بندول بنعبدالعالي!

بين قطبي الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية القديمة والفلسفة الأوروبية المعاصرة

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو
TT

بندول بنعبدالعالي!

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

بنعبدالعالي يقومُ بتفكيكِ المفاهيمِ الفلسفيةِ والنفاذِ إلى لُبِّها، من دون أن يدّعيَ أنَّه فيلسوفٌ، فهو ليس لديه ثقافةٌ كلاسيكيةٌ حسب قوله يقول الناقدُ المغربيُّ عبد الفتّاح كيليطو في أحد استجواباتهِ الصحافية إنه لم يرَ نفسَهُ جديراً بالخوضِ في الأدبِ الفرنسي. وهكذا حين ناقشَ، في إطارِ شهادةِ الدراساتِ العليا، رسالتَهُ عن رواياتِ فرنسوا مورياك، سنحتْ لهُ فرصةٌ ثمينةٌ لنشرِها، لكنه رفضَ لأنها بدتْ لهُ ضعيفةً جدّاً مقارنةً بكتبِ النقدِ التي كان قد اطّلعَ عليها في ذلك الوقت (رولان بارت، شارل مورون...). بعد مدةٍ من الترددِ قامَ بتسجيلِ «المقامات» موضوعاً للدكتوراه.

بنعبدالعالي

ومن المعلومِ أن مقاماتِ الهمذانيِّ والحريريِّ تُعدُّ من نماذجِ النثرِ الفنّي، الذي اشتغلَ عليهِ «الدكاترة» زكي مبارك في منتصفِ الثلاثينات من القرن المنصرم، في أطروحتهِ «النثرِ الفني في القرنِ الرابع الهجري» في جامعةِ السوربون تحتَ إشرافِ المسيو ميرسيه. وقد اختلفَ تلميذُهُ الحادُّ الطبعِ والنبرةِ مع أستاذهِ المتمركزِ أوروبياً حولَ نشأةِ النثرِ عند العربِ، دونَ أن ينصاعَ لأمرهِ الأكاديميِّ بحذفِ ما كتبَهُ مبارك حولَ هذه النشأةِ، رغمَ نصيحةِ بعضِ الأساتذةِ الفرنسيين المستشرقين، وفي طليعتهم ماسينيون. ومع ذلك فقد رضخَ الأستاذُ لرغبةِ الطالبِ الحادة!.. لقد أخبرَهُ ماسينيون بعدَ الانتهاءِ من حصولهِ على الدكتوراه بأن «ميرسيه لا يحبُّك لكنه لا ينساك».

وقد ترجمَ الدكتور مبارك أطروحتهُ بنفسهِ إلى اللغةِ العربية. مبارك لم يكن بعيداً عن قضيةِ الفلسفةِ في أطروحتَيه الأخريين «الأخلاق عند الغزالي» و«التصوف الإسلامي».

طه حسين

يبدو أن كيليطو عاشقٌ للسانينِ، كما يكتبُ عنهُ صديقهُ عبد السلام بنعبدالعالي في كتابهِ الأخير بعدَ كتابهِ الأولِ «الأدب والميتافيزيقيا» باللغتين العربيةِ والفرنسيةِ، وكأنه بمخاطبتهِ العربَ والفرنسيينَ أسواريٌّ جديد! نعم، يبدو كيليطو هو الآخرُ يحاولُ التخلّصَ من تأثيرِ المركزيةِ الأوروبيةِ، وقد اشتغلَ - خصوصاً في أحدِ مؤلفاتِه الأولى (الكتابةُ والتناسخ) الذي ترجمَهُ بنعبدالعالي من الفرنسيةِ إلى العربيةِ - على إعادةِ قراءةٍ نقديةٍ مبدعةٍ لنصوصٍ تراثيةٍ، مستلهماً رولان بارت في أطروحتِه عن «موت المؤلف»، حيثُ ركّزَ فيها كيليطو على الجاحظِ، الذي قدّمَ في أدبِهِ الموسوعيِّ شارل بيلا كتاباً رائعاً، بدّدَ سأمَهُ من دراسةِ الأدبِ العربي. وهذا ما فتحَ عينَ كيليطو على براعةِ الجاحظِ، ومنها ما ذكره الجاحظُ في كتابِهِ «البيانِ والتبيين» عن موسى سيار الأسواري الذي «كان من أعاجيبِ الدنيا، كانت فصاحتُهُ بالفارسيةِ في وزنِ فصاحتِهِ بالعربية، وكان يجلسُ في مجلسِهِ المشهورِ به، فتقعدُ العربُ عن يمينِهِ، والفرسُ عن يسارِهِ، فيقرأُ الآيةَ من كتابِ الله، ويفسّرُها للعربِ بالعربيةِ، ثم (يحوّل) وجههُ إلى الفرسِ، فيفسّرُها لهم بالفارسية. فلا يدري بأي لسانٍ هو أفصح».

