المشهد الثقافي المصري 2023: حوار غائب ورحيل فادح لكُتاب وشعراء

احتفى بنجيب محفوظ وشهد إصدارات متنوعة ومعرضين تشكيليين لافتين

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

المشهد الثقافي المصري 2023: حوار غائب ورحيل فادح لكُتاب وشعراء

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

ماذا بعد الفقد والرحيل المُباغت؟... سؤال مشحون بالأسى والألم، تتناثر في شظاياه صورة مضطربة وحزينة للمشهد الثقافي المصري، خلال هذا العام المنصرم، والذي طوى في عباءته ستة شعراء من شتى الأطياف الشعرية غيّبهم الموت، بعضهم بعد صراع مرير مع المرض، وبعضهم سقط فجأة من شجرة الحياة: محمود قرني، وأشرف عامر، وسامي الغباشي، ومحمود سليمان، وعبد الحفيظ طايل، وشهدان الغرباوي. وامتدت حِبال الفقد لتطول كوكبة أخرى من الكُتاب والروائيين: حمدي أبو جليل، عبده جبير، كمال رحيِّم، والكاتب المسرحي أبو العلا السلاموني، وشيخ المترجمين: شوقي جلال، صاحب الجهد الوفير في الترجمة في شتى مجالات الأدب والمعرفة والفكر الإنساني، ومُنيت الأوساط الفنية بخسارة فادحة ودّعت، في ظلالها، عدداً كبيراً من الفنانين من أجيال مختلفة، رحلوا عن عالمنا بسبب المرض والحوادث والموت المفاجئ، بينهم موسيقيون ومطربون وممثلون، منهم المطربة الشهيرة شريفة فاضل، والمطرب علاء عبد الخالق، ومُغنية الأوبرا هالة فكري صالح، والفنان مصطفى درويش، والفنانة ماجدة صالح، إحدى رائدات فن الباليه المصري، والموسيقار أشرف أبو زيد، والكاتب السيناريست القدير محمود أبو زيد، والفنان أشرف عبد الغفور، أحد أبرز ممثلي المسرح، والذي رحل في حادث سير.

جميل شفيق في ملتقى البرلس للرسم على الحوائط

خيَّم هذا المشهد بظلاله القاتمة على كثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية، حيث تحوَّل معظمها إلى مرثية للتأبين والاحتفاء بمُنجَز هؤلاء الراحلين، وكان من أبرز هذه الأنشطة الندوة التي أقامها منتدى المستقبل للفكر والإبداع لتأبين القاصّ والروائي حمدي أبو جليل، قدّمها وأدارها الناقد الدكتور يسري عبد الله، وشارك فيها باقة من المبدعين والأدباء: أشرف أبو جليل، سعيد نوح، أشرف عبد الشافي، إنجي همام، نهى محمود، عصام الزهيري، وكاتب هذه السطور، استدعوا في مقالاتهم وشهاداتهم وذكرياتهم مع أبو جليل، روحه المرِحة الساخرة، والتي انعكست بقوة في أعماله الروائية والقصصية، وكست طرائق السرد والحكي برائحة خاصة. وكان لافتاً الأمسية التي خصصها مؤتمر «قصيدة النثر المصرية»، ضمن فعاليات دورته السابعة التي انعقدت في بيت السناري الأثري على مدار ثلاثة أيام. أدار الأمسية الشاعر والناقد أسامة جاد، وقدّمت مختارات من قصائد الشعراء الراحلين أثارت حالة من الشجن لدى الحضور ازدادت نبرتها مع إلقاء الفنان طارق الدسوقي باقة من قصائد صديقه الشاعر أشرف عامر وحديثه عنه. وليس بعيداً عن هذا المشهد الاحتفاء بذكرى ميلاد نجيب محفوظ، العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في الآداب حتى الآن، حيث ازدانت بصوره وأغلفة أعماله مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب أدباء وشعراء ونقاد برقيات حب له، سلّطوا الضوء من جديد على فلسفته وحكمته في الكتابة والحياة، كما نشر بعضهم قصصاً قصيرة له، صدّروها بعبارات اعتزاز بالريادة والقيمة المتجددة في جسد الزمان.

