«ميتاليبسيس»... من البلاغة إلى النظرية وعلم السرد عبر الوسائطي

دوريت كوهن
دوريت كوهن
TT

«ميتاليبسيس»... من البلاغة إلى النظرية وعلم السرد عبر الوسائطي

دوريت كوهن
دوريت كوهن

في نهاية «حلقة كوغلاس، 1977» قصة المخرج وودي ألن، يظهر سيدني كوغلاس وهو يركض في كتاب مدرسي قديم «Remedial Spanish» هارباً من «فعل غير قياسي» (يمتلك/ tener) ضخم ومُشَعِّر. نهاية مضحكة لمحاولة هروب ثانية فاشلة.

البروفسور كوغلاس أستاذ الإنسانيات في «سيتي كولج» في نيويورك يعيش حياة زوجية ثانية غير سعيدة ومملة، كحياته الزوجية السابقة بسبب زوجته الثانية دافني، بطيئة الفهم والضخمة، وطفليه «التنبلين»، وتكاليف النفقة والإعالة.

تلك العوامل جعلته يبحث عن امرأة جديدة لحاجته إلى علاقة غرامية، كما قال للطبيب النفسي الذي اعتذر بأنه محلل وليس ساحراً. فبدأ كوغلاس يبحث عن ساحر، فالتقى بالساحر بيرسكي. استطاع بيرسكي أن يحقق له ما يتمناه، امرأة فرنسية، بإدخاله في خزانته السحرية وقذف الرواية «مدام بوفاري» في جوفها، لتنقل كوغلاس من عالمه إلى عالم رواية غوستاف فولبير، حيث يلتقي بـ«إيما بوفارى» ويغويها.

ويظل كوغلاس يتردد دخولاً في عالم «مدام بوفارى» وخروجاً منه إلى عالمه «نيويورك». لاحظ من قرأوا الرواية، أثناء لقاءات العاشقين، وجود (إيما) بصحبة رجل يدعى (كوغلاس) وله صفاته نفسها؛ يظهر في يونفيل بعد كل مرة تنقله الخزانة السحرية إليها، ويختفي عندما يعود إلى نيويورك.

بعد أشهر من اللقاءات، توافق (إيما) على الذهاب معه إلى نيويورك القرن العشرين. لم تدم إقامتها طويلاً في نيويورك، لاتفاق العاشقين على الافتراق وعودتها إلى يونفيل بسبب التكلفة المرتفعة لإقامتها في فندق، ولعدم حصولها على وظيفة، وصعوبة الحياة الحديثة، كما أن كوغلاس يخشى من أن يفضح أستاذ الأدب المقارن فيفيش كوبكِند علاقته بها عند زوجته دافني. فكوبكِند يغار منه دائماً، وقد ميّزهُ وعرف أنه الرجل الذي يظهر مع إيما بوفاري.

في تجربة الهروب الثانية من حياته الزوجية مع دافني، ينتهى كوغلاس عن طريق الخطأ في الكتاب المدرسي «Remedial Spanish»، ليطارده الفعل غير القياسي الضخم والمشعر.

ومثل قصة ألِن، يتألف المتن الحكائي في «استمرارية الحدائق، 1964» للروائي والقاص الأرجنتيني خوليو كورتزار من حكايتين: الحكاية الإطار/المُؤطِرَّة «frame narrative»، والحكاية المُؤَطَرَّة «framed narrative». في القصة الإطار، رجل يقرأ الفصول الأخيرة من رواية بدأ قراءتها قبل أيام قليلة، ويشهد لقاء العاشقين البطل والبطلة في كابينة في الجبل، وتآمرهما على قتل رجل. يفترق العاشقان بعدما يعقدان العزم على تنفيذ الجريمة، تسلك المرأة الطريق المؤدية إلى الشمال، ويتسلل عشيقها إلى بيت الرجل الذي يقرأ الرواية ويقتله.

يبدو أن تلخيص القصتين أطول مما ينبغي، ومع ذلك لا أميل إلى تقليصه لإيجاد مساحة لما سأكتبه تالياً. وبدلاً من الانشغال بطوله أو قصره، ينبغي المسارعة إلى الكتابة أن كلمة واحدة «ميتاليبسيس/ مِتالِبْسِس/metalepsis» هي الجواب عن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان عن العلاقة والمُشْترك الرئيس بين القصتين. أما غير المشترك فهو أن القصة الثانية «استمرارية الحدائق» أكثر شهرة من الأولى. لا أتصور أحداً يقرأ مقالةً أو كتاباً عن ميتاليبسيس دون أن يلتقي بذكر أو إشارة لتلك القصة، ومرد ذلك إلى أنها أحد النصوص التي أشار إليها جيرار جينيت في سياق تنظيره وتعريفه لميتاليبيس في كتابه «الخطاب السردي 1972، 1980». لقد نقل جينيت المصطلح من البلاغة إلى نظرية السرد، وصاحب النقل أوحدث نتيجة له انزياح في المعنى، وفي الوظيفة أو الوظائف أيضاً.

ميتاليبسيس: التعريف

يُعَرِّف ُجينيت «ميتاليبسيس» بأنها أي اقتحام/ تَدَخُلْ يقوم به السارد من الخارج أو المسرود له في عالم القصة «diegesis»؛ أو أن تنتهك شخصية من عالم الحكاية الإطار «frame narrative» الحدّ الفاصل بين عالمها وعالم الحكاية المُؤَطّرَّة، كما يفعل كوغلاس في دخوله عالم القصة في رواية فولبير، أو العكس بأن تقفز شخصية من عالم حكاية مُؤَطَرَّة إلى داخل عالم حكاية مُؤَطِرّة كما في قصة «استمرارية الحدائق»، عندما يتسلل العاشق الذي سيصبح قاتلاً إلى داخل منزل الرجل الذي يقرأ الرواية ليقتله. مثال آخر، تتخطى إيما بوفاري الحدود بين عالمها لتدخل في عالم الحكاية الإطار-حكاية كوغلاس.

ميتاليبسيس عملية موجودة في حقول مختلفة، يقول جون بيير؛ تنتج حسب جينيت أثر الغرابة الذي إما أن يكون هزلياً أو فنتازيا.

بعض التعريفات... بعض التصنيفات

جينيت لم ينقل المصطلح «ميتاليبسيس» من البلاغة إلى نظرية السرد فحسب، بل منحه حياة ووظائف جديدة، يتجلى أثر ذلك في إقبال منظري وعلماء السرد على صياغة تعريفات وتصنيفات متعددة لتقنياتها وآثارها، واستكشاف أنواع جديدة منها واتساع مجال دراسة تمظهراتها التي لم تعد تقتصر على الأدب السردي. متياليبسيس في كل مكان كما قال جينيت في موضع لا أتذكره. وتحظى باهتمام علماء السرد بمختلف حقول اشتغالاتهم، خصوصاً في مجالي علم السرد عبر الأجناسي «Transgeneric Narratology»، وعلم السرد عبر الوسائطي «Transmedial Narratology».

جِف ثوس

يُعَرّف جف ثوس «ميتاليبسيس» في كتابه «عندما تتصادم عوالم القصص، 2015» بأنها انتهاك لوضع عالم القصة المستقل؛ انتهاك متناقض للخط الذي يفصل داخل عالم القصة عن خارجه. ويحدد ثلاثة نماذج أولية من ميتاليبسيس تنضوي تحت تعريفه: انتهاكات بين عالم قصة وعالم خيالي آخر؛ انتهاكات بين عالم قصة والواقع، وانتهاكات بين عالم قصة والخطاب الذي يقدمه.

ويرى أن ميتاليبسيس تنطوي دائماً على عالم قصة وتؤثر عليه. ويُفهمُ عالم القصة ببساطة بأنه عالم مسرود. وأن الحدود بين هذا العالم وشيء ما آخر، الخط الفاصل بين ما في داخله وخارجه، هو ما تتجاوزه وتنتهكه ميتاليبسيس. ويتطلب حدوث هذا الانتهاك تصور أن عوالم القصص مستقلة وقائمة بذاتها في المقام الأول. هذه هي الطريقة التي يعمل بها السرد تقليدياً... وبغض النظر عن مدى التشابه بين عالم القصة والواقع، فإن الأول ينتمي دائماً إلى عالم الخيال، وبالتالي يمتلك وضعاً أُنطولوجياً مختلفاً. وحسب ثوس، توجد ثلاثة أنواع من ميتاليبسيس في الرواية الشعبية والفيلم وكتب القصص المصورة:1) ميتاليبسيس عالم القصة ـ عالم خيالي، 2) ميتاليبسيس عالم القصة ـ الواقع، 3) ميتاليبسيس عالم القصة ـ الخطاب.

دوريت كوهن

تنطلق دوريت كوهن من تعريف جينيت لميتاليبسيس، مركزةً في مقالتها «ميتاليبسيس وميزان أبيم» على التمييز بين ميتاليبسيس على مستوى الخطاب، وميتاليبسيس على مستوى القصة. يتمثل النوع الأول «ميتاليبسيس على مستوى الخطاب» في عادة بعض السُرّاد التوقف عن سرد الأحداث وأفعال الشخصيات، والاستطراد تحدثاً عن أشياء أخرى.

وينقسم النوع الثاني إلى: ميتاليبسيس خارجية وهي أكثر تكراراً من نقيضتها الميتاليبسيس الداخلية. يحدث النوع الأول بين المستوى خارج عالم القصة والمستوى الداخلي، أي بين عالم السارد وعالم قصته. أما ميتاليبسيس الداخلية فتحدث بين مستويين في القصة نفسها، أي بين قصة أولية/ رئيسة وأخرى ثانوية، أو قصة ذات مستويات ثلاثة. تحدث ميتاليبسيس الثانية في عزلة مدهشة ومفاجئة مثل قتل القارئ الخيالي في قصة كورتزار «استمرارية الحدائق».

أليس بل وجان ألبر

ويذهب أليس بل وجان ألبر في مقالتهما «ميتاليبسيس الأُنطولوجية وعلم السرد غير الطبيعي» إلى التنظير عن وجود ثلاثة أنماط من ميتاليبسيس: «ميتاليبسيس صاعدة» و«ميتاليبسيس هابطة»، «وميتاليبسيس أفقية». ويضعان النمطين الأول والثاني تحت الاسم «ميتاليبسيس عامودية». ويجتمع العامودي والأفقي تحت المصطلح «ميتاليبسيس الأُنطولوجية» التي تتضمن، حسب تعريفهما، تمثيلات لانتهاكات لحدود العالم كإحدى تجليات غير الطبيعي «the unnatural».

ويقدمان هذه الأنماط كنموذج إدراكي/ معرفي جديد، يُحْدِثُ تعديلاً في نموذج جينيت. ويضعان مقالتهما، حسب قولهما، على نقطة الاشتباك بين علم السرد غير الطبيعي وعلم السرد عبر الوسائطي.

وتوضح بل وألبر أن بعض حالات ميتاليبسيس الأُنطولوجية مستحيلة منطقياً لأنها تنتهك مبدأ عدم التناقض، ويوردان رأي ماري - لور رايان أن الانتهاك الأنطولوجي لا يحدث في عالم خيالي يدعي احترام القوانين المنطقية والفيزيولوجية للعالم الحقيقي.

في ميتاليبسيس الصاعدة، تقفز شخصية خيالية أو سارد من عالم حكاية مُؤَطَرًّة إلى عالم أعلى. بينما في الهابطة، يقفز السارد أو الشخصية من عالم أعلى «مُؤَطِر» إلى عالم أدنى، أو يقفز مؤلف من العالم الحقيقي إلى داخل عالم خيالي. أما الأفقية فتمثل ما أطلق عليه جون بيير «transfictionality» ظهور شخصية من عالم خيالي في نص معين في عالم نص آخر، وكذلك «transmigration» هجرة شخصية من نص إلى آخر. كلاهما يشكلان اختراقاً/ انتهاكاً أنطولوجيا.

*ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة،

منى أبو النصر (القاهرة:)
ثقافة وفنون الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة،

ألكسندرا ألتر
ثقافة وفنون  بودلير

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة.

هاشم صالح

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».