محمد عابد الجابري

لكن هل هذا هو شأنُ عبد الفتّاح كيليطو وهو يُطلُّ على القراء العرب - بعدما تَكَوَّن في تعليمه المزدوج - متعوداً ألا يقرأَ إلا النصوصَ التي كُتِبَت بالفرنسية أو بالفصحى - قارئاً ومدوّناً - مستمتعاً بلذةٍ «بارتيةٍ» في قراءةِ النصوص الأدبية؟ هذا اللسانُ المفلوقُ - كما يُعبر كيليطو - هو بصورةٍ أخرى ما أصبح عليه دارسُ الفلسفةِ العربيةِ الإسلاميةِ القديمةِ والفرنسيةِ المعاصرة. صديقُهُ د. عبدُ السلامِ بنعبدالعالي أستاذُ الفلسفةِ بجامعةِ الملكِ محمد الخامس، متتلمذاً على يدي محمد عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري. ما زلتُ أتذكر لقائي ببنعبدالعالي في صيفِ الرباطِ سنة 1993 - بعد يومينِ من وفاةِ الحبابي - حيث عرفني على زميليهِ الراحلينِ سالم يفوت ومحمد وقيدي، وكذلك من أصبحَ يكتبُ معه «بيدينِ» محمد سبيلا، وقد أصبحَ بنعبدالعالي اليومَ ملءَ السمعِ والبصر، اسماً لامعاً وألمعياً في فضاءِ التأليفِ الفلسفيِّ وترجمتِه. محاولاً النزولَ بالفلسفةِ من عليائها المطلقِ وتجريداتِها الذهنيةِ، إلى أرضِ الواقعِ المغربيِّ والعربيِّ الملتبس - لا أريدُ هنا مشابهتَهُ بأستاذِ الفلسفةِ المصريِّ مراد وهبة، في أطروحتهِ ومؤتمرِه عن الفلسفةِ ورجلِ الشارعِ في القاهرةِ سنةَ 1983... خشيةَ إعادةِ سجالِ المشرقِ والمغربِ جذعة! بعد أطروحةِ أستاذهِ الجابري، في برهانيةِ المغربِ الرشديةِ وعرفانيةِ المشرقِ السينية، التي جاءت إليهِ عبرَ ابنِ عربي الأندلسيِّ من المغرب! حيث لا يزالُ من تلامذةِ الجابري من يذهبُ إلى أن حفريةَ المعنى مخصوصةٌ بمتفلسفي المغربِ، والتاريخُ للأفكارِ في شكلِ العلاقةِ بين العربيِّ والفلسفةِ محدودٌ بمتفلسفي المشرق!

على أيِّ حالٍ فإن د. بنعبدالعالي يقومُ بتفكيكِ المفاهيمِ الفلسفيةِ والنفاذِ إلى لُبِّها، دون أن يدّعيَ أنَّه فيلسوفٌ، فهو ليس لديه ثقافةٌ كلاسيكيةٌ - حسب قوله - فلم يسبق له - غالباً - أن تبنَّى أيَّ أطروحةٍ، ما دامَ لا يشعرُ بامتلاكِه القدرةَ على صياغةِ عملٍ مرتبٍ (أكاديمياً)، وإنما هو يستلهمُ المفاهيمَ سواءً من دولوز أو غيرِه من فلاسفةِ فرنسا وألمانيا. فالمفهومُ الفلسفيُّ بالنسبةِ إليهِ آليةٌ لإعمالِ الفكرِ في اللامفكَّر فيه، متفاعلاً مع متغيراتِ الحياةِ وفوائضِ المعرفة - في جملةٍ من كتبِه (المقالية) العديدة ذات الصفحاتِ القليلةِ المكثفةِ الرشيقة - تأليفاً وترجمةً - نائياً بكتاباتهِ المثيرةِ للأسئلةِ عن مطولاتِ باحثي الفلسفةِ ومنظريها المشارقةِ والمغاربة. بل إنَّهُ يثورُ على نَسَقهِ الجينيالوجيِّ من آبائهِ (الحبابي والعروي والجابري)، وإن كان يبدو أقربَ إلى مؤلفِ «النقد المزدوج» و«الاسم العربي الجريح» تلميذِ رولان بارت عبدِ الكبيرِ الخطيبي بـ«ذاكرتهِ الموشومة»، مستخلصاً - بنعبدالعالي بجرحهِ وتعديلِه - من تجربةِ الخطيبي في النقدِ الأدبيِّ المتفلسفِ والكتابةِ الاجتماعيةِ والتاريخيةِ، ما جعلهُ يتماهى معه ويختلفُ معهُ في آن.

محمد رضا نصر الله

وإذ يشتغلُ بنعبدالعالي بعالمِ الفلسفةِ وكونيةِ الأدبِ والترجمةِ بتاريخِها المثقلِ بترجمةِ النصوصِ متعدّدةِ اللغاتِ، يقوم بمحو فعل الترجمة، نصّاً لا تشتم فيه رائحة اللغة الأخرى، بوصف الترجمة عملاً تراكمياً منعشاً... أو كما يُعبرُ كيليطو في مقدمتهِ المنبهرةِ بكتابِ صديقهِ «انتعاشةِ اللغة»، فلأنَّ تاريخَ الفلسفةِ هو في العمقِ تاريخُ الترجمة، كما هو ابنُ رشدٍ في ترجمتِه أرسطو، معتمداً على ما قامَ بهِ السريانُ العربُ المسيحيونَ من قبل، في ترجمةِ كتبِ أرسطو، خاصةً كتابيهِ «فن الشعر» و«فن الخطابة»، بوصفِهِما كتابينِ في المنطق. إذ عكف السريانُ على نقلِها لاستخدامها في مجادلاتِهم الدينية، التي «انتعشت» على أفكارهما، فقامَ تراجمتُهم وفي طليعتهم متى بن يونس، بترجمةِ كتاب «فن الشعر» لأرسطوطاليس، الذي شكّكَ أبو سعيد السيرافي في مناظرتهما أمام الخليفةِ المقتدر، بأنَّ متى لا يُحسنُ الترجمةَ من اليونانيةِ، رغم وجودِ رواياتٍ عن ترنُّمِ متى (منتعشاً) بأشعارِ هوميروس بأصلها اليوناني. وبسببِ تسلُّلِ المنطقِ الأرسطيِّ إلى بغدادَ العباسيةِ في ذروةِ انفتاحِها الفكري، وجدنا أبا نصر الفارابي - لبنعبدالعالي أطروحةٌ لافتةٌ في فلسفتهِ السياسيةِ المدنية - يهتمُّ بالفكرِ اليونانيِّ ويؤلفُ عن «فلسفةِ أرسطوطاليس» و«الجمعِ بين الحكيمين» أي أفلاطونَ وأرسطو، وهما كتابانِ عُني بهما أستاذُ كرسي الدراساتِ العربيةِ بجامعةِ هارفارد العراقي د. محسن مهدي، الذي ألّف كتاباً عنه: «الفارابي وتأسيس الفلسفة الإسلامية السياسية».