أيام الشمس المشرقة

الاحتفاء بنجيب محفوظ وبكثير من المبدعين الراحلين يعكس في جوهره أحد أوجه أزمة الثقافة المصرية والمشهد الثقافي العام، وهو افتقاد القدوة والمثال المُحفّز على النضوج والابتكار، والذي يجب أن يُحتذى بوصفه قيمة خالصة لوجه الحقيقة المجردة من أجل الإبداع والفن والرقيّ بالذوق العام وإثراء الوجدان. ينعكس افتقاد القدوة على طبيعة المثقف المصري نفسه، فهو يمتلك المقدرة على الحضور والمشاركة في كل المواقف، لكنه مع ذلك يفتقر إلى الموقف الذي يخصه، النابع من ذاته، ويعبر عن قناعاته ورؤاه وأفكاره، ومن خلاله يتقبل النقد بشكل رحب، باعتباره ليس نقيصة، وإنما أحد عناصر بناء الشخصية والمستقبل أيضاً.

في السياق نفسه يمكن أن نفسر غياب الحوار الموضوعي الصحيح، سواء بين المثقفين أنفسهم، أم بينهم وبين المؤسسات الثقافية الرسمية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، فلا تزال نظرتها للشأن الثقافي العام محكومة بمنطق الولاء والشللية، وما ينجم عنه من مصالح نفعية ضيقة، تنعكس على بعض الأفراد الذين يندرجون تحت مظلة هذا الولاء، ورغم المؤتمرات التي يغلب عليها طابع المناسبة، وتتناثر في العاصمة والمدن والأقاليم، لا يوجد مؤتمر للثقافة المصرية بالمفهوم الشامل والعميق، يشارك فيه جموع الكُتاب والمبدعين والشعراء من كل المشارب والأطياف الأدبية، يناقش، بحُرّية وحيوية، ما لها وما عليها، ويقترح الحلول ويضع الخطط للمشاكل والعقبات التي تعوق مسيرتها وتقدمها في شتى المجالات. يعزز ذلك أن الثقافة المصرية تمتلك كثيراً من المقومات الإيجابية إبداعاً وتنظيراً، ما يمكن البناء عليه ودفعه بثقة إلى آفاق أرحب من المغامرة والتجريب الخلّاق، وهو المعنى نفسه الذي يضمره الاحتفاء اللافت بذكرى ميلاد نجيب محفوظ بوصفه أحد رموز القدوة المفتقَدة.

صاحب العالم

وفي خضم هذا المشهد الحزين، شهد الواقع الثقافي عدداً من الإصدارات المهمة، منها في الشعر: ديوان «غياب حر» عن الهيئة المصرية للكتاب، للشاعر عاطف عبد العزيز، أحد أبرز شعراء الثمانينات، وديوان «الوقت خارج الوحدة» للشاعرة نجاة علي، وهو أيضاً صادر عن الهيئة المصرية للكتاب، كما صدرت عدة روايات مهمة؛ أبرزها «صاحب العالم» لأحمد صبري أبو الفتوح، دار الشروق، و«حامل الصحف القديمة» لإبراهيم عبد المجيد، دار الشروق، و«العروس» لحمدي الجزار، دار ديوان، و«جريمة في الجامعة» لعز الدين شكري فشير، دار الشروق، و«أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي، دار العين، و«وادي الكون» لهالة البدري، دار بتانة، و«آيس هارت في العالم الآخر» لمحمد بركة، دار إيبدي، و«كل يوم تقريباً» لمحمد عبد النبي، دار المحروسة، ورواية «يوم المِلاجَا» لأيمن شكري، دار الثقافة الجديدة، والمجموعة القصصية «أيام عادية» لعادل عصمت، دار الكتب خان. وفي الترجمة رواية «جريمة الابن الصالح» للكاتب الكوري الجنوبي جونج يو جونج، ترجمة محمد نجيب، دار العربي، و«قارئ الجثث» للبريطاني سيدني سميث، ترجمة مصطفى عبيد، الدار المصرية اللبنانية، «ثلاثية» للكاتب النرويجي الفائز بجائزة نوبل، هذا العام، جون فوسه، ترجمة شيرين عبد الوهاب، دار الكرمة.

