أنواع الحدس الأربعة

تعقيباً على موضوع «الحدس حقيقي وليس سحراً»

 ديكارت
ديكارت
TT

أنواع الحدس الأربعة

 ديكارت
ديكارت

نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» في 7 يونيو (حزيران) 2024 مادة بعنوان «الحدس حقيقي وليس سحراً... علم الأعصاب يشجع على تصديقه فكيف ننميه؟). وكان الحديث فيه عن تلك القدرة الغريزية التي قد يشعر بها الإنسان في لحظات حرجة معلنة أن ثمة خطراً ما يهدده، أو أن قراراً جوهرياً اتخذه لم يكن صحيحاً، وكأن يتقرب منك شخص مظهراً اللطف والمودة بينما هو في حقيقته عدو متربص.

التقرير نقل عن موقع «سيكولوجي توداي» قول العالمة النفسية وأستاذة الأبحاث إيما سيبالا أن المجتمع ينظر إلى القبول بالحدس على أنه من قبيل التفكير السحري. وكانت قد ذكرت في كتابها «السيادي» أن الحدس شكل من أشكال الإدراك المضبوط بدقة، وأنه قد صُمم لإنقاذ حياتنا، وأن 85 في المائة من الرؤساء التنفيذيين يستخدمون حدسهم عند اتخاذ القرارات. على الرغم من هذا يميل الناس إلى التفريق بين العقل والحدس ويرفضون معطيات الحدس لأنها تبدو لهم غير عقلانية أو لا تحظى بالعقلانية الكافية. وأشارت في كتابها ذاك إلى أن الجيش الأميركي قد أخذ الأمر بجدية وأنه يسعى إلى تطوير القدرات الحدسية لدى العسكر.

شوبنهاور

ويختم التقرير بالوصايا المعروفة بخصوص إسكات العقل عن طريق التأمل، والابتعاد عن الأجهزة الحديثة للخلاص من التوتر، والاقتراب من الطبيعة بهدف الوصول إلى رؤى مبتكرة، والتنفس بطريقة صحيحة خالية من التفكير، وتنمية حالة الصفاء الذهني، كما جاء في نصوص الطاوية وفلاسفة الزن. الجديد في الأمر هو التغير الظاهر في موقف علم الأعصاب الذي كان في بدايات اكتشافه كعلم يتصف بالعلمية التجريبية الصارمة والرفض والتصدي لمثل هذه الأفكار التي تبدو ميتافيزيقية بلا دليل. ويبدو أن العلم قد بدأ من جديد في تغيير رأيه، لكن قبل هذا ينبغي أن نتعرف على هذا الحدس وما معناه، خصوصاً أن هناك أربعة أنواع له. هناك الحدس التجريبي، والحدس العقلي، والحدس الكشفي الصوفي والحدس الفلسفي. معظم الناس لا يعرفون إلا الحدس الصوفي.

هناك الحدس الإشراقي وهو ارتفاع النفس البشرية إلى المبادئ العالية حتى تصبح مرآة مجلوّة تجاور جانب الحق فتمتلئ بالنور الإلهي الذي يغشاها، لكنها لا تنحل فيه بالكامل. وقد جرت العادة على تسمية هذا الامتلاء بالنور الإلهي كشفاً روحياً أو إلهاماً. حدس يرتقي من مشاهدة الصور الحسية إلى إدراك الحقائق المطلقة.