هذا... وقد نفختِ الترجمةُ الحياةَ في نصوصِ الأغارقةِ، لتسري إلى الغربِ الأوروبي القروسطي، ممزقةً الظلامَ الكنسيَّ بنورِها المتثاقفِ المنعش، عبر الرشديةِ اللاتينيةِ حسبَ وصفِ إرنست رينان في كتابه الشهير «ابن رشد والرشدية». يقول بنعبدالعالي في كتابه «انتعاش اللغة» (لا تعني كونيةُ الآدابِ تطابقاً يذيبُ الآدابَ المحليةَ في وحدةٍ ميتافيزيقية، وإنما وعي الذاتِ بأن الآخر مكوّنٌ من مكوّناتها، فعندما «تذبل» الآدابُ القوميةُ «تنتعش» وترى الحياةَ من جديدٍ عن طريق الآخر).

نعم.. وهاك شعراء التفعيلة - مثلاً ساطعاً - فمنذ ترجمَ علي أحمد باكثير «روميو وجولييت» سنة 1936 من الإنجليزية إلى العربيةِ على وزنِ وحدة التفعيلة، خارقاً بمغامرتِه الجريئةِ جدارَ الوزنِ الخليليِّ التاريخي الصلب. ووجدنا الشعرَ العربيَّ المعاصرَ ينتعشُ على آثارِ تداعياتِ الحربِ العالمية الثانية، مع بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة متثاقفين - مباشرةً أو مترجمين - مع نصوصِ شكسبير وت. س. إليوت وأديث ستويل وغيرهم، مشكلين بإبداعهم الشعري نقيضاً موضوعياً لجثوم الاستعمارِ الأوروبيِّ المثلثِ بلغاتِه وآدابه، على مشرقِ العالمِ العربي ومغربِه. وكان اللبنانيُّ أمينُ الريحاني قد ألقى إلينا قبلهما من مهجرهِ الأمريكي - مبدعاً ومترجماً - بقعةَ ضوءٍ غيرَ معهودةٍ بقصيدة النثر، متأثراً بخطى الشاعرِ الأميركي والت ويتمان.

أما السيّاب فقد ألهبَ ذائقةَ المستعربِ الفرنسي جاك بيرك، وهو يُلقي قصيدة «أنشودة المطر» بلسانهِ الفرنسي على أبناءِ قريته، فوجدهم يبكون - كما أخبرني في لقاءٍ متلفز - وكأنَّه «جعلَ الغريبَ ضيفاً على دارهم»، كما يعبر بنعبدالعالي في كتابهِ، حيث تفاعلَ فلاحو القرية الفرنسية بعدما «أنعشتهم» ترجمةُ القصيدة، وكأنهم وجدوا في أجواءِ قصيدةِ السيّابِ قريتهِ جيكور ونخيلها وأشجارها ونهيرها الصغير... وجدوا فيها قريتهم مؤتلفين إنسانياً مع فلاحي جيكور، رغم بُعد المسافةِ بين ضفتي لغتهم.

إذن فالترجمةُ كما يقول بنعبدالعالي عبورٌ وحركةُ انتقالٍ عبر جسرٍ يأتي بالضفتينِ إليهما، متوسلاً بتعبير هايدغر الألماني «أن التعددية ليست تساكناً بين عدةِ أشكال، حيث لا ترمي الترجمةُ إلى توحيدِ اللغاتِ وإلغاء الاختلافِ بينها، وإنما إلى بعثِ الغرابة»، وهو ما يُمثِّله بنعبدالعالي عن ترجمةِ الشاعرِ والمترجم البريطاني إدوارد فيتزجيرالد لرباعيات الخيام، حيث أعطى عمر الخيام مكاناً خالداً بين الشعراء العظام في فضاءِ الإنجليزية الثقافي. وكذلك فإن الشاعر الغنائي المصري أحمد رامي - هو الآخر - أعطى رباعيات الخيام عبر صوتِ أم كلثوم، بإعادةِ كتابتها مكاناً مؤثراً في الذوق العربي العام، بترجمتها من الفارسيةِ مباشرةً، وقد تعلَّمها في معهد اللغات الشرقية بباريس سنة 1924، سابقاً بها ترجمةَ أحمد الصافي النجفي العراقي، وإبراهيم العريض البحراني الأدق من الفارسيةِ مباشرةً، لتصبحَ هذه الترجمات لغةً ثالثةً، ذات طاقةٍ تأويليةٍ هائلةٍ في النص الخيامي المترجم.

