترجمتها. وقد أدى هذا إلى تأسيس علاقات قوية مع مؤلفين عالميين، ومع أكثر من 300 دار نشر عالمية مبنية على الثقة والتفاهم باعتبارهم شركاء في صناعة النشر مثل: أكسفورد، كامبريدج، غاليمار، بنجوين، زوركامب، كارلسن، آكت سود، هارفارد وغيرها.

> كيف يمكن التعامل مع التحديات الثقافية للترجمة، خاصة فيما يتعلق بتقديم محتوى يعبّر عن الهوية العربية؟

- من المهم أن يكون المترجم على دراية بالثقافات المختلفة المعنية، وأن يتعرف على دلالات الكلمات في كل من اللغتين المصدر، والهدف، فهذا يساعده على أن يتفاعل مع النص وينتقي الكلمات المناسبة التي تنقل المعنى وتحافظ عليه من دون تشويه. كما أن تقديم التفسيرات والشروحات من خلال المقدمات والهوامش عند الحاجة سوف يساعد الجمهور المستهدف على أن يفهم السياق الكامل للنص. كما يتم انتقاء المترجمين بناء على المعايير التي ذكرناها سابقاً، وبما ينسجم مع خبرتهم في مجالات الترجمة المتنوعة والمتخصصة.

> لديكم مشروع لطباعة الأعمال الكاملة لعميد الأدب العربي طه حسين وعدد من رواد الأدب العرب... ماذا بشأنه؟

- نعم، بمناسبة اختيار عميد الأدب العربي د. طه حسين الشخصية المحورية في الدورة 31 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، أصدر مركز أبوظبي للغة العربية، بالتعاون مع دار المعارف في مصر طبعة خاصة من أعماله الكاملة ووزِّعت على القراء. كما تعاون المركز مع دار المعارف في إصدار المجموعة الكاملة للأديب المصري الكبير نجيب محفوظ، الشخصية المحورية في الدورة 33 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب.

كما أطلق المركز «سلسلة عيون الشعر العربي» احتفاءً بالشعر العربي (ديوان العرب) ولإعادة إحياء تراثنا العربي؛ وهو من ضمن المشروعات الرّائدة التي أطلقها المركز لتعزيز السياق المعرفي والثقافي العربيّ، والعناية الخاصة بالتراث وإبراز ثَرائه شعراً ونثراً.

وتقدّم السلسلة مختاراتها الشعرية ضمن مجالات تعتمد أساساً على مجموعة واسعة من المواضيع والقضايا التي يزخر بها التراث الشعري العربي، بما يُظهر تطوّرها وتحوّلاتها من حيث الرؤية الفكرية والبنية الفنيّة، ويعكس الظروف والتصوّرات الحضاريّة للعصور التي ظهرت فيها.

وتضمُّ السلسلة مائة عنوان أعدها نخبة من الباحثين المتخصّصين في الشّعر العربيّ، جمعوها من بطون الكتب وأمهات المصادر. ويتضمن كل كتاب مختارات شعرية تتناول موضوعاً محدداً مع مقدمة وشروح للمفردات الصعبة، وتتوجه إلى شرائح واسعة من القراء لاطلاع القارئ على عيون الشعر، وما رافق هذا الشعر من تغيّرات لغوية وأسلوبية. وتغطي المختارات الشعر العربي عبر العصور منذ ما قبل الإسلام وحتى القرن الثامن عشر، مرتبة تاريخياً من الأقدم إلى الأحدث.

النشر الرقمي

> ساهمتم في تعزيز النشر الإلكتروني؛ كيف يمكن أن يعزز النشر الرقمي توزيع الكتاب العربي بما يوسع انتشاره ويحافظ على الحقوق الفكرية للمؤلف والناشر؟

- يسمح النشر الرقمي بوصول الكتب العربية إلى جمهور عالمي بكبسة زر، مما يسهم في نشر الكتاب العربي لجميع دول العالم، كما يقلل النشر الرقمي من تكاليف الطباعة والتوزيع، مما يجعل الكتب متاحة بأسعار أقل وعلى نطاق أوسع عبر منصات مثل «غوغل»، و«أمازون كيندل»، و«اقرأ لي» وغيرها. كما يضمن الكتاب الإلكتروني حماية فعالة لحقوق الملكية الفكرية، عبر استخدام تقنيات مثل ملفات النشر الإلكتروني (Epub) المستخدمة في الكتاب الإلكتروني ورفع المحتوى على منصات توفر حماية كاملة للكتب، مما يساعد في حماية حقوق المؤلف والناشر من النسخ غير القانوني.

وتشكّل نتائج الإيرادات الخاصة بالمركز دليلاً واضحاً على كفاءة الآليات والمنهجيات التي يعتمدها للوصول إلى الأهداف المطلوبة، وتحقيق الانتشار المنشود، مما يعزّز مكانة المركز وحضوره في قطاع النشر، ويحقق استراتيجيته في دعم ثقافة القراءة، وتوسيع انتشار اللغة العربية.

وشهدت إيرادات مبيعات الكتب الرقمية، حتى شهر أغسطس (آب) 2024، زيادة قدرها 644 في المائة عن عام 2023، كما بلغ عدد النسخ الرقمية المبيعة ارتفاعاً مقداره 144 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك من خلال الوكلاء الداخليين، والفعّاليات، والاتفاقيات، وموقع «كلمة»، ونقاط البيع الخاصة بالمركز.

> حظيت الأعمال الأدبية بمترجمين عرب ذوي كفاءة عالية، بعضهم غادر المشهد، هل هناك خطط لتأهيل جيل جديد من المترجمين الذين يتمتعون بالكفاءة اللغوية والأدبية؟

- اهتم مشروع كلمة منذ بدايته بتطوير مهارات المترجمين ومساعدتهم على إيجاد الحلول للتحديات التي تواجههم في الترجمة، وذلك من خلال تنظيم مؤتمر أبوظبي للترجمة الذي يناقش أهم القضايا المتعلقة بالترجمة، وترافقه ورشات ترجمة يشارك فيها المترجمون الشبان ويشرف عليها أساتذة متخصصون ومحترفون.

كما اهتم المشروع بإتاحة الفرصة للمترجمين الجدد بخوض غمار تجربة الترجمة من خلال توفير حقوق كتب للناشئة والأطفال وتكليفهم بترجمتها، ويتم توزيع هؤلاء المترجمين على مجموعات يشرف عليها أساتذة متخصصون يرافقون المترجمين خلال عملية الترجمة ويساعدونهم على فهم النص ونقله إلى اللغة العربية بسلاسة ويسر.

مجلّة «المركز» للدراسات العربية... قضايا تاريخيّة ونقديّة ومراجعات للكتب

يُعَدّ مشروع مجلّة «المركز: مجلة الدراسات العربية» واحداً من أهم المشروعات لدى مركز أبوظبي للغة العربيّة، ويتماشى مع استراتيجيّاته لتجديد الخطاب باللغة من خلال نشر دراسات وبحوث عن قضاياها الأدبيّة والثقافيّة والفنّيّة بالتعاون مع مؤسسة بريل العالمية.

والمجلة منضبطة وفق أرقى معايير المجلات المحكمة، ومنفتحة لتناسب كافة الطلاب والباحثين والأساتذة المختصين.

تُصدِر المجلّة عددينِ في السنة في كلٍّ منهما 6 - 8 أبحاث و4 - 6 مراجعات لكتب. وتضم الهيئة الاستشارية للمشروع مجموعة من القامات الثقافية والمتخصصين من أنحاء العالم، وقد صدر من المجلة حتى الآن خمسة أعداد، ومن المقرر صدور العدد السادس في نهاية هذا العام.

وتهدف المجلة إلى زيادة حجم البحث العلمي الرصين المكتوب باللغة العربية، وتشجيع الباحثين على الكتابة باللغة العربية، لتكون لغة للبحث العلمي كما هي لغة للإبداع.

وعززت المنهجية والحوكمة التي تتميز بها المجلة من خلال دقة الموضوعات والبحوث التي تعرضها، ونزاهتها وشفافيتها، من مصداقية المجلة عربياً وعالمياً، وأصبحت اليوم مرجعية أساسية لأرفع مراكز الدراسات والجامعات على المستوى العالمي، مما يعزز موقع إمارة أبوظبي بوصفها منارة حضارية وثقافية عالمية، ودورها العالمي في تعزيز انتشار اللغة العربية والثقافة العربية وإحياء مكانتها في العالم.

وتنسجم المجلة في مضمونها مع استراتيجية مركز أبوظبي للغة العربية في تجديد الخطاب باللغة العربية من خلال نشر دراسات وبحوث تتناول القضايا الأدبيّة والثقافيّة والفنّيّة، وارتفع عدد طلبات المقالات التي نشرتها المجلة إلى 13400 طلب في نهاية عام 2023، مقارنة بنحو 2530 طلباً في عام 2022. وبنسبة نمو 430 في المائة، كما حقق الإصدار الأول لعام 2024 نحو 6835 طلباً.

وتصدرت مكتبة جامعة إنديانا في الولايات المتحدة قائمة المؤسسات التي قامت بطلب المقالات، بالتساوي مع جامعة أليثيا في تايوان بعدد 30 طلباً في عام 2023. بينما تصدرت جامعة كامبريدج قائمة أعلى المؤسسات طلباً لمقالات المجلة في عام 2024. حيث قامت بطلب 70 مقالة تليها جامعة الإمارات بعدد 30 طلباً، تليهما جامعة السلطان قابوس في عمان، والجامعة الأميركية في بيروت بعدد 10 طلبات، مما يؤكد مكانة المجلة وحضورها بوصفها مساحة مشرقة للتعبير عن القضايا البحثية بموضوعية تامة، مع إثراء التجربة الإنسانية العربية والعالمية.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي