إدغار آلان بو... الكتابة على حافة الجنون!

كان تأثيره كبيراً على الأدبَين الفرنسي والروسي... بالإضافة إلى الأميركي والإنجليزي

ادخار ألان بو
ادخار ألان بو
TT

إدغار آلان بو... الكتابة على حافة الجنون!

ادخار ألان بو
ادخار ألان بو

كان إدغار آلان بو واحداً من أعظم الكُتّاب الأميركيين في القرن التاسع عشر وربما في العصور كلها. فهو المشهور بكتابة القصة القصيرة الخارقة. وهو أول مَن دشّن كتابة الرواية البوليسية، رواية الرعب والتشويق والإثارة، في الآداب الأميركية والعالمية. وهو شاعر فذ لا يشق له غبار. وهو ناقد أدبي من أعلى طراز. وهو منظر للشعر والنثر. فمَن هو هذا الشخص النكرة التعيس الذي تحوّل إلى أسطورة لاحقاً؟

وُلد إدغار آلان بو عام 1809 في مدينة بوسطن، ومات عام 1849 في مدينة بالتيمور عن عمر لا يتجاوز الأربعين إلا قليلاً. ومع ذلك فقد ملأ الدنيا وشغل الناس. ومعلوم أن الشاعر الفرنسي الشهير بودلير كان يعدّه من أعظم الكُتّاب ولا يحلف إلا باسمه، وقد أمضى عمره في ترجمة أعماله إلى اللغة الفرنسية. ولا تزال ترجمته مستخدمة ومعتمدة حتى الآن. وهي من أرقى وأعظم الترجمات الأدبية. شاعر عبقري يترجم شاعراً عبقرياً آخر! كان بودلير يستغرب ويستهجن، بل ويستنكر؛ لأن جل المثقفين الفرنسيين لا يعرفونه أو لم يسمعوا به. كان عندما يدخل المقهى يسأل أحدهم: ما رأيك بإدغار آلان بو؟ فيجيبه الآخر: مَن هو هذا الشخص؟ بحياتي لم أسمع به. فيستشيط غضباً ويكاد يهدده أو حتى يضربه بالعصا بسبب ذلك.

هذا، وقد فقد إدغار الآن بو أمه وأباه بعد سنة أو سنتين من ولادته. وبالتالي فهو يتيم الأم والأب ولا يتذكر شيئاً عن عائلته. وهو من هذه الناحية يشبه جان جنيه الذي أمضى حياته كلها في البحث عن أمه الخادمة البسيطة التي ما إن وضعته في أحد المستشفيات حتى اختفت في لجة الحياة. قصة أسطورية من أروع ما يكون. تصوروا لو أنه رأى أمه ولو مرة واحدة فقط! حتى قبل موته بخمس دقائق كان ينتظرها. أما والده فلم يبحث عنه لحظة واحدة ولا يهمه أمره لا من قريب ولا من بعيد. ولكن هذه مسألة أخرى. فلنعد إلى صاحبنا. لقد تبنته عائلة أميركية غنية، وعطفت عليه والتقطته من الشارع تقريباً. وقد درس في أحسن المدارس الأميركية، وابتدأ يهتم بالأدب منذ نعومة أظفاره كما يقال. ولكن والده بالتبني ابتدأ ينزعج منه بسبب شخصيته الفخورة والقوية. يضاف إلى ذلك أنه كان يريد أن يصنع منه تاجراً، أما هو فلم يكن يفكر إلا بالشعر والأدب. وعلى هذا النحو ابتدأت الخلافات بينهما.

قال له في عز الشجار: والله لن أتخلى عن مهنة الأدب حتى ولو منحوني كل ذهب كاليفورنيا! لن أتخلى عن أنبل وأشرف مهنة في العالم. ما علاقة البيزنس والأدب! فرق بين السماء والأرض. كانت العرب تقول: أدركته حرفة الأدب: أي انتهى وأصبح فقيراً جائعاً. وهل الأدب يطعم خبزاً؟ ما هذه السخافة؟ أين هو أبو حيان التوحيدي الذي مزّق كتبه في آخر حياته لأنه مات جائعاً؟ واحد من أعظم كتاب النثر العربي على مرّ العصور لا يجد لقمة خبز. عالَم مختل. عالَم مجنون. متى سيخرج العالَم من الظلمات إلى النور؟ وفي هذه اللحظات بالذات يكاد يجن جنون العالم. لكن لنعد إلى صاحبنا المنحوس. لقد ابتُلي بالمصائب والويلات منذ نعومة أظفاره. فأخوه الشقيق مات وأخته المقعدة كذلك. وكل مَن حوله يتساقط وينهار... والفقر والجوع... وفي الوقت ذاته رفضته خطيبته بعد أن أقنعها والدها بالزواج من رجل غني لا من متسكع فقير لا مستقبل له. قال لها ما معناه: «والله أنتِ مجنونة! مَن يتزوج شاعراً؟ وما معنى الشعر؟ ما معنى كل هذه السخافات والخربشات والتفاهات؟». وهكذا انسدت الأبواب في وجهه وابتدأت المصائب تنهال على رأس كاتبنا الكبير المقبل من كل حدب وصوب. وهي التي ستجعل منه أكبر كاتب في عصره. شكراً للمصائب والفواجع! أكاد أقول شكراً للكوارث والنكبات! فلولاها لما كانت هناك كتابات عبقرية ولا من يحزنون. وهذا الشيء ينطبق على الشعوب أيضاً وليس فقط على الأفراد. فالشعوب التي تعذبت وعانت أكثر من سواها تتحول إلى جبابرة، وهي التي تصنع التاريخ وتقود العالم لاحقاً. وعلى غرار «عظة الجبل» الشهيرة للسيد المسيح يمكن أن نقول: «طوبى للمظلومين المفجوعين المتناثرين أشلاء فإن لهم ملكوت السماوات».