غير أن السؤالَ المنتصب - هنا - يدورُ حول ترجمةِ النصوص عبر لغةٍ وسيطة، حيث قامَ سامي الدروبي - مثلًا - بترجمةِ رواياتِ تولستوي وديستويفسكي الروسية من الفرنسيةِ إلى العربية، ليكتشفَ المترجمُ المغربي إدريس الملياني الضليع في اللغةِ الروسية أخطاءً جسيمةً وقعت فيها ترجمات الدروبي.

أما حينما يستشهدُ بنعبدالعالي ببروست القائل «إن المؤلفات الرائعة تبدو وكأنها كُتبت بلغةٍ أجنبية»، فإنَّه يجعلني أتذكرُ على الفور مقولةَ عبد الفتّاح كيليطو (الكافكوية) في كتابه «أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية»، مخاطباً القارئ العربي «أن تمرَّ عبر البعيد لتعرفَ القريب وتعترفَ به»، مستشهداً بما كتبه د. عبد الله العروي في كتابه «خواطر الصباح» حول كتابةِ أطروحتهِ المبكرةِ عن «الآيديولوجية العربية المعاصرة» التي لقيت اهتماماً عربياً، بسبب كتابتها بالفرنسية قبل ترجمتها إلى العربية.

لكن أليسَ ذلك يُشكل عقدة نقصٍ ثقافية؟

يُجيب كيليطو في نفس مورد كلامهِ أنها «لعنةٌ تثقل كاهلَ العربِ منذ أكثر من قرن».المعروف أن جهاتٍ فرنسيةً رسمية أصبحت تتبنى نشرَ بعض النصوصِ الروائية (المغاربية) المكتوبةِ باللغةِ الفرنسية، باعتبارها إبداعاً «فرانكفونياً»، خصوصاً حين يجدون في معالجاتها ما يدعم الصورةَ النمطية المقلوبة عن المجتمعاتِ العربية المرسومة (استشرافياً) في مخيلاتهم الأوروبية.

الكاتبةُ والمخرجةُ الجزائرية آسيا جبار التي قابلتها في فندق الوحدة بالجزائر صيفَ سنة 1978، واجهتْ هذه الصورةَ الاستخذائيةَ الذليلة، وقد جاءتني تحمل أحد مؤلفاتها المسرحية «عند احمرار الفجر» عن الثورةِ الجزائرية مترجماً من الفرنسية إلى العربية، فقد عجز - وقتذاك - لسانُها عن الحديث بالعربية، رغم استشهادها في مسرحيتها بأبياتٍ من الشعر العربي القديم، فما كان منها إلا أن ترقرقت دمعةٌ متحسرةٌ في مآقي عيونها، وهي تغادرني معتذرةً عن إجراء لقاء تلفزيوني إلى دارها.

هل لهذا اندلعت الخصومةُ القديمةُ الشهيرة بين طه حسين وزكي مبارك المتخرجينِ في فرنسا، وقد أخذ مبارك على طه حسين أنه خضع لأستاذه كازانوفا، بينما أصرَّ هو على الاختلاف مع أستاذه مرسيه، وهما يناقشان أطروحتيهما، مراهنين على ما نجح فيه بعدهما عبد الفتّاح كيليطو بمهارة، وهو يسعى في كتاباته النقدية الآسرة المبهرة «ألا يكتبَ كالأوروبيين وأن يختلفَ في الآن نفسه عن الكتاب العرب».

فيا ترى، هل هو نفسُ الرهانِ الصعب الذي يُحاوله بنعبدالعالي، وبندول أطاريحه يتراوحُ منذ عقودٍ، بين قطبي الفلسفةِ العربيةِ الإسلامية القديمة والفلسفة الأوروبية المعاصرة - مؤلفاً ومترجماً، محاولاً خلخلة الثقافة النمطية والمفاهيم السائدة؟



فصل من رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» للراحل خالد خليفة

فصل من رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» للراحل خالد خليفة
TT

فصل من رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» للراحل خالد خليفة

فصل من رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» للراحل خالد خليفة

تصدر قريباً عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون» للروائي السوري الراحل خالد خليفة (1964 - 2023)، وهي الرواية الأخيرة التي كتبها خليفة قبل وفاته، وتصدر بعد غيابه بعام. في هذه الرواية، التي تقع في 264 صفحة، يصفي خالد حساباته مع الزمن، لتغدو وكأنها بوح موارب عن أحلامه وإحباطاته، من خلال سرد حكاية شلّة تحاول عبثاً إعادة بثّ الحياة في مدينة تموت! إنه يتحدث عن مدينة اللاذقية في سوريا، بشوارعها وأزقتها، ومعالمها التي شوّه معظمها الفساد الإداري وصفقات المقاولين. ينعى المدينة من خلال موت أحلام شبابها. هم شلة موسيقيين وشعراء وراقصة حاولوا إعادة بث الحياة في مدينةٍ تموت لكنّهم كانوا على موعد مع الخيبات القاتلة. فلا أحلامهم الموسيقية تحققت، ولا قصص حبهم عاشت، ولا أفضى مستقبلهم إلى الإنجازات التي تمنوها. لكلٍّ من أبطال الرواية، «المسوخ» كما تطلق عليهم صديقتهم، معاناته، وتسلخاته، وخيبته، ولكلٍّ منهم وهمٌ ابتلعه في نهاية الحكاية.

فيما يلي مقتطف حصري من رواية «سمك ميّت يتنفّس قشور الليمون»:

«كنّا مجتمعين في دكّان أبي، نناقش أمرنا كفرقة، وسط علب سائل الجلي، والموادّ المهرّبة التي يؤمّنها له رفاقه المساعدون الأوّلون الذين ما زالوا يخدمون في لبنان. في تلك السهرة شعرنا جميعاً بأنّ فكرة الفرقة سرابٌ وخديعة وقعنا فيها، الأمر ليس بهذه البساطة التي افترضناها، استسلمنا لفكرة أن نكتب ونلحّن ونغنّي لأنفسنا في هذه الفترة، لم نتّفق على شيء، حاولنا إعادة المحاولة في الغناء، واقترحنا تسجيل كاسيت لأغانينا وترويجه ضمن مجموعاتٍ شبابيّة تهتمّ بعملنا. أصبح في رصيدنا أكثر من عشر أغانٍ، دعتنا مجموعة من الشعراء الشباب في حلب، فذهبنا وارتجلنا حفلةً في منزل أحدهم، لكنّه أخبرنا لاحقاً أنّه استُدعي في اليوم التالي إلى فرع الأمن حيث هُدّدَ بالحبس إن قام مرّةً أخرى بتنظيم حفلةٍ دون إذن. أفهموه أنّنا فرقةٌ ممنوعة.

انقطعت عنّا منال، حبسها أخوها الكبير منعم في غرفةٍ وبدأ يتعامل معها بإذلالٍ شديد، وهي استسلمت تمامًا، تنفّذ كلّ ما يطلبه منها، كسجينةٍ تقاوم بالصمت كلّ عبثه وقسوته. كانت تعرف أنّها في هذه اللحظة تمنحه فرصةً حقيقيّة ليمارس بشكلٍ عملي حلم عمره بأن يكون سجّاناً. في فترة انتظار قبول طلب تطوّعه كسجّانٍ في جهاز المخابرات، كان يحاول التدرّب على العيش ضمن السجن، أراد تصفية حسابه مع خروجها الأخير وما قالته المدينة عن غنائها شبه عاريةٍ على مسرح الكنيسة. سألها عن موسى وعن الحفلة والسهرة على الشاطئ التي تناقلتها المدينة مؤكّدةً أنّنا مجموعةٌ من شهود يهوه مرّة، ومرّةً أخرى وأقرب إلى المعقول أنّنا مجموعة عبدة الشيطان. لم تجبه منال، تعلّمت أنّ الصمت أقوى فعل للاحتقار. كان صمتها يثيره، وفي لحظةٍ تخاف فعلاً من تحرّشه، فتصرخ بقوّة لتنبّه من في المنزل لإنقاذها، كما رحّبت ببقاء يارا معها، فوجودها يحميها من التحرّش. لم يكن تحوّله المفاجئ غريباً عن أفراد العائلة الذين يعرفون أحلامه مذ كان طفلاً، حلم بأن يكون قاتلاً مأجوراً، سفّاحاً، وفي النهاية استهوته فكرة الجلّاد.

