«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

كتاب يوثق لسيرة مكان تجاوزت شهرته لبنان

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي
TT

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

مع خفوت نجم المقاهي الثقافية في المنطقة العربية، وبشكل خاص في بيروت، التي عرفت الظاهرة الكبرى اعتباراً من منتصف القرن الماضي، يأتي كتاب «مطعم فيصل» لمؤلفته إيمان عبد الله (دار نلسن) ليعيد إلى الذاكرة حكاية مكان ليس ككل الأمكنة. فهذا المقهى البيروتي الذي كان مطعماً أيضاً تجاوزت شهرته لبنان، لينال صيتاً عربياً. ورغم مرور عقود على إغلاقه لا يزال ما دار في أروقته والدور الذي لعبه وأنشطة رواده تشغل الكتّاب والمؤرخين لإعادة قراءة فترة ذهبية عاشتها العاصمة اللبنانية، احتضنت خلالها أسماء ستصبح فيما بعد نجوماً في عالم الأدب والسياسة والفكر.

«مقهى فيصل» أو «مطعم الثوار» كما أسماه سمير صنبر، جاءت أهميته في البدء من موقعه، مقابل البوابة الرئيسية للجامعة الأميركية في بيروت، وتدريجياً، رغم وجود العديد من المقاهي المجاورة، أصبح امتداداً للحركات الفكرية والسياسية التي كانت تدور في أروقته بين الأساتذة والطلاب. أما لماذا كان هذا المقهى تحديداً هو الأوفر حظاً، والأحب إلى قلوب النخبة اللبنانية، والعربية التي تتلمذت في بيروت، أو مرت بها؟ فهذا ما يكشف عنه الكتاب، الذي يصدر في بيروت، بعد أيام. عوامل عديدة، إضافة للموقع الجغرافي، كانت وراء هذا النجاح، الذي سكن الذاكرة الجمعية. هناك شخصية صاحب المقهى توفيق، وبعده ابنه فريد؛ إذ تميّزا بالعمل الدؤوب والكرم والحنان المرافقَين للصرامة في التعاطي مع الطلّاب، ثم هناك النوادل الذين يُروى عن حسن تعاملهم الكثير، وكذلك طيب المأكولات، وخصب المناخ، وسعة الصدر.

يقول الزميل سمير عطا الله في مقدمته للكتاب عن «مقهى فيصل»: «أصبح شيئاً يتمنى الكثيرون الانتساب إليه كأنهُ نادٍ صحافيٍّ مغلق، أو كأنهُ جمعية أهل القلم، أو أنه ملتقى الأفكار والتيارات السياسية التي إما يحملها العرب من بيروت إلى أوطانهم، أو من أوطانهم إلى بيروت، حيث انفتاح المنابر وسماع الأفكار». في «مقهى فيصل»، كانت تُكتب لعقود البيانات السياسية، وتنطلق المظاهرات الاحتجاجية، وتُدبّج القصائد، وتُصحح المسرحيات، وتكتمل المخطوطات الأولى للكتب، وتُحفظ الأناشيد وتُصاغ الشعارات.

مؤسس المطعم/ المقهى توفيق سعاده، أتى من قرية عين عنوب، لقب عائلته فيصل، ومن هنا جاء اسم المكان. كان رجلاً رؤيويّاً. اختار موقعاً ممتازاً لمشروعه، مقابل المدخل الرئيسي لجامعة النخبة العربية.

ليبرالية بيروت

«الجامعة الأميركية» في بيروت، تميزت منذ نشأتها عام 1866 بجوها الليبرالي ومعاركها الفكريّة والسياسيّة. واحدة من أوائل حركاتها الشهيرة، احتجاج الطلّاب عام 1882 بسبب خلاف حول الداروينية بين أساتذة أميركيّين مُحافظين وآخرين متحرّرين، وهو ما تسبب باندلاع حركة طُلّابية امتدّت وتوسعت، وذلك عندما ثار طُلّاب كليّة الطبّ، من بينهم جورجي زيدان ويعقوب صروف وفارس نمر، وتركوا الكليّة.

هذه الأجواء التي عُرفت بها الجامعة الأميركية صارت تنتقل إلى «مقهى فيصل» الذي يُعتقد أنه تأسس عام 1919، أو على أبعد تقدير عام 1920، وبقي جزءاً من الحياة الفكرية حتى أغلق أبوابه تحت وطأة الحرب الأهلية اللبنانية، في اليوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985.

البعض يرى أنه يمكن التأريخ لبيروت من خلال مرآة «مقهى فيصل». فقد تزامن افتتاحه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وقيام لبنان الكبير، وتغيير اسم الجامِعة من «الكلية السورية الإنجيلية» إلى «الجامِعة الأميركيّة». في تلك الفترة وفد عدد كبير من الطلاب العرب من سوريا وفلسطين والعراق والأردن إلى بيروت، وبشكل خاص للالتحاق بالجامِعة الأميركيّة. كانوا في غالبيتهم شديدي الحماسة للثورة العربيّة، ومن عائلات ميسورة: العظم، والبرازي، والدالاتي، وحرب، ومن آل الشوا من غزة.

فوران الحياة الطلابية

أثر غليان الأحداث السياسية على الجامِعة وطُلّابها. يقول أنيس فريحة في كتابه «قبل أن أنسى» عن ذكرياته في تلك المرحلة: «شارل مالك كان شاباً ذكيّاً من الكورة، وكوستي (قسطنطين) زريق كان في الـ(هاي سكول)، وفؤاد صروف كان غادر للتو إلى القاهرة للالتحاق بمطبوعات عمّه».

فترة الثلاثينات تميزت بنشاطها الاجتماعي والسياسي، حيث ظهرت حركات قوميّة أبرزها «جمعية القوميّة العربيّة» السريّة، وعند «فيصل» كان بمقدور أعضائها مناقشة موضوعاتهم الحساسة. كتب يوسف الصايغ في مذكراته: «كنا نتجادل حول القوميّة العربيّة مقابل القوميّة السوريّة. وكلما جفّت حناجرُنا من النقاش، ذهبنا لتناول القهوة في (مطعم فيصل) الذي كان مؤسسة، وصاحبه ذو شخصية فريدة، ومحلّه بمثابة صالون سياسي. كان فؤاد مفرّج يذهب إلى هناك، ومحمد شقير، ومحمود صائب، وكان مُنح الصلح يذهب إليه، ولكن في وقت لاحق. كان أساساً مُلتقى القوميّين العرب، ولكن نحن أيضاً كنا نذهب إليه لنُجادلهم».

في هذا المطعم نَـظَـم سعيد عقل بعض أشعاره، منها نشيد «العروة الوثقى»، وقصيدته الغرامية التي يتغزّل فيها بإحدى الطالبات الجميلات، وكانت محط إعجاب الجميع، ومطلعها:

سمراء يا حلم الطفولة وتمنع الشفه البخيلة

لا تقربي مني وظلي فكرة لغدي جميلة

وكان لتقسيم فلسطين تأثيره الكبير على الطلّاب. بدّل هذا الحدث الجلل في حياتهم ونشاطاتهم، خصوصاً عند الطالب جورج حبش الذي دخل كليّة الطبّ، ويروي أن مطعم ومقهى فيصل كان ملتقى الطلّاب، وأصبح علامة بارزة في الحياة الجامعيّة، وبقي شهيراً ومعروفاً حتى سنوات الحرب اللبنانيّة. ويضيف: «كم أسفتُ لإغلاقه فيما بعد بسبب ظروف الحرب... كان أحد المراكز التي يدور فيها نقاشٌ حول مفاهيم البعث والناصريّة وحركة القوميّين العرب، ومُختلف الموضوعات الحيوية التي تواجه الأُمّة العربيّة».

الستينات والقومية

بقي «مقهى فيصل» في الستينات من القرن المنصرم «من المعاقِل الأساسيّة للحركة القوميّة، سواء حزب (البعث)، أو حركة القوميّين العرب، أو الأحزاب اللبنانيّة الخالصة، كحزب (الكتائب) وحزب (النجّادة)... وكان مكان التجمّع الأساسي لقادة هذا الحِزب، لا سيما في السنوات الأخيرة للوحدة، بعد تفاقُم الخلافات بين عبد الناصر وحزب (البعث العربي الاشتراكي) وانسحاب وزراء الحزب من حكومة الوحدة».

استمرّت التحركات الطلّابية ناشطة أواخر الستينات وحتى منتصف السبعينات. واستمر رؤساء مجالس الطلبة يجتمعون في «فيصل»، يكتبون بعضاً من بياناتهم هناك ويخطّطون لتوزيعها، حتى قيل إنّ «مقهى فيصل» كان أحد رموز الجامِعة الأميركيّة. ونُسب يومئذ إلى الزعيم الفلسطيني كمال ناصر قوله إنه «لا لزوم لدائرة علوم سياسيّة في الجامِعة الأميركية، ما دام (مقهى فيصل) يقوم، بالنيابة عنها، بهذه المُهمّة المُستحيلة».

في «فيصل» كُتبت الأناشيد الثورية، وعلى بابه تجمع الطلّاب للمشاركة في الاحتجاجات في الخمسينات والستينات والسبعينات. وعلى طاولاته أَعدّ ما عُرف بـ«جماعة» «مطعم فيصل» (بشارة مرهج، وماهر المصري...)، ورؤساء المجالس الطلّابية، المنشورات والبيانات الإذاعيّة المستخدمة في تحركاتهم واحتجاجاتهم ومخطّطاتهم. وقد احتُسب على الناشطين في الحركات القوميّة العربيّة، فارتاده القوميون العرب والبعثيون، بشكل كبير.

كان المفكر مُنح الصلح من أبرز روّاد «مطعم فيصل»، جعل منه مقرّه اليومي، تتحلّق حوله شخصيّات سياسيّة وفكريّة للتداول في شؤون البلد والأُمّة.

شخصيات مؤثرة

أكثر من مرة كتب المؤرخ نقولا زيادة، عن هذا المكان، وكان هو نفسه من روّاده لكونه أحد الأساتذة المبرزين في الجامعة الأميركية، وعن أمنيته بأن يبادر أحدهم إلى كتابة تاريخ «مطعم فيصل»، عادّاً أن «من لا يتعرّف إلى (مطعم فيصل) لا يستحقّ أن يكون أستاذاً في الجامِعة».

أما خليل جحا فيروي: «كنّا نلتقي الأديب الكبير أمين نخلة، والشاعر الفلسطيني كمال ناصر الذي عندما سألته عن عنوانه في بيروت أجاب: (مطعم فيصل)، بالإضافة إلى الشاعر العراقي رزوق فرج رزوق الذي كان يُعدّ أطروحة ماجستير عن الشاعر اللبناني الكبير الياس أبو شبكة. وخليل حاوي الذي كان قد تخلى عن نظم الزجل وبدأ ينظم شعر التفعيلة، و(البيك) مُنح الصلح».

على مدى سنين طويلة من عمر «مطعم فيصل» ارتادته شخصيّات مؤثرة في تاريخ لبنان والبلدان العربيّة، مثل سعيد عقل، وبدر شاكر السياب، وغادة السمان، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وإبراهيم طوقان، وشخصيات سياسية وفكرية.

توثيق وشهادات

يعتمد هذا الكتاب التوثيقي الجديد على جمع معلومات وذكريات منشورة في كتب ومقالات عن «مقهى فيصل»، ويضعها في سياق الأحداث الاجتماعية والسياسيّة في تلك الفترة المؤثرة في الجسم الطلّابي الجامعي، كما أنه يحاول رسم صورة استعادية حية للمكان، من خلال مُقابلات أُجريت مع شخصيّات عرفت تلك الحقبة وعاشتها.

يمكن تشبيه دور «مقهى فيصل» بدءاً من خمسينات القرن الماضي حتى إغلاقه، بما كانت تمثله مقاهٍ مثل «كافيه دي فلور» أو «دو ماغو» لجان بول سارتر أو سيمون دي بوفوار في باريس، بما كان له من بعد ثقافي، ومن هالة أضفاها على «شارع بليس» البيروتي الذي يوجد فيه، حتى شبّهه الكاتب المصري أحمد بهاء الدين، بـ«الحيّ اللاتيني» في فرنسا، لكن كل هذا قد انطفأ بسبب الحروب والصراعات والظروف القاهرة التي مرّت بها بيروت من جهة، ولأن طبيعة دور المقاهي أصابها خلل كبير، وتبدّل شديد؛ فقد غزت مطاعم ومقاهي «الفاست فود» شارع «بليس» كله، وتغيرت وظائف الأمكنة بتبدل العقليات والاحتياجات والقناعات. يبقى أن هذا الكتاب ضرورة جميلة، غير أنه يحتاج بعض التشذيب لتخليصه من المعلومات المكرورة، والزيادات التي لا حاجة للقارئ بها كي يبدو أكثر جاذبية ومتعة.


مقالات ذات صلة

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

يوميات الشرق «قيمة عاطفية»... الفنّ لغة متأخّرة لما عجزت العائلة عن قوله (متروبوليس)

يواكيم تريير في بيروت... سينما التجربة البشرية في حالتها غير المُكتملة

أتاحت مشاهدة أفلام المخرج النرويجي يواكيم تريير في بيروت تلامساً مباشراً مع رؤية سينمائية تلمح في الإنسان كائناً غير مكتمل، يتشكّل عبر التردُّد والخسارة بقدر…

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق فتيات يحملن لوحات هبة الخطيب أمام الجمهور (ريبيرث بيروت)

«كما نحن موجودون»... حين تمشي اللوحة بدلاً من أن تُعلَّق

على طريقة عروض الأزياء، سارت مجموعة من الفتيات يحملن لوحات هبة الخطيب بدر الدين، أمام جمهور يجلس على مقاعده...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق «أسافر وحدي ملكاً» من تأليف أسامة الرحباني وإخراجه (الشرق الأوسط)

«أسافر وحدي ملكاً»... عندما تُعانق الأحلام نجوم السماء

على مدى نحو 90 دقيقة، انسحب صوت هبة طوجي بسلاسة مهيبة عبر مجموعة من الأغنيات القصيرة...

فيفيان حداد (بيروت)

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.