«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

عباس لطيف يبني شخصية الشاعر الصوفي مستنداً إلى مرويات ومخطوطات

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً
TT

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

«العروج إلى شيراز» تستعيد حافظ الشيرازي سردياً

رواية «العروج إلى شيراز» للروائي عباس لطيف، الصادرة عام 2024، رواية مركّبة، تتحرك على مستويين؛ تاريخي ومعاصر. فعلى المستوى التاريخي تعود إلى القرن الثامن الهجري (الثالث عشر الميلادي) لتدّون لنا سيرة حياة ونضال الشاعر الإيراني حافظ الشيرازي، وعلى المستوى المعاصر تنقل لنا الرواية معاناة جنديين من ويلات حرب السنوات الثماني بين العراق وإيران التي أحرقت الأخضر واليابس. ولذا فالرواية ليست عن الحرب بالمفهوم التطبيلي لها، بل هي رواية ضد الحرب لأنها ترفض الحرب وتتعاطف مع محنة هذين الجنديين اللذين يقفان ليتقاتلا في خندقين متعاديين على الرغم من رفضهما الحرب ومآسيها. وهذه التجربة تُذكّرنا برواية سابقة للروائي طه حامد الشبيب، حيث وجدنا جنديين متعاديين يرفضان الحرب وينشران رسالة السلام.

تكشف الرواية منذ استهلالها عن نزعة ميتاسردية واضحة لأسباب كثيرة منها انطواؤها على مخطوطة عن حياة الشيرازي كتبها الجندي الإيراني (مير قرباني)، وتحمل اسم «ترجمان الأسرار» وتتوزع فصول المخطوطة التسعة على الرواية بشكل متناوب مع فصول السرد المعاصر الذي يشغل اثني عشر فصلاً.

يستهل الروائي روايته بالفصل الأول من فصول مخطوطة «ترجمان الأسرار» التي كتبها (مير قرباني) ويقدم فيها حافظ الشيرازي نفسه بطريقة السيرة الذاتية، ويروي جانباً من حياته مع أمه التي ثُكلت بوفاة الزوج، وغياب اثنين من أبنائها بطريقة غامضة، ولم يبقَ لديها سوى ولدها الأصغر حافظ الشيرازي.

يقدم الروائي السرد من خلال منولوغين، هما منولوغ الابن حافظ، ومنولوغ الأم:

- «استبدّت به مشاعر جامحة...». (ص 7)

- «كانت تبتهل تارة وتبكي تارة أخرى وهي تتطلع من خلال النافذة... وشعرت بشعور غريب؛ بأنها تشبه هذه المدينة». (ص 7)

وعندما قرر حافظ الشيرازي أن يعمل خبازاً، فضلاً عن عمله معلماً للتلاميذ في المسجد والمدرسة، وحلقات الدرس، خشيت عليه أمه من وشاية جواسيس «السالوس» وكتّاب التقارير فقالت له معبّرةً عن مخاوفها:

«وأنت تكتب شعراً فيه الكثير من الهرطقة، وقد يجعل بعض العمال ومن يشترون الخبز يبتعدون عن المخبز». (ص 11)

ونكتشف منذ البداية بعض مظاهر رؤية الشيرازي الفلسفية والصوفية التي هي ترجمة لأفكاره في فهم الحياة والجمال ووحدة الوجود (ص 12). وكان الشيرازي يدرك أنه يسعى في معراجه نحو النور الذي يسطع داخل المرء وصولاً إلى سرمدية المعنى والوجود الأبهى (ص 13). وكان عشقه لحبيبته (شاخ نبات) روحياً، رافضاً أن يدنسه بالمحسوسات مثل الزواج، فهو يرى أنه سكران بالحق والحرية، ومن يسكر بهما لا صحو له (ص 20).

وينتقل السرد في الفصل الثاني الموسوم بـ«المخطوطة» إلى الجندي العراقي جلال شاكر، ليروي لنا، عبر ضمير المتكلم، جانباً من معاناته في هذه الحرب وكيفية عثوره على المخطوطة التي كتبها مير قرباني في أحد الخنادق العسكرية الإيرانية:

«أنا الجندي المكلّف جلال شاكر، أحد شهود وقرابين الحرب التي اندلعت واستمرت طوال سنوات من الجمر والوجع والخسارات». (ص 22)

ويسرد علينا راوي الفصل (جلال) محنته الموجعة من الحرب، بعد تخرجه في كلية الآداب، وزجّه مع زملائه إلى الجبهات المستعرة، كما يتحدث عن علاقته بزميلته (ليلى) واتفاقه معها على الزواج، لكنّ سوْقه إلى الحرب أوقف هذا المشروع. ويكشف الراوي عن عشقه للقراءة والكتابة:

«أنا أعشق القراءة، وأكتب بعض القصص القصيرة. وبعض المقالات الأدبية، وغير الأدبية».

وهذه الإشارة تضيء جانباً من الطبيعة الميتاسردية للرواية، لأن الراوي هو طرف فاعل في كتابة يوميات الحرب وتجاربه الشخصية، ومنها نقله إلى إحدى جبهات القتال الساخنة في (نهر جاسم)، حيث عثر في أحد المواقع في الجانب الإيراني على مخطوطة الجندي (مير قرباني) التي تحمل عنوان «ترجمان الأسرار» عن سيرة حياة الشاعر حافظ الشيرازي (ص 29)، وتشكل هذه اللحظة نقطة حاسمة في السرد الروائي بدخول المخطوطة في فضاء الرواية.

وقد أشار بطل الرواية وراويها الرئيسيّ إلى أنه دوَّن في مذكراته اليومية الكثير عن هذه المعارك.

وينمو خلال السرد اهتمام (جلال) بسيرة حافظ الشيرازي، وقصة عشقه لفتاة جميلة اسمها (شاخ نبات)، (ص 33). وهو يكتشف شبهاً بين ليلى، حبيبته، وبهار وقرباني، وحافظ وشاخ نبات (ص 34). وهكذا نلاحظ وجود توازٍ بين ثلاث حيوات في آن واحد: حياة حافظ الشيرازي، وحياة مير قرباني، وحياة جلال شاكر.

وعلى الرغم من سخونة الأوضاع السياسية واحتمالات نشوب الحرب فإن (مير قرباني) كان منشغلاً بكتابة رواية تتناول حياة الشيرازي (ص 51). وهذه إشارة ميتاسردية مهمة تعزز الجوهر الميتاسردي، وقصدية الكتابة والتدوين في الرواية.

يكشف كاتب المخطوطة (مير قرباني) عن مراحل كتابة الرواية، إذ أمضى شهوراً في البحث عن المصادر والمراجع التي تؤرخ حياة الشيرازي وأزمانه ومحنته (ص 51). ويشير إلى أنه مزج في روايته بين ما هو حقيقي وتاريخي وبين ما يتطلبه الخيال من إضافات، فضلاً عن الاستنارة بقراءة ديوانه الذي تضمن الكثير من الإشارات والمعلومات عن الأحداث التي كابدها (ص 52). وهذا الجهد الميتاسردي الذي بذله (مير قرباني) في كتابة رواية، هو في حقيقة الأمر الجهد المضني الكبير الذي بذله الروائي (عباس لطيف) في إنجاز هذه المخطوطة، وهي إشارة واضحة إلى أن كتابة الرواية لم تعد عملاً سهلاً أو سريعاً، بل تتطلب استقصاءً ودراسات تاريخية ونفسية وثقافية قبل الشروع بالكتابة، وهو ما يؤكد أن الرواية قد أصبحت «حرفة «أو «صنعة»، كما ذهب إلى ذلك الناقد (برسي لبوك) في كتابه «صنعة الرواية Craft of Fiction» المترجَم إلى العربية.

ونجد أن كاتب المخطوطة (مير قرباني) يُجري مقارنةً بين عصر الشيرازي (القرن الثامن الهجري – الثالث عشر الميلادي) وبين العصر الذي يعيش فيه، حيث «التعقيدات والاضطرابات والتناقضات نفسها»، (ص 53). وعبّر جلال شاكر في الفصل الموسوم «الهروب القاتل» عن مثل هذا الإحساس بالتناظر، عندما فكر بطبيعة شخصية الشيرازي:

«وشعرت بأن الشيرازي يواجه ظروفاً وعصراً ومرحلة معقّدة ومستعرة تشبه إلى حد ما، ما نمرّ به أنا وليلى، ومير قرباني وبهار». (ص 76)

وهذا ما يدفعنا إلى القول: إن البنية السردية للرواية تنهض على وجود مثلث سردي، رأسه الأعلى يمثل سرديات حافظ الشيرازي، والرأسان السفليان يضمّان سرديات الجندي العراقي جلال شاكر، عن الحرب وحبيبته ليلى. وسرديات الجندي الإيراني عن حافظ الشيرازي وحبيبته بهار. ويمكن أن نلاحظ أن رأس المثلث العلوي الذي يمثله حافظ الشيرازي يشعَّ على الرأسين السفليين، ويلهمها الصبر والشجاعة والأمل لمواجهة مآسي الحرب المفروضة عليهما.

من جهة أخرى، الرواية تنطوي على أكثر من نص سردي لبناء شخصية حافظ الشيرازي عبر مرويات وكتابات ومخطوطات مختلفة، فهناك نص سيَرَي (بيوغرافي) يكتبه الإيراني (مير قرباني) في «المخطوطة»، ونص آخر يكتبه العراقي (جلال شاكر) من قراءته للمخطوطة ولحياة حافظ الشيرازي، فضلاً عن مرويات شخصيات مشاركة أو مراقبة منها شخصية الأم، وتلامذة حافظ الشيرازي، ورجال الدين، والملك، والحكام، ورجال السالوس، من البصاصين وكتبة التقارير. لكنّ الجوهر يكمن في نص السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافي) الذي يكتبه حافظ الشيرازي عن نفسه وأفكاره ورؤيته الصوفية في الحلول والعشق الجمالي. وبهذا فسيرة حافظ لا تُرسَم بطريقة خطّية مباشرة، بل تمر بتعرجات ومنعطفات، ولذا أطلق عليها المؤلف مصطلح «العروج»، وهو مصطلح قرآني يعني الوصول، بطريقة متعرجة إلى السماء، وهو ما يشير إليه العنوان «العروج إلى شيراز» ودلالته السيميائية العميقة. والعروج هنا يذهب، في الجوهر، إلى عملية ملاحقة تشكل شخصية حافظ الشيرازي أيضاً.

تثير رواية «العروج إلى شيراز» في ذهني، بوصفي قارئاً، مجموعة من الإحالات والتناصات والتماثلات. فعنوان الرواية «العروج إلى شيراز» يلتقي مع عنوان رواية الروائي الفرنسي (سينويه)، وهي عن الفيلسوف الإيراني ابن سينا، كما أن الرواية تُذكّرنا بمجموعة من الروايات التي تناولت تجارب مستمَدّة من الثقافة الإيرانية، منها رواية «سمرقند» للروائي اللبناني أمين معلوف، ورواية «منازل ح 17» للروائية العراقية رغد السهيل، وأهم من كل هذا وذاك، هناك التناظر الواضح بين رواية «العروج إلى شيراز» ورواية أليف شافاك الموسومة بـ«قواعد العشق الأربعون»، حتى يمكن القول إن رواية شافاك هي النص الغائب لرواية عباس لطيف. والروايتان تتحركان عبر مستوىين تاريخيين: مستوى تاريخي يغوص في التراث الإيراني، ومستوى معاصر ينغمس بالحياة اليومية المعاصرة. ففي رواية أليف شافاك نجد (إيلا رونشتاين)، وهي ناقدة تعمل في وكالة أدبية، تنهمك بالبحث عن حياة الدرويش شمس التبريزي، الذي حوّل حياة رجل الدين (جلال الدين الرومي) من سجن الصوفية إلى فضاء الحب والحرية والإيمان بإمكانية توحيد الناس والأديان. وتجد (إيلا) نفسها واقعة تحت هذا التأثير السحري لتلك الشخصية التاريخية، فتبدأ حياتها بالتغير تحت هذا التأثير، وهو ما نجده أيضاً من تأثر كلٍّ من (مير قرباني) و(جلال شاكر) بشخصية الشاعر حافظ الشيرازي.

رواية «العروج إلى شيراز»، هي في الجوهر رواية شخصية (Personality Novel)، وهذه الشخصية، بالمفهوم السيميولوجي، شخصية مرجعية تاريخية، بمفهوم الناقد الفرنسي فيليب هامون في كتابه «سيميولوجية الشخصية الروائية» المترجَم إلى العربية. ويرى هامون أن الشخصية «مورفيم» فارغة في الأصل، وتمتلئ تدريجياً كلما تقدمنا في قراءة النص. لكننا في حالة شخصية حافظ الشيرازي، نجد أنفسنا إزاء شخصية تاريخية ومرجعية معروفة، ولذا فهي تحيل عادةً على عوالم مألوفة ضمن نصوص الثقافة والتاريخ. وبذا فليست شخصية (حافظ الشيرازي)، هنا، مجرد (مورفيم فارغ) لأنها تشعّ، في ذاكرة القارئ، كمّاً معرفياً من البيانات والحقائق التاريخية التي تجعل هذه الشخصية مألوفة للقارئ، وليست مجرد (مورفيم فارغ) كما هو الحال في الشخصيات التي لا تمتلك رصيداً تاريخياً وامتداداً قبْلياً في ثقافة القارئ وذاكرته.

رواية «العروج إلى شيراز» كما أشرت سابقاً رواية مركبة، وهي ثمرة بحث واستقصاء وتبصُّر عميق في إشكاليات الماضي والحاضر، وهي أيضاً صرخة مدوّية في وجه مشعلي الحروب، ودعوة إلى إشاعة السلام والمحبة بين البشر.

والرواية، من جهة أخرى، محاولة موفقة لاستعادة شخصية الشاعر حافظ الشيرازي من سجلات التاريخ وتقديمه بوصفه شخصية حية معاصرة ومؤثرة في الواقع الافتراضي للسرد.


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.