مع الجواهري من النجف إلى الرياض

في بيت الجواهري بدمشق
في بيت الجواهري بدمشق
TT

مع الجواهري من النجف إلى الرياض

في بيت الجواهري بدمشق
في بيت الجواهري بدمشق

في صباي الغرّير كنت أذرّع أزقّة محلات النجف الترابية. وهي التي وصفها ابن بطوطة في رحلته إليها سنة 727هـ - 1326م بقوله: «ليس في هذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا آل، إنما يحكم عليهم نقيب أشراف، وأهلها تجّار يسافرون في الأقطار، وهم أهل شجاعةٍ وكرم، ولا يُضام جارهم، صَحِبْتهم في الأسفار فحمدتُ صحبتهم. يجيدون صناعات عديدة، وعلى الخصوص نسيج العباءة (النجفية) بخيوطها الخفيفة، والثقيل الغليظ النسج من الوبر». وقد وصف النجف بأنها من أحسن مدن العراق وأكثرها ناساً وأتقنها بناءً، ولها أسواق حسنة نظيفة.

كما يذكر مؤرخها جعفر باقر مَحبوبة في كتابه الشهير «ماضي النجف وحاضرها»، أنها كانت ميناءً بريّاً توسط العراق ونجد، منذ العصر العباسي، والمغولي، والصفوي الفارسي، والتركي العثماني حتى العصر الحاضر. فيما يؤكد لوي ماسينيون، المستشرق الفرنسي الذي أقام في العراق ردحاً من الزمن وكتب عنه بحوثاً قيمة، في كتابه «خطط الكوفة» أن النجف بلدة بدوية الطبع عربية الطابع، رغم أنها، وهي الملاصقة للكوفة، قامت على أساس الدراسة الدينية مع رحلة الشيخ الطوسي إليها منذ قرون.

يا ترى، هل نجد في وصف ابن بطوطة هذا، وما كُتب بعده مفتاحاً نحو الدخول إلى فهم شخصية المكان النجفي، بمحلاته الأربعة (المشراق، والبراق، والحويش، والعمارة) المكتظة بمبانيها الطينية القديمة، حيث ترعرع محمد مهدي الجواهري، ونشأ بينها، متميزة بدروسها الدينية واللغوية؟ إذ شدَّتني -إذَّاك- قبب زرقاء لمدافن علماء آل كاشف الغطاء وأصهارهم من آل الجواهري. فجدهم الشيخ محمد حسن، مؤلف سفر «جواهر الكلام» الفقهي، انتسبت الأسرة إلى كتابه! هذا الذي أصبح محل اهتمام القانوني المصري الشهير عبد الرزاق السنهوري، حين جاء بغداد الثلاثينات، في مهمة لتنظيم الأحوال الشخصية في العراق الملكي.

الابن المتمرد

في تلك الدروب الضيقة، كنتُ أتحسس خطوات الجواهري، إذ راقتني حيلته الطفولية، مختبئاً في زير ماء معلمه (جناب عالي) هارباً من عقابه القاسي... وقد أصبح الطفل حبيب والده المُعمَّم، الذي حاول أن يورِّثه دراسة العلوم الحوزوية، رغم معرفته بميول ابنه المبكرة إلى قراءة الشعر ونظمه، وقد فرض عليه حفظ آيات من القرآن الكريم وخطب «نهج البلاغة» و«أمالي» أبي علي القالي و«بيان» الجاحظ وتبيانه وأشعار المتنبي.

هذا الميل الباكر هو الذي جعل الابن الضال المتمرد يرتجف، وهو يحمل إبريق الشاي واستكاناته الصغيرة إلى ضيف والده... السيد محمد سعيد الحبوبي، بطل ثورة العشرين، وقبل ذلك الفقيه المعروف، والشاعر رقيق العبارة بموشحاته الراقصة في شعره الغزلي، التي امتاز بها في ديوانه المطبوع في صيدا سنة 1331هـ.

