عبد السلام بنعبد العالي: التعدّد خاصية الهوية... والانفتاح سمة الفكر والوجود

المفكر المغربي ينادي بإخراج السؤال الفلسفي إلى ساحة الانشغال اليومي

عبد السلام بنعبد العالي: التعدّد خاصية الهوية... والانفتاح سمة الفكر والوجود
TT

عبد السلام بنعبد العالي: التعدّد خاصية الهوية... والانفتاح سمة الفكر والوجود

عبد السلام بنعبد العالي: التعدّد خاصية الهوية... والانفتاح سمة الفكر والوجود

يتميز الكاتب والمفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي بانشغاله بفكر الاختلاف؛ فعليه تتأسس ممارسته الفلسفية، كما انشغل بسؤال الكتابة، مُعلياً من شأن التأمل والنقد والشك، ما جعله مقروءاً بشكل أوسع. ترجم لعشرات المفكرين والمبدعين والفلاسفة؛ منهم بورديو، وبارت، ودولوز، والعروي، مواصلاً شغفه بالفلسفة وتجريب مفعولها في اللغة. في كل هذا لا ينطلق بنعبد العالي من مسلَّمات، ولا يريد أن ينتهي إلى خلاصات وإجابات، بل غايته طرح الأسئلة. هنا حوار معه حول هموم الفلسفة والكتابة والأوهام المعاصرة التي ينادي بمقاومتها.

* يرى بعض الدارسين أنك أخرجت الفلسفة من خطابها المتعالي المنشغل بالمقولات الكبرى، وأنت تتحدث عن الفلسفة وكرة القدم، والطبخ والنحافة والموضة والموبايل والكذب وغيره... فهل تتفق معهم على ذلك؟

- ربما ينبغي أن ننطلق من ملاحظة أولى؛ وهي أن الفلسفة لم تكن دوماً تحيا «في برج عاجي». لا نحتاج إلى التذكير هنا بشخصية سقراط، الذي كان يجوب أنحاء «المدينة»، ولا يبرح أغوار أثينا كي يحاور الشباب و«يزعجهم»، بل يُحرجهم، وليواجه أفراداً احترفوا «فن الكلام». قد يقال إن هذا لم يكن ممكناً إلا لأن الفلسفة ترعرعت في مخاض «التجربة السياسية» عند الإغريق. صحيح، ولكن ينبغي ألا ننسى أنها لم تكن غائبة، حتى في غمار «التجربة الطبيعية»، والتي فيها نتصور الفيلسوف مشاركاً، معنيّاً بالتحولات الكبرى التي ستُفتَح أمام المعرفة وأشكالها التقنية (ولا أقول تطبيقاتها؛ لأن التقنية ليست مجرد تطبيق لنظرية). فيلسوف مثل ديكارت، لم يكن غائباً عما سيؤسس للحداثة العلمية، ومن ثم للحداثة الفلسفية. قد يردّ علينا بأن الفلسفة سرعان ما انعزلت، فغدا الفيلسوف «أستاذ جامعة». الشيء الذي سيترسخ مع الفلسفة الألمانية، لكن، حتى ها هنا ينبغي ألا نتصور الفلسفة غائبة عن التحولات الكبرى، والطفرات الصناعية والعلمية والسياسية، فهؤلاء الفلاسفة الذين نقول عنهم إنهم كانوا منحصرين داخل أسوار الجامعة، كانوا في علاقة وطيدة وعميقة مع ما يجري، لستُ مضطراً إلى أن أعطي مثال ماركس، بل أكتفي بأن أسوق من نعتوا بـ«المثاليين» كحال كانط وهيجل.

هذا ليس فقط دفاعاً عن الفلسفة، وإنما هو فحص لما انتقل إلى مدارسنا وأصبح يدرَّس كـ«مادة الفلسفة». لا داعي لأن أعدِّد المعوقات التي واجهت هذا الانتقال، فأشير إلى خصوصية الممارسة الفلسفية في العالم العربي، وما تعرفه من صعوبات تتمثل أساساً في غياب الدرس الفلسفي في كثير من معاهدنا التعليمية، وعدم مواكبة برامجنا لمستجدّات ذلك الدرس، فضلاً عن عدم التوفر الكافي لأمهات النصوص بلغة متيسرة، الأمر الذي يضع عراقيل في وجه ممارسة الفلسفة تفكيراً وتدريساً، وربما كتابة وتأليفاً.

هذا ما جعلني أختط مساراً «يقترب من الممارسة الفلسفية بالابتعاد عنها»، لا لإخراجها من الدرس المدرسي والجامعي فحسب، بل لإضفاء نوع من التشويق على لغتها وموضوعاتها، ومحاولة إخراج السؤال الفلسفي إلى الساحة العمومية، والانشغال اليومي.

* هل هي دمقرطة لفعل التفكير...؟

- لنقل دمقرطة السؤال، بينما يبقى الفكر، كما تُعرِّفه الحداثة الفلسفية بأنه «أعدل الأشياء قسمة بين الناس».

* ومع ذلك تقع الفلسفة على جبهة الرفض، باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة والممانعة «ضد الراهن»، كيف للفكر أن ينفصل عن الراهن الذي تُغرقنا فيه وسائل ووسائط الإعلام مثلاً، بينما يستدرجه الراهن إليه، وإن اقترب منه نقدياً؟

-قال فوكو مرة عن الأيديولوجيا إنها ستدخل من النافذة إن أنت طردتها من الباب، فعندما كنا نقابل بين الفلسفة والأيديولوجيا، كنا نفترض مقدّمات أساسية؛ أولها أنه ليس هناك كوجيتو أيديولوجي. لا تقدّم لك الأيدولوجيا نفسها على أنها كذلك. لا تقول: أنا أيديولوجيا، إنها تتخذ دوماً صيغة اتهام للآخر: أنت أيديولوجيا، لذلك فحتى في حال فضحها كأيديولوجيا، سرعان ما تتقنع وتتخفّى، لذلك فهي محتاجة إلى فضح لا يكلّ، أو، كما تقول، ممانعة غير مهادنة. أما عندما دخلت الوسائط الجديدة على الساحة، ولم يعد الصراع الفكري يقتصر على أوهام الأيديولوجيا، فإن الأمور «تشبكت» مع الشبكة العنكبوتية، التي تجعل من الواقع واقعاً فائقاً، كما بيّن بودريار.

* ألّف جاك دريدا كتاباً بعنوان «أن تفكر هو أن تقول لا». وقد استعرتَ هذا العنوان لتجعله عنواناً لمقالة جديدة لك، لكنك استحضرت هذا المبدأ الفلسفي «التفكيكي» منذ عقود، وأنت تجعل من الفلسفة فكراً للاختلاف والانفصال بدل الاتصال. لكن، كيف يمكن لفكر الاختلاف والانفصال أن يحافظ على استمرارية التراكم الفلسفي والفكري، أم أنك تقول لا للتراكم نفسه، وعلى الفلسفة التي تنادي بها أن تقول لا للفلسفة نفسها؟

- ستسمح لي بأن أطيل في الجواب عن هذه النقطة، وربما على حساب غيرها، وذلك استبعاداً لمفهوم ساذج عن الاختلاف يجعله مجرد تبعثر. أعتقد أن علينا أن نستحضر أولاً وقبل كل شيء، المعاني المتعددة التي كان مفهوم الاختلاف يعنيها عندما غدا «مفهوماً» فلسفياً على يد أبي الجدلية هيغل. لتوضيح مفهومه عن الاختلاف، يبدأ هيغل باستبعاد موقف رائج يدعوه هو «الموقف الساذج عن الاختلاف» أو «الموقف الاختباري». يرى هذا الموقف أن الأشياء المتباينة تختلف عن بعضها اختلافاً بحيث لا يبالي أحدها بالآخر indifférente، ما دام كل منها مطابقاً لذاته مكتفياً بها. ما «يقف» عنده الموقف الاختباري من الاختلاف هو التنوّع. في هذا «الاختلاف الساذج» يغدو الكائن مُجزّأً إلى عناصر متعددة، وأطراف مبعثرة (خارج) بعضها عن بعض. إن هذا الاختلاف لا يرقى، حتى إلى مستوى التعارض، وبالأحرى التناقض. فالتنوع والتبعثر لا ينتعش إلا إذا تلقت الأشياء التي تشكّله السلب أو النفي، الذي هو سرّ الحركة التلقائية عند هيغل. والسلب لا يكون إلا (بجرّ المخالف نحو آخره لا بإبعاده عنه). هذا الجرّ هو ما يميز الاختلاف الأنطولوجي عن مجرد «التباين الساذج».

ينبغي إذن أن نميز بين مجرد «التباين الساذج» وبين «الاختلاف». الاختلاف يضعنا أمام متخالفين مُبعداً أحدهما عن الآخر، (مقرّباً بينهما في الوقت نفسه)، أما «التباين الساذج» فإنه يَعرضهما منفصلين متباينين، بينهما تباين وبَوْن. الاختلاف يقوم «في» الهوية، أما التباين فيحصل بين «هويات» متباعدة وكيانات منفصلة. الاختلاف «مفهوم» أنطولوجي، وليس مجرد مفهوم أنثروبولوجي إناسي، إنه ما بفضله يتحدد الكائن بوصفه زماناً وحركة، وما يصبح به التعدّد خاصية الهوية، والانفتاح سمة الفكر وسمة الوجود.