في عام 1827 نشر أولى مجموعاته الشعرية وهو في الثامنة عشرة فقط. ولكن لم يُطبع منها إلا خمسون نسخة. ولم ينشرها باسمه الشخصي وإنما باسم مجهول هو: «شخص من بوسطن». ولم يهتم بها أحد. وهذا ما يحصل لعباقرة عديدين في الواقع. ففي البداية نادراً أن تعرف الناس قيمتهم. إنهم يجيئون قبل الأوان. بعد أن يموتوا نحتفل بهم ونقيم لهم المهرجانات وننصب لهم التماثيل. بل ونشتري لوحاتهم بمئات الملايين من الدولارات كما حصل لذلك المجنون الكبير الآخر: فينسنت فان غوخ! هل تعلمون أن هذه المجموعة الشعرية الأولى لإدغار آلان بو بيعت أخيراً في نيويورك بمبلغ 662500 دولار. فما بالك بقصيدة «الغراب» الأشهر بما لا يقاس؟ ما بالك بالنصوص الأخرى العبقرية؟ لو أنها أُعطيت له في حياته لما عاش على حافة الفقر المدقع طيلة حياته كلها.

لقد أصبح إدغار آلان بو رمزاً للشاعر الملعون أو المنحوس أو المنبوذ، سمه ما شئت... ولهذا السبب كان يعجب بودلير كثيراً لأنه رأى نفسه فيه. ومعلوم أن بودلير كان من أكبر الهامشيين المتسكعين في شوارع باريس. وعن تلك التسكعات اللانهائية نتجت أعظم قصائد الشعر الفرنسي. هو أيضاً كان يعيش على حافة الهاوية.

أصبح إدغار آلان بو رمزاً للشاعر الملعون أو المنحوس أو المنبوذ سمه ما شئت... ولهذا السبب كان يعجب بودلير كثيراً لأنه رأى نفسه فيه

ثم ألقى إدغار آلان بو محاضرة مهمة جداً عن «مبدأ الشعر» أو عن «الفن الشعري». كان ذلك أمام جمهور ضخم يصل إلى ألفي شخص! وعندئذٍ تألقت عبقريته وتوهجت. وفيها يلخص نظريته العامة عن الشعر. ومعلوم أنه كان، ككل شاعر كبير، ناقداً كبيراً أيضاً، أي فيلسوفاً (فلسفة الشعر، جوهر الشعر!). انظروا بودلير أو ريلكه أو رامبو أو رينيه شار... إلخ. كان يقول ما معناه: الوعظ الأخلاقي شيء والإبداع الشعري شيء آخر مختلف تماماً. وهذا ما قاله الأصمعي عندنا قبله بمئات السنين: «الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في باب الخير فسد». عبارة قاطعة مانعة لا تناقش ولا ترد. العرب هم أصل النقد الأدبي والعبقرية الشعرية والفكرية. ثم كان شاعر الأميركان الأكبر يقول هذا الكلام المهم: الكون كله عبارة عن قصيدة إلهية متقنة الصنع والجمال. ولكن بما أن الإنسان أعمى عن رؤية بديع خلق الله فإن الشاعر، بحدسه النفاذ وخياله الخلاق، هو المسؤول عن تعريف البشرية بجمال هذه القصيدة الكونية.

من أكثر الأشياء التي تدل على عظمة إدغار آلان بو هو أنه حزن حزناً شديداً على وفاة زوجته «فرجينيا» التي ذهبت في الرابعة والعشرين من عمرها فقط. لقد قبضوا عليه أكثر من مرة وهو جالس إلى جانب قبرها بعد منتصف الليل. لم يكن هناك شيء يعزيه عن رحيلها. كان يتساءل: هل سيلقاها في العالم الآخر يا ترى؟ هل هناك حياة أخرى بعد الموت؟ كتب إلى عمته قائلاً: لا أستطيع أن أتحمل الحزن عليها. هذا فوق طاقتي. لا أريد أن أعيش ساعة واحدة بعدها. قد تقولون: وما الغرابة في ذلك؟ شخص يتفجع على زوجته... وأجيبهم: أعرف أشخاصاً فرحوا فرحاً شديدا (في عبهم طبعاً!) عندما ماتت زوجاتهم لكي يعرسوا بسرعة البرق فيما بعدها.

أخيراً، لقد كان تأثير إدغار آلان بو على الآداب العالمية كبيراً، خصوصاً على الأدبَين الفرنسي والروسي، هذا ناهيك عن الأميركي والإنجليزي. ويعترف بودلير ومالارميه بتأثيره عليهما، وكذلك يعترف دوستويفسكي وآخرون كثيرون. ويبدو أنه كان يكتب على حافة الهاوية، على حافة الجنون. وهل هناك فرق بين العبقرية والجنون؟ أليس العالم كله مجنوناً؟ مَن يستطيع أن يكتب الآن نصاً خارقاً يستطيع أن يرتفع إلى مستوى جنون العالم؟!


مقالات ذات صلة

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

ثقافة وفنون رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932،

فاروق يوسف
ثقافة وفنون غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.