المشهد الثقافي المصري 2023: حوار غائب ورحيل فادح لكُتاب وشعراء

احتفى بنجيب محفوظ وشهد إصدارات متنوعة ومعرضين تشكيليين لافتين

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

المشهد الثقافي المصري 2023: حوار غائب ورحيل فادح لكُتاب وشعراء

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

ماذا بعد الفقد والرحيل المُباغت؟... سؤال مشحون بالأسى والألم، تتناثر في شظاياه صورة مضطربة وحزينة للمشهد الثقافي المصري، خلال هذا العام المنصرم، والذي طوى في عباءته ستة شعراء من شتى الأطياف الشعرية غيّبهم الموت، بعضهم بعد صراع مرير مع المرض، وبعضهم سقط فجأة من شجرة الحياة: محمود قرني، وأشرف عامر، وسامي الغباشي، ومحمود سليمان، وعبد الحفيظ طايل، وشهدان الغرباوي. وامتدت حِبال الفقد لتطول كوكبة أخرى من الكُتاب والروائيين: حمدي أبو جليل، عبده جبير، كمال رحيِّم، والكاتب المسرحي أبو العلا السلاموني، وشيخ المترجمين: شوقي جلال، صاحب الجهد الوفير في الترجمة في شتى مجالات الأدب والمعرفة والفكر الإنساني، ومُنيت الأوساط الفنية بخسارة فادحة ودّعت، في ظلالها، عدداً كبيراً من الفنانين من أجيال مختلفة، رحلوا عن عالمنا بسبب المرض والحوادث والموت المفاجئ، بينهم موسيقيون ومطربون وممثلون، منهم المطربة الشهيرة شريفة فاضل، والمطرب علاء عبد الخالق، ومُغنية الأوبرا هالة فكري صالح، والفنان مصطفى درويش، والفنانة ماجدة صالح، إحدى رائدات فن الباليه المصري، والموسيقار أشرف أبو زيد، والكاتب السيناريست القدير محمود أبو زيد، والفنان أشرف عبد الغفور، أحد أبرز ممثلي المسرح، والذي رحل في حادث سير.

جميل شفيق في ملتقى البرلس للرسم على الحوائط

خيَّم هذا المشهد بظلاله القاتمة على كثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية، حيث تحوَّل معظمها إلى مرثية للتأبين والاحتفاء بمُنجَز هؤلاء الراحلين، وكان من أبرز هذه الأنشطة الندوة التي أقامها منتدى المستقبل للفكر والإبداع لتأبين القاصّ والروائي حمدي أبو جليل، قدّمها وأدارها الناقد الدكتور يسري عبد الله، وشارك فيها باقة من المبدعين والأدباء: أشرف أبو جليل، سعيد نوح، أشرف عبد الشافي، إنجي همام، نهى محمود، عصام الزهيري، وكاتب هذه السطور، استدعوا في مقالاتهم وشهاداتهم وذكرياتهم مع أبو جليل، روحه المرِحة الساخرة، والتي انعكست بقوة في أعماله الروائية والقصصية، وكست طرائق السرد والحكي برائحة خاصة. وكان لافتاً الأمسية التي خصصها مؤتمر «قصيدة النثر المصرية»، ضمن فعاليات دورته السابعة التي انعقدت في بيت السناري الأثري على مدار ثلاثة أيام. أدار الأمسية الشاعر والناقد أسامة جاد، وقدّمت مختارات من قصائد الشعراء الراحلين أثارت حالة من الشجن لدى الحضور ازدادت نبرتها مع إلقاء الفنان طارق الدسوقي باقة من قصائد صديقه الشاعر أشرف عامر وحديثه عنه. وليس بعيداً عن هذا المشهد الاحتفاء بذكرى ميلاد نجيب محفوظ، العربي الوحيد الحاصل على جائزة نوبل في الآداب حتى الآن، حيث ازدانت بصوره وأغلفة أعماله مواقع التواصل الاجتماعي، وكتب أدباء وشعراء ونقاد برقيات حب له، سلّطوا الضوء من جديد على فلسفته وحكمته في الكتابة والحياة، كما نشر بعضهم قصصاً قصيرة له، صدّروها بعبارات اعتزاز بالريادة والقيمة المتجددة في جسد الزمان.

