لبنان: الفن وسيلة لمكافحة البشاعة... ورعب على الآثار

ولادة متاحف جديدة مقابل دمار لأعمال فنية بالجملة

شربل روحانا يعزف مع الثلاثي جبران في مهرجانات بعلبك
شربل روحانا يعزف مع الثلاثي جبران في مهرجانات بعلبك
TT

لبنان: الفن وسيلة لمكافحة البشاعة... ورعب على الآثار

شربل روحانا يعزف مع الثلاثي جبران في مهرجانات بعلبك
شربل روحانا يعزف مع الثلاثي جبران في مهرجانات بعلبك

طغت الحرب على كل ما عداها. كانت سنة 2024 قد بدأت ورائحة البارود تهب من جنوب لبنان؛ لكن المناطق التي بقيت بعيدة عن مواقع القتال، كابرت إلى حدّ إنكار إمكانية تمدد النار. حاولت المسارح والمطابع والمكتبات ودور السينما وغاليريات الفن أن تعيش دورتها، وكأنما لا دخان في الأفق. هكذا بدأ النصف الأول من السنة، في اندفاعة تتجاهل المخاطر.

إجهاض طرابلس عاصمة للثقافة العربية

أُعلنت طرابلس عاصمة للثقافة العربية في احتفال بهيج، وأُطلقت وعود ببرامج تشارك فيها دول عربية؛ لكن الحلم تبخر سريعاً. كذلك الحال بالنسبة للمهرجانات الدولية الكبرى، مثل بعلبك التي اضطرت لقصر برنامجها على حفل واحد للثلاثي جبران، بمشاركة الفنان شربل روحانا. أقيم حفل الأعواد الجميل هذا، مستحضراً جراح فلسطين ولبنان، متسلحاً بالرجاء. «مهرجانات بيت الدين» قررت أن تقصر نشاطها على معارض فنية في قصر الأمير بشير التاريخي، ولم تجازف سوى «مهرجانات بيبلوس»، ربما لبعدها الجغرافي نسبياً عن الجنوب. وأقيم مهرجان «ربيع بيروت»، في وسط العاصمة، في دورته السادسة عشرة للمرة الأولى بغياب مؤسسته الراحلة جيزيل خوري. وحاول عبد الحليم كركلا أن يطلق عمله «ألف ليلة وليلة»؛ لكنه رأى تأجيل العروض بعد أن اشتد القصف.

انهيار جزء من التاج العلوي لـ«قبة دورس» الأثرية المنشأة من حجارة وأعمدة القلعة في بعلبك (أ.ف.ب)

المعارض العربية ملجأ الناشرين اللبنانيين

وكان يفترض أن يشهد لبنان معرضين للكتاب؛ لكن الإلغاء كان من نصيب كليهما، رغم أن إصدارات الكتب لم تتوقف. واعتمد الناشرون على مشاركاتهم في المعارض العربية، لتعويض خسائرهم. ومن الإصدارات رواية هدى بركات «هند أو أجمل امرأة في العالم» وكذلك روايتا الأسير الفلسطيني باسم خندقجي: «قناع بلون السماء» (نالت البوكر) و«سادن المحرقة»، جميعها عن (الآداب)، ورواية خالد خليفة التي أنجزها قبل وفاته «سمك ميت يتنفس قشور الليمون» (نوفل)، و«عيون إلزا» للشاعر الفرنسي لويس أراغون من تعريب فارس يواكيم (أطلس). ولا ننسى كتاب مها بيرقدار الخال «حكايا العراء المرعب» الذي كشفت من خلاله عن فصول حميمة من حياة زوجها الشاعر يوسف الخال. «رأس بيروت، العصر الذهبي- الجامعة والحي» (نلسن). وهو تحية إلى الكاتب والمفكر منح الصلح في الذكرى العاشرة لغيابه، ويشرح كيف تشكلت الحركة القومية العربية في رأس بيروت.

ومن أحزان العام رحيل الروائي إلياس خوري، والشاعر شوقي أبي شقرا، والباحث والفكر جورج قرم.

القلعة من فندق «بالميرا» في بعلبك الذي أصيب بأضرار بالغة

ولادة متاحف جديدة

واستكمل لبنان احتفاله بمرور مائة سنة على صدور كتاب جبران خليل جبران الشهير «النبي»، وكذلك احتفى بمائة سنة على صدور «ملوك العرب» لأمين الريحاني. الكاتبان مهجريان، كتبا بالإنجليزية والعربية، ونالا حظاً كبيراً من الشهرة، ولا يزالان يُقرآن بعد أن أثَّرا في أجيال متوالية.