لقد سقط إبريق الشاي النجفي واستكانته من يدي الجواهري، تهيّباً وانبهاراً بشخصية الشاعر، لكي تتفتق موهبة الشعر لديه جزلةً، متناصَّةً مع روائع شعراء العصر العباسي... معجباً بفروسية أبي الطيب، وموسيقية البحتري، وصور أبي تمام، وتفلسف المعري.

بل إن تمكنه من اللغة العربية والشعر القديم، جعله قادراً على «ابتداع» اشتقاقات لغوية في سيميائيته الشعرية. دائماً ما يستوقف النقاد إعجاب الجواهري بواحدة من بداياته الشعرية في ثورة العشرين العراقية:

لعلَّ الذي ولَّى منَ الدهرِ راجعٌ

فلا عيشَ إن لم تَبقَ إلا المطامعُ

غرورٌ يُمنّينا الحياةَ وصفوُها

سرابٌ وجَنّاتُ الأماني بلاقعُ

كان الجواهري قد قرأ دواوين الفحول من شعراء العرب الأقدمين، واستوعب أسرارها الفنية، تسعفه ذاكرة حفظ قوية عجيبة، لم تفارقه وهو في أرذل العمر. ومع ذلك، لم يخضع لضغط قصائدها الفني، بل قام بتفكيكها وإعادة بنائها في شوارده، وفق إحساسه الذاتي ومواقفه السياسية... هذه التي جعلته يكاد يكون الشاعر العراقي، بل الشاعر العربي، الذي عبّر ببلاغته الشعرية البارعة عن مجمل التفاعلات الاجتماعية والأحداث السياسية، التي عصفت بوطنه، منذ نشأته بداية القرن العشرين إلى منتهاه. وقد عاصر ولادة الدولة الوطنية في العراق، حتى تمزُّقه في العقد الأخير من القرن العشرين.

كنتُ حين أطوف بتلك البيوت الطينية العبقة بزهد ساكنيها، بين محلة العمارة ومحلة المشراق -وقد تكرر وقوفي بها طويلاً سنوات غرارة الصبا ويفاعة الشباب- أتساءل: كيف تسنّى للجواهري كتابة مقدمة ديوانه في طبعاته الأولى المعنونة «على قارعة الطريق»، وقد تميزت بنزعة حداثية مبكرة، متسائلة، متفلسفة... مما جعل الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد عقود يعيد نشرها في مجلة «الكرمل» أوائل الثمانينات بوصفها قصيدة نثر؟!

يقول الجواهري وقد عرَّج عليه صاحبه... وهو في منتصف الطريق إلى حيث يريد: أأنت مسافر مثلي؟ قلت: لا! بل أنا شريد. قال: وأين وجهتك؟ قلت: وجهتي أن أضع مطلع الشمس على جبيني، وأغذّ في السير... قال: أوَلك أم؟ قلت: تركتها على قارعة الطريق، وبيدها كتاب، وإبريق، ومبخرة!

وقتذاك كان قد ترك مدينته النجفية وأهلها، لأنه رفض -كما يقول- أن يرقص فيها مثل مَن لم تهب الطبيعة لأحد مثل حيلتها وصبرها على المجاراة... ليكتشف وهو «على قارعة الطريق» كثيراً من الوقائع والحقائق، ذكر بعضها في مذكراته. هل كان لقراءاته في كتب المعاصرين المترجمة -خاصة- دور في صياغة هذا النص النثري المفصلي في حياة الجواهري وتثوير تجربته الشعرية؟ يقول في حوار مع ابنته خيال، إنه كان في التاسعة عشرة من عمره، حين التقط كتب عصر النهضة عبر كتب شبلي شميل وغيره، مما كان يَرِد على النجف من كتب ومجلات عربية بين العشرينات والثلاثينات الميلادية، وكذلك مترجمات لكتب وروايات نقلت أوروبا من قرونها الوسطى إلى العصر الحديث.

دفعته هذه القراءات إلى الخروج المتمرد من قوقعة النجف وسورها الصلد، بقراءاته الواسعة في الأدب الروسي والفرنسي -خاصة- وقد شد الرحال إليها معجباً بحضارتها ومسحوراً بلغتها، ومفتوناً بجمال مَن تعرَّف عليها. واقفاً عند كتابات الفرنسي الغاضب صاحب المقالة الشهيرة «إني أتهم»، إميل زولا، منبهراً بروايته «الأوباش»، التي تمثل فكرتها وعنوانها في واحدة من قصائده الثائرة:

جهِلنا ما يُراد بنا فقُلنا

نواميسٌ يدبِّرها الخفاءُ

فلما أيقَظَتْنا من سُباتٍ

مكائدُ دبَّرتها الأقوياء

وليس هناكَ شكٌ في حياةٍ

تدوسُ العاجزين ولا مِراء

فكانتْ قوَّةٌ أخرى وداءُ

رَجَونا أن يكونَ به الدواء

المعركة مع ساطع الحصري

من هنا تبدأ تجربة الجواهري الشعرية والسياسية، بانتقاله بعمّته وجبّته أواخر العشرينات إلى بغداد، للتدريس في إحدى مدارسها الثانوية. على أثر ذلك، احتدمت المعركة بينه وبين المفكر القومي السوري ساطع الحصري، الذي شكك في جنسية الجواهري ووطنيته. لخَّصها الشاعر بعد ذلك سنة 1968 في بيتيه الساخرين من قصيدته «إيه بيروت»:

أنا -بيروتُ- قطعةٌ من أديمٍ

عربيٌّ دماً ولحماً وجِلداً

أولدُ الضادَ ضيغماً

ودعيّ «ابن تسعين» يمسخ القاف قرداً

لم يستمر الجواهري في رغيد عمله في تشريفات الملك فيصل الأول، رغم احتضانه له بعد هذه المعركة السجال، بل وقف معه رغم ما استثارته قصائد الجواهري، من خروج على العرف الاجتماعي والنمط الثقافي، خصوصاً في قصيدته «جرّبيني» وكذلك «النزعة أو ليلة من ليالي الشباب»، بعدما أطرح عمّته دون مراعاة لأحد، منصاعاً في معظم شعره لتمرده النفسي وجيشانه الشعري وتقلباته الفكرية.

لقد اشتد في اشتطاطه هذا منذ خرج سنة 1930 إلى عالم الصحافة وصخبها السياسي، مصدّراً الجريدة تلو الجريدة، حتى عام الوثبة ومعاهدة بورتسموث سنة 1948. وقد استوى شعر الجواهري على سوقه الغاضب ومزاجه المتقلب، حيث قُتل أخوه الأصغر جعفر... وما أدراك ما أخوه جعفر، رواء الربيع. في لقائي التلفزيوني معه في دمشق في يوليو (تموز) سنة 1994، سألته: كثير من القصائد التي قالها الجواهري غالباً ما تتردد فيها مفردة (الدم)، فهل لمقتل أخيك جعفر دورٌ في ذلك؟ ولماذا لم تستبدل بمصطلح الدم مصطلحاً آخر يحاول أن يؤسس مفاهيم جديدة في العقل والوجدان العربي؟

أجاب: «والله مثلما تفضَّلت، كأنه الآن شخص يُنبّهني كأنني غير منتبه إلى مسألة جعفر. وأنت في الحقيقة الآن ذكَّرتني، فقبلها لم أفكّر بهذا الموضوع. الآن جعلتني أفكر أنَّ لها دخلاً؛ لأنه في هذه اللحظة شَخَصَتْ القصائد أمامي، قصائدي قبل مقتل جعفر وبعدها. فوجدتُ أنك تجد أنت بالذات بنظرة سريعة على المرحلتين قبل وبعد، الفرق كبيراً. الدم ابتدأ يتكرّر عندي كثيراً وأنا أعترف بذلك. في الواقع أنا لا أحب الدم، إلَّا دم الشهيد؛ لأن دم الشهادة ليس قليل الشأن ولا سهلاً، فأن يستشهد المرء أمر صعب، والدم غالٍ في الواقع».

خل الدم الغالي يسيل

إن المُسيل هو القتيل

هذا أنا أسميه الدم الغالي. وفي الحقيقة هناك دم رخيص مع الأسف. وفي العراق جرى كثير من هذا الدم المرتجل، غير المستهدف، أو المستهدف المنحرف، أي غير المصوَّب، وغير الرامي إلى هدف محدد. فهذا مع الأسف يسمونه الدم الهدر. هذا شيء، والدم الغالي شيء آخر؛ الدم الغالي المصمم الثائر، والمثمر أيضاً؛ لأن هناك دماء رخيصة سالت كثيراً دون أن تُثمر شيئاً.

وحين سألته: وهل أثمر الدم في العراق يا أستاذ؟ أجاب: «مع الأسف وبصراحة لم يُثمر كثيراً، الدم درس، الدم عبرة وعظة. وما نحن فيه اليوم بعد هذا كله وبعد الدماء التي سالت في الواقع، مع الأسف ليست تكافئ النتائج أو المواقف الراهنة، أو قبل الراهنة، أو في كل المراحل التي مرَّ بها التاريخ العراقي. كان الدم في العهد الملكي كثيراً ما يُهدر.

فمعاهدة بورتسموث أُلغيت ببيان رسمي، بموقف شريف لا أشرف منه، حتى من قبل الملكية. أُذيع البيان في الليلة الشهيرة وأُسقطت المعاهدة نزولاً عند آراء قادة الأحزاب وزعماء البلد، ورغبة الشعب اعتُبرت لاغية ببيان رسمي. ونُفاجأ في الصباح بمعركة الجسر وذهب فيها جعفر شهيداً رخيص الدم في الواقع. فهو دم غالٍ من جهة، ومهدور من جهة أخرى. فأنا لم أفهم -مثلاً- لماذا أُلغيت المعاهدة؟ فكان الدم يسيل لشيء آخر، ويُدخّر لمرحلة قادمة ولمطلب جديد، لا لمعاهدة أُسقطت بحد ذاتها وانتهى كل شيء.

فالدم عندي في الواقع مصدره ومنطلقه الحرص على الدم وليس الاستهانة به».

الصِّدام مع عبد الكريم قاسم

مع ترحيب الجواهري بانقلاب عبد الكريم قاسم على الملك فيصل الثاني سنة 1958، إلا أنه لم يستمر مع صديقه القديم الذي تعرَّف عليه في لندن، وذهب به إلى عيادة الأسنان متكفلاً بعلاج ما كان يشكو منه، وذلك حينما كان قاسم ملحقاً عسكرياً هناك. فقد ثار الجواهري على تقييد الزعيم حرية الصحافة، وهو من تمتع بها في إصداراته الصحفية -«الرأي العام» خاصة- التي استمرت في الصدور منذ 1941 حتى 1961، السنة التي غادر فيها العراق، بسبب احتكاكه المباشر مع قاسم، مغترباً في براغ سعيداً بلجوئه السياسي إليها.

في هذه المدينة الجميلة بطبيعتها والمتعددة في مقاهيها المأنوسة، رقَّ طبع الجواهري، بعد صحراوية النجف وطبيعتها الجافة، وأشرقت صوره بكل ما في تشيكوسلوفاكيا من خضرة أرض وجمال صبايا. يقول في قصيدته «بائعة السمك»:

ذاتَ غداةٍ وقد أوجفتْ

بنا شهوةُ الجائعِ الحائرِ

دَلَفنا لِـ«حانوتِ» سمَّاكةٍ

نُزَوَّدُ بالسمكِ «الكابري»

فلاحتْ لنا حلوةُ المُجتلى

تَلَفَّتُ كالرشأ النافر

تَشُدُّ الحِزامَ على بانةٍ

وتفْتَرُّ عن قمرٍ زاهر

ومع ذلك، فإن الحنين إلى العراق وهو في العراق، دائماً ما يشده إليه، بل يكدره اشتياقه إليه، وقد أصبح في منفاه الناعم في براغ، مستذكراً على الدوام ما قاله في «مقصورته» الطويلة عن حنينه الوطني الراسخ، وهي إحدى أبرز مفاخر الجواهري الشعرية. نظمها في أواسط عام 1947، ونشر قطعاً منها في جريدته «الرأي العام».

