«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

عباس لطيف يبني شخصية الشاعر الصوفي مستنداً إلى مرويات ومخطوطات

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً
TT

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

رواية «العروج إلى شيراز» للروائي عباس لطيف، الصادرة عام 2024، رواية مركّبة، تتحرك على مستويين؛ تاريخي ومعاصر. فعلى المستوى التاريخي تعود إلى القرن الثامن الهجري (الثالث عشر الميلادي) لتدّون لنا سيرة حياة ونضال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي، وعلى المستوى المعاصر تنقل لنا الرواية معاناة جنديين من ويلات حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران التي أحرقت الأخضر واليابس. ولذا فالرواية ليست عن الحرب بالمفهوم التطبيلي لها، بل هي رواية ضد الحرب لأنها ترفض الحرب وتتعاطف مع محنة هذين الجنديين اللذين يقفان ليتقاتلا في خندقين متعاديين على الرغم من رفضهما الحرب ومآسيها. وهذه التجربة تُذكّرنا برواية سابقة للروائي طه حامد الشبيب، حيث وجدنا جنديين متعاديين يرفضان الحرب وينشران رسالة السلام.

تكشف الرواية منذ استهلالها عن نزعة ميتاسردية واضحة لأسباب كثيرة منها انطواؤها على مخطوطة عن حياة الشيرازي كتبها الجندي الإيراني (مير قرباني)، وتحمل اسم «ترجمان الأسرار» وتتوزع فصول المخطوطة التسعة على الرواية بشكل متناوب مع فصول السرد المعاصر الذي يشغل اثني عشر فصلاً.

يستهل الروائي روايته بالفصل الأول من فصول مخطوطة «ترجمان الأسرار» التي كتبها (مير قرباني) ويقدم فيها حافظ الشيرازي نفسه بطريقة السيرة الذاتية، ويروي جانباً من حياته مع أمه التي ثُكلت بوفاة الزوج، وغياب اثنين من أبنائها بطريقة غامضة، ولم يبقَ لديها سوى ولدها الأصغر حافظ الشيرازي.

يقدم الروائي السرد من خلال منولوغين، هما منولوغ الابن حافظ، ومنولوغ الأم:

- «استبدّت به مشاعر جامحة...». (ص 7)

- «كانت تبتهل تارة وتبكي تارة أخرى وهي تتطلع من خلال النافذة... وشعرت بشعور غريب؛ بأنها تشبه هذه المدينة». (ص 7)

وعندما قرر حافظ الشيرازي أن يعمل خبازاً، فضلاً عن عمله معلماً للتلاميذ في المسجد والمدرسة، وحلقات الدرس، خشيت عليه أمه من وشاية جواسيس «السالوس» وكتّاب التقارير فقالت له معبّرةً عن مخاوفها:

«وأنت تكتب شعراً فيه الكثير من الهرطقة، وقد يجعل بعض العمال ومن يشترون الخبز يبتعدون عن المخبز». (ص 11)

ونكتشف منذ البداية بعض مظاهر رؤية الشيرازي الفلسفية والصوفية التي هي ترجمة لأفكاره في فهم الحياة والجمال ووحدة الوجود (ص 12). وكان الشيرازي يدرك أنه يسعى في معراجه نحو النور الذي يسطع داخل المرء وصولاً إلى سرمدية المعنى والوجود الأبهى (ص 13). وكان عشقه لحبيبته (شاخ نبات) روحياً، رافضاً أن يدنسه بالمحسوسات مثل الزواج، فهو يرى أنه سكران بالحق والحرية، ومن يسكر بهما لا صحو له (ص 20).

وينتقل السرد في الفصل الثاني الموسوم بـ«المخطوطة» إلى الجندي العراقي جلال شاكر، ليروي لنا، عبر ضمير المتكلم، جانباً من معاناته في هذه الحرب وكيفية عثوره على المخطوطة التي كتبها مير قرباني في أحد الخنادق العسكرية الإيرانية:

«أنا الجندي المكلّف جلال شاكر، أحد شهود وقرابين الحرب التي اندلعت واستمرت طوال سنوات من الجمر والوجع والخسارات». (ص 22)

ويسرد علينا راوي الفصل (جلال) محنته الموجعة من الحرب، بعد تخرجه في كلية الآداب، وزجّه مع زملائه إلى الجبهات المستعرة، كما يتحدث عن علاقته بزميلته (ليلى) واتفاقه معها على الزواج، لكنّ سوْقه إلى الحرب أوقف هذا المشروع. ويكشف الراوي عن عشقه للقراءة والكتابة:

«أنا أعشق القراءة، وأكتب بعض القصص القصيرة. وبعض المقالات الأدبية، وغير الأدبية».

وهذه الإشارة تضيء جانباً من الطبيعة الميتاسردية للرواية، لأن الراوي هو طرف فاعل في كتابة يوميات الحرب وتجاربه الشخصية، ومنها نقله إلى إحدى جبهات القتال الساخنة في (نهر جاسم)، حيث عثر في أحد المواقع في الجانب الإيراني على مخطوطة الجندي (مير قرباني) التي تحمل عنوان «ترجمان الأسرار» عن سيرة حياة الشاعر حافظ الشيرازي (ص 29)، وتشكل هذه اللحظة نقطة حاسمة في السرد الروائي بدخول المخطوطة في فضاء الرواية.

وقد أشار بطل الرواية وراويها الرئيسيّ إلى أنه دوَّن في مذكراته اليومية الكثير عن هذه المعارك.

وينمو خلال السرد اهتمام (جلال) بسيرة حافظ الشيرازي، وقصة عشقه لفتاة جميلة اسمها (شاخ نبات)، (ص 33). وهو يكتشف شبهاً بين ليلى، حبيبته، وبهار وقرباني، وحافظ وشاخ نبات (ص 34). وهكذا نلاحظ وجود توازٍ بين ثلاث حيوات في آن واحد: حياة حافظ الشيرازي، وحياة مير قرباني، وحياة جلال شاكر.

وعلى الرغم من سخونة الأوضاع السياسية واحتمالات نشوب الحرب فإن (مير قرباني) كان منشغلاً بكتابة رواية تتناول حياة الشيرازي (ص 51). وهذه إشارة ميتاسردية مهمة تعزز الجوهر الميتاسردي، وقصدية الكتابة والتدوين في الرواية.

يكشف كاتب المخطوطة (مير قرباني) عن مراحل كتابة الرواية، إذ أمضى شهوراً في البحث عن المصادر والمراجع التي تؤرخ حياة الشيرازي وأزمانه ومحنته (ص 51). ويشير إلى أنه مزج في روايته بين ما هو حقيقي وتاريخي وبين ما يتطلبه الخيال من إضافات، فضلاً عن الاستنارة بقراءة ديوانه الذي تضمن الكثير من الإشارات والمعلومات عن الأحداث التي كابدها (ص 52). وهذا الجهد الميتاسردي الذي بذله (مير قرباني) في كتابة رواية، هو في حقيقة الأمر الجهد المضني الكبير الذي بذله الروائي (عباس لطيف) في إنجاز هذه المخطوطة، وهي إشارة واضحة إلى أن كتابة الرواية لم تعد عملاً سهلاً أو سريعاً، بل تتطلب استقصاءً ودراسات تاريخية ونفسية وثقافية قبل الشروع بالكتابة، وهو ما يؤكد أن الرواية قد أصبحت «حرفة «أو «صنعة»، كما ذهب إلى ذلك الناقد (برسي لبوك) في كتابه «صنعة الرواية Craft of Fiction» المترجَم إلى العربية.

ونجد أن كاتب المخطوطة (مير قرباني) يُجري مقارنةً بين عصر الشيرازي (القرن الثامن الهجري – الثالث عشر الميلادي) وبين العصر الذي يعيش فيه، حيث «التعقيدات والاضطرابات والتناقضات نفسها»، (ص 53). وعبّر جلال شاكر في الفصل الموسوم «الهروب القاتل» عن مثل هذا الإحساس بالتناظر، عندما فكر بطبيعة شخصية الشيرازي:

«وشعرت بأن الشيرازي يواجه ظروفاً وعصراً ومرحلة معقّدة ومستعرة تشبه إلى حد ما، ما نمرّ به أنا وليلى، ومير قرباني وبهار». (ص 76)

وهذا ما يدفعنا إلى القول: إن البنية السردية للرواية تنهض على وجود مثلث سردي، رأسه الأعلى يمثل سرديات حافظ الشيرازي، والرأسان السفليان يضمّان سرديات الجندي العراقي جلال شاكر، عن الحرب وحبيبته ليلى. وسرديات الجندي الإيراني عن حافظ الشيرازي وحبيبته بهار. ويمكن أن نلاحظ أن رأس المثلث العلوي الذي يمثله حافظ الشيرازي يشعَّ على الرأسين السفليين، ويلهمها الصبر والشجاعة والأمل لمواجهة مآسي الحرب المفروضة عليهما.

من جهة أخرى، الرواية تنطوي على أكثر من نص سردي لبناء شخصية حافظ الشيرازي عبر مرويات وكتابات ومخطوطات مختلفة، فهناك نص سيَرَي (بيوغرافي) يكتبه الإيراني (مير قرباني) في «المخطوطة»، ونص آخر يكتبه العراقي (جلال شاكر) من قراءته للمخطوطة ولحياة حافظ الشيرازي، فضلاً عن مرويات شخصيات مشاركة أو مراقبة منها شخصية الأم، وتلامذة حافظ الشيرازي، ورجال الدين، والملك، والحكام، ورجال السالوس، من البصاصين وكتبة التقارير. لكنّ الجوهر يكمن في نص السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافي) الذي يكتبه حافظ الشيرازي عن نفسه وأفكاره ورؤيته الصوفية في الحلول والعشق الجمالي. وبهذا فسيرة حافظ لا تُرسَم بطريقة خطّية مباشرة، بل تمر بتعرجات ومنعطفات، ولذا أطلق عليها المؤلف مصطلح «العروج»، وهو مصطلح قرآني يعني الوصول، بطريقة متعرجة إلى السماء، وهو ما يشير إليه العنوان «العروج إلى شيراز» ودلالته السيميائية العميقة. والعروج هنا يذهب، في الجوهر، إلى عملية ملاحقة تشكل شخصية حافظ الشيرازي أيضاً.

تثير رواية «العروج إلى شيراز» في ذهني، بوصفي قارئاً، مجموعة من الإحالات والتناصات والتماثلات. فعنوان الرواية «العروج إلى شيراز» يلتقي مع عنوان رواية الروائي الفرنسي (سينويه)، وهي عن الفيلسوف الإيراني ابن سينا، كما أن الرواية تُذكّرنا بمجموعة من الروايات التي تناولت تجارب مستمَدّة من الثقافة الإيرانية، منها رواية «سمرقند» للروائي اللبناني أمين معلوف، ورواية «منازل ح 17» للروائية العراقية رغد السهيل، وأهم من كل هذا وذاك، هناك التناظر الواضح بين رواية «العروج إلى شيراز» ورواية أليف شافاك الموسومة بـ«قواعد العشق الأربعون»، حتى يمكن القول إن رواية شافاك هي النص الغائب لرواية عباس لطيف. والروايتان تتحركان عبر مستوىين تاريخيين: مستوى تاريخي يغوص في التراث الإيراني، ومستوى معاصر ينغمس بالحياة اليومية المعاصرة. ففي رواية أليف شافاك نجد (إيلا رونشتاين)، وهي ناقدة تعمل في وكالة أدبية، تنهمك بالبحث عن حياة الدرويش شمس التبريزي، الذي حوّل حياة رجل الدين (جلال الدين الرومي) من سجن الصوفية إلى فضاء الحب والحرية والإيمان بإمكانية توحيد الناس والأديان. وتجد (إيلا) نفسها واقعة تحت هذا التأثير السحري لتلك الشخصية التاريخية، فتبدأ حياتها بالتغير تحت هذا التأثير، وهو ما نجده أيضاً من تأثر كلٍّ من (مير قرباني) و(جلال شاكر) بشخصية الشاعر حافظ الشيرازي.

رواية «العروج إلى شيراز»، هي في الجوهر رواية شخصية (Personality Novel)، وهذه الشخصية، بالمفهوم السيميولوجي، شخصية مرجعية تاريخية، بمفهوم الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصية الروائية» المترجَم إلى العربية. ويرى هامون أن الشخصية «مورفيم» فارغة في الأصل، وتمتلئ تدريجياً كلما تقدمنا في قراءة النص. لكننا في حالة شخصية حافظ الشيرازي، نجد أنفسنا إزاء شخصية تاريخية ومرجعية معروفة، ولذا فهي تحيل عادةً على عوالم مألوفة ضمن نصوص الثقافة والتاريخ. وبذا فليست شخصية (حافظ الشيرازي)، هنا، مجرد (مورفيم فارغ) لأنها تشعّ، في ذاكرة القارئ، كمّاً معرفياً من البيانات والحقائق التاريخية التي تجعل هذه الشخصية مألوفة للقارئ، وليست مجرد (مورفيم فارغ) كما هو الحال في الشخصيات التي لا تمتلك رصيداً تاريخياً وامتداداً قبْلياً في ثقافة القارئ وذاكرته.

رواية «العروج إلى شيراز» كما أشرت سابقاً رواية مركبة، وهي ثمرة بحث واستقصاء وتبصُّر عميق في إشكاليات الماضي والحاضر، وهي أيضاً صرخة مدوّية في وجه مشعلي الحروب، ودعوة إلى إشاعة السلام والمحبة بين البشر.

والرواية، من جهة أخرى، محاولة موفقة لاستعادة شخصية الشاعر حافظ الشيرازي من سجلات التاريخ وتقديمه بوصفه شخصية حية معاصرة ومؤثرة في الواقع الافتراضي للسرد.


مقالات ذات صلة

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

ثقافة وفنون ‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الـ12 لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالدوحة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون هناء العمير

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة.

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن

محمود الزيباوي

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.