تصاعد قلق موسى. قامت ماريانا بدور ساعي البريد، تحمل رسائل حبّه الملتهبة وفيها سجائر حشيش ملفوفة إلى منال المحبوسة في منزل أهلها، والتي يتحدّث الجيران عن سمعتها السيّئة، ويحرّضون عائلتها على تربيتها. قالت ماريانا إنّها خسرت الكثير من وزنها، وجهها أصبح شاحباً، وتعاني من فرط الكآبة. كان موسى يقرأ لنا مقاطع من رسائلهما المتبادلة، كتب لها مرّةً رسالةً يخبرها عن صباح المدينة (يجب أن تصدّقي أنّ هذه المدينة أصبحت غريبة، لقد ذهبت مع القتلة إلى مخادعهم، هذا الصباح وأنا جالسٌ في مقهى شناتا راقبتها تتوضّأ بالدم، لقد بدأوا بهدم معبد ذكرياتنا...).

ردّت عليه منال برسالةٍ قصيرة كتبنا بعض عباراتها على آلاتنا (توضّأت المدينة بالدم، صلّت علينا، أمواتاً ننهض كلَّ صباح، نزور قبورنا ونعتني بزهورها، نحن الأموات، يقتلنا القتلة، وتذهب مدينتنا كلّ ليلةٍ معهم إلى مخادعهم).

جميعنا افتقدنا منال، التي تحوّلت من حبيبة موسى إلى معبودتنا جميعاً، ننتظرها دوماً، تدخل وتقلب الطاولة، تمزّق دفاتر أفكارنا التي نكتشف أنّها مكرّرةٌ وباهتة، وتقودنا من أيدينا إلى حماقاتٍ جديدة. لم تستطع يارا احتمال فقدانها، لم تكتف بالرسائل، حملت حقيبة ملابس صغيرة ورافقت ماريانا، قالت: لن أعود إلّا ومنال معي. وصفت فيما بعد حياتهما في الحبس المنزلي، لم يفهم شقيقها منعم معنى قدوم فتاةٍ جميلة وغضّة لتقاسم صديقتها الحبس. مدّت رجليها ببساطة وطلبت منه تقييدها إذا أراد ذلك. لم تخف من نظراته، شعر بورطةٍ حقيقيّة رغم إعجابه بالفكرة. لم تعد منال تريد الخروج من المنزل. أرادت للجميع رؤيتها سجينةً في غرفتها، دعت الجيران والأقارب وكانت يارا جالسةً قربها.

آخر الليل كانت يارا تحتضن منال وتتحدّث الاثنتان بإنكليزيّةٍ صافية عن الرقص والطيران والحبّ والخيبة. تستمع منال طويلاً ليارا تخبرها بأنّها لن تعيش طويلاً، تضيف: لا يمكن لمسخ أن يعيش قرناً. العيش الطويل فعلٌ غبيّ، ماذا نفعل سوى التكرار؟ أضافت يارا أنّ روني لا يحبّها، لكنّها لا تكترث. يكفيها الحبّ الناقص. فهي تشعر بأنّها قد تغادر المدينة في أيّ لحظة، والحبّ الناقص يجعلنا أكثر حرّية. وافقتها منال. ثمّ سمح لها منعم بالخروج، وهو ينظر خجلًا الى الأرض، ويدعوهما لمشاركته الإفطار، معلناً خبر قبول تطوّعه في المخابرات بعد توسّط صديقه غدير له.

