«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

حذّر من تكرار ما أصابه على شعب آخر في زمان ومكان آخرين

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي
TT

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

رغم اقتنائي كتاب «إذا كان هذا إنساناً» للكتاب والشاعر الإيطالي اليهودي بريمو ليفي منذ أكثر من عشر سنوات، لم أجد أي انجذاب كافٍ يدفعني لقراءته. ولعل ذلك يعود إلى وهم بقيتُ مقتنعاً بصوابه: ما جرى من إبادة واسعة النطاق ليهود أوروبا الشرقية بالدرجة الأولى على يد النازيين الألمان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية شيء ينتمي إلى التاريخ ولن يتكرر ثانية في عصر الإنترنت والكاميرات القادرة على توثيق ما يحدث في العالم لحظة بلحظة بدلاً من الاعتماد على شهادات الناس التي قد لا تكون بنفس دقة الكاميرات، ولعل أهم شيء هو أننا نتعلم من التاريخ.

مثلما هو الحال مع ابن بلده أليغري دانتي الذي سبقه بنحو ستة قرون في رحلة إلى الجحيم جسّدها شعراً عبر كتابه «الكوميديا الإلهية»، قام بريمو ليفي هو الآخر بهذه الزيارة، لكنها تختلف عن زيارة دانتي للجحيم التي كانت عبر الأحلام والمخيلة، فهي في هذه المرة حقيقية مائة في المائة.

كان ليفي في سن الرابعة والعشرين حين اعتقلته الميليشيا الفاشية الإيطالية يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 1943؛ شكاً باشتراكه في نشاطات معادية للنظام الذي فرض على اليهود والأقليات الأخرى قوانين الفصل العنصري، وتقنين حركتهم منذ بدء الحرب العالمية الثانية. وفي التحقيق الذي جرى معه كان أمامه أحد الخيارين: إما أن يقول بأنه معارض للسلطة الفاشية، لصعوبة تبرير وجوده في أماكن معزولة حتى بالنسبة لأولئك النازحين، أو أنه يهودي.

وخوفاً من التعذيب والإعدام إذا أقرّ بالخيار الأول فضّل الإقرار بأنه «مواطن إيطالي من عرق يهودي»، كما كان التعريف القانوني لليهود آنذاك في ظل نظام موسوليني الفاشي.

في المعسكر الذي نُقل إليه وجد بريمو ليفي نفسه بين الكثير من أفراد الأقليات التي لا يعترف النظام الفاشي بهم مواطنين إيطاليين. وكان اليهود يشكلون الجزء الأكبر بينهم.

ولم يدر بخاطر أي منهم أن فريقاً من «الوحدة الوقائية» الألمانية المعروفة باسم «إس إس» سيحضر فجأة إلى المعسكر، الذي ظل معتقلوه حتى ذلك الوقت ينعمون بحياة شبه عادية، تشمل أيضاً توافر التعليم اليومي للأطفال والعناية الصحية والطعام والماء وغيرها.

بريمو ليفي

في يوم 20 فبراير (شباط) فتّش بعض الضباط الألمان المطبخ في المعسكر ووجهوا انتقادات شديدة على الخدمات السيئة فيه، وعلى النقص الكبير في الحطب المستخدم للتدفئة. لكن في اليوم اللاحق سمع المحتجزون في المعسكر أن اليهود سيرحّلون من دون أي استثناء بمن فيهم الأطفال وكبار السن، بل وحتى المرضى.

بعد حشر عربات قطار معدّ للانطلاق من محطة كاربي، بستمائة وخمسين «قطعة» كما أطلق العريف الألماني عليهم، عرف المسافرون الجهة التي سيقصدونها: إنها «آوشْفِيتْز» سيئة الصيت، لكنها لم تكن ذات أي دلالة بالنسبة إليهم آنذاك، بل شعر الكثير منهم بنوع من الانفراج: إنها على الأقل مكان موجود فوق سطح الأرض.

بعد رحلة مضنية استغرقت أربعة أيام، ظلت تلك «القطع» البشرية تتصادم ببعضها بعضاً، لضيق المكان، وظل العطش والجوع والبرد وعويل الأطفال برفقتهم طوال الوقت.

