نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث

ابتدأت ملامحه ترتسم على الأفق... والموجة الأصولية ستنحسر عاجلاً أو آجلاً

نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث
TT

نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث

نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث

تقول لنا كتب التاريخ ما فحواه: في أواسط القرن الثامن الميلادي، حصل شجار داخلي كبير أدى إلى زعزعة العالم العربي. فقد تغلَّب العباسيون على الأمويين، واستولوا على السلطة بعد أن أعملوا المجازر فيهم. كل العائلة الأموية أُبيدت عن بكرة أبيها. ولم يبقَ منهم إلا شخص واحد نجا من الموت وهرب إلى آخر الدنيا: هو عبد الرحمن الداخل، الملقب بصقر قريش. وهذا الشخص الواحد المذعور الهارب استطاع أن يؤسس إمبراطورية جديدة في الأندلس! من يصدق ذلك؟ معجزة حقيقية. على أي حال، هكذا انتقلنا من عهد السلالة الأموية التي استمرت قرناً تقريباً إلى عهد السلالة العباسية التي استمرت خمسة قرون. وقد بلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية أوجها؛ بلغت ذروة العظمة والمجد. عندئذ انتقل مركز الإسلام والعروبة من سوريا إلى العراق، ومن دمشق إلى بغداد. وعندئذ أشرق العصر الذهبي بأنواره على العالم.

ينبغي العلم بأن الصراع بين العباسيين والأمويين دار حول مفهوم الإسلام الصحيح: أي صحيح الدين. كل طرف كان يتهم الطرف الآخر بالانحراف عنه، وعن نهج العقيدة القويمة المستقيمة، وذلك لكي يزيحه عن السلطة ويحل محله. والواقع أن العباسيين استخدموا هذا الأسلوب في الدعاية و«البروباغندا» لكي يسفِّهوا الأمويين ويشوِّهوا صورتهم. وقد نجحوا في ذلك كل النجاح. فقد أشاعوا عنهم أنهم انحرفوا عن نهج القرآن والشريعة، وأنهم منافقون، فاسدون، ماجنون، لا أثر للإيمان في قلوبهم. ونجحت الإشاعة وانتشرت في كافة الأمصار الإسلامية، الشيء الذي أدى إلى سحق الأمويين عام 750م وحلول العباسيين محلهم على رأس الإمبراطورية العربية الإسلامية. وهذا ما يدعوه المؤرخون «الثورة العباسية».

وهذا يعني أنك لا تستطيع أن تسقط أي نظام بالقوة «الخام» -إذا جاز التعبير- أو بالقوة المحضة فقط. وإنما ينبغي أن تسقط مشروعيته الإلهية أو الدينية أولاً. الآن نقول: مشروعيته الآيديولوجية أو السياسية. انظر الصراع الجاري حالياً بين التيارات الظلامية للإسلام السياسي، وبين تيار الإسلام المستنير الصاعد بكل قوة على الرغم من كل شيء. صحيح أنه لا يزال أقلية قليلة، ولكن حركة التاريخ تمشي في اتجاهه، والمستقبل له حتماً.

متى سنكف عن فهم الإسلام على أساس أنه تكفير وحرب وضرب وتفجيرات وطائفيات مشتعلة؟ متى سندرك أنه يوجد فهم آخر للإسلام: فهم حضاري وأخلاقي وروحاني عظيم. لأن «الربيع العربي» لم يدرك ذلك؛ فشل فشلاً ذريعاً. (أفتح هنا قوساً وأقول بأن سكوت معظم المثقفين العرب عن المجازر المخزية التي ارتكبها الأصوليون خلال العشرين أو الثلاثين سنة الماضية في الداخل والخارج، وكذلك اغتيال المثقفين والصحافيين في الجزائر وسواها، هو أكبر دليل على مدى تخلف الثقافة العربية؛ ليس فكرياً فقط، وإنما أخلاقياً وإنسانياً أيضاً. ولهذا السبب لا توجد لنا أي مصداقية ولا أي احترام على المستوى العالمي).

كنوز التراث أو ذخائر العرب

بين عامي 750 و1100م، كان جميع العلماء إما عرباً، وإما فُرساً، وإما أتراكاً من آسيا الوسطى، وإما بربراً أمازيغيين في الأندلس وشمال أفريقيا، وإما يهوداً، أو مسيحيين، أو مسلمين بطبيعة الحال. ولكن كانت هناك خاصية مشتركة تجمع بينهم جميعاً، ألا وهي: أنهم كلهم كانوا يفكرون ويكتبون باللغة العربية. صحيح أنهم كانوا يتحدثون بلغتهم الأم عندما يعودون إلى بيوتهم وعائلاتهم وأطفالهم، ولكن لغة العلم والفلسفة والمناقشات الفكرية الكبرى المحتدمة كانت تتم باللغة العربية. ولهذا السبب جرى استخدام تعبير «الحضارة العربية» وتفضيله على تعبير «الحضارة الإسلامية». لماذا؟ لأن كثيراً من العلماء آنذاك ما كانوا مسلمين؛ بل إن معظم المترجمين الكبار كانوا عرباً مسيحيين. ولكن كانوا كلهم يتقنون العربية ويؤلفون كتبهم الأساسية بها.

كانت اللغة العربية آنذاك لغة الحضارة العالمية. لهذا السبب نقول بأن مستقبل اللغة العربية أمامها لا خلفها، ولكن بشرط واحد: ألا وهو تبسيط قواعدها ونحوها وصرفها وصياغاتها التعبيرية. ثم بشرط تخلي المثقفين العرب عن ظاهرة التفاصح والتقعر. كنا ننتظر منهم تطوير اللغة العربية وتسهيلها، فإذا بهم يعقِّدونها أكثر فأكثر بنوع من الشطارة البهلوانية المزعجة والمقلقة فعلاً. ثم بشرط نقل كل العلوم والفلسفات الحديثة إليها. ثم بشرط اشتقاق آلاف المصطلحات الجديدة المقابلة للمصطلحات الإنجليزية والفرنسية، بغية مواكبة روح العلم والعصر واستدراك ما فات. كل يوم ينبغي أن نبتكر مصطلحاً جديداً في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية أيضاً. ثم بشرط حرية الإبداع والابتكار. ثم بشرط نقد الأصولية الظلامية وتفكيكها من جذورها، من أساسات أساساتها. وهذا هو الشرط الأساسي لتدشين حركة التنوير العربي القادم. على هذا النحو يمكن أن يعود العصر الذهبي مرة أخرى.

هذا وقد أبدع علماء الإسلام في كافة المجالات بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد (بين قوسين: أخشى ما أخشاه أن يصحح لي أحدهم تعبير «في كافة المجالات» فيصبح «في المجالات كافة»! يكاد يجن جنوني. هذا هو التقعر والتفاصح اللغوي بعينه. هذا التقعر المتفاصح سوف يلجم اللغة العربية، ويمنعها من التطور والانطلاق، وربما قتلها أو خنقها في نهاية المطاف. ومن الحب ما قتل. ومن الحب ما خنق. وهذه المعركة الكبرى كانت هي أيضاً معركة جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وبقية الرواد النهضويين. متى ستقترب اللغة العربية من لغة الحياة؟ هذا هو السؤال. متى سنردم الفجوة الحاصلة، والهائلة، بين اللغة المكتوبة واللغة المحكية؛ بدلاً من أن نوسعها ونفاقمها ونصبح أضحوكة للأمم والشعوب؟).

حركة «الإخوان المسلمين» التي تأسست عام 1928 هي التي قصمت ظهر النهضة العربية التي كانت صاعدة بقوة من خلال التفاعل مع أفضل ما أعطته أوروبا

انتصار عصر الانحطاط

نعود إلى صلب الموضوع، ونقول: ولكن هذا العصر الذهبي كان قصيراً مع الأسف الشديد؛ لأنه لم يستمر أكثر من ثلاثة أو أربعة قرون في بغداد العباسية أولاً، ثم في قرطبة الأموية ثانياً. بعدئذ ابتدأ عصر الانحطاط الطويل الذي لم نقم منه إلا بعد سقوط السلطنة العثمانية عام 1918. وهي السلطنة التي هيمنت على مقدرات العالم العربي من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين. وفي تلك القرون الظلامية الأربعة لم يواكب المسلمون الحركة العلمية والفلسفية إطلاقاً؛ بل ولم يسمعوا بها. بل كانوا يغطون في نوم عميق عندما كانت أوروبا تنهض وتصنع العلوم والحضارات والمعجزات. وهكذا انعكست الآية؛ في تلك القرون الأربعة ظهر كل علماء وفلاسفة أوروبا الكبار، من أمثال: كوبرنيكوس، وغاليليو، وديكارت، ونيوتن، وكانط، وهيغل، وعشرات آخرين؛ ولكن هل سمع بهم قادة السلطنة العثمانية وشيوخها الكبار؟ أبداً، لا. لم يسمعوا بهم، ولم يترجموا لهم كتاباً واحداً، ما عدا كتاباً واحداً في الطب؛ لأن السلطان كان مصاباً بمرض جنسي. وهذا يعني أن عصر الانحطاط استمر مدة ستة أو سبعة قرون؛ أي منذ القرن الثاني عشر، تاريخ سحق المعتزلة والفلاسفة وانطفاء أنوار قرطبة بعد أنوار بغداد، وحتى القرن التاسع عشر، تاريخ انطلاقة النهضة العربية في مصر وبلاد الشام، على يد: محمد علي، والطهطاوي، وبطرس البستاني، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، والأفغاني، والكواكبي، وعشرات النهضويين الآخرين.

أخيراً، هكذا نلاحظ أن عصر الانحطاط والظلام هو الأكثر استمرارية ورسوخاً في تاريخنا. من هنا صعوبة الاستيقاظ والنهوض. كلما حاولنا النهوض انتكسنا وعدنا إلى الوراء. هناك قوى هائلة تشدنا دائماً إلى الخلف. من هنا صعوبة التخلص من الحركات الظلامية التي تهيمن علينا الآن. فالعصر الذهبي الأول لم يستمر أكثر من بضعة قرون في بغداد وقرطبة. والعصر الذهبي الثاني لم يستمر أكثر من قرن ونصف قرن: وأعني به عصر النهضة في القرن التاسع عشر وحتى عام 1970. بعدئذ صعدت الموجة الأصولية بقوة وعنفوان هائل، وتسلَّمت زمام الأمور منذ خمسين سنة وحتى الآن؛ بل وحتى قبل ذلك. يمكن القول بأن حركة «الإخوان المسلمين» التي تأسست عام 1928 هي التي قصمت ظلنهضة العربية التي كانت صاعدة بقوة من خلال التفاعل مع أفضل ما أعطته أوروبا. وهي التي أرعبت العلماء والمثقفين في شتى الأقطار. انظر محاولة اغتيال عباس محمود العقاد الفاشلة لحسن الحظ.

والآن، نحن نقف على مشارف العصر الذهبي الثالث: أي عصر التنوير العربي الذي ابتدأت ملامحه ترتسم على الأفق. فهذه الموجة الأصولية سوف تنحسر عاجلاً أو آجلاً، وسوف يحل الإسلام المستنير محل الفكر الإسلامي الظلامي المهيمن علينا حالياً. ولكن ذلك لن يتم قبل أن تحصل معركة كسر عظم مع الأصوليات السوداء المزمجرة. لن يتم قبل أن ننخرط في معركة فكرية شرسة جداً مع ذاتنا التراثية العميقة. وهي معركة ظل المثقفون العرب يتحاشونها خوفاً من الاشتباك معها. ولكن في نهاية المطاف لا بد مما ليس منه بد.


مقالات ذات صلة

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

ثقافة وفنون هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

مقاصد أساسية انطوى عليها كتاب يوميات كاتب عرايض: «كوديا للنشر والتوزيع – بغداد: 2026» للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان.

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

صدرت مؤخراً عن «دار عرب» في العاصمة البريطانية لندن، رواية «حواليس» للكاتب والإعلامي العُماني الدكتور محمد اليحيائي، وهي الرواية الثالثة في سجله الأدبي.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
ثقافة وفنون «منازل البلجيكي»... لهوشنك أوسي

«منازل البلجيكي»... لهوشنك أوسي

عن منشورات «إبييدي» في القاهرة، صدرت رواية جديدة للروائي والشاعر السوري – البلجيكي هوشنك أوسي، بعنوان «منازل البلجيكي».

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون أحمد زين

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية

صدوق نور الدين
ثقافة وفنون «أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها،

رشا أحمد (القاهرة)

وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

TT

وفاة كلايف ديفيس صانع نجوم الموسيقى عن عمر يناهز 94 عاماً

توفي كلايف ديفيس، المحامي وقطب صناعة التسجيلات الأميركي، الذي يعتبر من أقوى الشخصيات في صناعة الموسيقى، حيث أطلق الحياة المهنية لنجوم بارزين أمثال جانيس جوبلين وويتني هيوستن وكارلوس سانتانا وأليشيا كيز، عن عمر يناهز 94 عاماً، حسبما أكدت عائلته.

وفي وقت سابق من العام الجاري، تم نقل ديفيس إلى المستشفى بعد إصابته بمشكلة في الجهاز التنفسي وخرج بعد بضعة أيام. وأكدت وكيلته الإعلامية أليزا رابينوف، التي شاركت أيضاً في بيان العائلة، أن ديفيس وافته المنية في شقته في مانهاتن.

وجاء في البيان: «بالنسبة للعالم، كان والدنا أسطورة الموسيقى الشهير الذي شكّلت رؤيته وإحساسه وسعيه الدؤوب لتحقيق التميز الموسيقى التصويرية لعدد من الأشخاص لا حصر لهم. لقد اكتشف وأرشد ودافع عن أعظم الفنانين في تاريخ الموسيقى الحديث، وترك بصمة لا تمحى على الثقافة ستستمر لأجيال».

وعلى عكس أقطاب التسجيلات الأخرى الذين تضاءل تأثيرهم مع تقدمهم في السن، يبدو أن ديفيس كان ينمو خلال مسيرته المهنية، التي امتدت إلى أنواع متعددة. وفي الثمانينات من عمره، كان يدير أعمال عدد كبير من النجوم بدءاً من باري مانيلو وحتى الفائزين ببرنامج «أميركان أيدول» كاري أندروود وكيلي كلاركسون.


هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد
TT

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

هوامش بغداد غير المدوَّنة في كتب البلاد

3 مقاصد أساسية انطوى عليها كتاب يوميات كاتب عرايض: «كوديا للنشر والتوزيع – بغداد: 2026» للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان. يتَّصل الأول بالأصل «الشعبي» المقصود لوظيفة «العرضحالجي»، وهي مهنة كتابة «العرايض» أو «العرائض» التي يتولاها «شخص» متعلِّم يعرف أصول كتابة «الشكاوى» بصياغات قانونية معروفة. وكاتب «العرايض» يأخذ على عاتقه «صياغة» «عريضة» تشرح لجهة حكومية، غالباً، حال المشتكي. وكتاب «غيلان» يلتزم في أغلب مفاصله بهذا المعنى والوظيفة لكاتب الـ«عرايض»، ويضيف إليها دلالات أخرى توسِّع كثيراً في الدلالة السردية لمعنى «العرضحال» ليلامس معنى ووظيفة «السيرة» الذاتية للكاتب والمجتمع العراقي الذي عاش فيه، لا سيَّما في عراق التسعينات بناسه المحاصرين. وهو، كذلك، سيرة ثقافية للبلاد ومثقفيها. وفي الدلالة الأخيرة ثمة فائدة أساسية لهذا الكتاب، يمثِّلها «التدوين» اليومي، العشوائي، ربما، ليوميات الحياة تحت حكم الديكتاتور.

كاتب مذكرات أم عرضحالجي؟

في البدء، ثمة خشية أولى، لا يخفيها الكاتب، أن تكون عريضته صيغة مماثلة لمنطق شاع في عراق ما بعد صدام، وفي زمن محايث له أيضاً، عن كتابة «المذكرات» و«السير» الشخصية لشخصيات سياسية، وحتى ثقافية، غلب عليها الكذب والافتعال، بل الرغبة الشديدة بالانتقام وتمرير «بطولات» و«أدوار» زائفة لا أساس لها. يُظهر مدخل الكتاب تفهُّم الكاتب لكتابة المذكرات في مجتمعات ما بعد الديكتاتور؛ فنجده يسأل نفسه: «ماذا سأكتب؟ سيغضب البعض... وربما يفرح البعض». فهل هذا مسوِّغ كافٍ لكتابة تخوض عميقاً في «الشر» و«الخير» على السواء؟ لا يبدو «غيلان» مهتماً كثيراً بالإجابة قدر اهتمامه بإظهار أقصى قدر من الصدق في مراجعة حياته، أقصد مهنته بصفته كاتب عرايض، فيعدنا بأن: «سأقول ما يمليه عليَّ ضميري وللوقائع التي عشتها».

لكن الكتابة عن حافة الموت قهراً وتعسفاً لا تساوي مسألة الصدق أو التماثل معه، أو حتى الادعاء به، لا سيَّما في حالة الكتابة السيرية في ظل سلطة قاهرة، وعنها لاحقاً؛ ثمة ما هو أهم بكثير منها، إنه ما يسمَّى ميثاق السيرة الذاتية كما يفترض فيليب لوجون. والميثاق هنا يتحدَّد بالأصول الثلاثة الرئيسة التي بدأنا بها هذه المراجعة لكتاب أساسي كما نرى. وهو كذلك لأنه يتخطى عقبة الثأر أو الانتقام من كتَّاب ومثقفي العهد البعثي، لينشغل بما هو أساسي، بالضبط بما، وتمثَّله «العريضة» من «تدوينات» يومية تتَّصل بحياة الناس في ظل حكم الديكتاتور. هذا أمر ذو فائدة أساسية. ولكن لماذا أعطى الكاتب هذه الأهمية للعريضة؟ هي ذات قيمة كبرى لسببين. يختصُّ الأول بصفة خاصة؛ كونه خزَّاناً يجمع شكاوى الناس اليومية، الشخصية والرسمية، الموجَّهة للمؤسسات الحكومية.

وفي تلك «العرايض» نجد الحياة اليومية الحقيقية للناس بلا زيادة أو نقصان. وقد تكون تلك «العرايض» الوثيقة الحقيقية الوحيدة المسموح بها من قبل السلطات بما تمثِّله من «احتجاج» و«رفض» رسمي لحياة تضيق بها السبل حتى كأنها تصبح نثاراً يومياً. بجانبها، ثمة «أرشيف» النكات المتداولة، سراً، على شفاه الناس همساً في المقاهي والبيوت. ولا فرق بينهما سوى أنّ العريضة تُكتب بموجب موافقات حكومية أصولية، وبصياغات كتابية تفرضها أنظمة أمنية عقابية، بينما النكتة يخترعها «الشعب» كما يخترع صبره وأوهامه، لكن النكتة لا تصبر كثيراً في حياة الناس وذاكرتهم؛ فهي بعض سبل المقاومة المغلَّفة بكنايات لا تُعدُّ ولا تُحصى. ويؤلف «الشكل» اللساني للعريضة سبباً ثانياً لما يزعم به الكتاب من قيمة متعاظمة للعريضة؛ فهي بعض خطاب السلطة، وبعض خطاب معارضيها. وإذا كانت الصياغات اللسانية المفروضة من قبل أجهزة السلطة، وهي متغيرة حسب تغير السلطة نفسها، فإن الصياغات اللسانية الخاصة بالناس تعبِّر، بوضوح كافٍ، عن «منطق» الحكاية الشعبية. نحن، هنا، إزاء «يوميات» منتظمة يؤلفها كاتب «العرايض»، كل صباح يعيد صياغة حكايات الناس «شكاواهم» في «قوالب» لسانية جاهزة. ولا حدود لمخيلة الواقع التعيس: أمٌّ تشكو أباً «يزني»، يومياً بابنته. عائلة مطرب شهير تلتمس العطف والعفو من صاحب العفو الأول وهو، ذاته، الوحيد القادر على إنهاء حياة أي «مواطن» في بلادنا العظيمة حد اللعنة؛ فهو حاكمها الأوحد.

حياة كاملة نتعرَّف عليها في يوميات كاظم غيلان؛ نحن الذين بقينا، رغم ذلك، في بلاد الواق واق، نعرف منها «الوجه الآخر» لحياة عراقي في أقسى الأزمنة، زمن الجوع والحاجة الماسة للفرار من البلاد، وهو نفسه زمن الهزيمة الشاملة للبلاد وحاكمها. كاتب العرايض يعود بنا إلى لحظة عراقية سابقة سبق لي، شخصياً، أن استمعت لملخصات عنها، كان ذلك بُعيد احتلال البلاد، وكان صاحبها فؤاد التكرلي يشرح لي، في مكان بعيد عن البلاد التي طحنتنا، كيف أنّ باب المحكمة التي دخلها قاضياً، هو نفسه باب الحكاية المختلفة في عراق الخمسينات؛ فكانت قصته المطوَّلة «بصقة في وجه الحياة»، ومثلها بالضبط قصته الشهيرة «الوجه الآخر»، كناية كلية عن المنظور المختلف للحكاية، عامة، وللقصة المفارِقة، جذرياً، عن قصص اليسار العراقي ذات الصياغات السردية الجاهزة. كان باب المحكمة عتبة أولى لعالم مختلف، عالم لا تعبِّر عنه الوقائع المعلنة للعراق الرسمي في تلك الحقبة، والمحكمة وعوالمها الرهيبة كانت هي روح وجوهر «الوجه الآخر» في قصة التكرلي الشهيرة. وهو نفسه ما حققته تلك الجلسة القلقة لكاتب العرايض؛ فقد أعفته من ذلك الـ «مديح» الكاذب للحاكم، كما فعل كثيرون، وفتحت أمامه عالم السحر كله، عالم آخر لا يعرفه سوى من دخله وعاشه، وهو عالم الناس وحكاياتهم «عرائضهم»، وهو نفسه، ربما، عالم السلطة القبيح.

عن حياة الليل الشحيحة

في مقابل حياة النهار المشبعة باليأس والمراقبة والتحايل، أيضاً ثمة عالم الليل وحياة المدينة الجائعة والخائفة حد اللعنة؛ إنه عالم بغداد الليلي في حاناتها المتقشفة، لكن الصاخبة حتى ساعات الليل المتأخرة. ينفتح الليل على حكايات السكارى والمشردين وصعاليك الحياة والشعر على السواء. لا فرق؛ فالليل أرشيف الحكايات المؤجلة، وهو كذلك ميدان زوار الليل وبوابة كبرى للسطوة على المدينة وعوالمها. إنه مفتاح السيرة الأخرى للمدينة، مما لا يمكن ذكره أو معاقرته نهاراً. أفكِّر بأن حياة المدينة ليلاً هو يومياتها الملغاة، وهي المكمِّلة ليوميات الحياة الشحيحة تحت سلطة تستبدُّ بالبلاد وناسها. هذا بعض ما تقدِّمه يوميات المدينة النائمة على ضفاف نهرها الجائع للحياة كما المدينة نفسها؛ ثمة صورة بانورامية موسعة لحياة بغداد في ليلها الطويل، نقرأ فيها ما لم يقله كثيرون، ونرى في تفاصيلها وجوه المدينة المتعبة الطامحة للفرار من لعنة القهر والجوع.

أريد هنا أن أستعيد، لأجل استكمال مشهد الليل ذي العتمة الحالكة، معنى أن يكون كاتب اليوميات شاعراً شعبياً قادماً من هوامش الجنوب العراقي الفقير والمقصي إلى مدينة مسيَّجة بالحرس والليل والشكوك السياسية بالقادمين الغرباء إليها؛ فهي عاصمة البلاد، وهي مكان السلطة بأجهزتها المختلفة. هذه حقيقة أساسية حاكمة ومتحكمة بإشكالية أية «يوميات» أو «سيرة» شخصية أو موضوعية للكاتب والمدينة معاً.

أتحدَّث هنا عن «المكان» أو «الموقع» الذي سيرى من خلاله الكاتب للمدينة التي تقصيه، بينما يرتاب به حاكمها وعسسه. الملمح الأول والأساسي شكل السكن وموقعه. أقول «شكل» السكن وأقصد ما يتضمنه من إقصاء وتهميش مضاعف فالكاتب، مثل غيره من شعراء وكتَّاب الهوامش العراقية، لا يجد بيتاً يستأجره ونجده يتخذ من الفنادق الرخيصة مكاناً للسكن والحياة. وسكان أو شاغلو الفنادق، لا سيَّما الرخيصة منها، هم الغرباء غير المرغوب فيهم، فهم الطارئون عليها المعرَّضون للطرد منها في أي لحظة.

وسيكون الفندق الرخيص في «الميدان»، وسط بغداد، موقعاً مثالياً للكتابة ورؤية هوامش بغداد. هكذا سيكتب المهمشون أنفسهم عن فنادقهم وحياتهم الرثة، وسيكتب الراحل «ناظم السعود» عن ظاهرة «أدباء الفنادق»، كما سيكتب المسرحي والشاعر العراقي «عبد الخالق كيطان» عن الظاهرة في مقالاته وكتبه السيرية الخاصة بحياته في بغداد وفنادقها الشعبية الرخيصة. من تلك الغرفة الفقيرة سنرى بغداد في لياليها الملتهبة. ورغم ذلك لا نجد في يوميات كاتب العرايض بغضاً للمدينة ولا كرهاً لناسها؛ ولِم الكره والبغض؟!، ثمة كلمات الشاعر الهائم على روحه في بغداد الشاسعة. ولا شيء سوى الشعر وشكاوى الناس والخمر الرخيص في الليالي المتخمة باليأس.

«يوميات كاتب عرايض» كتاب متفرِّد حقاً؛ أسهمت عوامل كثيرة في صناعة هذا التفرُّد، ليس آخرها ما انطوى عليه من شجاعة استثنائية يندر أن نجدها لدى كتَّاب عراقيين عاشوا محن البلاد، وخرجوا منها بيد وقلب وضمير حي ونظيف، وأحدهم كاظم غيلان، الساخر المتفرِّد من آلامه الشخصية، غالباً، ومن مكائد أصدقائه الألدَّة؛ فنراه يقول كلمته الأخيرة بأريحية بالغة، وقد ختم بها تصدير يومياته: «أتمنَّى نومة عميقة... بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لي... كي أسامحكم». هذه اليوميات سيعود إليها مؤرخون كُثر؛ فقد كُتبت بالجمر والألم حد الموت قهراً ويأساً، وهي عن محنة الناس والبلاد، كما أنها عن محنة حاكم المدينة كذلك؛ لِم لا؟!


«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن
TT

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

«حواليس»... تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن

صدرت مؤخراً عن «دار عرب» في العاصمة البريطانية لندن، رواية «حواليس» للكاتب والإعلامي العُماني الدكتور محمد اليحيائي، وهي الرواية الثالثة في سجله الأدبي.

تأتي هذه الرواية لتؤكد مجدداً الحضور السردي لليحيائي، الحائز على جائزة «كتارا» للرواية العربية عام 2023 عن روايته «الحرب»، مستفيداً من خلفيته المهنية كصانع أفلام ومصور ومحقق صحافي، وهي العوامل التي انعكست بوضوح على انشغاله بالتاريخ العماني وإعادة تأمله.

تقع الرواية في 260 صفحة، وتميل إلى التكثيف والاقتصاد، مع اعتماد الحوار الداخلي وتعدد مستويات السرد، وهو ما يجعل القارئ شريكاً في إعادة تركيب الأحداث، لا مجرد متلقٍ لها.

استلهم اليحيائي عنوان روايته من الموروث الشعبي العُماني والخليجي؛ إذ إن «حواليس» هي لعبة تقليدية يشبهها البعض بالطاولة، يمارسها الصيادون عبر حفرٍ في الرمال وتحريك القواقع والحجارة. ويحمل هذا الاختيار دلالة رمزية لافتة، حيث تبدو الرواية أشبه برقعة تاريخية تتداخل فيها الإرادات والأقدار، وتتحرك عليها الشخصيات بين التقدم والتراجع، والربح والخسارة، والصراع بين السلطة والقبيلة.

تفتتح الرواية صفحاتها بعبارة شهيرة للروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا: «الرواية تدريب على الحرية»، لتكشف سريعاً عن ملامح لعبة روائية مبتكرة تتنقل بالقارئ عبر فضاء زمني ممتد لأكثر من قرن؛ يبدأ من أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى تسعينات القرن العشرين.

تنطلق «حواليس» من فكرة سردية وتقنية روائية مغايرة في بناء النص الأدبي (تعدد الأصوات وكسر الجدار الرابع بين المؤلف ونصّه)؛ وشخصيات الرواية لا تعيش داخل الحدث فحسب، بل تُبدي وعياً مقلقاً بكونها شخصيات مكتوبة، تعلّق على فعل السرد نفسه، ومشدودة إلى كاتبٍ يمنحها الحياة أو يحجب عنها مصائرها.

وبلغة دقيقة ومشحونة بالتوتر، تفكك «حواليس» بنى العنف السياسي، والولاء، والخيانة، وتعيد مساءلة مفاهيم البطولة والشرعية والتاريخ الرسمي، من خلال شخصيات تقف على تخوم السلطة أو في ظلالها.

تؤدي شخصيات الرواية أدواراً سياسية واجتماعية وإنسانية، أبرزها شخصية «القومندان»، وهو جنرال سابق يرمز إلى فئة أسهمت في بناء الدولة الحديثة، وتقاطعت أدوارها مع السلطة والنفوذ الاقتصادي. وكذلك الشيخ عبد الله بن راشد، الذي اغتيل بطعنات خنجر غامضة بعد عقود من نضاله؛ ويجسد تياراً من تيارات المقاومة القبلية والشعبية للتدخلات الأجنبية، وبين هاتين الشخصيتين يأتي أبناء الشيخ عبد الله ومساعد القومندان، الذين يوسعون مساحة الحوار داخل الرواية، بما يعزز التوازن بين الذاكرة الجماعية والواقع الاجتماعي وتحولاته على مدى نصف قرن.

الرواية والتاريخ

نجح الروائي اليحيائي في روايته «حواليس» في إنتاج عمل أدبي جريء يزاوج بين السياسي والإنساني، ويؤكد قدرة الرواية على مساءلة الذاكرة الجماعية دون الوقوع في خطاب آيديولوجي مباشر، وتضع الرواية القارئ مباشرة أمام الثمن الإنساني الباهظ للتحولات الكبرى، لتطرح سؤالين جوهريين: كيف يُكتب التاريخ؟ ومن يملك حق روايته؟

سبق لليحيائي أن قال في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط» عن اهتمامه بتقديم الحدث التاريخي كمادة أدبية للرواية، إن «كل كتابة هي نصّ تاريخي. لكن الرواية ليست وثيقة تاريخية. والرواية تنهض على الحدث التاريخي. ولا توجد رواية لم تنهض على حدث تاريخي».

وقال: «أنا مهتم بالتاريخ إجمالاً، وبتاريخ عُمان على نحو أخص، ودارس للتاريخ، وأظن أن تاريخنا مادة خام لم نحسن، حتى الآن، توظيفها في أعمال أدبية وفنية، بما في ذلك المسرح والسينما، لكن من المهم التنبه إلى أن الحدث التاريخي أو الشخصية التاريخية وحدهما لا يكفيان لكتابة رواية أو إنتاج عمل فني، بل ربما يكون التاريخ معيقاً لذلك، إذا لم نمتلك القدرة على نقد التاريخ ومساءلته، وإذا لم نمتلك حرية الخيال في تهشيم المقدس في تاريخنا وفي ماضينا وجعله عادياً، بل ومادة للعب».

من أجواء الرواية

«هل شعرنا بالإحباط لأنها أخذته منا؟ نعم، ولكن بدرجات متفاوتة، تفاوت المكانة التي يحتلها كل واحد منا في الرواية، كما ستكتشفون بأنفسكم، إذا ما عاد إلى الكتابة، وإذا ما قُدّر لمصائرنا أن تمضي إلى نهايتها، وللرواية أن تنشر».