«ميتاليبسيس»... من البلاغة إلى النظرية وعلم السرد عبر الوسائطي

دوريت كوهن
دوريت كوهن
TT

«ميتاليبسيس»... من البلاغة إلى النظرية وعلم السرد عبر الوسائطي

دوريت كوهن
دوريت كوهن

في نهاية «حلقة كوغلاس، 1977» قصة المخرج وودي ألن، يظهر سيدني كوغلاس وهو يركض في كتاب مدرسي قديم «Remedial Spanish» هارباً من «فعل غير قياسي» (يمتلك/ tener) ضخم ومُشَعِّر. نهاية مضحكة لمحاولة هروب ثانية فاشلة.

البروفسور كوغلاس أستاذ الإنسانيات في «سيتي كولج» في نيويورك يعيش حياة زوجية ثانية غير سعيدة ومملة، كحياته الزوجية السابقة بسبب زوجته الثانية دافني، بطيئة الفهم والضخمة، وطفليه «التنبلين»، وتكاليف النفقة والإعالة.

تلك العوامل جعلته يبحث عن امرأة جديدة لحاجته إلى علاقة غرامية، كما قال للطبيب النفسي الذي اعتذر بأنه محلل وليس ساحراً. فبدأ كوغلاس يبحث عن ساحر، فالتقى بالساحر بيرسكي. استطاع بيرسكي أن يحقق له ما يتمناه، امرأة فرنسية، بإدخاله في خزانته السحرية وقذف الرواية «مدام بوفاري» في جوفها، لتنقل كوغلاس من عالمه إلى عالم رواية غوستاف فولبير، حيث يلتقي بـ«إيما بوفارى» ويغويها.

ويظل كوغلاس يتردد دخولاً في عالم «مدام بوفارى» وخروجاً منه إلى عالمه «نيويورك». لاحظ من قرأوا الرواية، أثناء لقاءات العاشقين، وجود (إيما) بصحبة رجل يدعى (كوغلاس) وله صفاته نفسها؛ يظهر في يونفيل بعد كل مرة تنقله الخزانة السحرية إليها، ويختفي عندما يعود إلى نيويورك.

بعد أشهر من اللقاءات، توافق (إيما) على الذهاب معه إلى نيويورك القرن العشرين. لم تدم إقامتها طويلاً في نيويورك، لاتفاق العاشقين على الافتراق وعودتها إلى يونفيل بسبب التكلفة المرتفعة لإقامتها في فندق، ولعدم حصولها على وظيفة، وصعوبة الحياة الحديثة، كما أن كوغلاس يخشى من أن يفضح أستاذ الأدب المقارن فيفيش كوبكِند علاقته بها عند زوجته دافني. فكوبكِند يغار منه دائماً، وقد ميّزهُ وعرف أنه الرجل الذي يظهر مع إيما بوفاري.

في تجربة الهروب الثانية من حياته الزوجية مع دافني، ينتهى كوغلاس عن طريق الخطأ في الكتاب المدرسي «Remedial Spanish»، ليطارده الفعل غير القياسي الضخم والمشعر.

ومثل قصة ألِن، يتألف المتن الحكائي في «استمرارية الحدائق، 1964» للروائي والقاص الأرجنتيني خوليو كورتزار من حكايتين: الحكاية الإطار/المُؤطِرَّة «frame narrative»، والحكاية المُؤَطَرَّة «framed narrative». في القصة الإطار، رجل يقرأ الفصول الأخيرة من رواية بدأ قراءتها قبل أيام قليلة، ويشهد لقاء العاشقين البطل والبطلة في كابينة في الجبل، وتآمرهما على قتل رجل. يفترق العاشقان بعدما يعقدان العزم على تنفيذ الجريمة، تسلك المرأة الطريق المؤدية إلى الشمال، ويتسلل عشيقها إلى بيت الرجل الذي يقرأ الرواية ويقتله.

يبدو أن تلخيص القصتين أطول مما ينبغي، ومع ذلك لا أميل إلى تقليصه لإيجاد مساحة لما سأكتبه تالياً. وبدلاً من الانشغال بطوله أو قصره، ينبغي المسارعة إلى الكتابة أن كلمة واحدة «ميتاليبسيس/ مِتالِبْسِس/metalepsis» هي الجواب عن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان عن العلاقة والمُشْترك الرئيس بين القصتين. أما غير المشترك فهو أن القصة الثانية «استمرارية الحدائق» أكثر شهرة من الأولى. لا أتصور أحداً يقرأ مقالةً أو كتاباً عن ميتاليبسيس دون أن يلتقي بذكر أو إشارة لتلك القصة، ومرد ذلك إلى أنها أحد النصوص التي أشار إليها جيرار جينيت في سياق تنظيره وتعريفه لميتاليبيس في كتابه «الخطاب السردي 1972، 1980». لقد نقل جينيت المصطلح من البلاغة إلى نظرية السرد، وصاحب النقل أوحدث نتيجة له انزياح في المعنى، وفي الوظيفة أو الوظائف أيضاً.

ميتاليبسيس: التعريف

يُعَرِّف ُجينيت «ميتاليبسيس» بأنها أي اقتحام/ تَدَخُلْ يقوم به السارد من الخارج أو المسرود له في عالم القصة «diegesis»؛ أو أن تنتهك شخصية من عالم الحكاية الإطار «frame narrative» الحدّ الفاصل بين عالمها وعالم الحكاية المُؤَطّرَّة، كما يفعل كوغلاس في دخوله عالم القصة في رواية فولبير، أو العكس بأن تقفز شخصية من عالم حكاية مُؤَطَرَّة إلى داخل عالم حكاية مُؤَطِرّة كما في قصة «استمرارية الحدائق»، عندما يتسلل العاشق الذي سيصبح قاتلاً إلى داخل منزل الرجل الذي يقرأ الرواية ليقتله. مثال آخر، تتخطى إيما بوفاري الحدود بين عالمها لتدخل في عالم الحكاية الإطار-حكاية كوغلاس.

ميتاليبسيس عملية موجودة في حقول مختلفة، يقول جون بيير؛ تنتج حسب جينيت أثر الغرابة الذي إما أن يكون هزلياً أو فنتازيا.

بعض التعريفات... بعض التصنيفات

جينيت لم ينقل المصطلح «ميتاليبسيس» من البلاغة إلى نظرية السرد فحسب، بل منحه حياة ووظائف جديدة، يتجلى أثر ذلك في إقبال منظري وعلماء السرد على صياغة تعريفات وتصنيفات متعددة لتقنياتها وآثارها، واستكشاف أنواع جديدة منها واتساع مجال دراسة تمظهراتها التي لم تعد تقتصر على الأدب السردي. متياليبسيس في كل مكان كما قال جينيت في موضع لا أتذكره. وتحظى باهتمام علماء السرد بمختلف حقول اشتغالاتهم، خصوصاً في مجالي علم السرد عبر الأجناسي «Transgeneric Narratology»، وعلم السرد عبر الوسائطي «Transmedial Narratology».

جِف ثوس

يُعَرّف جف ثوس «ميتاليبسيس» في كتابه «عندما تتصادم عوالم القصص، 2015» بأنها انتهاك لوضع عالم القصة المستقل؛ انتهاك متناقض للخط الذي يفصل داخل عالم القصة عن خارجه. ويحدد ثلاثة نماذج أولية من ميتاليبسيس تنضوي تحت تعريفه: انتهاكات بين عالم قصة وعالم خيالي آخر؛ انتهاكات بين عالم قصة والواقع، وانتهاكات بين عالم قصة والخطاب الذي يقدمه.

ويرى أن ميتاليبسيس تنطوي دائماً على عالم قصة وتؤثر عليه. ويُفهمُ عالم القصة ببساطة بأنه عالم مسرود. وأن الحدود بين هذا العالم وشيء ما آخر، الخط الفاصل بين ما في داخله وخارجه، هو ما تتجاوزه وتنتهكه ميتاليبسيس. ويتطلب حدوث هذا الانتهاك تصور أن عوالم القصص مستقلة وقائمة بذاتها في المقام الأول. هذه هي الطريقة التي يعمل بها السرد تقليدياً... وبغض النظر عن مدى التشابه بين عالم القصة والواقع، فإن الأول ينتمي دائماً إلى عالم الخيال، وبالتالي يمتلك وضعاً أُنطولوجياً مختلفاً. وحسب ثوس، توجد ثلاثة أنواع من ميتاليبسيس في الرواية الشعبية والفيلم وكتب القصص المصورة:1) ميتاليبسيس عالم القصة ـ عالم خيالي، 2) ميتاليبسيس عالم القصة ـ الواقع، 3) ميتاليبسيس عالم القصة ـ الخطاب.

دوريت كوهن

تنطلق دوريت كوهن من تعريف جينيت لميتاليبسيس، مركزةً في مقالتها «ميتاليبسيس وميزان أبيم» على التمييز بين ميتاليبسيس على مستوى الخطاب، وميتاليبسيس على مستوى القصة. يتمثل النوع الأول «ميتاليبسيس على مستوى الخطاب» في عادة بعض السُرّاد التوقف عن سرد الأحداث وأفعال الشخصيات، والاستطراد تحدثاً عن أشياء أخرى.

وينقسم النوع الثاني إلى: ميتاليبسيس خارجية وهي أكثر تكراراً من نقيضتها الميتاليبسيس الداخلية. يحدث النوع الأول بين المستوى خارج عالم القصة والمستوى الداخلي، أي بين عالم السارد وعالم قصته. أما ميتاليبسيس الداخلية فتحدث بين مستويين في القصة نفسها، أي بين قصة أولية/ رئيسة وأخرى ثانوية، أو قصة ذات مستويات ثلاثة. تحدث ميتاليبسيس الثانية في عزلة مدهشة ومفاجئة مثل قتل القارئ الخيالي في قصة كورتزار «استمرارية الحدائق».

أليس بل وجان ألبر

ويذهب أليس بل وجان ألبر في مقالتهما «ميتاليبسيس الأُنطولوجية وعلم السرد غير الطبيعي» إلى التنظير عن وجود ثلاثة أنماط من ميتاليبسيس: «ميتاليبسيس صاعدة» و«ميتاليبسيس هابطة»، «وميتاليبسيس أفقية». ويضعان النمطين الأول والثاني تحت الاسم «ميتاليبسيس عامودية». ويجتمع العامودي والأفقي تحت المصطلح «ميتاليبسيس الأُنطولوجية» التي تتضمن، حسب تعريفهما، تمثيلات لانتهاكات لحدود العالم كإحدى تجليات غير الطبيعي «the unnatural».

ويقدمان هذه الأنماط كنموذج إدراكي/ معرفي جديد، يُحْدِثُ تعديلاً في نموذج جينيت. ويضعان مقالتهما، حسب قولهما، على نقطة الاشتباك بين علم السرد غير الطبيعي وعلم السرد عبر الوسائطي.

وتوضح بل وألبر أن بعض حالات ميتاليبسيس الأُنطولوجية مستحيلة منطقياً لأنها تنتهك مبدأ عدم التناقض، ويوردان رأي ماري - لور رايان أن الانتهاك الأنطولوجي لا يحدث في عالم خيالي يدعي احترام القوانين المنطقية والفيزيولوجية للعالم الحقيقي.

في ميتاليبسيس الصاعدة، تقفز شخصية خيالية أو سارد من عالم حكاية مُؤَطَرًّة إلى عالم أعلى. بينما في الهابطة، يقفز السارد أو الشخصية من عالم أعلى «مُؤَطِر» إلى عالم أدنى، أو يقفز مؤلف من العالم الحقيقي إلى داخل عالم خيالي. أما الأفقية فتمثل ما أطلق عليه جون بيير «transfictionality» ظهور شخصية من عالم خيالي في نص معين في عالم نص آخر، وكذلك «transmigration» هجرة شخصية من نص إلى آخر. كلاهما يشكلان اختراقاً/ انتهاكاً أنطولوجيا.

*ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.