الفلاسفة كالشعراء «يقولون ما لا يفعلون»

فرنسوا نودلمان في كتابه «عبقرية الكذب»

سيمون دي بوفوار
سيمون دي بوفوار
TT

الفلاسفة كالشعراء «يقولون ما لا يفعلون»

سيمون دي بوفوار
سيمون دي بوفوار

لم يكن التصدي لآفة الكذب الشائنة هو ما استوقفني في كتاب فرنسوا نودلمان «عبقرية الكذب»؛ لأن الكثيرين من علماء النفس والاجتماع والأخلاق قد تصدوا لهذه الفكرة بالدرس والتحليل والتمحيص، بل إسناد صفة العبقرية إلى واحدة من السلوكيات البشرية التي طالما وضعتها الشرائع السماوية والأرضية في خانة الصفات السلبية والمرذولة. إضافة إلى أن عبارة «هل كذب كبار الفلاسفة؟»، التي ألحقها المؤلف بالعنوان، قد حفزتني على قراءة الكتاب، لا بدافع الفضول وحده، بل بهدف الوقوف على ما خفي من سلوكيات النخب المبدعة التي يُفترض بها أن تكون مثالاً يُحتذى في النزاهة والصدق، وأن تقدم لقرائها ومتابعيها القدوة والنموذج الأعلى في الصدق والنزاهة والانسجام مع النفس.

كيركغارد

أما حرص المؤلف على وضع العنوان الفرعي للكتاب في صيغة الاستفهام، فأقل ما يقال فيه إنه طريقته الحاذقة في تشويق القارئ، وفي طرح الموضوع المُتصدى له كإشكالية بحتة قابلة للدحض أو الإثبات، بما يعفيه من تهمة الافتئات والتعسف في إطلاق الأحكام المسبقة والقاطعة. ومع أن نودلمان يؤكد في تقديمه لكتابه، أنه لا يهدف إلى التشهير بأحد من الذين وضعهم على مشرح النقد والمساءلة، ولا إلى إدانة الكذب بوصفه عملاً غير أخلاقي، فإنه لا يألو جهداً في فضح التناقضات القائمة بين المبادئ والقيم التي يدعي الفلاسفة اعتناقها، وبين ممارساتهم الفعلية على أرض الواقع.

وإذ يحرص نودلمان على أن يكون لكتابه الأثر الصادم في نفوس القراء، لا يتناول بمبضع النقد مفكري الظلال ولا الهامشيين من الفلاسفة، بل أولئك الذين شكلوا خلال القرون الثلاثة المنصرمة، الجزء الأهم من ثقافة الغرب المعاصر وسلوكياته ووعيه الجمعي، بدءاً من جان جاك روسو وكيركغارد ونيتشه ووصولاً إلى ميشال فوكو ورولان بارت وسارتر وسيمون دي بوفوار وآخرين.

وفي تناوله لجان جاك روسو يعد المؤلف أن صاحب «العقد الاجتماعي»، الذي نقش على خاتمه عبارة «نذرَ حياته في خدمة الحقيقة»، لم يكن في سلوكه الحياتي النموذج الأمثل للقيم التي نظّر لها ودعا إلى اعتناقها. فالرجل الذي آلى على نفسه اعتناق الصدق والجرأة في تعرية الذات، والذي عد اليوم الذي جمعه بزوجته تيريز لوفاسور تاريخاً لولادته الفعلية ككائن أخلاقي، هو نفسه الرجل الذي تخلى عن أطفاله الخمسة ليضعهم في دار حكومي لتربية الأطفال الأيتام والمُتَخلى عنهم من قبل آبائهم وأمهاتهم. وقد عد نودلمان أن الأسباب التي قدمها روسو لتبرير فعلته تلك، ومن بينها هشاشة ظرفه الاجتماعي وعدم أهلية زوجته تيريز لتربية الأطفال، لم تكن سوى نوع من الذرائع غير المقنعة التي لفقها صاحب «الاعترافات» لكي يتمكن من ذر الرماد في عيون معاصريه. كما عد المؤلف لجوء روسو إلى محاكمة نفسه في كتابه «روسو يحاكم جان جاك»، لم يكن سوى نوع من الفولكلور المضلل، الذي قصد منه تقديم نفسه إلى العالم بوصفه شهيد الحقيقة وقربانها الأيقوني.

