المؤرخون اليهود الجدد يفنّدون التاريخ الرسمي

صفحة جديدة تفتح في تاريخ الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي

المؤرخون اليهود الجدد يفنّدون التاريخ الرسمي
TT

المؤرخون اليهود الجدد يفنّدون التاريخ الرسمي

المؤرخون اليهود الجدد يفنّدون التاريخ الرسمي

نعلم أن جلّ كبار المفكرين والمثقفين اليهود كانوا من أنصار التنوير والتحديث من القرن الثامن عشر حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. لذلك ساندوا كل الثورات المناهضة للظلم والاستبداد والرجعية، بل كانوا من قادتها وزعمائها. لكن حال ظهور دولة إسرائيل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، شرع هؤلاء في تغيير مواقفهم، وأطروحاتهم ليصبحوا معادين لمسارهم القديم.

ويمكن القول إنه منذ سنة 1947 التي شهدت الإعلان عن تأسيسها إلى سنة 1973 التي فيها اندلعت حرب رابعة بينها وبين الجيوش العربية، وفيها ذاق جيشها طعمَ الهزيمة المرة للمرة الأولى، عرفت دولة إسرائيل تماسكاً حديدياً، وتضامناً قوياً بين مختلف فئاتها وطبقاتها الاجتماعية القادمة من مختلف أنحاء العالم.

وهو أمر أثار إعجاب الكثير من المفكرين والفلاسفة الغربيين الذين جنّح الخيال بهم بعيداً ليتوهّموا أنها - أي إسرائيل، هي «جمهورية أفلاطون» التي طالما حلموا بها. وقد ازداد إعجابهم بها لما شرع شعبها في خوض معركة ضد الجفاف والمصاعب الطبيعية، مُعيداً الاخضرار والحياة إلى الصحراء القاحلة، ومُهيّئاً مدناً وقرى لأعداد كبيرة من اليهود الذين كانوا يعيشون في الشتات.

ومن خلال المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومراكز البحث والفكر، تمكّنت دولة إسرائيل من أن تغرس في قلوب وعقول أطفالها وشبانها المبادئ التي قامت عليها، وأن تقنعهم بأنهم «شعب الله المختار»، وأن الأساطير اليهودية القديمة حقائق تاريخية لا يمكن الدحضُ أو التشكيك فيها، باسطة أمام عيونهم المفعمة بالدهشة والذهول، بطولات اليهود وتضحياتهم الجسيمة في المعسكرات النازية، وأيضاً في الحروب التي خاضوها ضد العرب. أمّا المجازر التي ارتُكبت ضد الفلسطينيين، وطردهم من أراضيهم، وتشريدهم في الصحراء، وتزوير تاريخهم، وكل هذا كان ولا يزال يدخل ضمن «حق إسرائيل في الدفاع عن وجودها».

ولكي تؤكد لأطفالها وشبابها أن الأرض التي استولت عليها «أرض يهودية»، ابتكرت إسرائيل قصة أغرب من قصص الخيال.

وتقول هذه القصة إن يهودياً يُدعى أليعازر بن ياعير قال وهو يُقبّلُ الأرضَ قبل أن يلفظ أنفاسه بعد أن أصابته رصاصة من عربي في بداية تدفق اليهود على فلسطين: «إنه لشيء رائع أن يموت واحد مثلي من أجل أرض اليهود المقدسة». وقد حاول مثقفون يهود انتقاد بعض العيوب في الإعلام وفي مناهج التدريس، والإشارة إلى بعض الأكاذيب، إلا أن أصواتهم ضاعت في جلبة الانتصارات التي كانت إسرائيل تحققها في حروبها ضد العرب. والذين تمسكوا بمواقفهم، وجدوا أنفسهم متهمين بـ«تزوير التاريخ وقلب الحقائق».

وقد ظل الأمر على هذه الصورة حتى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. ففي نهاية تلك الحرب القصيرة، استيقظ سكان «الجمهورية المثالية» ليجدوا أنفسهم على حافة الهاوية، وليكتشفوا وهم في حالة من الذهول والهلع خواء أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وأكاذيب الحكام الذين يؤكدون لهم على مدار الساعة أنهم قادرون على أن يضمنوا لهم السلام والأمن والرفاهية.

يقول أيلان جرايلزامار، وهو مؤرخ إسرائيلي يُدرّس في جامعة بار إيلان: «كانت حرب (يوم الغفران) مصدر إعادة تقييم شاق وعسير لـ(المرحلة الذهبية) في تاريخ دولة إسرائيل.

وبسبب النتائج التي أفضت إليها هذه الحرب، فَقَدَ حزب العمل السلطة، وهو الحزب الذي ظل حائزاً على إجماع الإسرائيليين على مدى خمسين عاماً». هذا على المستوى السياسي.

أما على المستوى الثقافي والفكري، فقد برزت مجموعة من الجامعيين والباحثين والمؤرخين والأدباء أبدت رغبة في إعادة النظر فيما سُمي «المرحلة الذهبية»، باحثة عن الثغرات والسلبيات التي طبعتها.

وعقب الغزو الإسرائيلي للبنان في صيف 1982، تعمّقت الحركة النقدية للتاريخ الإسرائيلي، وبشأنها احتدّ الجدل خصوصاً عند ظهور من أصبحوا يسمّون منذ ذلك الحين «المؤرخين الجدد».

وعن هؤلاء يقول أيلان جرايلزامار: «بالنسبة لهؤلاء المؤرخين الجدد، ليس هناك شيء مُحرّم. وكل ماضي دولة إسرائيل لا بد أن يُوضع تحت مجهر البحث والتمحيص إذ إنه ليس هناك تاريخ حقيقي، وآخر مُزور. وأما التاريخ الرسمي فقد ألقي به في سلّة المهملات، بالإضافة إلى كل هذا، لم تعد هناك فكرة واحدة بالنسبة لهؤلاء المؤرخين مثلما كان الحال في (المرحلة الذهبية).

كما لم تعد هناك آيديولوجيا تأسيسية، بل هناك فقط وقائع وأحداث تمّ العثور عليها في خزائن الأرشيف تُقدّمُ للقارئ الذي يستطيع أن يفعل بها ما يشاء وما يريد». ويضيف أيلان جرايلزامار، قائلاً: «لجأ المؤرخون الصهاينة إلى استعمال كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة لكي يغلّفوا الماضي بغطاء أسطوري وميثولوجي. وهو غطاء كاذب ومُلفّق بطبيعة الحال.

وخلافاً للتاريخ القديم (الحقيقي) قُدّمت قراءة جديدة للواقع والأحداث. وقد تبيّن من خلال ذلك أن الكثير من (الأبطال) الذين تحوّلت حياتهم إلى أساطير عجيبة غذّت خيال أجيال من الإسرائيليين، كانوا في الحقيقة قتلة ومجرمين وسفّاكي دماء. أما قادة طلائع الصهاينة الذين احتلوا الأراضي العربية فقد كانوا استعماريين عنصريين.

كما تبين أن القادمين من جحيم المعسكرات النازية لم يحظوا بالعناية، ولم يستقبلوا بحفاوة بالغة كما كان يُعتقد، بل تعرّضوا للكثير من المظالم، ولاقوا الإهمال والحيف». ويضيف أيلان جرايلزامار، قائلاً إن «حرب الاستقلال» التي خاضها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين كانت فرصة للكثير من العسكريين لاقتراف مجازر فظيعة في القرى وفي المدن بهدف إجبار سكانها على إخلاء بيوتهم وأراضيهم.

وفي كتابه الذي حمل عنوان «حدث ذلك في فلسطين في زمن شقائق النعمان»، يُقدّمُ توم سيغيف الصحافي في جريدة «هاآرتس» قراءة جديدة للسياسة البريطانية في فلسطين في زمن الانتداب محاولاً الإجابة عن الأسئلة التالية: لماذا كان البريطانيون يرغبون في احتلال فلسطين؟ ولماذا أعلنوا عن وعد بلفور؟ ولماذا تمسّكوا بسياسة الاحتلال رغم رفض السكان المحللين لهم؟ ولماذا قرروا أخيراً ترك فلسطين؟ وقد جاءت أجوبة توم سيغيف عن الأسئلة المذكورة مثيرة للدهشة إذ إنه يثبت عكس التاريخ الرسمي أن العصابات الصهيونية مثل «الهاغنا» و«أرغون» ومجموعة «شتيرن» لم تلعب أي دور في إخراج البريطانيين من فلسطين، وأن هؤلاء فعلوا ذلك بمحض إرادتهم حين اتضح لهم أنه ليس هناك هدف استراتيجي من البقاء في فلسطين. ويضيف توم سيغيف أن القوة الوحيدة التي أجبرت البريطانيين على التخلي عن فلسطين هم العرب. وما يبقى مهماً ومثيراً للجدل بحسب المهتمين بظاهرة «المؤرخين الجدد» في إسرائيل هو أن هذه الظاهرة تعكس تيارات جديدة بدأت تخترق المجتمع الإسرائيلي منذ نهاية مطلع الثمانينات من القرن الماضي. ولعلها ستزداد قوة في المرحلة الحالية التي يشهد فيها المجتمع الإسرائيلي تمزقات رهيبة لم يسبق لها مثيل. كما أن الحركات والمجموعات اليمينية المتطرفة سوف تجد نفسها عاجزة هذه المرة عن نشر الأكاذيب والأساطير. ثم إن العلمانيين المستقرين في المدن الكبيرة، وعلى الساحل المتوسطي بالخصوص، والذين يرغبون في أن يعيشوا حياة على الطريقة الغربية أظهروا خلال الفترة الأخيرة نفوراً واضحاً من سياسة بنيامين نتنياهو الذي يجسّد المشروع الصهيوني في أعنف وأشنع مظاهره.

لذلك يمكن القول إن هناك صفحة جديدة تفتح في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وهي صفحة لم يكن لها مثيل على مدى الثمانين سنة الماضية.


مقالات ذات صلة

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر
ثقافة وفنون يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني

منى أبو النصر (القاهرة)

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.