وإضافة إلى العدد الكبير من المعارض التشكيلية، لا بد من التوقف عند افتتاح متحف الفنانة الرائدة سلوى روضة شقير، في الذكرى الثامنة بعد المائة لميلادها، في بلدة رأس المتن، على مبعدة ما يقارب الساعة من بيروت. وهو يعرّف بمساهمتها المبتكرة، وتعلقها بالحضارة العربية والحروفيات، وإيمانها المبكر بقدرة ثقافتها على خوض مغامرة الحداثة بأدواتها الخاصة.

متحف آخر جديد للتشكيلي والشاعر رودي رحمة. كان يفترض أن يدشن بحفل كبير في سبتمبر (أيلول)؛ لكن الحرب جعلت ولادته تتم بهدوء. هو محترف ومعرض ومساحة في الطبيعة، مفتوحة للطلاب والزوار لاكتشاف إبداعات الفنان رحمة المتعدد المواهب، ومتابعة المراحل التي تمر بها أعماله من المادة الأولية، وصولاً إلى صيغتها النهائية.

وشكّل مفاجأة، افتتاح ملحق بـ«المتحف الوطني اللبناني» في عزّ الحرب الإسرائيلية على لبنان. «جناح نهاد السعيد» هو مساحة عرض، حرّة، فتّانة، من ثلاث طبقات، مفتوحة للمعارض والندوات والمحاضرات. ومن جميل ما رأيناه هذه السنة، 23 لوحة أخرجها إلى النور «متحف جبران خليل جبران»، تُعرض للمرة الأولى. وهي مجموعة بورتريهات تمكنت الأبحاث أخيراً من التوصل لمعرفة أصحابها، والفترة الزمنية التي رسم خلالها جبران هذه الوجوه. وهي ضمن الـ440 لوحة جبرانية يمتلكها المتحف.

المسرح يرفض البطالة

لافتة بشكل خاص، غزارة الأعمال المسرحية التي توالت على الخشبات. وبقيت صالات العرض محجوزة إلى 6 أشهر مقبلة، وإن تفاوتت بشكل كبير المسرحيات في مستواها الفني. من بين أبرزها كانت مسرحية «ماغما» من تمثيل برناديت حديب، وإخراج عصام بوخالد. و«شو منلبس» و«مجدرة حمرا» للمخرج يحيى جابر، تؤديهما بمهارة أنجو ريحان. مع أن المسرحية الأخيرة تعرض منذ خمس سنوات وبشكل متقطع. وشكل يحيى جابر ظاهرة بقدرته على عرض عدة مسرحيات في وقت واحد، وتمكن من اجتذاب جمهور غفير. وقدم إلى جانب المسرحيتين السابقتين، عملين جديدين، هما: «مورفين»، و«من كفرشيما للمدفون»، ومسرحيات قديمة أخرى، حتى يمكن القول إنه بات يُحيي ما يشبه مسرحاً يومياً.

وفي «مسرح مونو» ووسط احتفاء بهيج، تم تكريم فقيد المسرح ريمون جبارة، باستعادة 4 مسرحيات من أرشيفه، هي: «تحت رعاية زكّور»، و«بيك- نيك ع خطوط التماس»، و«زردشت صار كلباً»، و«قندلفت يصعد إلى السماء».

كان يفترض أن يشهد لبنان عروضاً لميوزيكال «كلو مسموع» من إخراج روي الخوري، المأخوذة عن المسرحية العالمية «أنيثينج غوز» التي قُدمت في برودواي للمرة الأولى قبل 90 سنة، وتلعب الفنانة كارول سماحة الدور الرئيسي فيها، بحلة استعراضية بعد 17 عاماً من تقديمها مسرحيتها الغنائية الأخيرة «زنوبيا». لكن ذلك كله تأجل، كما أُلغيت مواعيد كثيرة. وعانى الفنانون -بشكل خاص- والكتاب والممثلون المسرحيون، والتقنيون، من أزمة كبرى بسبب البطالة القسرية التي أُجبروا عليها.

وبعد ما يقارب شهراً ونصف شهر من الحرب، تنادى المسرحيون للخروج من النفق، وكانت محاولة شجاعة لفتح المسارح رغم القصف، وإحياء عروض قديمة، وتنظيم ورشات وحفلات ومسرحيات ارتجالية، لمساعدة الفنانين من ناحية، وإخراج الجمهور من سوداويته من جانب آخر.

وفقد المسرح رائداً كبيراً، هو المعلم أنطوان ملتقى، بعد رحلة استثنائية على خشبة المسرح وفي كواليسها. ممثل حاذق، ومخرج مجتهد، قضى عمره في البحث والتجريب، لبلوغ الأفضل. ولحقت بأنطوان بعد شهرين فقط رفيقة دربه في الحياة وعلى المسرح، المخرجة والكاتبة والممثلة لطيفة ملتقى.

فيلم «أرزة» لحظة ضوء

مهرجانات السينما كثيرة هي أيضاً، ومضت قبل تمدد الحرب على عادتها، وبتنوعها. كان من بين ما شهده لبنان: «مهرجان السينما الإيطالية» في نسخته الأولى؛ حيث كرّم ماستروياني، ومهرجان «بيروت الدولي لسينما المرأة» الذي كرّم الفنانة يسرا، و«مهرجان بيروت للأفلام القصيرة» وكذلك «مهرجان بيروت للأفلام الفنية» في دورته العاشرة الذي عقد في ظرف غاية في الصعوبة، تحت عنوان «أوقفوا الحرب»، و«مهرجان طرابلس للأفلام» الذي عانى أيضاً بسبب توسع رقعة القصف خلال فترة إقامته.

وجاءت بارقة أمل من اختيار فيلم «أرزة» ليمثّل لبنان في القائمة الأولية للمنافسة على جائزة «الأوسكار» لعام 2025. وبذلك ينضمّ إلى لائحة طويلة من الأعمال السينمائية اللبنانية التي سبق أن رُشّحت في هذا الحدث العالمي عن فئة «أفضل فيلم أجنبي»، أخرجته ميرا شعيب، وشاركت في كتابته وإنتاجه. ومن أفلام هذا العام «أرض الوهم» للمخرج كارلوس شاهين، وهو قصة ثلاث شقيقات يعشن في مجتمع مسيحي ويمضين إجازتهن في الجبل. ولكن «ثورة 1958» قلبت الأجواء الهادئة، لتنطلق بذلك الأحداث.

خوف الحاضر على التاريخ

الهم لأكبر الذي أرق اللبنانيين، في الثلث الأخير من السنة، خلال فترة الحرب، وطغى على كل اهتماماتهم الثقافية، هو الخوف الشديد على آثارهم وثروتهم التراثية. فقد تعرضت لخطر شديد؛ حيث هُدمت آثار ومُحيت، كما تضررت أخرى بشكل بالغ. دمّرت الغارات الإسرائيلية بالقصف المباشر عدداً كبيراً من المباني القديمة من عصور مختلفة. محت الغارات بشكل شبه كامل سوق النبطية القديم الذي يعود إلى العهد المملوكي ما بين عامي 1250 و1517م، وهو على غرار الأسواق التي أقيمت في فلسطين في تلك الفترة، تزدان مبانيه بالقناطر المزخرفة والأسقف الحجرية المعقودة والأباجورات الخشبية.

أما الخوف الأكبر فكان على قلعة بعلبك الرومانية التي قصفت إسرائيل محيطها تكراراً، وعلى مبعدة 500 متر منها، بقنابل ارتجاجية، مما عرضها على ضخامتها لخطر التصدع. أدّى هذا القصف إلى انهيار قرابة 30 متراً من سور القلعة، ويخشى أن يكون قد تسبب في خلخلة بعض معالمها. هذه القلعة تحتضن المهرجان الفني الأقدم والأعرق في العالم العربي منذ أن ولد عام 1956، واستضاف كبار الفنانين العالميين. وكذلك أصيب فندق «بالميرا» الأثري بكثير من الخراب، وهو الذي استضاف فيروز وصباح وأم كلثوم، والفنانين العالميين الذي قدّموا أعمالهم في بعلبك، على مدار العقود السبعة الأخيرة.

خسائر في الحجر والبشر

محزن أن منشية بعلبك، ذلك البناء الذي يرجع إلى الحقبة العثمانية، وكان قبلة للسائحين، قد تحول إلى حطام. كما تضررت «قبة دورس» الأثرية التي تعود إلى القرن الثالث عشر. فقد أصيبت بانهيارات وتصدعات شديدة في تاجها العلوي. ورغم أن بعلبك وصور هما في لائحة التراث العالمي، فإن هذه الأخيرة التي تُعَدّ بآثارها واحدة من أقدم مدن العالم، تعرضت لقصف عنيف وتضررت كنوزها بشدة.

وتم استهداف عدد كبير من المساجد القديمة والمقامات، ومُحي بعضها كلياً، مثل مسجد «النبي شعيب» في بلدة بليدا، ومسجد ومقام «النبي بنيامين بن يعقوب» في قرية محيبيب، وكل منهما يعود بناؤه إلى أكثر من ألفي عام. كما قُصفت ودُمرت كنائس في الجنوب والبقاع.

خسائر بالجملة، ولم يتم تحديد ما دُمّر من لوحات ومنحوتات فنية في بيوت فنانين في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، ومحترفاتهم، بعضهم مغمور، وبعض آخر أكثر شهرة. تتضاءل هذه الخسائر -على أهميتها الكبرى- أمام فقد آلاف الضحايا، وجرح آلاف آخرين. ومع ذلك تعاود الحياة الثقافية مواعيدها، وقد أخذت تضمد الجراح. وانتهى العام بإعلان برنامج مئوية منصور الرحباني على مدار عام 2025 الذي سيكون عامراً بعرض المسرحيات وإقامة الندوات والحفلات الموسيقية.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».