وقد ذكر شرَّاح الطبعة التي أصدرتها وزارة الثقافة العراقية، من مجموعته الشعرية ذات الأجزاء السبعة سنة 1974: «إن جزءاً كبيراً منها يزيد على مائة بيت قد أطارته الريح وألقته في دجلة في أثناء اشتغال الشاعر بتنقيحها خلال صيف عام 1974، حيث كان يسكن داراً مطلة على النهر».

سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ

وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى

على النَّخْلِ ذي السَّعَفاتِ الطوالِ

على سيّدِ الشَّجَرِ المُقتنى

ودجلةَ إذْ فارَ آذيُّها

كما حُمَّ ذو حَرَدٍ فاغتلى

ودجلةَ زهوِ الصَّبايا الملاحِ

تَخَوَّضُ منها بماءٍ صَرى

تُريكَ العراقيَّ في الحالتينِ

يُسرِفُ في شُحّهِ والنَّدى

في بيت الجواهري بدمشق

الجواهري وكاتب المقال

بعدما انتهت المقابلة التلفزيونية التي استمرت زهاء الساعتين مع الشاعر الكبير الجواهري، دارت حول سيرته الذاتية الصاخبة بأحداث العراق ومواقفه المتقلبة منها. نادى على ابنته «خيال» لكي تقوم بواجب الضيافة... «الرقي» البطيخ الأحمر الذي يذكِّره بطعم السنين الخوالي في العراق، و«الشمام» البطيخ الأصفر الذي يتذوق معه حلاوة الطبيعة الشامية.

قال لي: «كُلْ من هذا الشمام... إنه لذيذ جدّاً، حتى إن أهل دمشق يسمونه أناناس!» قلت: يا أبا فرات... أين الشاي؟ إنني بعد هذه الجولة المثيرة في سرد تاريخك الشخصي المتلاحم بتاريخ العراق الحديث، لا بد لي من رشفات شاي عراقي أصيل (سنجين) أحبّذ دوماً تناوله في «استكانة»!

توقف برهةً ليسألني: «هل لك صلة قربى بالعراق؟ إنني أعرف عائلة مرموقة المكانة تُدعى عائلة القطيفي، منها من دخل عالم الصحافة والسياسة والوزارة». أجبته: توجد صلة صداقة، أما العائلة التي تشير إليها في القطيف، فكأنك تشير إلى أحد أبنائها وهو الدكتور عبدالحسين القطيفي، من أوائل خريجي السوربون في العهد الملكي العراقي، الذي استثمر عبد الكريم قاسم تخصصه في القانون الدولي، فعيّنه وكيلاً فاعلاً لوزارة الخارجية، ليمثل العراق الجمهوري في مفاوضاته مع دولة الكويت بعد استقلالها.

أما الوجه القطيفي الآخر في العراق فهو سلمان الصفواني القطيفي، الذي التحق بحركة الإمام الخالصي لنيل استقلال العراق التام من الهيمنة البريطانية على قراره الوطني. وبعد ذلك عرفه العراقيون صحفيّاً بارزاً، شُهر بمقالاته ذات النغمة العروبية. هذا ما ذكره الأستاذ عبد الرزاق الهلالي، مؤلف كتاب «زكي مبارك في العراق»، مشيراً إلى تلاحي الصفواني الأدبي مع الأديب المصري د. زكي مبارك، في أثناء انتدابه للتدريس في دار المعلمين العالية ببغداد، بين سنوات الثلاثينات والأربعينات، حين كان يساجل الصفواني على صفحات مجلته (اليقظة) البغدادية. هذا وقد أصبح الصفواني فيما بعد وزيراً في حكومة العارفين، وزيراً لشؤون مجلس الوزراء مرتين، مكافأة لعداوته الضَّروس لنظام عبد الكريم قاسم، بعدما هرب منه بداية الستينات إلى خارج العراق، فاختار القاهرة مهاجراً ومستقرّاً.