وهناك معنى ثانٍ للحدس عند أبي الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت؛ إذ يقرر أنه الاطلاع العقلي المباشر على الحقائق البديهية. وقد أوضح أنه لا يقصد بالحدس شهادة الحواس المتغيرة، ولا الانخداع لخيال فاسد المباني، وإنما يقصد به التصور الذي يقوم في ذهن خالص منتبه، بدرجة من السهولة والتميز لا يبقى معها مجال للريب، أي أنه يقصد به التصور الذهني الذي يصدر عن نور العقل وحده، أي أن الحدوس أعمال عقلية يدرك بها الذهن بعض الحقائق تقع فيه بشكل مباشر من دون تعاقب. والأمور التي يدركها العقل بالحدس عديدة، منها أشكال الأشياء وحركتها. ومنها الحقائق الأولية التي لا تقبل الشك كعلمي أني موجود لأني أفكر. ومنها المبادئ العقلية التي تربط الحقائق بعضها ببعض. لكل هذا كان ديكارت يسمي الحدس «النور الطبيعي» وهو لا يقصد به إلا غريزة العقل. وبنى الفيلسوف الألماني لايبنتز على الأصل الديكارتي، وقرر أن الحقائق الأولى التي نعرفها بالحدس نوعان: حقائق العقل وحقائق الواقع.

وهناك اتجاه آخر يمثله إيمانويل كانط ينظر إلى الحدس على أنه الاطلاع المباشر على معنى حاضر بالذهن من جهة أنه حقيقة جزئية. وعند جون ديوي تكون الحقيقة الجزئية إما مثالية كما في الحدس العقلي الذي يجمع بين تصور الشيء ووجوده، وإما مستفادة من الإحساس بصورة قبلية كإدراك الزمان والمكان، وإما أن تكون بعدية كنتائج التجارب.

أما شوبنهاور، فقد ذهب إلى أن الحدس هو المعرفة الحاصلة في الذهن دفعة واحدة من غير نظر أو استدلال عقلي. وهذا المعنى لا يصدق فقط على عملية تمثل الأشياء وتصورها، بل يصدق أيضاً على تصور علاقات الأشياء كتمثل الأشكال الهندسية من جهة ما هي مُدرَكة إدراكاً مباشراً. ولشوبنهاور حديث بديع عن الحدس الجمالي الذي يراه أكمل صور الحدس، حيث ينسى الإنسان نفسه في لحظة من الزمان، فلا يُدرك إلا حقيقة الشيء الذي يتأمله.

أما هنري برغسون، فيعرّف الحدس على أنه عرفان من نوع خاص وتعاطف باطني، فهو ينقلنا إلى باطن الشيء ويطلعنا على ما فيه من طبيعة لا تعبّر عنها اللغة، ويجعلنا نتحد بصفاته المفردة. إنه النقيض للفلسفة المادية المحبوسة في ظاهر الشيء.

وفسره هنري بواكارييه بأنه الحكم السريع المؤكد أو التنبؤ الغريزي بالوقائع وبالعلاقات، وهو أيضاً نظام رياضي يكشف عن العلاقات الخفية.

ولم تلبث الحدسية أن صارت مذهباً معروفاً من مذاهب الفلسفة وهو المذهب الذي يرى أن للحدس المكانة الأعلى في تحديد المعرفة. المذهب الحدسي الفلسفي له مدرستان، الأولى التي تقرر اعتماد المعرفة على الحدس العقلي، والأخرى التي تقرر أن إدراك وجود الحقائق المادية إدراك حسي مباشر وليس إدراكاً نظرياً.

خلاصة القول، أن الميتافيزيقا قد تكون مضللة للغاية، لكنها ستوصلنا إلى نتائج مذهلة عندما يدعمها العلم وتصدقها التجربة، أقصد التجربة بمعناها الواسع. عندما نقارن بين تاريخ العلم وتاريخ الفلسفة فلربما لاحظنا أن العلم عبر تاريخه قد اتخذ الأفكار الفلسفية موضوعاً للدراسة محاولاً إثباتها أو نفيها. العوالم الموازية التي تحدثت عنها الفيزياء الكمومية هي في الأساس فكرة لجوردانو برونو الذي قُتل حرقاً ذات نهار في سنة 1600. هذا هو أفضل ما يمكن أن يكون، العلم خادماً للفلسفة لا العكس. ومع ذلك، سيبقى الإنسان لغزاً محيراً ولا تزال قدراته العقلية وما وراء الحسية موضوعاً لمزيد من الدراسات التي ستأتي؛ فلا تزال طريق المعرفة طويلة.

* كاتب سعودي



حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية
TT

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

حين تتحول الطاقة إلى مادة إبداعية

من النافذة يطل أمامي صف من البيوت على الطرف الآخر للشارع، ومن زاوية نظري أستطيع رؤية عمال بناء موزعين أمام بيتين أو ثلاثة، فلا بد أن تكون هناك ترميمات تجري على قدم وساق هنا وهناك، فصفَّا البيوت المتقابلة الممتدة لنصف كيلومتر أُنشئت جميعها في أوائل الثلاثينيات، في عهد الملك إدوارد، وهذا ما وسمها باسمه: النمط الإدواردي. بيوت غرفها صغيرة بسقوف واطئة نوعاً ما، وديكور أقل زخرفة وأناقة من النمط الفيكتوري الذي ساد في زمن الملكة فيكتوريا حيث الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها.

حالما أعيد دورة الزمن إلى الوراء لثمانين سنة سيختفي صف البيوت هذا من أمامي، وخلفه سيمتد مرعى أخضر واسع تنتشر فوقه بقع بيضاء تتحرك قليلاً من وقت إلى آخر، وحين أمعن النظر أكثر أكتشف أنها ليست سوى أغنام موزعة من دون تنسيق، حيث ثبتت رؤوسها على الحشيش الغزير، ولا أستبعد أن تكون هناك حيوانات برية موزعة هناك وهناك: ثعالب وأرانب وقنافذ، وربما سناجب تتنقل ما بين الأشجار المنتشرة دون نظام والأرض المعشوشبة.

غير أن هذه الأراضي التي تعود ملكيتها إلى الدولة بدأت تدخل منذ أوائل القرن العشرين في دائرة الملكية الخاصة، فقد بيعت بأسعار بخسة لتشجيع استيطانها.

وخطوة خطوة، راحت أجيال متعاقبة من مخططي ومعماريي المدن والحدائق العامة ومعماريي البيوت والمهندسين المدنيين وآلاف العمال المهرة وشركات البناء والكهرباء والماء وإزالة الأحراش يعملون بدأب وراء الستارة ليشقوا طرقاً ويبلطوها بالأسفلت، وإنشاء أرصفة للمشاة ولأعمدة الكهرباء. وكان يجب تطوير مراكز إنفاذ النظام والقانون وتدريب شرطتها على ضبط العربات المتعددة الأغراض.

هل هذا العمل البطيء الدؤوب الذي شاركت فيه أجيال من المخططين والمنفذين له ما يناظره في حقل العلوم الواسع؟

«المادة لا تفنى ولا تُستحدث»، هذا ما صرح به عالم الكيمياء الفرنسي لوران لافوازييه الذي قطعت مقصلة ثوار 14 تموز رأسه خطأً يوم 8 مايو (أيار) 1794.

مع ذلك فإن ما تركه من بصمة على تطور العلوم وتطور مداركنا باكتشافه الأكسجين والهيدروجين، وتحديد صفاتهما، ظل قائماً، وبالتالي ظل لافوازييه نفسه حياً دائماً عبر إرثه الذي دخل في حياتنا وذاكرتنا جزءاً أساسياً منهما.

غير أن ما حمله القرن التاسع عشر من تطور هائل في حقل الصناعة واكتشاف أن المادة قابلة لأن تتحول إلى طاقة جعل فرضية لافوازيه بحاجة إلى التعديل، وذلك حين أصبح ممكناً تحويل الفحم الحجري إلى طاقة حرارية، ثم جاء استخدام الكهرباء طاقةً لإنارة الشوارع أولاً (في أواخر ذلك القرن) قبل تحويلها لاحقاً إلى أشكال أخرى من الطاقة، سواء حرارية أو ميكانيكية، ثم جاء آينشتاين في أوائل القرن العشرين ليؤكد تلك الفرضية التي ظلت تتردد لدى علماء القرن التاسع عشر التطبيقيين من دون أن يتمكنوا من صياغتها: «الطاقة لا تفنى ولا تُستحدَث»، لكن بالإمكان تحويلها من شكل إلى آخر: من طاقة ميكانيكية إلى حرارية أو كهربائية أو بالعكس.

