صواعق نيتشه وعمايات المثقفين الفرنسيين

النقطة الوحيدة التي تحسب له هو أنه كان أكبر مفكك للأصولية والظلامية

جاك بوفريس
جاك بوفريس
TT

صواعق نيتشه وعمايات المثقفين الفرنسيين

جاك بوفريس
جاك بوفريس

بداية دعونا نطرح السؤال التالي: كيف حوّل المثقفون الفرنسيون من أمثال فوكو وديلوز ودريدا، نيتشه، إلى مفكر يساري تقدمي؟ هذا ما يكاد يجنن جاك بوفريس ويطير عقله. ومعه الحق. نيتشه يعلن نهاراً جهاراً على المكشوف أنه ضد قيم الحداثة: كالديمقراطية، والاشتراكية، والتقدم الاجتماعي، والمساواة بين البشر، بما في ذلك المساواة بين الرجل والمرأة. وكان مضاداً لإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية 1789، والذي يعد مفخرة فرنسا عالمياً حتى الآن. لهذا السبب كان حاقداً على جان جاك روسو الذي كانت كتاباته تعد بمثابة إنجيل الثورة الفرنسية. نيتشه كان مفكراً رجعياً حقيقياً. كان مدافعاً عن النزعة الأرستقراطية الراديكالية التي لا تعترف بمبدأ المساواة بين البشر؛ هذا المبدأ الغالي على قلب جان جاك روسو ومعظم فلاسفة الأنوار. ما هي العقيدة السياسية لفريدريك نيتشه؟ إنها تتمثل فيما يلي: هناك النخبة الأرستقراطية من الرجال.

الاستثنائيون الموجودون على رأس المجتمع أو الهرم الاجتماعي، وهناك جماهير الشعب الموجودة في أسفل الهرم. وهذا هو النظام الطبيعي الذي ينبغي أن يسود ولا اعتراض عليه أبدأ. ومهمة الجماهير هو الكدح والتعب والشغل والطاعة الكاملة العمياء للنخب المثقفة. ينبغي أن تخدم هذه الجماهير الغفيرة النخبة الأرستقراطية لكي تستطيع التفرغ للقيادة والحرية والخلق والإبداع. هذا هو نيتشه الحقيقي.

النقطة الوحيدة التي تحسب له هو أنه كان أكبر مفكك للأصولية المسيحية والظلامية الدينية. هنا تكمن عبقريته. وكان أكبر محطم للأصنام والمعبودات والشخصيات التي نعتقد أنها مثالية قداسية في حين أنها كانت بشرية عادية بل وأكثر من عادية. انظر لتكالب بعض رجال الدين على الأموال والأرزاق والوجاهات في كلتا الجهتين الإسلامية كما المسيحية... ولكن العامة يتعلقون بهم ويقبلون يدهم ويقدسونهم تقديساً. انظر لقصص بعض البابوات الفاسدين المنحلين في القرون السابقة كالبابا ألكسندر بورجيا الذي كان أبعد ما يكون عن المبادئ الدينية والفضائل الإنجيلية. وقد اشترى بابويته بالفلوس التي انهمرت مدراراً على الكرادلة لكي ينتخبوه. وخلف وراءه عشرة أولاد وثلاث بنات من عشيقات مختلفات. وقد عيّنهم في مناصب عليا في المجتمع الإيطالي بعد انتخابه. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن البابا يوليوس الثاني الذي خلفه عام 1503 فقد كان مستبداً دموياً مولعاً بشن الحروب. لقد خان المبادئ الإنجيلية كلياً، ومع ذلك فقد ظلت عامة المتدينين تقدسه كالصنم المعبود. وقل الأمر ذاته عن بعض الدعاة الكبار الذين أصبحوا أغنياء جداً عندنا، بل ومليونيريين بفضل المتاجرة بالدين. لا داعي لذكر الأسماء... نعم لقد ساعدنا نيتشه بمطرقته الفلسفية على التحرر من هيبة شيوخ التزمت والتقعر والإكراه في الدين. يقولون شيئاً ويفعلون شيئاً آخر. يدعونك إلى الزهد في الحياة الدنيا وعينهم على الشهوات والملذات والأموال التي يتكالبون عليها تكالباً. كل هذا كشف القناع عنه فيلسوف الألمان وحررنا منه. من هذه الناحية كان تنويرياً كبيراً. لتسقط الأصنام والأوثان التراثية إذن ولنتحرر منها كلياً ولنتنفس الصعداء لأول مرة في حياتنا. لنتجرأ على أن نفكر بأنفسنا دون أي وصاية لاهوتية أو كهنوتية فوق رؤوسنا. هذه هي وصية كانط لنا. هذا أول مبدأ من مبادئ فلسفة التنوير. فالله زودنا بعقول لكي نشغلها لا لكي نلغيها أمام شيوخ الفضائيات وجماعات الإسلام السياسي الذين يعرفون كيف يستغلون الدين وهيبته وقداسته. إنهم بارعون في ذلك إلى أقصى حد ممكن. ولكن لعبتهم انكشفت بعد سقوط ما يدعى «الربيع العربي». لكأن الربيع يمكن أن يكون أصولياً ظلامياً. الربيع سيكون تنويرياً، أو أنه لن يكون!

أنا مدين لنيتشه بأشياء عبقرية كثيرة. يضاف إلى ذلك أن أسلوبه في الكتابة بركاني، عبقري، متفجر، لا يضاهى. أنا أدوخ، أخرج عن طوري عندما أقرأ نيتشه. أكاد أقوم وأقعد. لا أستطيع أن أبقى هادئاً. حقا إن من البيان لسحراً. وربما كان أكبر كاتب في اللغة الألمانية. ولكني لا أستطيع الاتفاق معه على هذه النزعة النخبوية والاستعلائية الكاسحة. لا أستطيع القبول بإدانته للحداثة ومنجزات الحداثة جملةً وتفصيلاً. هنا أقول له ستوب، قف: خط أحمر! فقد رفض رفضاً قاطعاً المثل العليا للحداثة كحقوق الإنسان والمساواة بين البشر وحق التصويت العام للشعب، ومشروع المدرسة للجميع، والسعادة والرفاهية للجميع، إلخ. ورفض كل السياسات التضامنية مع الفقراء والمنبوذين والمستضعفين. ووصل به الأمر إلى حد القول: ينبغي أن نحمي الأقوياء من الضعفاء وليس العكس. وعلى هذا المنوال يمكن أن نقول: ينبغي أن نحمي الأغنياء من الفقراء الذين يحسدونهم ويكادون ينهشونهم نهشاً. لماذا لا نصرخ: يا إلهي ما أجمل الأغنياء وما أبشع الفقراء؟ عيب! ثم صعد نيتشه من لهجته إلى حد القول: «لينقرض الضعفاء والفاشلون! هذا أول مبدأ من مبادئ فلسفتنا الإنسانية المحبة للبشر! بل وينبغي أن نساعدهم على هذا الانقراض»... وهذا يشبه ما فعله النازيون عندما قضوا على المرضى والمقعدين والمعاقين، وعدّوهم عالة على المجتمع. ثم يضيف: «ما هي أسوأ النقائص أياً تكون؟ الشفقة على الفاشلين والضعفاء: عنيت المسيحية». ويحك! هكذا نلاحظ أن أفضل ما جاءت به المسيحية كدين محبة وشفقة ورحمة يدينه ويعده نقيصة. هنا تكمن خطورة نيتشه. إننا نفهم هجومه على الأصولية المسيحية التي كانت لا تزال قوية في عصره وقادرة على الضرب والقمع، والإكراه والقسر. وذلك على عكس ما هي عليه الآن، حيث لم يعد لها وجود في أوروبا، وحيث أصبحت هي الخائفة لا المخيفة. ولكننا لا نفهم أن يدين أفضل ما جاءت به المسيحية وكذلك الإسلام: أي الشفقة والرحمة على الضعفاء والفقراء واليتامى والمحتاجين وابن السبيل... هنا لا نستطيع أن نمشي معه خطوة واحدة إلى الأمام. هنا نفضل أن نكون مع مفكر عملاق آخر هو جان جاك روسو الذي كان يذوب ذوباناً في أحضان الشعب الطيب الفقير الذي يكدح كل نهاره لتأمين لقمة العيش له ولأطفاله.

ليس غريباً إذن أن تكون النازية قد وجدت ضالتها فيه واتخذته هادياً مرشداً لها ولآيديولوجيتها. ليس غريباً أن يكون النازيون قد رأوا في نيتشه «أيقونة العهد الجديد» الذي أرادوا إقامته وترسيخه في ألمانيا. ليس غريباً أن يكونوا قد اتخذوه قدوةً ومثالاً لكي يحتموا في ظله ويضربوا بسيفه. نقول ذلك وبخاصة أن شهرته كانت قد أصبحت أسطورية. لقد اندلعت بعد موته كالرعد القاصف واكتسحت السماء المكفهرة للبشرية الأوروبية. كانت كتبه خصوصاً «هكذا تكلم زرادشت» تباع بالملايين. لقد أصبح الإنجيل الخامس كما توقع هو شخصياً. وكانت شبيبة ألمانيا تعبده عبادة في حين أنه لم يلق في حياته أي اهتمام ولم يبع من كتبه أكثر من عشر نسخ! من يصدق ذلك؟ كل هذا النجاح الباهر حصل بعد موته عام 1900 بالضبط. ولهذا السبب قال عبارته الشهيرة: «هناك أشخاص يولدون بعد موتهم». كان يعرف أن لحظته آتية لا ريب فيها. وهذا السطو من قبل هتلر على نيتشه وفكره ما كان لينجح تماماً لولا تعاون أخته إليزابيث التي كانت عضواً في الحزب النازي منذ عام 1930. ومعلوم أن هتلر زار متحف نيتشه الذي يضم أرشيفاته ومحفوظاته في مدينة فايمار عام 1933: أي بعد توليه السلطة مباشرة تقريباً. وهناك انحنى أمام أخته إليزابيث كما تشهد الصورة على ذلك. وقد أهدته عصا الفيلسوف لكي يتبرك بها أو يتعكز عليها في نزهاته اليومية إذا شاء. وفي عام 1934 ترأست إليزابيث هذه بحضور هتلر الاحتفالات بالذكرى التسعين لولادة أخيها الفيلسوف الشهير. ومعلوم أن النظام الهتلري نظم احتفالات ضخمة بهذه المناسبة وبحضور كبار القادة النازيين. وعندما توفيت إليزابيث نيتشه في العام التالي عن عمر مديد حضر هتلر شخصياً تشييع جنازتها.

هذا الكلام لا يعني أن كل فلسفة نيتشه نازية من أولها إلى آخرها! لا، لا، أبداً، أبداً. ما إلى هذا قصدت. وإلا لما بقيت على مدار الأجيال ولكانت قد ماتت في أرضها. وذلك لأن فلسفته ضخمة، واسعة، متشعبة لا يمكن حصرها بهذا الجانب فقط. فلسفته تحتوي على إضاءات عبقرية عديدة كما أسلفنا. ولكن لا يمكن إنكار هذا الجانب المتطرف واللامسؤول من فكره. لماذا اعتمد هتلر على نيتشه كمنظر آيديولوجي أكبر للنازية، ولم يعتمد على كانط أو هيغل مثلاً؟ وهما من أعظم العقول الفلسفية التي أنجبتها ألمانيا. سؤال لا يمكن تحاشيه. والواقع أننا عندما نقارن بين انفجارات نيتشه الفكرية والأسلوبية الخارقة وبين هيجانات هتلر وخطبه النارية المشتعلة التي كهربت الشعب الألماني كهربة نلاحظ وجود أوجه تشابه عديدة. ونكاد نقول هذه من تلك!

على أي حال لا يمكن اعتبار نيتشه مفكراً حريصاً على المساواة بين البشر ولا على النزعة الإنسانية اللهم إلا إذا كنا من «جماعة العميان»، كما يقول جاك بوفريس. من هنا حملته الشديدة على فوكو وديلوز ودريدا الذين حولوه في ستينات وسبعينات القرن الماضي إلى مفكر يساري تقدمي غصباً عنه! هذا في حين أنه كان مفكراً نخبوياً، أرستقراطياً، استعلائياً، محضاً. كان يحلق في الأعالي أو أعلى الأعالي. كان يفكر «والناس تحته على مسافة ستة آلاف قدم» كما يقول هو شخصياً. هو من فوق وكل البشرية تحته! كل العنجهية الأرستقراطية تجسدت في شخصه، كما أن كل العنجهية الآرية الألمانية تجسدت في شخص هتلر.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.