جان جاك روسو

ولم تكن تجربة سورين كيركغارد لتختلف كثيراً عن تجربة روسو، من حيث الشروخ الفاصلة بين المفاهيم النظرية، وبين تطبيقاتها على الأرض. على أن كيركغارد نفسه لم ينكر ما وُجّه إليه من تهم الازدواجية والانقلاب على النفس. ولأن الحياة عنده لا تؤتى من زاوية واحدة، فهو يلجأ إلى الكتابة بعدد من الأسماء المستعارة، التي تسمح له بالتلطي خلف تلك الأسماء والتنصل من طروحاتها ورؤيتها للحياة. وإذ يعترف الفيلسوف الدنماركي الوجودي بأنه يكتب عكس ما يعيش، يقر بأن أكثر نصوصه إباحية كانت تحضره في لحظات الزهد، وبأن كتابه «يوميات زير نساء» قد تم تأليفه في أروقة أحد الأديرة، أثناء انغماسه في تجربة روحية عميقة. كما أن الفيلسوف المنافح عن فضائل الزواج، لم يكتف بالإحجام عن الدخول في المؤسسة الزوجية، بل فسخ خطوبته دون سابق إنذار مع حبيبته ريجين أولسن، التي لم تجد ما تستعين به على آلامها، سوى الزواج من منافس كيركغارد اللدود فريدريك شليغل.

وفي سياق نظريته الافتراضية حول ازدواجية الفلاسفة ونفاقهم، يرى نودلمان في علاقة سيمون دي بوفوار الغرامية مع الكاتب الأميركي نيلسون ألغرين، البرهان الأكثر وضوحاً على الفجوة العميقة القائمة بين منظومتها الفكرية النظرية وبين سلوكها الفعلي. فسيمون دي بوفوار التي تطلق عبارتها الشهيرة «المرأة لا تولد امرأة بل تصير كذلك»، تلح في الوقت ذاته على تفكيك السياقات الاجتماعية التقليدية التي تضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل، منيطة بها جميع المهام المنزلية والعائلية والجسدية التي تحولها إلى خادمة ومربية وأداة للمتعة والإنجاب. ولا تكفّ صاحبة «الجنس الآخر» عن تذكير المرأة بأنها مساوية للرجل وندٌّ له، أو حثها على الإعلاء من شأن نفسها بالقول «أن تكوني امرأة في نظر أحد الرجال، وأن تشعري بالوجود من خلاله، وألا تدركي معنى للحياة إلا من أجله، فهذا كله يتنافى مع مشروع المرأة المستقلة». لكن دي بوفوار إذ تقع في غرام ألغرين، لا تجد حرجاً في نسف مقولاتها تلك من أساسها، وفي إعلان إمحائها الكامل إزاء رجلها المعشوق، ولا تتحرج من القول له: «أشعر بأنني جزء منك، وأنني ضفدعتك الصغيرة العاشقة، وأنا أتقبل راضية تبعيتي لك، طالما أنني أحبك». كما لا تتورع الفيلسوفة المناهضة لانفراد المرأة بأعمال السخرة المنزلية، عن المزيد من الخضوع وتقديم التنازلات، فتكتب لألغرين: «آه يا عزيزي نلسون. سوف أكون لطيفة وعاقلة، وسوف تراني أنظف المنزل، وأُعدّ لك جميع أنواع الطعام».

وإذ يقف نودلمان ملياً إزاء شخصية سارتر ذات الحضور الكاريزمي والأثر البالغ على معاصريه، فإنه يركز على الشروخ العميقة التي حكمت سلوكيات الفيلسوف الفرنسي الأشهر، سواء من حيث علاقاته العاطفية ذات النمط الشهواني الاستحواذي، أو من حيث التناقض التام بين فلسفته الوجودية التي تتحدث بلغة الأنا وترفع الحرية الفردية إلى رتبة المقدس، وبين دعوته اللاحقة إلى الالتزام، حيث سارتر الذي يدسّ أناه الفردية في ضمير الـ«نحن» الجمعي، لم يكفّ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عن التحدث باسم الآخرين، وكأنه «يريد الحلول مكانهم، سواء أكان ذلك بحسن نية أم بإساءة استخدام اللغة».

على أن وجاهة أفكار نودلمان وذكاءه الحاد في التقاط التناقض الفصامي القائم بين تنظيرات الفلاسفة وسلوكياتهم، لا يعفيان القارئ من ملاحظة خلطه، المتعمد على الأرجح، بين المفاهيم والمصطلحات، بحيث إن ما عده كذباً، قد يكون جزءاً من الطبيعة الملتبسة لعلاقة اللغة بالواقع. فالأولى تقوم على التصور المثالي للعالم، واختبار الحيوات المتخيلة، كما يقول فلوبير، فيما تتصل الثانية بالممكن والمتاح والمعيش. كما أنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن الإنسان، والمبدع على نحو خاص، ليس دوغما واحدة ونهائية، بل يمكن له أن يتغير مع الزمن وأن ينقلب على مقولاته وأفكاره السابقة. ومع أن نقده لازدواجية سيمون دي بوفوار يعكس بذكاء لافت واحدة من زوايا الحقيقة، إلا أنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن من كتبت «الجنس الآخر» وسواه، هي دي بوفوار المفكرة والمناضلة في مجال الحرية والعدالة والمساواة بين الجنسين، فيما أن من أحبت ألغرين، هي دي بوفوار الأنثى ذات العاطفة المتقدة التي استيقظ جسدها من سباته.