وهذا ما بقينا نعيش تحت ظله: خلود الطاقة. فهي تترك وراءها مادة ما. القنابل النووية تترك وراءها أشعة وذرات قاتلة، أيْ مادة، ومن المادة يمكن الحصول على طاقة.

واليوم أصبحت الطاقة الكهربائية هي المحرك الحقيقي لحياتنا ويمكن تحويلها إلى طاقة حرارية أو ميكانيكية، وهي بالمقابل يمكن توليدها من الطاقة الحرارية القادمة من الشمس أو من الطاقة الميكانيكية التي تولدها طواحين الهواء، أو من الطاقة النووية.

وإذا كان ذلك صحيحاً في حقل العلوم الدقيقة والصناعة فهل يمكننا توسيعه ليشمل الوجود الإنساني نفسه مثلما جرى في أنسنة البيئة البرية القريبة من موقع مسكني خلال أكثر من قرن؟

فهذه الخبرات تراكمت فوق بعضها البعض، وهذا بفضل ما ظل الآباء والمعلمون يغذون الصغار بمعارفهم كي يصبحوا قادرين على ملء مئات التخصصات الضرورية لإقامة صف البيوت الأنيق هذا، بواجهات مطلية بالطلاء نفسه، ووراءها يمتد الطريق السريع والجسور والأنفاق العابرة للطرف الآخر منه.

استمرارية الشعلة

لكأننا نواجه بهذه الطاقات الصغيرة التي لم تكتف ببناء المساكن فحسب، وتوفير كل الخدمات الضرورية لسكانها، بل تكونت جيوش من العمال جاهزة دائماً لإدامتها والوقوف أمام فعل الزمن المخرب للأشياء، ناهيك عن منسقي الحدائق الكبيرة، الذين صمموا بعضها ثم غادروا الحياة قبل أن يروا شكلها النهائي الذي احتاج إلى نصف قرن لاكتماله.

ما جرى أمامي هو نفسه وبأشكال مختلفة جرى في شتى أنحاء المعمورة، فهناك حضارات بنيت قبل خمسة آلاف سنة في مصر والعراق، وفيها شقت الطرق وبنيت الزقورات والأهرام والمدن بمساكنها وأسواقها ومعابدها ومسارحها، لتجد طريقها في الانتشار بين شعوب العالم القديم.

وإذا اعتبرنا ابتكار الحروف والكتابة في هاتين الحضارتين نقطة تحول هائلة في تطور مدارك الإنسان، إذ معها أصبح ما يبدعه الفرد من معرفة وأدب وعلوم قابلاً للانتقال إلى الأجيال اللاحقة من دون ضرورة أن يكون مبدعها حياً، وقابلاً للانتقال من مكان إلى آخر. وهنا تصبح كل هذه الطاقات التي ينتجها عقل جمعي واحد يطلق عليه هيغل اسم «الروح المطلق» قابلة لأن تتحول إلى طاقات مختلفة لدى الأحياء من البشر أو للأجيال اللاحقة. لكأننا في هذه الحالة نشهد تحول الطاقة إلى مادة في حالة البناء والإعمار وإنشاء القرى والبلدات والمدن، ثم تحول المادة التي تتجسد بالأطفال المولودين للتو إلى طاقة أكبر وأكثر تنوعاً ابتداء من بلوغهم سن الشباب.

ما يميز شخصيات الروائي الروسي دوستويفسكي في رواياته الكبرى هو أن كلاً منهم تتحكم فيها فكرة ما، وهذه الفكرة تنتمي إلى عصره وأبدعها شخص أو مجموعة أشخاص تنتمي إلى القرن التاسع عشر.

وهذه الحال تنطبق على الحياة الواقعية لكن من دون تلك الواقعية الخيالية المبالغ بها في أعماله الأدبية.

قد يمكننا القول إن هناك نوعاً من الأفكار التي تُستحدث لدى مبدعها بفعل أفكار أخرى مسبقة أصبحت مادة أولية لها أو تحت تأثير إلهام خارجي خارق، وهذه الأفكار تأخذ شكل معتقدات دينية أو مذهبية أو آيديولوجية، وهي تمتلك القدرة على صياغة ثقافة مشتركة للمجتمعات التي وُلدت فيها وإلى أخرى قد تكون بعيدة عن موطنها الأصلي. وبفضل هذا النوع من الأفكار المختلفة عن بعضها البعض تشكلت طرائق وسلوكيات ورؤى وأمزجة خاصة لهذا الشعب أو ذاك، وبهذه الطريقة أصبح الجنس البشري مختلفاً عن الأجناس الحيوانية الأخرى بفضل تغلغل هذه الأفكار في روحية المجتمعات لتخلق غنى واسعاً في ثقافاتها.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين حدثت تحولات كبيرة في مفاهيم المجتمعات البشرية، حيث استطاعت الأفكار المستنبَطة من العلوم التي تطورت على تغيير الكثير من القناعات السابقة في مجالات علم الفلك وعلم الجيولوجيا وعلم النفس وغيرها، إضافة إلى تصاعد دور الفلسفة لا في صياغة رؤى الفرد والجماعة بل في صياغة طرائق الإدارة والحوكمة، وهذا ما خلق تقارباً عالمياً في الكثير من القناعات والممارسات وأنماط العيش والإبداع.

كم تتشابه الحالة البشرية مع الحالة العلمية اللتان يتحدد جوهرهما أساساً بالقانون نفسه: الطاقة لا تفنى ولا تستحدث. فالفكرة قبل تحويلها إلى واقع مادي تظل طاقة قائمة بذاتها ولكن عندما تصبح واقعاً على أيدي طواقم المهندسين والتقنيين والعمال فإنها تنتقل (حالها حال تحول الطاقة الكهربائية إلى حرارة أو حركة) من طاقة إلى مادة.

وعلى ضوء ما نراه من حياة «الإنسان العاقل» على هذه الأرض ونجاحه في تحويل عالمه القائم بذاته إلى عالم قائم لذاته، أي لذات هذا الكائن الأخير، يمكننا القول إنه تمكن من تحقيق خلوده عبر تحقيق نقل طاقته (قبل غيابه الجسدي) إلى ذريته وأجيال المستقبل، فبذلك ضمن بقاءه عبرهم. هنا يظهر أبو الكيمياء الحديثة ثانية: لافوازييه. فعند تسخينه أوكسيد الزئبق داخل منظومة مغلقة ظهر غاز ضروري تبين أنه ضروري للتنفس والاحتراق فأطلق عليه اسم «الأكسجين».

لكأن حال لافوازيه كحال مليارات الناس الذي ولدوا على هذه الأرض وغذوا خلال وجودهم المادي القصير نهر الحياة بطاقاتهم، وهذه ظلت خيطاً رابطاً ما بين الماضي والمستقبل غير المنظور.

إنهم هنا معنا أحياء عبر بصماتهم على نهر الحياة المتدفق هذا، طاقة قابلة للتحول من شكل إلى آخر لكنها لا تُفنى أبداً.


مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
TT

مدخل إلى الفنون الأموية المدنية

واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين
واجهة قصر المشتى في متحف الفن الإسلامي في برلين

يعود تأسيس متحف الفن الإسلامي في برلين إلى عام 1904، وتُعتبر أهم التحف المحفوظة فيه واجهة حجرية ضخمة مزينة بالزخارف المنقوشة، تعود إلى قصر أموي يُعرف باسم «قر المشتّى»، شُيّد خلال القرن الثامن في بادية الأردن. يحوي هذا المتحف كذلك لوحة جدارية خرجت في عام 1908 من قصر أموي يعود إلى الحقبة نفسها، ويُعرف باسم «قصير عمرة»، وهو في الواقع حمّام ملكي يقع كذلك في بادية الأردن، تزيّن جدرانه شبكة ضخمة من الرسوم الجدارية تمتد على مدى 350 متراً مربعاً تقريباً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي.