أيام الشمس المشرقة

الاحتفاء بنجيب محفوظ وبكثير من المبدعين الراحلين يعكس في جوهره أحد أوجه أزمة الثقافة المصرية والمشهد الثقافي العام، وهو افتقاد القدوة والمثال المُحفّز على النضوج والابتكار، والذي يجب أن يُحتذى بوصفه قيمة خالصة لوجه الحقيقة المجردة من أجل الإبداع والفن والرقيّ بالذوق العام وإثراء الوجدان. ينعكس افتقاد القدوة على طبيعة المثقف المصري نفسه، فهو يمتلك المقدرة على الحضور والمشاركة في كل المواقف، لكنه مع ذلك يفتقر إلى الموقف الذي يخصه، النابع من ذاته، ويعبر عن قناعاته ورؤاه وأفكاره، ومن خلاله يتقبل النقد بشكل رحب، باعتباره ليس نقيصة، وإنما أحد عناصر بناء الشخصية والمستقبل أيضاً.

في السياق نفسه يمكن أن نفسر غياب الحوار الموضوعي الصحيح، سواء بين المثقفين أنفسهم، أم بينهم وبين المؤسسات الثقافية الرسمية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، فلا تزال نظرتها للشأن الثقافي العام محكومة بمنطق الولاء والشللية، وما ينجم عنه من مصالح نفعية ضيقة، تنعكس على بعض الأفراد الذين يندرجون تحت مظلة هذا الولاء، ورغم المؤتمرات التي يغلب عليها طابع المناسبة، وتتناثر في العاصمة والمدن والأقاليم، لا يوجد مؤتمر للثقافة المصرية بالمفهوم الشامل والعميق، يشارك فيه جموع الكُتاب والمبدعين والشعراء من كل المشارب والأطياف الأدبية، يناقش، بحُرّية وحيوية، ما لها وما عليها، ويقترح الحلول ويضع الخطط للمشاكل والعقبات التي تعوق مسيرتها وتقدمها في شتى المجالات. يعزز ذلك أن الثقافة المصرية تمتلك كثيراً من المقومات الإيجابية إبداعاً وتنظيراً، ما يمكن البناء عليه ودفعه بثقة إلى آفاق أرحب من المغامرة والتجريب الخلّاق، وهو المعنى نفسه الذي يضمره الاحتفاء اللافت بذكرى ميلاد نجيب محفوظ بوصفه أحد رموز القدوة المفتقَدة.

صاحب العالم

وفي خضم هذا المشهد الحزين، شهد الواقع الثقافي عدداً من الإصدارات المهمة، منها في الشعر: ديوان «غياب حر» عن الهيئة المصرية للكتاب، للشاعر عاطف عبد العزيز، أحد أبرز شعراء الثمانينات، وديوان «الوقت خارج الوحدة» للشاعرة نجاة علي، وهو أيضاً صادر عن الهيئة المصرية للكتاب، كما صدرت عدة روايات مهمة؛ أبرزها «صاحب العالم» لأحمد صبري أبو الفتوح، دار الشروق، و«حامل الصحف القديمة» لإبراهيم عبد المجيد، دار الشروق، و«العروس» لحمدي الجزار، دار ديوان، و«جريمة في الجامعة» لعز الدين شكري فشير، دار الشروق، و«أيام الشمس المشرقة» لميرال الطحاوي، دار العين، و«وادي الكون» لهالة البدري، دار بتانة، و«آيس هارت في العالم الآخر» لمحمد بركة، دار إيبدي، و«كل يوم تقريباً» لمحمد عبد النبي، دار المحروسة، ورواية «يوم المِلاجَا» لأيمن شكري، دار الثقافة الجديدة، والمجموعة القصصية «أيام عادية» لعادل عصمت، دار الكتب خان. وفي الترجمة رواية «جريمة الابن الصالح» للكاتب الكوري الجنوبي جونج يو جونج، ترجمة محمد نجيب، دار العربي، و«قارئ الجثث» للبريطاني سيدني سميث، ترجمة مصطفى عبيد، الدار المصرية اللبنانية، «ثلاثية» للكاتب النرويجي الفائز بجائزة نوبل، هذا العام، جون فوسه، ترجمة شيرين عبد الوهاب، دار الكرمة.