لا أعرف إذا ما كان فرنسوا نودلمان قد اطلع على المقولة العربية الشهيرة «أعذب الشعر أكذبه»، أو قرأ القرآن الكريم، قبل أن يشرع في تأليف كتابه المثير والإشكالي

لا أعرف أخيراً إذا ما كان فرنسوا نودلمان قد اطلع على المقولة العربية الشهيرة «أعذب الشعر أكذبه»، أو قرأ القرآن الكريم، قبل أن يشرع في تأليف كتابه المثير والإشكالي. وسواء كانت الإجابة بالسلب أو الإيجاب، فإن نعت الآية الكريمة للشعراء بأنهم «في كل وادٍ يهيمون»، وأنهم «يقولون ما لا يفعلون»، هو عين ما نعت به نودلمان فلاسفة الغرب الذين تناولهم بالدراسة. ومن غرائب المصادفات أن يعمد هانس أنتنسبرغر إلى تأكيد المقولة التي تربط بين الكتابة والكذب. ففي قصيدة له بعنوان «مزيد من الأسباب بأن الشعراء يكذبون»، يعمد الشاعر الألماني إلى دعم فرضيته بما يلزمها من البراهين والقرائن، ومن بينها «أن اللحظة التي تُلفظ فيها كلمة السعادة، ليست اللحظة السعيدة أبداً، وأن الميت عطشاً لا ينبس ببنت شفة، وأن الكلمات تصل متأخرة جداً أو مبكرة جداً، وأن مَن يتحدث هو شخص آخر على الدوام، فيما يلوذ بالصمت الشخص الذي يدور حوله الحديث!».

 


مقالات ذات صلة

محمود الرحبي: لا أكتب لنيل جائزة واللحظات الجميلة تأتي بدون تخطيط

ثقافة وفنون محمود الرحبي

محمود الرحبي: لا أكتب لنيل جائزة واللحظات الجميلة تأتي بدون تخطيط

يعد الكاتب محمود الرحبي أحد أبرز الأصوات في خريطة السرد بسلطنة عمان.

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون «معتقلون ومغيّبون» سوريون... التوثيق بالفنّ

«معتقلون ومغيّبون» سوريون... التوثيق بالفنّ

ردَّ جان بول سارتر على سؤال «لماذا نكتب؟»، بالقول: «لأننا حين نفعل، نَكشِف، بحيث لا يمكن لأحد، بعد ذلك، أن يدّعي البراءة أو يتجاهل ما حدث».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون زهرة دوغان - مدينة نصيبين

أهمية القانون في دعم اقتصاد الفن واستثماره

تأتي علاقة الفن بالقانون من عدة جوانب، فيمكن أن يكون موضوعاً يجري التعبير عنه، أو عن المفاهيم والحالات الإنسانية المرتبطة به، كالعدالة والمساواة والبراءة.

د. جواهر بن الأمير
ثقافة وفنون جيمس بالدوين

في مئويته... بالدوين لا يزال الضحيّة والشاهد

يضع كبار نقّاد الثقافة الأميركية في القرن العشرين تأثير مجمل أعمال الصحافيّ الأفروأميركي جيمس بالدوين على الحياة الثقافيّة في الولايات المتحدة في مقام «المذهل».

ندى حطيط
ثقافة وفنون «طباطيب العِبَر»... تحولات المجتمع المصري من منظور قرية

«طباطيب العِبَر»... تحولات المجتمع المصري من منظور قرية

«طباطيب العِبَر» (أو «حكايات أدبية من الدراكسة») للصحافي والكاتب المصري، أسامة الرحيمي، ليس مما يُقرأ ويُنسى، بل يعيش في الذاكرة طويلاً

د. رشيد العناني

هل مات جاك بيرك مسلماً؟

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

هل مات جاك بيرك مسلماً؟

جاك بيرك
جاك بيرك

حينما قرأت نعي المستشرق أو قل المستعرب الفرنسي جاك بيرك في الصحف... وأنه مات على إثر نوبة قلبية داهمته وهو في قرية سان جوليان «ون يورن» حيث كان عاكفاً على ترجمة أجزاء من السنة النبوية الشريفة – شخصت أمامي على الفور تلك اللحظات التي قضيتها معه قبل سنوات قليلة حين زار الرياض في نهاية السبعينات الميلادية مستشاراً من قبل بضع الجهات في دراسة مظاهر التغيير الاجتماعي التي حدثت في بلادنا بعد حدود الطفرة النفطية في منتصف السبعينات.

كنت قرأت له بعض الدراسات حول التاريخ الاجتماعي والسياسي في المغرب الحديث، وحركة الريف التي قادها عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمار، وكذلك فقد كان كتابه الذائع الصيت «العرب من الأمس إلى الغد» طاغي الحضور في الأوساط العربية المحتفية بجاك بيرك فرنسيّاً درس حضارة الإسلام وحياة العرب المعاصرين في المغرب العربي ومصر... بحب موضوعي الأسلوب، وله في ذلك كتابان شهيران.

وكان حضوره طاغياً لأنه من الأجانب القلائل الذين أنصفوا العرب وقدّروا الإسلام... ولأنه كان ذا نزعة آيديولوجية مناهضة للاستعمار والتغريب، فقد جاء إصراره في معظم ما يكتب على أن الصيغة المناسبة لفك اشتباك الهوية بين الأنا والآخر في العالم العربي والإسلامي هي إحياء إسلام عصري.

ولم يكن قول بيرك هذا خطاباً استهلاكيّاً يصرِّح به لهذه الصحيفة العربية أو تلك ليكسب مزيداً من المكانة المزيَّفة في المجتمع العربي... كلَّا. إنما كان يقول ذلك عن فهم دقيق لخصائص المجتمع العربي الذي وُلِدَ فيه. فجاك بيرك ولد سنة 1910م في قرية تابعة لولاية وهران الجزائرية حيث كان والده موظفاً مدنيّاً معروفاً في الإدارة الفرنسية المهيمنة على مقدرات الجزائر... ولكن هذا لم يمنع الأب والابن على السواء من التأثُّر بخصال المجتمع العربي هناك... وبعد تخرجه الأولي في مدارس الجزائر الفرنسية، ذهب وهو فوق العشرين موظفاً ذا سلطة في المغرب... إلَّا أن هذا لم يمنعه من الاحتكاك بالمجتمع وهمومه وقضاياه، ولتعرفه على عقلية المجتمع المغربي طفق يُثني ركبتيه في جامع القرويين أمام مشايخ المغرب ليدرس الفقه الإسلامي... كما يؤكد ذلك ألبرت حوراني في كتابه الأخير قبل رحيله، وهو «الإسلام في الفكر الأوروبي».

وقد أدهشني حقاً وأنا أسجل معه حواراً تلفازياً في برنامجي الأول «الكلمة تدق ساعة» كيف أبكى جمهور قريته الفرنسية، وهو يقرأ أمامهم - في لقاء أدبي - قصيدة «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، فوجدهم متفاعلين مع صور القصيدة، التي استوحاها الشاعر العراقي من طبيعة قريته جيكور، ونهيرها الصغير (كما وجدته).

ولنا هنا أن نقف باندهاش وتساؤل وتفكير أمام ما يقول حوراني في صفحة 164 من كتابه عن جاك بيرك: «إن كتابات بيرك مليئة فعلاً بالمشاهد والأصوات، بالروائح والمذاقات، لقد تشرَّب هذا الرجل العالم العربي بكل جوارحه، إنه لا يُصادق ببساطة في كتبه، إنه شخص يُرى سائراً في شوارع فاس الضيقة... عيناه منخفضتان، سجادة الصلاة تحت إبطه... خطواته تنم عن احتقاره لمشاهد العالم من حوله... كياسته الزلقة، أعصابه أعصاب أحد سكان المدن القدامى، حيلته كحيلة أحد رجال الحاشية القدامى، تعلقه بالمخمل المستعمل للزينة والحصى المنحوت في المنازل الرائعة، يجعله البطل المثقف لحضارة تعبر عنها جيداً موسوعية رجل الفكر، ومهارة الحرفي، ومتعة مآكلها».

