صور الطفولة المغدورة في الشعر المعاصر

قتل الأطفال كمحاولة يائسة لقطع الطريق على المستقبل

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

صور الطفولة المغدورة في الشعر المعاصر

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لطالما كانت الطفولة في بعدها العميق تجسيداً بالغ الدلالة، لا لما يتصل ببداية الكائن الفرد فحسب، بل لما يتصل في الوقت ذاته ببداية التكوين وتفتح العناصر وبراءة الخلق. وإذا كان الجريان السريع للزمن يدفع البشر الشبيهين بالأنهار بعيداً عن مساقط رؤوسهم، معرضاً نفوسهم لمختلف أنواع الأدران، فإنهم يتلفتون بالقلب إلى زمن البدايات، حيث تتحول الينابيع التي تركوها وراءهم إلى فراديس مفقودة، لا قبَل لهم باستعادتها. ولأنها كذلك فقد رأى فيها الكتاب والمبدعون الصورة الأبهى للحياة في انبثاقها التلقائي، الذي لم يكن العقل قد تدخل بعد لإفساده، وفق نيتشه. وفيما عدها فرانز هيلينز «الكنز الأكثر حياةً والدم الجديد في دمنا القديم»، هتف الشاعر الفرنسي هنري بوسكو من جهته «وسط المساحات التي عراها النسيان، كانت تبرق باستمرار تلك الطفولة الرائعة، التي طالما بدا لي بأنني اخترعتها».

محمود درويش

كان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يحتفي الشعراء بالطفولة، باعتبارها منجم اللغة البكر والحديقة الخلفية للتخييل، كما كان من الطبيعي بالمقابل أن تشكل الطفولة المغتالة والمبتورة في أوجها مادة غنية للأدب والفن. ومع أن الرغبة في قتل الأطفال قد اتخذت وجوهاً متباينة عبر الزمن، فهي قد بدت في بعض مناحيها محاولة يائسة لتأبيد الاستبداد ولمنع التاريخ من التقدم. وهو ما عكسه بشكل جلي قرار فرعون قتل الأطفال الذكور، ونجاة موسى بأعجوبة من موت محتم بعد وضعه في اليم، وصولاً إلى قرار هيرودس قتل أطفال أورشليم وجوارها، منعاً لظهور المسيح المخلص، الذي بشّر بولادته الرعاة المجوس.

أدونيس

وإذا كان الكثير من الأطفال قد رزحوا وما زالوا يرزحون، خصوصاً في المجتمعات التي لا تقيم وزناً يذكر لمفاهيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان، تحت وطأة التجويع والتجهيل والتعنيف والتشريد، فإن الحروب على أنواعها تختزل بوجهها الكالح كل هذه الوجوه مجتمعة. وقد تكون الحرب الكارثية الدامية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة وأهلها وأطفالها منذ أسابيع إحدى أكثر الحروب وحشيةً وعنفاً وانتهاكاً لبراءة الأطفال وحقوقهم، في التاريخ الحديث. ومع أن قصيدة نازك الملائكة «مأساة الأطفال» تعود إلى عقود عديدة سابقة، إلا أنها بدت أشبه بقصيدة استباقية تمنت فيها الشاعرة على ملائكة العالم الصغار أن يعبوا من مباهج الحياة قدر ما يستطيعون، قبل أن تطيح حروب الكبار وضغائنهم بهذه المباهج:

امرحوا الآن في ظلال أبٍ يشقى وأمٍّ جنَتْ عليها الحياةُ

فغداً تحملون أنتم هموم العيش إذ ذاك تُسفر المأساةُ

تتشفى بكم يدُ القدر القاسي وتلقي عليكمُ بالرزايا

وتبيع الشبابَ بالأدمع الحرّى وتلهو على رفات الضحايا

وقد لا تكون قصيدة بدر شاكر السياب «الأسلحة والأطفال» هي الأولى من نوعها في مجال التنديد بفظاعات الحروب وأهوالها الكارثية، وما تتركه في أعماق البشر من شروخ وتصدعات. ولكن ميزتها الأهم تكمن في التركيز على خواء الحضارة المعاصرة، وعلى الطبيعة اللاأخلاقية للرأسمالية المتوحشة، التي تنحصر اهتماماتها في تسويق ما تنتجه مصانعها من أسلحة فتاكة، دون أن تبدي اهتماماً يُذكر بآلاف الضحايا المحتملين، وبالأطفال الأبرياء الذين يسقطون على مذبح الجشع والاستبداد والأنانيات المتفاقمة. والسياب الذي يجعل من قصيدته سردية مطولة يتعقب فيها الحروب الكابوسية للقرن المنصرم، ما يلبث أن يهتف متسائلاً:

حديدٌ، لمن كلّ هذا الحديدْ

لنصلٍ على حلْمةٍ أو وريدْ؟

وأصغي إلى الصبْية الضاحكينْ

وكالجرح إذ ينزفُ

أرى الفوّهات التي تقصفُ

تسدّ المدى، واللظى والدماءْ

ومع أن تجربة أدونيس كانت تتمحور على نحو عام حول قضايا كبرى متعلقة بأسئلة الوجود والرفض والحرية، والبحث عن أفق مغاير للفكر واللغة والحياة، فإن ذلك لم يمنعه من التفاعل مع ما شهده العالم العربي عبر عقود، من حروب وأهوال وتحولات سياسية دراماتيكية. وقد تكررت صور الحرب وفظاعاتها في أعمال صاحب «أغاني مهيار الدمشقي»، الذي عاين خلال إقامته في بيروت الفصول الأكثر دمويةً للحرب الأهلية اللبنانية، فضلاً عن الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة للوطن الواقع على خط التماس الدائم مع الزلازل.

ولا بد لمن يتفحص أعمال أدونيس أن يلاحظ احتفاءه المتواصل بالطفولة، بحيث إنها تتغلغل ببعديها الواقعي والرمزي في نسيج قصائده ونصوصه النثرية، وتشكل أحد المفاتيح الأهم للولوج إلى عوالمه النفسية والإبداعية. ومع ذلك فإن الكائن الجنيني الذي يستعجله الشاعر في كتابه «مفرد بصيغة الجمع» للخروج، عبر قوله «اخرج إلى الضوء أيها الطفل»، ما يلبث أن يصطدم حين يكبر بميل البشر المتعاظم إلى العنف الوحشي، وصولاً إلى ارتكاب المذابح اللاأخلاقية بحق الأطفال، الأمر الذي لم يتوان الإسرائيليون الغزاة عن القيام به في فلسطين ولبنان وغيرهما من بلاد العرب. غير أن ذلك الدم الطفولي النازف لن يلبث أن يصبح وفق أدونيس لقاحاً للربيع القادم، ونسغاً لضوء الصباحات الوليدة:

أحمدُ، مريمٌ، كريمٌ

نزل الموت في حيّهمْ

يتصيد آخر ما يتوالد في ماء أحلامهمْ

وأقول، أنا الراوية

إنه اللعب - الطفل، نرد الرياحْ

ولهم ما يلقّح جذع المساء بنسغ الصباحْ

ومن يتتبع تجربة محمود درويش لا بد له أن يلاحظ أنه كان واحداً من أكثر الشعراء العرب احتفاءً بالطفولة، بأبعادها الواقعية والرمزية. فهي لم تعد بالنسبة له مساحة زمنية تقتصر على السنوات الأولى من الحياة فحسب، بل هي خزان الذكريات، بقدر ما هي خط التماس اليومي مع طراوة العيش وبراءة اللغة وصفاء النظرة إلى العالم. وهي قهوة الأم وجغرافيا الروائح التي لا تنفذ، وبرعم الحنين إلى الماضي الذي يكبر في داخله «يوماً على صدر يوم». ومع تحوُّل الحنين في الحالة الفلسطينية إلى شكل من أشكال المقاومة والدفاع عن الهوية الجمعية، فقد رأى درويش أن سعي جنود الاحتلال إلى قتل محمد الدرة، اللائذ دون جدوى بجسد أبيه، هو في عمقه الأخير محاولة اغتيال مزدوجة، للعودة إلى الجذور المتمثلة بالأب وبروح الأسلاف، كما للحلم بالحرية، ممثلاً بصورة الابن. والأرجح أن الخشية مما سيصيره الطفل فيما بعد هو الذي يقف وراء ضغط الجندي الإسرائيلي على زناد الكراهية والقلق والخوف مما سيكونه الدرة الابن في المستقبل، وهو ما يعكسه الشاعر:

كان في وسع صياده أن يفكر بالأمر ثانيةً،

ويقول: سأتركه ريثما يتهجى فلسطينهُ

دونما خطأ،

سوف أتركه الآن رهن ضميري

وأقتله في غدٍ حينما يتمردْ

محمدْ

يسوعٌ صغيرٌ ينام ويحلم في قلب أيقونةٍ

صُنعت من نحاسٍ

ومن غصن زيتونةٍ

ومن روح شعبٍ تَجدَّدْ

أما الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، فتتكرر صور الطفولة المغدورة في نصوصه ومقطوعاته، كما لو أنها واحدة من سمات تجربته أو علاماتها الفارقة. وهذه الميزة في شعره لا تعود إلى الصدفة المجردة، بل تجد تفسيرها في تعلق الشاعر بمسرح طفولته الريفية في الجنوب اللبناني، تلك الطفولة التي ما لبثت الحروب المتلاحقة أن كسرت هناءتها الفردوسية، دافعة المكان إلى التشظي، والشاعر إلى الترحل. وإذ يلح شمس الدين على تظهير صورة الطفل مقتولاً، فلأنه يريد أن يدفع المفارقة إلى ذروتها، حيث الموت يقصف الحياة لحظة انبلاجها، وحيث المسافة بين الولادة والموت لا تتعدى السنوات القليلة. والواقع أن تركيز الشاعر على إلباس أطفاله الموتى لبوس النوم أو النعاس، ما هو إلا إذكاء مضاعف للشعور بهول الحدث، الذي يستعصي لشدة فظاعته على التصديق. ويصب في الخانة نفسها استحضار الألعاب والرسوم والأزهار والدمى إلى مسرح الموت، كما في قصيدة «نوم هشام»، التي يقول فيها:

لهشامْ

غنت أزهار الحقل طويلاً

لكنّ الأزهار المرسومة في دفتره ناحتْ

وبكى القلم المكسورْ

وبكت لعبتهُ..

وفي قصيدته «أغنية كي تنام زينب»، التي كتبها الشاعر في رثاء الطفلة التي قضت نحبها في إحدى المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ذات اجتياح سابق للجنوب اللبناني، لا يبتعد شمس الدين، صوراً وإيقاعاً وحقلاً معجمياً، عن مناخات القصيدة السابقة، بل تبدو إحداهما استكمالاً للأخرى، وتنويعاً على عوالمها ومناخاتها المؤثرة. والأرجح أن لجوء الشاعر إلى استخدام إيقاع الخبب في القصيدتين معاً، ناجم عن رغبته في محاكاة الإيقاع السريع والمرح لحركات الأطفال من جهة، وفي محاكاة الطقوس المتداخلة لثنائية الجنازة - الكرنفال:

زينبْ

جرسُ المدرسةِ - الخوفُ

الكتبُ - الخوفُ

القلم المكسورُ الممحاةُ، لماذا؟

من ألبسكِ الثوب الأسودَ؟

من قصَّ ضفيرتكِ الشقراءَ وقصّ الشفةَ المرجانة؟

قومي نلعبْ

قبل رحيل الأشجارْ


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي