«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

أحمد خلف في لعبة سردية فيها كثير من التجريب

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن
TT

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

«في الطريق إليك»... مقاومة محو الذاكرة بفعل الزمن

يؤكد الروائي أحمد خلف في روايته «في الطريق إليك» الصادرة عام 2023 أنه صانع ماهر للشخصيات الروائية في أغلب أعماله الروائية والقصصية؛ فهذه الرواية تتمحور حول شخصية بطلها وساردها «سعيد»، وهو صحافي وقاص أمضى في الصحافة 35 عاماً، وينتظر بلهفة إنجاز معاملته التقاعدية، بعد أن أدرك من لقطة دالَّة أنه لم يعد قادراً على التلاؤم مع المناخ الجديد، من خلال رؤيته لرئيس التحرير الجديد، وهو يبسمل ويحوقل، مما دفعه للخشية من أن يفرض عليه لوناً من الاشتراطات التي لا تتوافق ومزاجه الشخصي.

حركة الزمن بصورة عامة أفقية، في مقابل محدودية الحركة الأفقية؛ إذ تكاد الحركة الأفقية تهيمن على أحداث الرواية من خلال توظيف الذاكرة لاسترجاع صور الماضي، وإعادة تنضيدها وتركيبها سردياً، أو من خلال لعبة ميتا سردية بارعة يبتكر فيها المؤلف بعض الحكايات والمرويات التي يخلقها أو يستلهما من أعمال سردية سابقة، مثل «ألف ليلة وليلة»، ومنها على سبيل المثال حكاية الملكة زبرجد، وما حصل لها مع زوجها الملك الجبار، كما قد يلاحق الراوي وقائع حقيقية وقعت لشاعر عراقي معروف هو آدم الذي هو كناية عن اسم الأديب (حاكم محمد حسن) الذي أعدمه النظام الصدامي بتهمة الهروب من الخدمة العسكرية، كما يلجأ المؤلف أحياناً إلى إدراج قصص كاملة، مثل قصة «بئر الآبار». (ص 82)

يستهل الروائي السرد بتوظيف ضمير الغيبة (هو) وهو كناية عن «أنا» المتكلم الذي يطلق عليه الناقد تودوروف «أنا الغائب الحاضر»، وهو شكل من أشكال المونولوغ المروي.

«اعتاد سعيد أن ينهض في الصباح باكراً. لديه عزم شديد أن يواصل الحياة، باختياره، لا باختيارٍ مِن غيره». (ص 7)

لكن المؤلف يخلط بين هذا اللون من المونولوغ السردي المبَأَّر فنياً والسرد العليم أو كليّ العلم، من خلال إدراج اسم البطل سعيد في السرد الذي يفضل حذفه، وكان بالإمكان إرجاء ذلك إلى مناسبة حوارية لاحقة، من خلال مخاطبه أحد معارفه باسمه هذا.

نكتشف منذ البداية أننا أمام شخصية روائية إشكالية ينتابها إحساس بأنها لا تستطيع أن تتلاءم مع العالم الجديد، لذا يبدو لها العالم صعباً وقاسياً لا يمكن أن يتجانس معها. (ص7)

ويعترف البطل بأنه يقاوم فعل المحو الذي تتعرض لها ذاكرته بفعل الزمن: «لكنه غالباً ما يضحك من أعماقه كلما تداخلت لديه المشاهد والصور في سنوات متفاوتة من ذكريات محاها الزمن بفعله القاسي». (ص 8)

ونجد ارتباط تحفيز خزين الذاكرة بمنشطات معينة، مثل تناوله للقهوة أو الشاي الأحمر، لأنه «كان يجد في تناوله لهذه المنبهات متعة كبيرة يتذكر فيها بعض فصول حياته». (ص 10) وكان الراوي يدرك أهمية أن يخلق لوناً من التوازن بين الذاكرة والمخيلة، لأنه يجد أن المخيلة تواقة دائماً لخلق المزيد من الصور والمشاهد الحيوية المؤثرة». (ص 20)

وتشغل اللعبة الميتا سردية مكانة متميزة في البنية الروائية، بدءاً من عنوان الرواية «في الطريق إليك»، الذي هو صدى لصوت يتناغم رخياً يخاطبه مباشرة: «في الطريق إليك، ها أنا في الطريق إليك، لا تتعجل في إصدار الحكم عليَّ» (ص 20)، ورغم أهمية العنوان بوصفه بنية دالة مؤثرة، خصوصاً أنه سبق أن سمعه في صباه وهو يتجه إلى مدرسته، فإن المؤلف، وللأسف، لا يمنحه الاهتمام الكافي ليكون جزءاً مؤثراً في المتن الروائي وفي بناء شخصية البطل، لذا سرعان ما غطَّت عليه حركة الأحداث المتدافعة، فسقط في بئر النسيان.

رغم أهمية العنوان بوصفه بنية دالة مؤثرة فإن المؤلف لا يمنحه الاهتمام الكافي ليكون جزءاً مؤثراً في المتن الروائي وفي بناء شخصية البطل

ويكمن فهم مفتاح شخصية البطل في ارتباطه بعالم القراءة والكتابة وولعه بعالم الأساطير والخرافات؛ فهو ظِل ينسج مرويات خيالية ويؤثث بها عالمه الروائي، حتى يُخيَّل للقارئ أن الراوي قد تحول، نفسه، إلى كائن ورقي؛ ليس بالمعنى الذي أسبغه عليه رولان بارت من خلال مؤلَّفه «موت المؤلف»، وأن المؤلف مجرد كائن ورقي ليس إلا، بل بمعنى الانغماس في عالم المرويات والحكايات والأساطير، حتى ليكاد يتحول هو نفسه إلى كائن أسطوري وخيالي يشعر فيها بأنه أحد شهود العصر على ما يجري، خصوصاً بعد الاحتلال الأميركي:

«أنا شاهد على ما جرى، وما حصل من خراب ودمار وقتل واغتيال وتغييب». (ص 4)

ولذا فهو لا يكف عن تقديم المزيد من الحكايات والمرويات:

«قل ولا تتردد، فأنت كما يبدو خزين لحكايات لن تنضب وليس لها من نهاية؛ إذ كلما دعوناك إلى أن تختم حكايتك الأخيرة ما تلبث أن تلقي علينا بحكاية أمضّ وأقسى منها». (ص 24)

وهكذا تنثال مرويات الراوي، وهو يعود ثانية إلى كتابه الذي فتحه على إحدى صفحاته المزدانة بالصور والسرادق والقصور، ومن هذه الكتب قفزت إلى المتن الروائي حكاية الملكة زبرجد التي زاحمت المتن، بعد أن كانت حبكة ثانوية وهامشاً، فأصبحت مركزاً. ويبدو لي أن حكاية الملكة زبرجد إعادة إنتاج للحكاية الإطارية الأولى التي تستهلّ بها حكايات «ألف ليلة وليلة»، وتحديداً في حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان؛ إذ يكتشف الملك شهريار أثناء مغادرته القصر زوجته في أحضان أحد عبيده، فيقوم بقتلهما معاً. وهو ما حدث تماماً بالنسبة للملكة زبرجد، عندما اكتشف الملك الجبار علاقتها بأحد عبيده، المسمى عبد الواحد، فقتل العبد، وأمر بدفن الملكة سراً في الباحة الخلفية للقصر، بعد أن قُتِلت خنقاً، كما يعتقد.

ويؤرخ المؤلف لتاريخ كتابة روايته هذه خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق، وتحديداً يوم 11/ 2/ 2003، وهو تاريخ شروعه في كتابة هذه الرواية:

«يعلم أنه يعيش في بلد محتل منذ أكثر من عقدين من الزمن وأن الأميركان هم مَن يحتلون هذه البقعة الغنية بالثروات». (ص 35)

ولذا كان البطل قلقاً على مستقبل العراق «وما يخطط له الأميركان لتحطيم البلد». (ص 45)

ويسجل لصالح الرواية هنا إدانة الاحتلال الأميركي للعراق، وفضح أشكال الخراب التي حدثت في البنى التحتية للمجتمع ولمنظومة القيم الاجتماعية القويمة، لكن ما أثار استغرابَنا استياؤه الشديد مما شاهده على شاشات التلفزيون من إسقاط تمثال صدام حسين أرضاً ليقتص منه، والناس حوله تصفق:

«لكن لماذا تصرَّف الجندي بهذه الطريقة التعسة مع تمثال رجل كان قبل أيام رئيس دولة أرعبت العديد من دول الجوار؟!». (ص 83)

ومن الجهة الأخرى، اغتنت الرواية بحكايات ومرويات ثانوية، لكنها مهمة ومؤثرة، منها حكاية الشاعر آدم. وقد استطاعت هذه الحبكة إضفاء كثير من الحيوية في البنية السردية، وأنقذتها من حالة الركود النسبي الذي كاد يشلّها. وكانت ملاحقة بطل الرواية سعيد لصديقه (آدم) ودفاعه عنه أمام رئيس التحرير، وذهابه إلى موقف الحارثية الذي يحتجز أولئك المتهمين بالهروب من العسكرية، ريثما يصدر الحكم النهائي بشأنهم. وبدا حرص البطل على إنقاذ بعض مخطوطات صديقه (آدم) السردية إنسانياً ومؤثراً:

«كانت أصابعه قد التقطت ورقة قصيرة مما كتبه آدم له قبل إعدامه بأسابيع». (ص 57)

وتمثل حكاية آدم ومصيره المأساوي إدانة واضحة للنظام الديكتاتوري الذي أعدم المئات وربما الآلاف من المجنَّدين الشبان بتهمة الهروب من ساحة حروب مجانية ومجنونة شنَّها الديكتاتور صدام حسين لإرضاء نزواته النرجسية الدموية، وكان ضحيتها الشباب العراقيين، فضلاً عن تدمير المجتمع العراقي وإفقاره، ووضعه أمام تحديات جسيمة، ما زال حتى اليوم يعاني من عواقبها المدمرة.

ومن الحبكات الثانوية المهمة، علاقة البطل بإحدى الشابات المعجبات بكتاباته القصصية التي كان ينشرها في الجريدة، واسمها ناهد، وقد قامت بزيارته في مقر الجريدة، والتقت به مراراً، وكانت تحلم بأن يتزوج منها، لكنه صدمها بأنه لا يفكر بالزواج إطلاقاً، وهي ثيمة إنسانية كان يمكن لها أن تتطور وتنمو، لكن البطل سرعان ما قمَعَها بإصرار، مما حرم السرد من أفق للامتداد والتوسع العاطفي. ومن الجهة الأخرى فقد كانت ناهد مشروع قاصة واعدة، لكنه لم يمنحها الفرصة الكافية لتحقيق طموحها، حيث أكدت له أنها كانت معجبة بقصته «بئر الآبار» التي نشرها في الجريدة التي يعمل بها، وأنها تنوي كتابة قصة على غرار ما يكتبه. (ص 83)

وبشكل عام يمكن القول إن اللعبة الميتا سردية هي المهيمنة على البنية السردية؛ سواء من خلال التلميح والتصريح بكتابة رواية تغطي مرحلة الاحتلال الأميركي، يكون فيها الراوي شاهداً على أحداث عصره وبلاده، أو من خلال العتبة النصية التي استهل بها المؤلف الرواية، والتي عبَّر فيها عن فهمه لمشروع الكتابة «بوصفها محاولة لحفظ توازن مفقود». (ص 5)، أو من خلال الإشارات المتفرقة المبثوثة هنا وهناك عن فن السرد، مثلما كان يبين لناهد عن شروط الكتابة القصصية:

«أنا أكتب القصة على مراحل ثلاث؛ في الأولى أخطط لها، بعد أن أقرر الكتابة، ثم مرحلة الشروع بالعمل، والمرحلة الأخيرة هي الأهم: العنوان، ثم المراجعة النهائية». (ص 72)

لكن ضربة المعلم التي قدمها المؤلف في مجال اللعبة الميتا سردية تتمثل في خاتمة الرواية، وربما في التذييل الذي اختتم به السرد الروائي، والذي دعا فيه القارئ للمشاركة في اختيار نهاية للأحداث الروائية، وقدَّم في ذلك عدة خيارات وضعها أمام القارئ لمساعدته في الاندماج بمشروع إيجاد معنى للرواية من خلال رسم نهاية لرواية تمتلك كثيراً من عناصر النص المفتوح، القابل لتأويلات لا تنتهي؛ فقد جاء في التذييل الذي يحمل عنوان «هامش يخص القارئ» هذه الدعوة الموجَّهة من المؤلف إلى القارئ:

«يقترح مؤلف الرواية على قارئها أن يختار نهاية ملائمة له، شرط ألا تخرج عن السياق الكلي للرواية». (ص 27)

ويشير المؤلف إلى أن هذا نص مفتوح، وأنه يترك للقارئ فرصة التعبير عن حاله، فيما يقرأ من تعابير. (ص 211)

ولكي يساعد المؤلف القارئ في اختيار نهاية محددة، ينفي الثيمة المتعلقة بصديقه (آدم)، والخيارات المفتوحة لوضع نهاية مقبولة لحكايته. ويرى المؤلف أن هذه الطريقة التي يتبعها قد استعارها من المسرح و«تُسمَّى بسقوط الجدار الرابع، أي إلغاء الفاصل الوهمي بين المنتوج والممثّل». (ص 217)، وهي إشارة ذكية وعميقة تفتح أمام الرواية منحى تجريبياً جديداً من خلال «توريط» القارئ بالكتابة الروائية. ويعترف المؤلف بأن هذا المنحى يقابله مفهوم الميتا سرد، الذي أطلق على حركة التجديد الروائية، أي الخروج على الأنظمة السردية أو البناء الروائي التقليدي وتهديم بنيته الكلاسيكية.

وبهذا تكتمل كثير من عناصر اللعبة الميتا سردية من خلال عدد من المحاور والاشتغالات التي أشرنا إليها، مثل الإعلان عن الرغبة في الكتابة الروائية، وإدراج نصوص ومخطوطات قصص ومرويات داخل المتن الروائي الأكبر، والتبشير بلون جديد من السرد القصصي له شروطه الخاصة التي حددها مراراً، وأخيراً من خلال تحفيز القارئ ليكون طرفاً فاعلاً ومنتجاً في اختيار نهاية ملائمة لهذه النص الذي يفترض فيه أن يكون مفتوحاً.

رواية أحمد خلف «في الطريق إليك» لعبة سردية فيها كثير من التجريب والمغامرة ومحاولة الخروج على المألوف والشائع في بناء النص الروائي، وهي تجربة تُحسب له إبداعياً.


مقالات ذات صلة

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

ثقافة وفنون Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل. لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم…

لطفية الدليمي
ثقافة وفنون «رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران

محمد أمير ناشر النعم
يوميات الشرق مدير عام الإدارة لقطاع الأدب في هيئة الأدب والنشر والترجمة خالد الصامطي

كُتاب عرب وعالميون يشاركون في لقاءات مباشرة مع المؤلفين الشباب

أكد مسؤول في هيئة الأدب والنشر والترجمة بالسعودية أن الهيئة تسعى لتخريج 20 كاتباً وتعريفهم للجمهور، كاشفاً أن الهيئة تعمل على ضخّ المزيد من الطاقات الشبابية

سعيد الأبيض (جدة)
ثقافة وفنون كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت.

نوزاد حسن
ثقافة وفنون بلند الحيدري

هل الذاكرة عقلانية؟

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري)

عبد الله الغذامي

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.