في المقابل، أنشأت السلطة البريطانية في القدس متحفاً افتتح رسمياً في عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار»، وضمّ مجموعة كبيرة من التماثيل والنقوش، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة في شمال أريحا. يُعرف هذا القصر باسم قصر هشام، ويشكّل اليوم جزءاً من مجمّع يحوي مسجداً وحمّاماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم». يحضر الفن الأموي المدني بقوّة كذلك في متحف دمشق الوطني الذي أُسّس في عام 1919، وتوسّع في مرحلة أولى خلال عام 1936، ومرة ثانية في مطلع الخمسينات، وضمّ حينها قسماً شُيّد لاحتواء مجموعة ضخمة من اللقى خرجت من قصر أموي يقع على بعد 60 كيلومتراً، جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. اكتُشف هذا الصرح في عام 1936، ونُقلت واجهته الخارجية إلى متحف دمشق الوطني، وأعيد إنشاؤها عند مدخله، فباتت بوابة له يبلغ طولها 14.45 متر، يحدّها من الطرفين برجان نصف دائريين مزخرفان بنقوش متعدّدة الأشكال.

دام عصر الخلافة الأموية تسعة عقود، عرف خلالها العالم الإسلامي حركة عمران كبيرة تمثّلت في سلسلة من الإنجازات الضخمة، أشهرها قاطبة قبة الصخرة في الحرم القدسي، والمسجد الأموي في دمشق. تعدّت هذه الحركة الميدان الديني، وشملت الميدان المدني بشكل واسع، كما تشهد مجموعة كبيرة من الأبنية في بوادي الشام، ظهرت معالمها الأولى خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وتواصل استكشافها بشكل مستمر خلال القرن الماضي. تُعرف هذه الأبنية اليوم بـ«القصور الأموية»، وتنتشر بحسب التوزيع الجغرافي المعاصر في نواحٍ عدة تقع في دول سوريا والأردن وفلسطين.

يبرز قصر الحير الغربي في سوريا، ويعود إلى عهد هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أميّة، ويتميّز بحلله الزينية التي تجمع بين النقش والنحت والتصوير اللوني، وتشهد لفن أموي مدني شكّل استمرارية خلاقة للفنون التي ورثها. يقابل هذا الصرح قصر آخر يُعرف باسم قصر الحير الشرقي، يعود إلى ذلك العهد، ويقع شمال شرق تدمر، وكان بمثابة منتجع على ضفاف نهر الفرات. تضم الأراضي السورية كذلك أطلال قصرين من هذه القصور، يقع أحدهما في جبل سيس، جنوب شرق مدينة دمشق، ويُنسب إلى عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك، سادس خلفاء بني أمية. يقع القصر الآخر في مدينة الرصافة التي تُعرف كذلك برصافة هشام، وتمتدّ جنوب نهر الفرات، في شمال الصحراء السورية.

في فلسطين، يبرز في المقام الأول قصر خربة المفجر الشهير بقصر هشام، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، ويتميّز بحلله الزينية المتنوعة، وأبرزها منحوتاته التي نجا جزء كبير منها من الخراب. يحضر في المقام الثاني قصر يقع في خربة المنيا، في الجليل، نواحي الطرف الشرقي لبحيرة طبريا، ويشكّل جزءاً من مجمع يعود إلى عهد الوليد بن عبد الملك، يحوي مسجداً يُعتبر من أقدم مساجد فلسطين. إلى جانب هذا القصر، قصر ثالث يُعرف باسم قصر السنابرة، يقع في خربة الكرك، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة طبريا، ويحوي قاعة استقبال تزينها فسيفساء أرضية ضاع القسم الأكبر منها.