ما أريد أن أستخلصه من كل هذا هو أن القول بالانفصال لا يعني التبعثر، كما أن التفكيك لا يعني العدمية. أكاد أذهب عكس ذلك وأقول: هناك ضرورة للتفكيك؛ لأن هناك فيضاً من الحقائق، وربما أكثر مما يلزم.

* كتبتَ عن الكتابة، اشتغلتَ على فعلها نفسه، مطوراً ما أسّس له رولان بارت ودريدا وموريس بلانشو وكيليطو، وآخرون في هذا الباب، هل يمكن القول إنها دعوة إلى التفكير في التفكير نفسه، نقداً وتفكيكاً له، بعدما ظل التفكير الفلسفي، ردحاً من الأزمنة واثقاً في خطاباته ومفهوماته ومقولاته، انطلاقاً من اعتقاد مفرط في المقدمات النظرية والصرامة المنهجية.

- ربما لا يسمح المقام ولا المجال لتفصيل هذه النقطة، والحديث عن علاقة الفلسفة بالأدب، أو، كما تقول مع بارت، علاقتها بالكتابة. ما دمت قد تحدثتَ عن التفكيك، فيمكن أن نقول باختصار إن مجال الكتابة يسمح لنا بأن «نمارس الفلسفة» ونفكك كثيراً من الثنائيات الميتافيزيقية، لعل أهمها ثنائيات معنى/مبنى، حقيقة/مجاز، أصل/مشتق. ولا أخفيك هنا أن اهتمامي بقضايا الترجمة ربما مكّنني من الانكباب على بعض تلك الثنائيات، وثنائية أصل/نسخة، على وجه الخصوص، فلست أهتم بالترجمة بحثاً عن «نظرية في الترجمة»، وإنما ممارسة للفلسفة، وتفكيكاً لأزواج الميتافيزيقا.

* عن مستقبل التفكير، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينوب عنا في التفكير. وعموماً، ينسى الذين ينكرون على الذكاء الاصطناعي ذلك أنه مِن صنع الفكر الإنساني نفسه، وهو مبرمج من لدن هذا الإنسان، وكأنه يدعوه إلى التفكير بدلاً منه ونيابة عنه؟

- إن كان لا مفر من أن يقارن الإنسان نفسه بمنتوجاته، فأنا أشعر بأنني متفوق على هذا الذكاء (الذي أستفيد منه وأستخدمه)، لا لأنني أكثر ذكاء منه ولا أغزر منه معرفة، وإنما فقط لأنني أتميّز عنه بقدرتي على النسيان.

* الفلسفة عندك فن، فن للعيش، كما ناديت بذلك. دعْني أطرح السؤال مقلوباً: كيف يمكن أن نعيش هذا الفن، أن نحيا فلسفياً على الأرض؟

- كي لا أتجاوز المساحة التي حددتها لي للإجابة عن أسئلتك، أقول باختصار شديد: أن نعيش بصحبة الشك.

* من كونديرا، استعرتَ مفهوماً آخر هو «البلاهة» لتوصيف ما يطبع عالم اليوم وخطاباته. هل مردُّ ذلك إلى تكرار الخطابات الجاهزة والمسكوكة فقط، أم لأنه يردد اليقينيات والمسلَّمات والمصادرات... بينما الفكر عندك خطاب غير جاهز وغير نهائي، منطلق وغير مطلق، منسرح ومتوثب؟

- تحدثنا عن علاقة الفلسفة بالأيديولوجيا. الفلسفة اليوم لم تعد تكتفي بمقاومة الأوهام ومكرها، وإنما تنصبّ على ما يدعوه دولوز الترهات والحماقات وأشكال البلاهة La bêtise، مقاومة أشكال البلاهة ربما لا تكفيهما رصانة العقل الديكارتي، ولا حتى صرامة النقد الأيديولوجي وشراسته، وإنما تحتاج، ولنقل فضلاً عن ذلك، لعقلانية ساخرة تقف عند ومضات الحياة المعاصرة، لا لتترصد أخطاء المعارف، ولا لتكتفي بفضح أوهام الأيديولوجيات، وإنما لترصد «منطق الخلل» الذي يهيمن على تلك الحياة ويطبعها، ولتفضح اللافكر الذي يتخفى من ورائها.

* أخيراً، ماذا عن مفكر اسمه عبد السلام بنعبد العالي؟

- لنقل إنني لا أنفكُّ أبتعد عنه، ربما اقتراباً منه.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».