ويواصل ألبرت حوراني حديثه عن جاك بيرك مسترشداً هنا بكتابه «عربيات» الذي هو كتاب سيرة ذاتية أملاه سنة 1978م على الباحثة اللبنانية دنيز عكر، يقول حوراني:

«هكذا يستحضر الجزائر التي عاش فيها طفولته بالمشاهد والروائح... ضوء ما بعد الظهر المتلألئ، رائحة (البرانس) الملوثة بالشحم، رائحة الأفاوية، والمغرب بطبقها الملوكي، فطيرة الحمام واللوز (البستيلا)، مثل هذه الانطباعات المحسوسة في كتاباته تصبح رموزاً لطبيعة الغرب المحددة، ولقبوله الخاص لها، ليس عنده شيء من فقدان السهولة، التي رسمت اتصال العديد من العلماء من الجيل السابق لجيله بالحقيقة الإنسانية التي درسوها، ببساطة - يقول جاك بيرك - إنني أذهب إلى البلدان العربية لأنني سعيد هناك».

في بحث للمستشرق الفرنسي روبير منتران، كتبه بمناسبة زيارته لبعض الجامعات العراقية قبل سنوات حول «الاستشراق الفرنسي، أصوله، تطوره، آفاقه» طفق منتران يقدم عرضاً بانوراميّاً عن تاريخ الاستشراق الفرنسي وظروف نشأة الاستشراق في الغرب عامة بعد الحروب الصليبية، وكذلك ذكر رموز الاستشراق الفرنسي وأعمدته... ودور مدرسة اللغات الشرقية والمكتبة الوطنية التي أنشئت بباريس في بداية الأمر لدراسة واقع الشرق المستعمر هنا وهناك في العالم الإسلامي.

حين مرّ روبير منتران على هذا كله، لم يتمالك من رمي بعض حصوات النقد في بركة الاستشراق الفرنسي التي اكتشف أنها تقف في مستوى تقليدي ساكن، رغم ما قدمته من خدمات إجرائية لدراسة التراث العربي والإسلامي... ولذلك فهو يطالب في بحثه الذي نشر في دورية «الاستشراق» البغدادية الصادرة في فبراير (شباط) سنة 1987م بالخروج من مفاهيم الاستشراق التقليدية، وذلك «بربط الموضوع (المدروس) بوشائج المجتمع العربي والإسلامي، أي في البيئة التي عرف فيها هذا الأدب ولادته وانتشاره».

وهذا ما حدث فعلاً لجيل المستشرقين الجدد في فرنسا، الذين واكبوا حركة المتغيرات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي مؤخراً، ومنهم جيل كيبيل وريان يشار وأوليفيه روا في دراساتهم عن تجربة الإسلام السياسي... غير أن الإنصاف العلمي ينبغي أن يرجح شيخ المستشرقين الفرنسيين المعاصرين جميعاً «جاك بيرك»، فهو الذي خرج بالمفهوم التقليدي للدراسات الاستشراقية أو الاستعرابية إلى آفاق جديدة حين تم ربط الظاهرة الفكرية والأدبية بجذورها الاجتماعية من خلال تخصصه كعالم اجتماع درس «التاريخ الاجتماعية لقرية مصرية في القرن العشرين» حيث تطور هذا البحث إلى كتابه ذائع الصيت «مصر الاستعمار والثورة».

ويذكر الكاتب اللبناني حسن الشامي في مقالة بجريدة الحياة ملمحاً مهمّاً في هذا الجانب من حياة بيرك العلمية، وهو المتعلق بأول بحث نشره في الجزائر سنة 1936م، فقد كان بعنوان «الوثائق الرعوية لبني مسكين».

لهذا، فلم يكن مستغرباً أن يتصاعد تفاعل بيرك بالمجتمع العربي ودراسة همومه وقضاياه وفكره، فإذا به يعكف في السنوات العشرين الأخيرة على إعداد ترجمة واسعة ومميزة للقرآن الكريم، أكملها في أخريات حياته، كشفت بعمق عن تعلق عاطفي وعقلي بكل ما لدى العرب من فكر وحضارة ودين، شغل لبّ المستعرب الفرنسي الذي كان كما يقول ألبرت حوراني: «يتأبط سجادة الصلاة في أزقة فاس».

هل كان جاك بيرك مسلماً؟

إنه سؤال يستحق اهتمام الدراسين، خصوصاً أن الرجل أنهى حياته بدراسة مصدري الدين الإسلامي الحنيف؛ القرآن الكريم والسنة النبوية.

بل السؤال المحير الذي تم تجاهله...

لماذا أوصى جاك بيرك بدفن نسخة من ترجمته للقرآن الكريم معه في قبره، رغم الحملة الشرسة التي طالت هذه الترجمة، من قبل بعض المسلمين، في الوقت الذي كان عاكفاً على دراسة السنة النبوية في أخريات أيامه سنة 1995م؟!

كما أنه أوصى بأن تنقل مكتبته الضخمة من بيته في باريس، إلى مسقط رأسه في مدينة فرندة الجزائرية، حيث ولد هناك سنة 1910م.