سردية الحيوانات والطيور في عيون الكتاب

يرون أنها تتيح مساحة أوسع لرؤية العالم

محمد أبو زيد
محمد أبو زيد
TT

سردية الحيوانات والطيور في عيون الكتاب

محمد أبو زيد
محمد أبو زيد

شغلت عوالم الحيوانات والطيور الكتاب والشعراء والفنانين على مر التاريخ، وتعددت دلالاتها ورموزها على مختلف المستويات الفنية والإنسانية، وفي سياقات من «الفانتازيا» تستدعي تراث الأساطير والخرافة، رابطة إياه بما يحدث في عالمنا الراهن.

«الشرق الأوسط» تستطلع في هذا التحقيق آراء عدد من الكتاب شكلت هذه الرمزية دلالة مركزية في أعمالهم.

الروائي أحمد الفخراني: «بدائل لعالم مأزوم»

لا توجد أعمال كثيرة في الأدب العربي المعاصر استخدمت الحيوان بشكل مركزي على حد علمي، ولكن مؤخراً قرأت العمل الأدبي المذهل «بنات آوى والحروف المفقودة» لهيثم الورداني، وهو يعتمد على كتاب «كليلة ودمنة» لعبد الله بن المقفع، ليذكرنا في الأساس بأن الأدب الذي يعتمد على الحيوان شيء أصيل في ثقافتنا العربية، ومن أهمها أيضاً كتاب «الحيوان» للجاحظ، الذي يتجاوز فكرة المقفع الذي يستخدم الحيوان إنساناً يجري على لسانه الحكمة المفقودة في أزمنة الصمت والاستبداد، فيقدم الجاحظ الإنسان نفسه بوصفه حيواناً، يمكن له أن يتناص في أجزاء كثيرة من سلوكه، على الأقل الجانب المبدئي منها والمتعلق بالغرائز والصفات مع سلوك وصفات بعض الحيوانات. الفكرة الفلسفية المهمة هنا أنه لا فرار من تلك الطبيعة، وغاية ما يملكه الإنسان هو ترشيد تلك الطبيعة والسيطرة عليها لا كبتها، فمن يستطيع أن يكبت طبيعة الافتراس عند الذئب مثلاً؟

أحمد الفخراني

في روايتي «إخضاع الكلب»، كنت منشغلاً بتلك العلاقة التي لكي تستقيم عليها أن تكون بين سيد صِرف وعبد صِرف، لكنها تُغلف بالحب والعاطفة، فماذا لو كانت الشخصية الروائية ترى في هذا الإخضاع الكامل وسيلتها الوحيدة للسيطرة على واقعها المأزوم، وعلى فشلها، وتجعل من الكلب نفسه محل إسقاط لقصته الشخصية وهزائمه؟ ماذا لو فشلت تلك الشخصية في ترويض كلبها، فتعقد واقعه أكثر، لأن رغبته هي الطاعة الكاملة غير المشروطة، مما ساعدني في نقل الصراعات الداخلية بين الأنا والأنا العليا، وانقساماتها بين الحب والكراهية، الشفقة والقسوة؟ لكن الأهم أن الكلب يُجبر بطل الرواية على النظر إلى داخله المُعقد، وألا يشيح النظر واختلاق قصة هروب من نفسه وذاكرته.

الروائي محمد أبو زيد: مكون أساسي للخيال

منذ عرف الإنسان الخيال، استخدم الحيوان أداة للسرد، في بعض الأحيان لم يكتفِ بالحكايات عما يعرفه من حيوانات استأنسها ورسمها على جدران المعابد والكهوف، فاختلق حيوانات جديدة، مثل الغول والعنقاء والحية ذات الـ3 رؤوس، والآلهة التي تحمل رؤوس حيوانات، ومن هنا بدأ معظم الأساطير.

الحيوان يحضر منذ طفولة الحضارة، ومنذ تعلم الإنسان الحكي، وتعلم الإنصات في طفولته إلى عالم السرد السحري في حكايا الجدات والأمهات. كما يحضر الحيوان في القص القرآني بشكل كبير، فهناك كلب أهل الكهف، وناقة صالح، وحمار العزير، ونملة سليمان، وبقرة آل إسرائيل، بالإضافة إلى سفينة نوح التي ملأها بكل زوجين اثنين من الحيوانات.

حضر الحيوان في البداية كقناع ببعض الأحيان كما في حكايات «كليلة ودمنة»، وقصص الحكيم إيسوب، أو للتسلية في بعض حكايات «ألف ليلة وليلة»، لكنه أصبح يحمل أبعاداً فلسفية وسياسية في العصر الحديث، مثل «المسخ» لدى كافكا، أو «مزرعة الحيوان» لدى جورج أورويل، و«دون كيخوته» لدى ثربانتس.

لقد استفدت من هذا الحضور الطاغي للحيوان، في الثقافة الإنسانية، وإن كان يستوقفني دائماً الحضور الكبير له في الحضارة الفرعونية، بوصفه جزءاً من حياتهم، فالمصريون القدماء هم أول من استأنس القطط على سبيل المثال، وكانوا يرون أن الرفق بالحيوانات واجب مقدس. ويمكنني أن أقول إن بطل روايتي «ملحمة رأس الكلب» استلهام للإله «أنوبيس»، إله الموتى عند الفراعنة، والذي يُصوّر على شكل إنسان برأس ابن آوى، وهو مرشد للأرواح في الحياة الآخرة، كما يحضر فعاليات الميزان، التي يتم خلالها «وزن القلب»، وتحديد ما إذا كان سيتم السماح للروح بإكمال الرحلة، أم لا.

رحلة «رأس الكلب» في الرواية ما بين عالمين، وهي أشبه بما يقوم به أنوبيس، ومن هنا يمكن إعادة النظر إلى رحلته مع «دو» بطلة الرواية، والقول إنه ساعدها بأن تنتقل من حياتها القديمة، إلى أن تجد ذاتها، وتعرف طريقها عن طريق الحب.

القطة أيضاً مكون أساسي في الثقافة الشعبية المصرية، وكانت مقدسة لدى الفراعنة، وحضورها في الرواية كان استلهاماً لهذا البعد الشعبي والتاريخي، وفي الأمثال «للقط 7 أرواح»، تغادرها واحدة تلو الأخرى، وهو ما حدث في الرواية. وبالنسبة لي، الحيوان مُكون أساسي للخيال، ليس بوصفه قناعاً، بل بوصفه عالماً حقيقياً قائماً بذاته، يثير دهشتي على الدوام. ورغم كل ما كتب عنه، فهو لم يُكتشف بعد.

القاص أحمد عبد المنعم رمضان: «الغابة ومتاهتها»

منذ طفولتي المبكرة اعتاد والداي أن يصطحباني سنوياً إلى معرض الكتاب، وكانت بمثابة رحلة بالنسبة لي، ومن ضمن طقوسها المرور على جناح دار «الفتى العربي» التي أغلقت أبوابها قبل أكثر من 20 عاماً، أو «دار المعارف»، أو جناح «ليدي بيرد» للكتب الإنجليزية، وكانت الحيوانات تسيطر بشكل كبير على أغلفة القصص وكتب التلوين ومتنها في هذه الدور، أذكر «الوزة البيضاء» للفنان التشكيلي عدلي رزق الله، و«ما حدث لدجاجة لا تفكر» للقاص السوري زكريا تامر، كما أذكر قصة أخرى له عن ذئب يقلد صوت القطط. تزامن هذا مع مشاهداتي لسلاحف النينجا وأفلام الديناصورات وكارتون بعنوان «الفيل بابار» عن أساليب الحكم والديمقراطية في مملكة الأفيال! ولذا كوّنت الحيوانات جزءاً مبكراً من مخيلتي، ولكنها في أغلب الأحيان حيوانات تخرج بشكل ما عن طبيعتها، لتصبح كائناً مختلفاً وجديداً؛ مثل فيل ديمقراطي وذئب يقلد صوت القطط وسلاحف تحارب الشر.

أحمد عبد المنعم رمضان

ستتوالى قراءاتي وسيصبح زكريا تامر من كتابي القصصيين المفضلين، سأقرأ له «صهيل الجواد الأبيض» ضمن قصص أخرى، سأقرأ لمحمد المخزنجى وكافكا وجورج أورويل. جميعهم لعبوا مع الحيوانات، أما همنغواى فطاردها واصطادها، سأقرأ لجون شتاينبك أيضاً، سيبهرني وسأنتبه لوجود الحيوانات الدائم في رواياته، ليس فقط في «فئران ورجال»، ولكن في «عناقيد الغضب»، وفي «البحث عن إله مجهول»، بل حتى في خطاب تسلمه جائزة نوبل.

لا أعلم بمن تأثرت، ربما بهم جميعاً، وبآخرين لا أذكرهم، وبحيوانات بشرية صادفتها هنا أو هناك، ولكني في كل الأحوال أدعي أن مشاهداتي الطفولية وقراءاتي المبكرة كانت أعمق أثراً في نفسي من كل هذا رغم بساطتها، أو ربما بسببها.

لم أخطط للكتابة عن الحيوانات أو لاستخدامها في مؤلفاتي، تسللت القطط والأسود والببغاوات والقردة إلى قصصي على مر السنين دون ترتيب مسبق. وذات يوم تأملت كتاباتي ولاحظت الوجود البارز للحيوانات فيها، شعرت وأنا أنظر إلى قصصي بأنني تائه في قلب غابة، أبحث عن معانٍ لحياتي ووجودي بينما تحيط بي الحيوانات، أو بشر يتصرفون بوحشية وقسوة أكثر من الحيوانات، وهنا تشكل في خيالي هيكل لمجموعة قصصية تضم هذه في قسمين: «حيوانات المدينة»، و«تائه في الغابة».

أعتقد أن الحيوانات في تلك المجموعة لا تشبه في رمزيتها أو استخدامها «كليلة ودمنة»، ولا «حيوانات أيامنا» للمخزنجي، أو «مزرعة الحيوان» لأورويل، فالحيوانات هنا تتصرف بغرابة أحياناً، لا تشبه خيالنا عنها، لها سمات وخصائص مختلفة، الببغاء يتوقف عن الكلام والخنزير يتمتع باستنشاق الروائح الجميلة والقردة تجلس على المقاهي، هذه الكتابة التي تصنف كتابة خيالية هي أكثر واقعية مما تبدو، حيث تعطيني مساحة واسعة للنظر إلى العالم بعيون مفتوحة وقادرة على رؤية الأشياء على حقيقتها، أو ما أظنه ذلك، ولكن هذا لا يمنع أننا، أنا والراوي، لا نزال تائهين في هذه الغابة.

الناقد د. سيد ضيف الله: «فواعل سردية»

الحيوانات والطيور كانت فواعل سردية مهمة في الموروث الديني على اختلاف الأديان، ولعل أشهر الأدوار السردية التي لعبها حيوان كان دور بقرة بني إسرائيل، بحسب الرواية القرآنية وتفاسيرها التي تجعل للبقرة دوراً بعد ذبحها في إثبات نبوة نبي من ناحية ـ وفي الكشف - من ناحية ثانية - عن قاتل مجهول بطريقة إعجازية؛ لا أظن أن سرداً بشرياً حديثاً حاول تقديمها ولو على سبيل «الفانتازيا»، وهي طريقة إحياء الميت للإخبار عن قاتله. إضافة للبقرة، نجد اليمام في الأثر بطلاً في حكاية حماية النبي محمد صلى الله عليه وسلك من أعدائه المتتبعين له، ونجد الناقة حكماً بين فريقين من المسلمين يتنازعان لتحديد مكان النبي في المدينة باعتباره ضيفاً، فتحدد الناقة المكان (المسجد) باعتباره نواة الدولة الناشئة (الخلافة الإسلامية).

سيد ضيف الله

ومن ثم، استند توظيف الحيوان في الموروث الديني على إيمان المتلقين بقدرة إلهية على توجيه الحيوان والطير والجماد، باعتبارها كائنات مأمورة ومسخرة لا إرادة مستقلة لها ولا عقل مكلفاً بالاختيار وتحمل المسؤولية عن تصرفاتها مثلما حال الإنسان. أظن أن دور الطير والحيوان في هذا السياق كان داعماً للبطل، وهو غالباً البطل النبي، أو البطل المؤمن في مواجهة فريق الكافرين أو الظالمين. ويصعب أن نجد في هذا السياق تمثيلاً لحيوان بوصفه كائناً شريراً، لأن الاختيار بين الشر والخير ليس من صفات الحيوانات والطير في الموروث الديني. فأدوار الشر تؤديها الحيوانات طاعة لله في هذه المتخيلات السردية الجمعية.

في عصرنا الحديث... صارت ثنائية الشر والخير التي تتصارع داخل النفس البشرية هي ما طبقها المبدعون على عالم الحيوان والطير لتمثيل الواقع الإنساني

أما في عصرنا الحديث، فقد صارت ثنائية الشر والخير التي تميز بين البشر، وتتصارع داخل النفس البشرية الواحدة، هي ما طبقها المبدعون على عالم الحيوان والطير لتمثيل الواقع الإنساني عبر الإسقاط، وباستخدام الأمثولة مثلما فعل ابن المقفع في «كليلة ودمنة»، وجورج أورويل في «مزرعة الحيوانات». وهذه النماذج كاشفة عن نموذج لمبدع يتخفى من مواجهة الحاكم ويُسرب رأيه انتصاراً للعدل والحرية، وهي القيم العابرة للأوطان، وقد أعاد أورويل توظيف الحيوانات انتصاراً لهم أيضاً. والمدهش أننا نكاد لا نعثر على توظيف للحيوانات لتمثيل الصراعات الحضارية في العالم القديم؛ حيث الصراع بين الإمبراطوريات على أساس عقائدي أو حضاري. وفي عصرنا الحديث، عُدّ أن محمد المخزنجي في كتابه الممتع «حيوانات أيامنا» قد أبدع في إعادة توظيف ثنائية الخير والشر وتمثيل عالم الحيوانات على أساسها، ليُسرب رؤيته للصراع بين الحضارات الإنسانية في العصر الحديث، كما نجد إبراهيم الكوني في روايته «ناقة الله» يجسد الهوية الوطنية من موقع الطوارق الذين هجّروا في الستينات بالكشف عن عمق العلاقة بين الناقة والراعي والوطن. إن سقوط السرديات الكبرى ومنها سردية الوطن لدى كثير من المبدعين، أدخلنا نفق الاغتراب وانتهاج الغرائبية للتعبير عن أزمة الإنسان، وكذلك توظيف محمد أبو زيد في «ملحمة رأس الكلب» للحيوان بعقد تصالح بين واقعه والأسطورة.


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.