تبرز هذه الإصدارات وتنوعها ملاحظة مهمة وأساسية هي أن مغامرة التجريب في الكتابة السردية والشعرية لم تعد مقصورة على كُتاب بعينهم، وإنما أصبحت همّاً مشتركاً بين الكُتاب المخضرمين والشباب، ما يعكس روحاً شفيفة ومُحفّزة تعتدُّ بجدلية التأثير والتأثر، يبقى أن تتبلور في حوار أدبي صحيح مبنيّ على أسس وركائز نقدية موضوعية.

غياب حر

وعلى مستوى الفن، لا يزال الفن التشكيلي يتمتع بحيوية خاصة في المشهد، لكن هذه الحيوية لا تخرج عن نطاق المعارض المُقامة وجدرانها البراقة الملساء، لتشتبك مع الهمّ الثقافي في حراكه الخاص والعام، بحيث يمتدّ فضاء اللوحة إلى بقية الفضاءات في عباءة الإبداع، وخصوصاً الشعر والموسيقى والسينما، ومن أبرز المعارض التي أقيمت، معرض حمل عنوان «البدايات» بقصر الفنون في أرض الأوبرا. جاءت فكرة المعرض من منظور شيّق يستعيد، من خلاله، العجينة الأولى واللمسة الأولية لفرشاة الفنان على مسطح الرسم الأبيض؛ بماذا كان يحلم، وبأي لغة رأى اللوحة، وكيف تخيّل صورة العالم فيها وحركة العناصر والأشياء في هذه الأجواء من الفرح بطفولة الفن والحياة؛ وفي مرحلة النضوج والتشكل الفني. ضمّ المعرض نحو 350 عملاً متنوعاً لـ149 فناناً من مختلف الأجيال، من بينهم مجموعة من الفنانين يُعدّون من رُواد الحركة التشكيلية المصرية. ورغم أهمية هذا المعرض فإنه لم ينجُ من العشوائية، فلم يوضح القائمون عليه مفهوم «البدايات» نفسه وتركوه فضفاضاً، دون أي إطار زمني، ولو تقريبي، فليس من المعقول أن يتساوي في التجربة نفسها فنان له باعٌ في الفن على مدار ثلاثين أو أربعين عاماً، وآخر لم يتجاوز بضع سنوات... فعن أي بدايات إذن نتحدث، وأي مخزون للذاكرة والحلم يمكن أن يلفت النظر هنا، ونتوقف عنده.

يبقى من أهم المعارض التي أقيمت، في أواخر هذا العام، وشكّلت حالة من الوفاء والتقدير المستحَق، المعرض الاستعادي للفنان الراحل جميل شفيق (1938 - 2016)، الذي يُعدّ أيقونة الرسم بالأبيض والأسود. احتضن المعرض قاعة أفق بمتحف محمود خليل؛ وضم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أعمال شفيق، التي اتسمت بفلسفة جمالية خاصة، وبصيرة شديدة الرهافة والحساسية، تعبر عن رؤيته للفن والحياة، بالإضافة إلى مجموعة من الإسكتشات والأعمال التي تُعرَض لأول مرة.


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم

بدر الخريف (الرياض)
ثقافة وفنون كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

لطالما كانت الكتب التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء.

شوقي بزيع

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».