تحوي صحراء الأردن الجزء الأكبر من هذه القصور، وأهمّها قصير عمرة التي تغطي جدارياته الجدران الداخلية ومختلف القناطر والقبب، وتشكل جدارياته مادة استثنائية لدراسة فنون التصوير في الحقبة الأموية. يقع هذا المتحف الحي في واحة الأزرق التابعة لمحافظة الزرقاء، ويُنسب بشكل مؤكّد إلى الوليد بن يزيد، كما تشهد آخر أعمال المسح الحديثة في هذا الموقع. في محاذاة الطريق الدولي المتجه إلى واحة الأزرق، يرتفع قصر الحرانة الذي شُيّد في عهد الوليد بن عبد الملك، كما تشهد كتابة كوفية نُقشت فوق باب إحدى حجرات طابقه الثاني. وعلى بعد نحو 20 كلم شرق عمّان، إلى الشمال من الطريق التي تصل مدينة الزرقاء بواحة الأزرق، يرتفع قصر الحلّابات وسط مجمّع تحدّه أربعة أبراج، ويتميز بمجموعة من الأرضيات الفسيفسائية تعرّض جزء كبير منها للخراب. نقع على أربعة قصور ترتفع أطلالها في الجهة المقابلة، أشهرها قصر المشتّى في لواء الجيزة، وهو أول القصور الصحراوية التي كشف عنها المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر، وأكبر هذه الأبنية من حيث المساحة الجغرافية، وأشهر معالمه واجهته الجنوبية التي نُقلت إلى برلين في مطلع القرن العشرين، مهداة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني.

أشار العالم البريطاني والخبير بالحضارة الأشورية أوستن هنري إلى هذا القصر في عام 1840. وقدّم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام أول عرض توثيقي له ضمن دراسة نُشرت في 1872. بعدها شرع المستشرق الأميركي رودلف برونو في دراسته بشكل أكاديمي في 1897، وفي 1905، رأى أنه بُني في العهد البيزنطي، وقد شيّده الغساسنة تبعاً للنسق الخاص بالمناذرة اللخميين الذين حكموا العراق قبل الإسلام. بعد عامين، صحّح العالم التشيكي ألويس موسيل هذه القراءة، وأكّد هوية الموقع الأموية الخالصة في كتابه الموسوعي «البتراء العربية».

يعكس هذا السجال المبكر الطابع الوسيط الخاص بالفنون الأموية المدنية، وهو الطابع الذي اتّضحت معالمه في العقود التالية، مع تواصل الاكتشافات والدراسات. من المعروف أن الحرفيين السوريين استفادوا من الطرق الهلينستية والفارسية في القرون التي سبقت ظهور الإسلام، ومزجوا بين هذه الطرق في قالب محلي خاص بلغ اختماره خلال القرون الأولى للميلاد. تبيّن أن هذه الحركة الفنية استمرّت في الحقبة الأموية من خلال ما يُمكن وصفه بالفنون المدنيّة. تجدّد نتاج هذه الحركة، وخرج بقوالب مبتكرة تشهد لعمق التواصل الحضاري بين الفن الأموي والتقاليد الراسخة التي سبقت عصره.


مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل
TT

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

مجلة «الأديب الثقافية»: ما بعد قصيدة النثر الراهن والمستقبل

صدر أخيراً العدد الرابع عشر/ شتاء 2026 من «مجلة الأديب الثقافية»، وتضمن دراسات وأبحاثاً ومقالات مختلفة، منها: حوار موسع مع المفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، الذي حاوره رئيس التحرير في قضايا الفكر العربي الإسلامي، والسلفية، والجهادية، وإعادة فتح باب الاجتهاد، والحداثة، والدولة الدينية – الثيوقراطية، والبنية السوسيولوجية الثقافية للمجتمع المغربي، والمنجز الروائي.

وفي حقل «فكر ونقد»، كتب الناقد عباس عبد جاسم عن «بينونة الفكر النقدي، وإشكالية اللا مفكر فيه»، وأسهمت الدكتورة أوراد محمد كاظم في الكتابة عن «نسوية ما بعد الإنسانية والمد الوجودي»، وساهمت الدكتورة عشتار داود محمد بـ«سلطة النقد في مقاربة النص الأدبي»، كما كتبت الدكتور أنصاف سلمان علوان عن «النسوية الفوضوية».

وتضمن العدد ملفّاً موسعاً عن «ما بعد قصيدة النثر: الراهن والمستقبل»، خصوصاً على مستوى العبور الإجناسي، وتنافد الأشكال، وتنوّع المضامين، والتجريب والتجديد في قصيدة النثر، وقد توزّع الملف على قسمين: الأول – دراسات وبحوث نقدية، منها: سؤال البعدية للناقدة الدكتورة بشرى موسى صالح، وبيان شعري جديد: القصيدة قصيدة بلا نثر للكاتبة والشاعرة دنيا ميخائيل، وتوظيف الغموض واستدعاء العناصر الدرامية – مقاربة جمالية لمفهوم الجليل في قصيدة النثر للناقدة الدكتورة رشا الفوال، وقصيدة النثر من الحقيقة إلى التحقق: تحوّلات النص وفضاءات التجريب للناقد الدكتور محمد عبد الله الخولي، وقصيدة النثر... الخروج على شعرية المألوف للناقد علي حسن الفوّار، وما بعد قصيدة النثر - قصيدة المعنى للشاعر والباحث حاتم عبد الهادي السيد، والطلوع وسط انهيار اليقينيات – جيل الثمانينات والتسعينات والألفية الثالثة للناقد عباس عبد جاسم.

وتضمن القسم الثاني من الملف شهادات ونصوصاً، منها: تحولات القصيدة: من العمود والتفعيلة والنثر إلى النص المفتوح للشاعر عدنان الصائغ، وقصيدة النثر والتحوّل الرقمي، ومقاطع شعرية جديدة بعنوان: كوكب يذوب دمعه للشاعر والكاتب شريف الشافعي، وحين يخفف النسر من أجنحته – قصيدة النثر أعالي الكينونة للشاعر والكاتب عبد الوهاب الملوح، وقصيدة النثر أي الاختيار الأنسب؟ ونص بيوتنا نحملها دون خجل للشاعر مصطفى المحبوب، وقصيدة النثر؛ رافد من روافد الشعرية العربية للشاعر محمد زينو شومان، ونبيلة الوزاري وصفحة روح.

وفي حقل «قراءات»، أسهمت الدكتورة غنية بو ضياف بقراءة «مكرو شعرية» بعنوان «القلق وبوح الذات في الكتابة النسوية – قصاصات قلق» للطيفة حرباوي، وكتب الدكتور عبد المالك أشهبون عن «خصوصية حضور – اليوميات – في رواية – عِقد المانوليا» لنعيمة السي أعراب، وتناول الدكتور أحمد زينبر «التاريخ واستدعاء الذاكرة في رواية – مجهول الحال – لسعيد بنسعيد العلوي»، وقدّم الدكتور بو شعيب الساوري قراءة بعنوان «اللعب في النص القصصي ككتابة وفعل تواصلي».

وفي حقل «تشكيل»، قدّم الكاتب هيثم عباس قراءة بعنوان «الواضح الغامض – المرأة في أعمالي التشكيلي دلشاد بهاء الدين عبد الله». وفي حقل «نقطة ابتداء»، الصفحة الأخيرة من المجلة، قدّم الكاتب والروائي أمجد توفيق مقالة بعنوان «لماذا نكتب؟».

مجلة «الأديب الثقافية» تصدر بطبعتين ورقية وإلكترونية.