قال الجواهري: «دعْكَ من هذا الآن... وعليك بأكل البطيخ الأحمر والأصفر، وشرب القهوة المرة. ولنجعل شرب الشاي العراقي تحيةً لهذه السهرة على أن تأتيني من غد... فإنَّ لي معك حديثاً قد يطول».

في ضحى اليوم التالي توجهت إلى دارته، وهي عامرة بالحراس والسيارة المرسيدس الفارهة، وحين أذن لي، استقبلني بحيوية فائقة. كان قد حلق ذقنه! أمسك بيدي ليقودني إلى مجلس صغير اختاره للاختصار بي.

من فوره انطلق يُبدي رغبةً شديدةً في زيارة المملكة، معبِّراً عن أنها تلحّ عليه منذ قابلَ نائب الملك فيصل في زيارته لبغداد في سنوات الثلاثينات الميلادية، ونظم فيه قصيدة نكايةً بالملك فيصل الأول في موجةٍ من تقلباته العارمة. وأردف: «لعلك قرأت قصيدتي في مدحه، حيث طلبت منه نشرها في جريدة (أم القرى). بل إنني أبديت رغبتي في أن يوصل إلى والده الملك العظيم عبد العزيز بن سعود أن أكون ضيفاً عليه في السعودية».

أجبته: يا أبا فرات تلك كانت مناورة سياسية منك. فبقصد تصعيد خلافك مع ملك العراق فيصل الأول، رحت توغر صدره بمديح فيصل السعودية ووالده الملك عبد العزيز.

انفرج وجهه عن ابتسامة ماكرة قائلاً: «هذا صحيح... ولكن مدحي لعبد العزيز كان محض إعجاب شخصي بفروسيته العربية... واليوم وأنتم أيها السعوديون تتمتعون بما قام به الملك عبد العزيز من دولة أصبح يُحسب لها ألف حساب، لماذا لا تساعدني على تلبية رغبة يمتد عمرها إلى أكثر من ستين عاماً بزيارة بلادكم؟ إنني أسمع عن مهرجان الجنادرية».

أجبته: بلادي مفتوحة لزيارة أي مفكر وأديب وشاعر عربي... فما بالك بشاعر شهير، يحمل على ظهره هذا السجل السياسي والثقافي الحافل للعراق في القرن العشرين، منذ ثورة العشرين! إن الجميع سيرحبون بك من القمة إلى القاعدة.

وهنا وجدته يخط بيده المرتجفة إهداءً معبراً على ديوانه كاتباً النص التالي: «إلى أخي وحبيبي الكريم... أهديه إليك، ومعه فرط حبي وحميم إعزازي. المحب المعهود محمد مهدي الجواهري 21 تموز 1994م».

بعد هذا التاريخ بأقل من عام، قام الجواهري بزيارته التاريخية للمملكة، ليشهد فعاليات مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة. وما انتهى أمر الزيارة إلا بغضب الإعلام العراقي عليه، وقد استفزته زيارة الجواهري للمملكة والاحتفاء الرسمي والأهلي به، مما أدى إلى نزع الجنسية العراقية من أكبر رمز يلتقي عنده وعليه العراقيون بمختلف أطيافهم ومشاربهم!

العجيب أنه قبل أن يطلق الإعلام العراقي النار الإعلامية على الجواهري، كنت دائماً ما أسمعه يردد بينه وبين نفسه، عند زيارته معالم الرياض أبياتاً من شعره -وقد كنت مرافقاً له- أما حينما وقف على صحراء نجد، فإنه تذكر على الفور امتدادها الصحراوي إلى الكوفة والنجف، فطفق يتشوق إلى الأماكن القديمة في زمن طفولته وصباه، مخاطباً وطنه:

حييتُ سفحك عن بُعدٍ فحيِّيني

يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتين


مقالات ذات صلة

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

رتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جاك لندن

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية…

منى أبو النصر (القاهرة)

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».