تبرز هذه الإصدارات وتنوعها ملاحظة مهمة وأساسية هي أن مغامرة التجريب في الكتابة السردية والشعرية لم تعد مقصورة على كُتاب بعينهم، وإنما أصبحت همّاً مشتركاً بين الكُتاب المخضرمين والشباب، ما يعكس روحاً شفيفة ومُحفّزة تعتدُّ بجدلية التأثير والتأثر، يبقى أن تتبلور في حوار أدبي صحيح مبنيّ على أسس وركائز نقدية موضوعية.

غياب حر

وعلى مستوى الفن، لا يزال الفن التشكيلي يتمتع بحيوية خاصة في المشهد، لكن هذه الحيوية لا تخرج عن نطاق المعارض المُقامة وجدرانها البراقة الملساء، لتشتبك مع الهمّ الثقافي في حراكه الخاص والعام، بحيث يمتدّ فضاء اللوحة إلى بقية الفضاءات في عباءة الإبداع، وخصوصاً الشعر والموسيقى والسينما، ومن أبرز المعارض التي أقيمت، معرض حمل عنوان «البدايات» بقصر الفنون في أرض الأوبرا. جاءت فكرة المعرض من منظور شيّق يستعيد، من خلاله، العجينة الأولى واللمسة الأولية لفرشاة الفنان على مسطح الرسم الأبيض؛ بماذا كان يحلم، وبأي لغة رأى اللوحة، وكيف تخيّل صورة العالم فيها وحركة العناصر والأشياء في هذه الأجواء من الفرح بطفولة الفن والحياة؛ وفي مرحلة النضوج والتشكل الفني. ضمّ المعرض نحو 350 عملاً متنوعاً لـ149 فناناً من مختلف الأجيال، من بينهم مجموعة من الفنانين يُعدّون من رُواد الحركة التشكيلية المصرية. ورغم أهمية هذا المعرض فإنه لم ينجُ من العشوائية، فلم يوضح القائمون عليه مفهوم «البدايات» نفسه وتركوه فضفاضاً، دون أي إطار زمني، ولو تقريبي، فليس من المعقول أن يتساوي في التجربة نفسها فنان له باعٌ في الفن على مدار ثلاثين أو أربعين عاماً، وآخر لم يتجاوز بضع سنوات... فعن أي بدايات إذن نتحدث، وأي مخزون للذاكرة والحلم يمكن أن يلفت النظر هنا، ونتوقف عنده.

يبقى من أهم المعارض التي أقيمت، في أواخر هذا العام، وشكّلت حالة من الوفاء والتقدير المستحَق، المعرض الاستعادي للفنان الراحل جميل شفيق (1938 - 2016)، الذي يُعدّ أيقونة الرسم بالأبيض والأسود. احتضن المعرض قاعة أفق بمتحف محمود خليل؛ وضم مجموعة كبيرة ومتنوعة من أعمال شفيق، التي اتسمت بفلسفة جمالية خاصة، وبصيرة شديدة الرهافة والحساسية، تعبر عن رؤيته للفن والحياة، بالإضافة إلى مجموعة من الإسكتشات والأعمال التي تُعرَض لأول مرة.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.