أخيراً، رُفعت الستائر التي ظلت تمنعهم من رؤية الخارج، وفُتحت أبواب العربات، وعلى إيقاع صرخات الجنود الألمان الآمرة هبط الجميع منها وهم يحملون حقائبهم. على رصيف المحطة المضاءة بالمصابيح وعاكسات الضوء التي جعلت الليل نهاراً، كان بإمكان بريمو ليفي أن يرى أعداداً كبيرة من العسكريين، حيث انتشر بينهم رجال الـ«إس إس» المتميزون بملابسهم.

ولم يستغرق بقاء المسافرين طويلاً هناك، فبفضل أحد المسؤولين العسكريين الكبار جرى تحقيق صغير مع كل منهم، فعُزل الأصحاء من الرجال والنساء جانباً، ووُضعت البقية التي يبلغ عددها أكثر من خمسمائة «قطعة» من أطفال ونساء وكبار في السن ومرضى في جانب آخر.

حين سأل البعض عما إذا كانوا سيأخذون حقائبهم التي رصفت في مكان آخر قريب منهم كان جواب هذا الضابط: ستُنقل لكم لاحقاً. أمام أعين الرجال الأصحاء الذين كانوا يحيطون ببريمو ليفي، «ابتلع الليل الأطفال وكبار السن وأغلب النساء»، حيث اقتيدوا بشاحنات واقفة قريبة منهم. أما هم فقد نقلتهم شاحنات أخرى إلى معسكرين قريبين من معسكر آوشفتز: الأول واسمه «مونوفيتز- بونا» استقبل 96 رجلاً؛ أما معسكر «بيركينو» فاستقبل 29 امرأة.

ومن هؤلاء المائة وخمسة وعشرين سجيناً لم يعد إلى إيطاليا سوى أربعة أفراد، أحدهم كان بريمو ليفي.

تحضرني صورة ذلك الضابط النازي الكبير الذي قرر بدقائق مصير هذا العدد الكبير في تلك المحطة النائية وسط عاكسات الضوء الساطع، جنباً إلى جنب، مع ذلك الضابط الإسرائيلي الجالس أمام فصيله، حين أصدر أمراً (لإمتاع ابنته البعيدة عنه) بتفجير عمارة سكنية غاصة بأطفال ونساء ومسنّين في غزة لتتحول تحت ضحكاته وضحكات جنوده كتلةً من ركام وغبار يتهادى تدريجاً بطريقة فنية نحو الأرض.

بين هذين الضابطين فترة زمنية لا تزيد على ثمانين سنة. وهذا ما جعل نظرية الشاعر الألماني هاينرش هاينه (1797-1856) تحضرني بقوة رغم غرابتها: الزمن في حركته التي تحددها دورات الأرض حول نفسها وحول الشمس لا نهائي، بينما الأحداث التي تمر على كوكبنا محدودة؛ لذلك فإن الأحداث ستتكرر عاجلاً أم آجلاً.

إنها العودة الأبدية إذن!

لم تستغرق رحلة بريمو ليفي ورفاقه إلى المعسكر المتخصص بإنتاج المطاط، أكثر من عشرين دقيقة.

في الشاحنة التي نقلتهم كان هناك حارس مسلح واحد، لم تكشف العتمة حضوره حتى بلغهم صوته سائلاً بلطف، إذا كان لدى أيّ منهم ساعة أو نقود أو خاتم فليعطها إياه.

وكأن هذا المشهد شبيه بما كان يطلبه النوتي «كارون» في الأسطورة الإغريقية واستخدمها دانتي في «الكوميديا الإلهية»: قبل عبوره نهر ستايكس صوب مملكة الموتى، يجب منحه قطعة معدنية أجرة لخدمته، يتركها أهل المتوفى معه عند دفنه.

أمام مبنى كامد اللون تقف الشاحنة وسط ظلام دامس تضيئه لافتة مثبتة في أعلى واجهته: «العمل يمنح الحرية». وكأن من اختار هذه العبارة حاول تقليد دانتي الذي وضع لافتة شبيهة لها على بوابة الجحيم: «أيها الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل».

داخل قاعة فارغة إلا من حنفية يتسرب منها الماء في هيئة قطرات، وفوقها كُتبت لافتة تحذر من شرب هذا الماء لعدم صلاحيته للشرب. لكن بريمو ليفي شك بصحتها، فأمام العطش الضاري الذي كان يشعر به بعد قضاء أربعة أيام من دونه، أخذ جرعة منه ليكتشف أنه ماء آسن بطعمه المائل للحلاوة فبصق ما كان في فمه.

