«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

حذّر من تكرار ما أصابه على شعب آخر في زمان ومكان آخرين

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي
TT

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

رغم اقتنائي كتاب «إذا كان هذا إنساناً» للكتاب والشاعر الإيطالي اليهودي بريمو ليفي منذ أكثر من عشر سنوات، لم أجد أي انجذاب كافٍ يدفعني لقراءته. ولعل ذلك يعود إلى وهم بقيتُ مقتنعاً بصوابه: ما جرى من إبادة واسعة النطاق ليهود أوروبا الشرقية بالدرجة الأولى على يد النازيين الألمان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية شيء ينتمي إلى التاريخ ولن يتكرر ثانية في عصر الإنترنت والكاميرات القادرة على توثيق ما يحدث في العالم لحظة بلحظة بدلاً من الاعتماد على شهادات الناس التي قد لا تكون بنفس دقة الكاميرات، ولعل أهم شيء هو أننا نتعلم من التاريخ.

مثلما هو الحال مع ابن بلده أليغري دانتي الذي سبقه بنحو ستة قرون في رحلة إلى الجحيم جسّدها شعراً عبر كتابه «الكوميديا الإلهية»، قام بريمو ليفي هو الآخر بهذه الزيارة، لكنها تختلف عن زيارة دانتي للجحيم التي كانت عبر الأحلام والمخيلة، فهي في هذه المرة حقيقية مائة في المائة.

كان ليفي في سن الرابعة والعشرين حين اعتقلته الميليشيا الفاشية الإيطالية يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 1943؛ شكاً باشتراكه في نشاطات معادية للنظام الذي فرض على اليهود والأقليات الأخرى قوانين الفصل العنصري، وتقنين حركتهم منذ بدء الحرب العالمية الثانية. وفي التحقيق الذي جرى معه كان أمامه أحد الخيارين: إما أن يقول بأنه معارض للسلطة الفاشية، لصعوبة تبرير وجوده في أماكن معزولة حتى بالنسبة لأولئك النازحين، أو أنه يهودي.

وخوفاً من التعذيب والإعدام إذا أقرّ بالخيار الأول فضّل الإقرار بأنه «مواطن إيطالي من عرق يهودي»، كما كان التعريف القانوني لليهود آنذاك في ظل نظام موسوليني الفاشي.

في المعسكر الذي نُقل إليه وجد بريمو ليفي نفسه بين الكثير من أفراد الأقليات التي لا يعترف النظام الفاشي بهم مواطنين إيطاليين. وكان اليهود يشكلون الجزء الأكبر بينهم.

ولم يدر بخاطر أي منهم أن فريقاً من «الوحدة الوقائية» الألمانية المعروفة باسم «إس إس» سيحضر فجأة إلى المعسكر، الذي ظل معتقلوه حتى ذلك الوقت ينعمون بحياة شبه عادية، تشمل أيضاً توافر التعليم اليومي للأطفال والعناية الصحية والطعام والماء وغيرها.

بريمو ليفي

في يوم 20 فبراير (شباط) فتّش بعض الضباط الألمان المطبخ في المعسكر ووجهوا انتقادات شديدة على الخدمات السيئة فيه، وعلى النقص الكبير في الحطب المستخدم للتدفئة. لكن في اليوم اللاحق سمع المحتجزون في المعسكر أن اليهود سيرحّلون من دون أي استثناء بمن فيهم الأطفال وكبار السن، بل وحتى المرضى.

بعد حشر عربات قطار معدّ للانطلاق من محطة كاربي، بستمائة وخمسين «قطعة» كما أطلق العريف الألماني عليهم، عرف المسافرون الجهة التي سيقصدونها: إنها «آوشْفِيتْز» سيئة الصيت، لكنها لم تكن ذات أي دلالة بالنسبة إليهم آنذاك، بل شعر الكثير منهم بنوع من الانفراج: إنها على الأقل مكان موجود فوق سطح الأرض.

بعد رحلة مضنية استغرقت أربعة أيام، ظلت تلك «القطع» البشرية تتصادم ببعضها بعضاً، لضيق المكان، وظل العطش والجوع والبرد وعويل الأطفال برفقتهم طوال الوقت.

أخيراً، رُفعت الستائر التي ظلت تمنعهم من رؤية الخارج، وفُتحت أبواب العربات، وعلى إيقاع صرخات الجنود الألمان الآمرة هبط الجميع منها وهم يحملون حقائبهم. على رصيف المحطة المضاءة بالمصابيح وعاكسات الضوء التي جعلت الليل نهاراً، كان بإمكان بريمو ليفي أن يرى أعداداً كبيرة من العسكريين، حيث انتشر بينهم رجال الـ«إس إس» المتميزون بملابسهم.

ولم يستغرق بقاء المسافرين طويلاً هناك، فبفضل أحد المسؤولين العسكريين الكبار جرى تحقيق صغير مع كل منهم، فعُزل الأصحاء من الرجال والنساء جانباً، ووُضعت البقية التي يبلغ عددها أكثر من خمسمائة «قطعة» من أطفال ونساء وكبار في السن ومرضى في جانب آخر.

حين سأل البعض عما إذا كانوا سيأخذون حقائبهم التي رصفت في مكان آخر قريب منهم كان جواب هذا الضابط: ستُنقل لكم لاحقاً. أمام أعين الرجال الأصحاء الذين كانوا يحيطون ببريمو ليفي، «ابتلع الليل الأطفال وكبار السن وأغلب النساء»، حيث اقتيدوا بشاحنات واقفة قريبة منهم. أما هم فقد نقلتهم شاحنات أخرى إلى معسكرين قريبين من معسكر آوشفتز: الأول واسمه «مونوفيتز- بونا» استقبل 96 رجلاً؛ أما معسكر «بيركينو» فاستقبل 29 امرأة.

ومن هؤلاء المائة وخمسة وعشرين سجيناً لم يعد إلى إيطاليا سوى أربعة أفراد، أحدهم كان بريمو ليفي.

تحضرني صورة ذلك الضابط النازي الكبير الذي قرر بدقائق مصير هذا العدد الكبير في تلك المحطة النائية وسط عاكسات الضوء الساطع، جنباً إلى جنب، مع ذلك الضابط الإسرائيلي الجالس أمام فصيله، حين أصدر أمراً (لإمتاع ابنته البعيدة عنه) بتفجير عمارة سكنية غاصة بأطفال ونساء ومسنّين في غزة لتتحول تحت ضحكاته وضحكات جنوده كتلةً من ركام وغبار يتهادى تدريجاً بطريقة فنية نحو الأرض.

بين هذين الضابطين فترة زمنية لا تزيد على ثمانين سنة. وهذا ما جعل نظرية الشاعر الألماني هاينرش هاينه (1797-1856) تحضرني بقوة رغم غرابتها: الزمن في حركته التي تحددها دورات الأرض حول نفسها وحول الشمس لا نهائي، بينما الأحداث التي تمر على كوكبنا محدودة؛ لذلك فإن الأحداث ستتكرر عاجلاً أم آجلاً.

إنها العودة الأبدية إذن!

لم تستغرق رحلة بريمو ليفي ورفاقه إلى المعسكر المتخصص بإنتاج المطاط، أكثر من عشرين دقيقة.

في الشاحنة التي نقلتهم كان هناك حارس مسلح واحد، لم تكشف العتمة حضوره حتى بلغهم صوته سائلاً بلطف، إذا كان لدى أيّ منهم ساعة أو نقود أو خاتم فليعطها إياه.

وكأن هذا المشهد شبيه بما كان يطلبه النوتي «كارون» في الأسطورة الإغريقية واستخدمها دانتي في «الكوميديا الإلهية»: قبل عبوره نهر ستايكس صوب مملكة الموتى، يجب منحه قطعة معدنية أجرة لخدمته، يتركها أهل المتوفى معه عند دفنه.

أمام مبنى كامد اللون تقف الشاحنة وسط ظلام دامس تضيئه لافتة مثبتة في أعلى واجهته: «العمل يمنح الحرية». وكأن من اختار هذه العبارة حاول تقليد دانتي الذي وضع لافتة شبيهة لها على بوابة الجحيم: «أيها الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل».

داخل قاعة فارغة إلا من حنفية يتسرب منها الماء في هيئة قطرات، وفوقها كُتبت لافتة تحذر من شرب هذا الماء لعدم صلاحيته للشرب. لكن بريمو ليفي شك بصحتها، فأمام العطش الضاري الذي كان يشعر به بعد قضاء أربعة أيام من دونه، أخذ جرعة منه ليكتشف أنه ماء آسن بطعمه المائل للحلاوة فبصق ما كان في فمه.

ها هم بحضرة ضابط آخر من الـ «إس إس»: «مَن يعرف الألمانية»؟ يسألهم فيبرز أحدهم ليكون مترجماً له.

تأتي أوامره تباعاً: عليكم أن تقفوا بصفوف عدد أفراد كل منها خمسة مع مسافة ياردتين بين كل رجل ورجل، ثم عليكم أن تنزعوا كل ملابسكم وتصفّونها في رزمة...

(هل يذكّرنا مشهد الرجال العراة أمام ضابط الـ«إس إس» في ذلك المبنى الرهيب بما نراه هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي، من رجال فلسطينيين عراة في شوارع غزة؟).

يخرج هذا الضابط الذي استمتع بما فيه الكفاية بمشهد تعرية هؤلاء الذين انتُزعت عنهم صفة البشرية وتحولوا مجرد «بهائم» وفق الرؤية النازية، منبهاً إياهم بضرورة مراقبة أحذيتهم كي لا تُسرق!

«والآن يدخل ضابط ألماني آخر ليأمرنا بوضع أحذيتنا في زاوية محددة، فنضعها هناك... ثم جاء شخص آخر بمكنسة، فراح يجرّف أحذيتنا بعيداً إلى ما وراء الباب، في كومة»، حيث يختلط ستة وتسعون زوجاً بعضها ببعض.

«يُفتح الباب الخارجي فتدخل ريح زمهرير ونحن عراة نغطي أنفسنا بأذرعنا. تهب الريح فيُغلَق الباب؛ لكن الألماني يعيد فتحه، ويقف أمامنا مستمتعاً بمشهدنا ونحن نتلوى ونتخفى من الريح، واحداً وراء الآخر، ثم يغادر ويغلق الباب وراءه».

غير أن صناعة الجحيم النازية تتجاوز حدود جحيم دانتي.

هل جاءت رؤى انهدام المباني السكنية ذات الطوابق المتعددة للعراف الفرنسي الشهير نستراداموس وهو يستقرئ المستقبل البعيد؟ لعله شاهد مدينة وارشو وهي تُحرق قطعة قطعة بالنار بعد إفراغها من سكانها، لكنه لم ير مدينة تتهدم على رؤوس سكانها تحت وابل «أجسام غريبة تأتي من السماء».

يذكّرنا مشهد الرجال العراة أمام ضابط الـ«إس إس» النازية الذي يصفه ليفي في كتابه بمشهد الرجال الفلسطينيين العراة في شوارع غزة

بعد انتهاء الحرب وعودته إلى مدينته تورين، قضى بريمو ليفي سنوات عدة وهو يكرر عادةً تحكمت به خلال الفترة التي قضاها في معسكر العمل القسري: إنه التمعن في الأرض؛ بحثاً عن قطعة خبز يسد فيها ناب الجوع الملازم له، أو أي شيء قابل لأن يقايَض بسلعة مفيدة مع الآخرين.

في أول صفحة من هذا الكتاب الصغير الذي صدر للمرة الأولى بالإيطالية عام 1958، نظم بريمو ليفي قصيدة تبدو كأنها وصية تحذر من تكرار ما أصابه، على شعب آخر وفي زمان ومكان آخرين:

إذا كان هذا إنساناً

أنتم الذين تعيشون بأمان

في بيوتكم الدافئة،

أنتم الذين تجدون، عند عودتكم مساءً إليها،

طعاماً ساخناً ووجوهاً ودودة:

فكّروا في ما إذا كان هذا إنساناً

هذا الذي يعمل في الطين

ولا يعرف السكينة

والذي يتصارع من أجل كسرة خبز

ويموت بسبب «نعم» أو «لا».

فكّروا في ما إذا كانت هذه إنسانة،

من دون شعر ومن دون اسم

ومن دون أي قدرة على التذكر،

عيناها فارغتان ورحمها بارد

مثل ضفدعة في شتاء ما.

تأملوا أن يكون هذا قد تحقق:

ها أنذا أستودعكم هذه الكلمات

انقشوها في قلوبكم

في البيوت، في الشوارع

عند ذهابكم للنوم وعند نهوضكم منه،

كرروها لأطفالكم،

وإلا فلتتهدم بيوتكم

ليُعِق المرض حركتكم

وليُدِر أبناؤكم وجوههم عنكم.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.