الرسائل التي حملتها ماريانا لمنال قرّبتها منها ومنّي، كانت ماريانا تشعر بأنّها تقوم بفعلٍ عظيم لرفاقها. أصبحت جزءاً من فرقتنا، تندسّ في صدري وتطلب منّي ألّا أتوقّف عن احتضانها، لم أعد أشعر بأنّني عاشقٌ فائضٌ عن الحاجة، تأتي كلّ صباحٍ إلى غرفتي في منزل أهلي، نشرب قهوتنا، ونختلس القبلات، وبقيت غرفتها في منزلها مكاناً دائماً لحبّنا حين تغيب الجدّة.

بعد عودتها إلينا كتبت منال أغنيةً لفرقتنا، قرأتها لنا:

رأيت الموت يتسرّب من النوافذ،

يقرع الأبواب

يخطف الصبايا الجميلات

أنا التي ودّعت صديقتها التي باعها أهلها بالأمس مقابل حصان

وأربعة أزواج من الأحذية

أنا مسخةٌ عمياء رأيت المدينة ولم ترني

أنعق كبومةٍ كلَّ ليلةٍ في خرائب قلوبكم.

هل عرفتم من أنا؟

ابنة الخراب الذي حفرتم أعمدته في زوايا المدينة الأربع

لم تهتمّ سوى بالصور المرعبة التي أحاطت بطفولتها، كانت المدينة بالنسبة إليها مكاناً لمرور النعوش ومقبرةً كبيرة، وفي أغنيةٍ أخرى كتبت (لا تقلق، الزهور تنمو ذابلة، تقتات من موتنا). نعم، كنت أفكّر في هذا دوماً، أنّ الزهور تنمو رغم ذبولها، وفي تلك اللحظات كانت تقتات من موتنا.

في حفلتنا الثانية ذهبنا إلى بيروت، عزفنا في بار last night ثلاث ليالٍ، شعرنا بأنّ وضعنا أفضل، بدأنا ندير أمور فرقتنا، أخذنا نقوداً، وعشنا ليل بيروت، تلقّينا دعواتٍ خجولة، ووُعدنا بالعودة مرّةً أخرى.

وصلنا منهكين إلى اللاذقيّة، كان المنزل فارغاً، والباب مفتوحاً، استغربت الأمر، لا يمكن لأهلي ترك الباب مفتوحاً بهذه الطريقة. سمعت بكاء عمّتي نديمة، فتحت باب غرفتها في الطابق الأرضي، تصاعد عويلها، أخبرتني أنّ أخي صالح مات قبل ساعتين، وأنّني أصبحت الذكر الوحيد لعائلتي. مات ظلّي وظلّ العائلة وبقينا جميعاً دون ظلّ. لحقت بالعائلة إلى المشفى العسكري، كان الجميع ينتظرون السماح لهم برؤية جثمانه.

كان وقع الخبر على العائلة صاعقًا يوم 14 كانون الأول 1991، لم نصدّق ما حدث حتى أدخلونا مشرحة المشفى العسكري وتلمّسنا جثّته الباردة. أختاي صفاء وحليمة مزّقتا ثيابهما، أمّي بكت دون توقّف، ظلّت تبكي حتّى عودتنا من زيارة قبره في ذكرى سنويّته الأولى. جلست إلى طاولة العشاء، سكبت في صحنها قطعة لحمٍ كبيرة، مسحت دموعها بعد توقّفها وسط ذهولنا، وقالت: أخذت حصّتي من البكاء. منذ تلك اللحظة، لم يرها أحدٌ تبكي. خسر أبي حلمه الوحيد برؤية ابنه ضابطاً يخرجه من حفرة صفّ الضابط التي عاش فيها طوال حياته، منذ تلك اللحظة تغيّر كثيراً، بقي إلى نهاية عمره حزيناً وشارداً، انحنى ظهره، وانخفض صوته، وأصبح ماضيه أقلّ بطولة، فكّر بأنّ موت صالح رسالةٌ ربّانيّة لعدم محاولة تغيير ما قسمه الربّ من أرزاقٍ وطبقات».