ها هم بحضرة ضابط آخر من الـ «إس إس»: «مَن يعرف الألمانية»؟ يسألهم فيبرز أحدهم ليكون مترجماً له.

تأتي أوامره تباعاً: عليكم أن تقفوا بصفوف عدد أفراد كل منها خمسة مع مسافة ياردتين بين كل رجل ورجل، ثم عليكم أن تنزعوا كل ملابسكم وتصفّونها في رزمة...

(هل يذكّرنا مشهد الرجال العراة أمام ضابط الـ«إس إس» في ذلك المبنى الرهيب بما نراه هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي، من رجال فلسطينيين عراة في شوارع غزة؟).

يخرج هذا الضابط الذي استمتع بما فيه الكفاية بمشهد تعرية هؤلاء الذين انتُزعت عنهم صفة البشرية وتحولوا مجرد «بهائم» وفق الرؤية النازية، منبهاً إياهم بضرورة مراقبة أحذيتهم كي لا تُسرق!

«والآن يدخل ضابط ألماني آخر ليأمرنا بوضع أحذيتنا في زاوية محددة، فنضعها هناك... ثم جاء شخص آخر بمكنسة، فراح يجرّف أحذيتنا بعيداً إلى ما وراء الباب، في كومة»، حيث يختلط ستة وتسعون زوجاً بعضها ببعض.

«يُفتح الباب الخارجي فتدخل ريح زمهرير ونحن عراة نغطي أنفسنا بأذرعنا. تهب الريح فيُغلَق الباب؛ لكن الألماني يعيد فتحه، ويقف أمامنا مستمتعاً بمشهدنا ونحن نتلوى ونتخفى من الريح، واحداً وراء الآخر، ثم يغادر ويغلق الباب وراءه».

غير أن صناعة الجحيم النازية تتجاوز حدود جحيم دانتي.

هل جاءت رؤى انهدام المباني السكنية ذات الطوابق المتعددة للعراف الفرنسي الشهير نستراداموس وهو يستقرئ المستقبل البعيد؟ لعله شاهد مدينة وارشو وهي تُحرق قطعة قطعة بالنار بعد إفراغها من سكانها، لكنه لم ير مدينة تتهدم على رؤوس سكانها تحت وابل «أجسام غريبة تأتي من السماء».

يذكّرنا مشهد الرجال العراة أمام ضابط الـ«إس إس» النازية الذي يصفه ليفي في كتابه بمشهد الرجال الفلسطينيين العراة في شوارع غزة

بعد انتهاء الحرب وعودته إلى مدينته تورين، قضى بريمو ليفي سنوات عدة وهو يكرر عادةً تحكمت به خلال الفترة التي قضاها في معسكر العمل القسري: إنه التمعن في الأرض؛ بحثاً عن قطعة خبز يسد فيها ناب الجوع الملازم له، أو أي شيء قابل لأن يقايَض بسلعة مفيدة مع الآخرين.

في أول صفحة من هذا الكتاب الصغير الذي صدر للمرة الأولى بالإيطالية عام 1958، نظم بريمو ليفي قصيدة تبدو كأنها وصية تحذر من تكرار ما أصابه، على شعب آخر وفي زمان ومكان آخرين:

إذا كان هذا إنساناً

أنتم الذين تعيشون بأمان

في بيوتكم الدافئة،

أنتم الذين تجدون، عند عودتكم مساءً إليها،

طعاماً ساخناً ووجوهاً ودودة:

فكّروا في ما إذا كان هذا إنساناً

هذا الذي يعمل في الطين

ولا يعرف السكينة

والذي يتصارع من أجل كسرة خبز

ويموت بسبب «نعم» أو «لا».

فكّروا في ما إذا كانت هذه إنسانة،

من دون شعر ومن دون اسم

ومن دون أي قدرة على التذكر،

عيناها فارغتان ورحمها بارد

مثل ضفدعة في شتاء ما.

تأملوا أن يكون هذا قد تحقق:

ها أنذا أستودعكم هذه الكلمات

انقشوها في قلوبكم

في البيوت، في الشوارع

عند ذهابكم للنوم وعند نهوضكم منه،

كرروها لأطفالكم،

وإلا فلتتهدم بيوتكم

ليُعِق المرض حركتكم

وليُدِر أبناؤكم وجوههم عنكم.


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي